وقد روي عن الحسن مسندًا خلاف هذا القول (١).
وقيل: يباح التيمم للمريض بالجملة، واختلفوا في المريض الذي يباح له التيمم:
فقيل: يباح لكل مريض يجد أن في استعمال الماء حرجًا ومشقة، حتى ولو كان استعمال الماء لا يزيد في علته، ولا يؤخر البرء. وهذا منسوب إلى أهل الظاهر (٢).
وقيل: يباح التيمم إذا كان استعمال الماء يزيد في المرض أو يتسبب في تأخير البرء، وهو مذهب الجمهور (٣)، وأحد القولين في مذهب الشافعي (٤).
وقيل: لا يباح التيمم إلا إذا كان يخشى التلف لنفسه، أو عضوه من استعمال الماء، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس، أو العضو، أو فوات منفعة العضو، حكي هذا القول عن مالك (٥)، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧).
стр. 2382
وألحق المالكية والحنابلة بالمريض الصحيح إذا خشي نزلة أو حمى (١).
هذا ملخص الأقوال في المريض، رجعت إلى أربعة أقوال:
الأول: لا يتيمم المريض مع وجود الماء، ولا يصح التيمم إلا مع فقد الماء، وهذا سبق ذكر دليله والرد عليه.
الثاني: يتيمم المريض إذا كان في استعمال الماء حرج ومشقة، ولو لم يكن في استعمال الماء زيادة في المرض، أو تأخير للبرء.
الثالث: يتيمم إذا خاف زيادة المرض، أو تأخير البرء.
الرابع: لا يتيمم إلا أن يخاف التلف لنفسه، أو عضوه، أو فوات منفعة عضو من أعضائه.
• دليل من قال: يكفي للتيمم وجود الحرج والمشقة، ولا يشترط الضرر:
استدل بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) [المائدة: ٦]، فذكر الأعذار المبيحة للتيمم، ثم قال: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: ٦].
فقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) فوجود فكل حرج ومشقة فالمقصد الشرعي من مشروعية التيمم للمريض ما ذكره الله بقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) فحرج: نكرة، في سياق النفي، فتعم نفي أي حرج ومشقة، فكل حرج ومشقة زائدًا عن المشقة المعتادة التي لا تنفك عن العبادة مع قيام المرض يبح له التيمم، ولم يوجد في الآية نص على اشتراط زيادة المرض باستعمال الماء، أو تأخير البرء، فهذان الشرطان زيادة على ما في الآية الكريمة،
стр. 2383
وإذا كنتم تشترطون الضرر باستعمال الماء، فإن وجود الحرج والمشقة نوع من الضرر المعتبر شرعًا، وإذا كنا نبيح للمريض الفطر إذا شق عليه الصيام بسبب المرض، ولا نشترط أن يكون الصيام سببًا في زيادة المرض أو تأخير العافية، فكذلك في التيمم.
• وقد يُجاب عن ذلك:
بأن الحرج والمشقة لا ضابط لهما، وأن الناس يتفاوتون في هذا، فمنهم من يرى أن مس الماء البارد في ليالي الشتاء الباردة فيه حرج ومشقة حتى ولو لم يكن مريضًا، ومنهم من لا يشعر بالمشقة الكبيرة خاصة إذا كان ذلك على سبيل القربة، فلا بد من ضابط يمكن طرده لجميع الناس، فلا يصح التيمم إلا مع خوف الضرر من استعمال الماء، أو زيادة المرض.
• ويرد على ذلك:
بأن الناس كما هم متفاوتون في اعتبار الحرج والمشقة متفاوتون أيضًا في تقدير الضرر، والناس مؤتمنون على مثل ذلك، والخطأ في ذلك مغفور إذا عمل الإنسان بغلبة ظنه.
• دليل من قال: يتيمم المريض إذا خاف زيادة المرض أو تأخر البرء:
يجب على الإنسان أن يحفظ بدنه من كل شيء يضره، وإذا أخبر طبيب حاذق بأن أكل المباح يلحق به ضرر في بدنه حرم عليه أكله، فكذلك الواجبات تسقط عن الإنسان إذا كان يترتب على القيام بها ضرر في بدنه أو في ماله، وزيادة المرض أو تأخير البرء لا شك أنه ضرر يلحق بالإنسان، فيجب عليه دفعه، وقد قال : (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى) فأباح التيمم للمريض، ومعلوم أن المرض الذي لا يتأثر من استعمال الماء كالصداع ووجع الضرس هو والصحيح سواء في استعمال الماء، وبالتالي لا يباح له التيمم، كما أن اشتراط خوف التلف لم يذكر في الآية.
وإذا كان خوف التلف يبيح التيمم فكذلك خوف المرض؛ لأن المرض محذور
стр. 2384
كما أن التلف محذور،
وإذا كان كثير من الفقهاء يقولون: إذا زاد الماء على قدر قيمته لم يلزمه شراؤه صيانة للمال، في الوقت الذي يلزمونه بالتيمم ولو كان ذلك سببًا في زيادة المرض وتأخير البرء، أليس حفظ البدن أولى من حفظ المال؟ (١).
• دليل من قال: يشترط خوف التلف:
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥].
وقال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) [النساء: ٢٩].
الدليل الثاني:
(٩٥٨ - ٣٥) من السنة ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن ابن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) [النساء: ٢٩]، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا.
[ضعيف] (٢).
стр. 2385
الدليل الثاني:
(٩٥٩ - ٣٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،
عن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ـ شك موسى ـ على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (١).
[ضعيف، وزيادة (ويعصر أو يعصب) ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن الرسول ﷺ ، أنكر على عمرو بن العاص ﵁ أن يصلي بأصحابه، وهو جنب، وحين ذكر له أنه خشي على نفسه الهلكة أقره ﵊، ومثله إنكاره ترك التيمم في الحال الذي يخشى على نفسه من الهلكة، فلا يتيمم الإنسان إلا في مثل هذه الحالة.
• ويُجاب:
نحن لا ننكر أنه إذا خاف على نفسه الهلكة أنه يشرع له التيمم، ولكن أين الدليل على أنه لا يشرع التيمم إلا في مثل هذه الحالة، وكما سبق وذكرنا إذا كان خوف التلف محذورًا، فكذلك خوف المرض وطول مدته محذور أيضًا، وليس في كتاب الله إلا اشتراط المرض.
стр. 2386
الدليل الثاني:
فرض الوضوء متيقن، وزيادة المرض أو تأخير البرء غير متحققة، فلا يجوز ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك فيه.
• ويُجاب عن ذلك:
بأن مثل هذا القول قد يقال حتى في حال خوف التلف، فيقال: فرض الوضوء متيقن، وخوف التلف مشكوك فيه، ولا يترك اليقين للشك.
• الراجح من الخلاف:
الذي أميل إليه هو ما اختاره ابن حزم، وأن المريض إذا كان يلحقه مشقة وحرج باستعمال الماء فإنه يشرع له التيمم ولو لم يترتب على استعمال الماء زيادة في مرضه أو في طول مدته، كما يقال للمريض الصائم إذا كان يشق عليه الصيام فله الفطر، ولا فرق، وهذا هو ما يحقق المقصود الشرعي من مشروعية التيمم، وهو نفي الحرج (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: ٦].
والمشاق في العبادة على قسمين:
الأول: مشقة لا تنفك عن العبادة، كالوضوء، والغسل في البرد، والصوم في نهار الصيف، والمخاطرة بالنفس بالجهاد، فمثل هذا لا يوجب تخفيفًا في العبادة؛ لأنها قررت معه.
الثاني: تنفك عن العبادة، وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: نوع في المرتبة العليا، كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع، فهذا يوجب التخفيف؛ لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة، فلو حصلنا هذه العبادة طلبًا لثوابها لذهب أمثالها.
ونوع في المرتبة الدنيا: كأذى وجع في أصبع، فتحصيل هذه العبادة أولى من درء
стр. 2387
هذه المشقة، لشرف العبادة وخسة هذه المشقة.
النوع الثالث: مشقة بين هذين النوعين، فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجب، وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين له (١)، فإذا وجدت مشقة في تحصيل القيام في الصلاة، وكان إدراك القيام سببًا في التأثير على الخشوع سقط القيام، وإن كان يمكنه أن يفعل، ولكن مع المشقة العظيمة، وإذا كان يشق على المريض الصيام بسبب المرض، ويجد من ذلك حرجًا ومشقة أبيح له الفطر، ولو كان يمكنه أن يقوم بالصيام ولكن مع المشقة الكبيرة، وهكذا نقول في التيمم، إذا كان يلحقه باستعمال الماء مشقة كبيرة، أبيح له التيمم بصرف النظر هل التيمم يزيد في مرضه أو يؤخر في برئه، والله أعلم.
فإن قيل: ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها؟
ذكر القرافي في الذخيرة ما معناه: إذا سألنا الفقهاء عن ذلك، قالوا: يرجع إلى العرف، فيحيلون على غيرهم، ويقولون: لا نحد ذلك، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام، والعوام لا يصح تقليدهم في الدين.
جوابه: هذا السؤال له وقع عند المحققين، وإن كان سهلًا في بادي الرأي، ونحن نقول: ما لم يرد الشرع بتحديده يتعين تقريبه بقواعد الشرع؛ لأن التقريب خير من التعطيل لما اعتبره الشرع، فنقول: على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى، جعله مسقطًا، وإن كان أدنى لم يجعله، مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بحديث كعب بن عجرة، فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح، وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص، فيعتبر به غيره من المشاق، والعبادات مشتملة على مصالح المعاد، فلا يليق تفويتها بمسمى المشقة، ولذلك
стр. 2388
قال رسول الله ﷺ : أجرك على قدر نصبك، فيحرص العبد على العبادة مع المشقة المحتملة، وإذا كانت المشقة كبيرة غير محتملة إلا بجهد ونصب؛ فإنه حينئذ له أن يترخص برخص الله ، وإذا ترك العمل لعذر كتب له ما كان يعمل صحيحًا كما جاء في الحديث الصحيح، والله أعلم.
* * *
стр. 2389
المبحث الثاني في تيمم الصحيح إذا كان محتاجًا للماء لشرب ونحوه
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل من خاف على نفسه عطشًا، أو تلفًا أو مرضًا من استعمال الماء، فالتيمم مباح له، ولو مع وجود الماء؛ لأن العجز الشرعي كالعجز الحسي.
• المآل معتبر كالحال، فيجوز لمن معه ماء يحتاج إلى شربه في المآل أن يتيمم تنزيلًا للضرر المتوقع منزلة الواقع.
• حفظ النفس واجب ما أمكن.
• الرخص تبنى على الاحتياط.
[م-٤٠٨] الرجل إذا كان معه ماء، ويحتاج إليه لشرب ونحوه، كأن يخاف على نفسه العطش، أو يخاف على رفيقه، أو على ذي حياة محترم من ذمي، أو مستأمن، أو دابة، فإنه يجب عليه التيمم، ويحرم عليه الوضوء.
стр. 2390
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة (١)،
والثوري (٢)، وإسحاق (٣)، وحكى ابن المنذر الإجماع على هذا.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش، ومعه مقدار ما يتطهر به من الماء، أنه يبقي ماءه للشرب، ويتيمم» (٤).
ومستند هذا الإجماع قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩].
وقياسًا على المريض، بجامع أن كلًا منهما خائف على نفسه.
وقال النووي: «وأما إذا كان الحيوان غير محترم، كالحربي، والمرتد، والخنزير، والكلب، وسائر الفواسق الخمس المذكورة في الحديث، وما في معناها فلا يجوز صرف الماء إلى سقيها بالاتفاق، بل يجب الوضوء به، فإن سقاها وتيمم أثم» (٥).
فإن كانت المسألة بالاتفاق كما قال النووي فالحجة ما حكاه من قيام الاتفاق، وإن لم يكن هناك اتفاق ففي كلام النووي نظر،
(٩٦٠ - ٣٧) فقد روى البخاري من طريق أبي صالح،
стр. 2391
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا، فشرب منها، ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا. قال: في كل كبد رطبة أجر. ورواه مسلم أيضًا (١).
فعموم: (في كل كبد رطبة أجر) يشمل كل ما استثناه النووي رحمه الله تعالى.
(٩٦١ - ٣٨) وروى البخاري من طريق عوف، عن الحسن وابن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنَزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك. ورواه مسلم بنحوه (٢).
وكون المرتد يجب قتله من قبل الحاكم هذا لا يوجب أبدًا تركه يتعذب ويموت عطشًا، وربما رجع عن ردته قبل قتله، نعم في الحربي إذا خاف منه على نفسه أو على المسلمين إذا سقاه أن يتقوى على ذلك لا يجوز سقيه، دفعًا لضرره، وليس عقوبة له، وإن تمكن من قتله فهو أولى من تركه يموت عطشًا، وإن لم يخش على نفسه، ولا على المسلمين منه، وكان من بلد يتولى القتال فيها الجند، ولم يكن منهم لم يتركه يموت عطشًا، والله أعلم.
وذهب بعض المالكية بأن الكلب غير المأذون فيه والخنزير إن قدر على قتلهما وإلا ترك الماء لهما، ولا يعذبان بالعطش (٣). وهذا أقوى من كلام النووي رحمة الله
стр. 2392
عليهما جميعًا.
والمالكية يقسمون الخوف من العطش تقسيمًا جيدًا، فيذكرون أن خوف العطش: تارة يخاف منه، ولم يتلبس به، وتارة يكون متلبسًا به،
فإن خاف العطش سواء كان الخوف متيقنًا أو غلب على ظنه العطش، وخاف هلاكًا، أو أذى شديدًا، فإنه يجب عليه التيمم، ويحبس الماء لدفع العطش.
وإن غلب على ظنه أنه يلحقه أذى، وإن لم يكن شديدًا، فإنه يجوز له التيمم، ولا يجب عليه.
وإن شك في ذلك فلا يتيمم، ومن باب أولى إن توهم ذلك.
وإن كان متلبسًا بالعطش بالفعل، وخاف الضرر عليه فإنه يتيمم مطلقًا، تحقق الضرر أو ظنه أو شك فيه أو توهمه؛ لأن التلبس بالعطش مظنة الضرر (١).
ويلحق بالخوف على نفسه من العطش، الخوف على نفسه من اللصوص، أو السباع إذا خرج إلى الماء، كما أنه لا فرق بين الخوف على نفسه، أو الخوف على غيره من رفيق ودابة ونحوهما.
قيل للإمام أحمد كما في مسائل ابن هانئ: «الرجل معه إداوة من ماء لوضوئه، فيرى قومًا عطاشًا، أحب إليك أن يسقيهم، ويتيمم، أو يتوضأ؟
قال: يسقيهم، ثم ذكر عدة من أصحاب النبي ﷺ أنهم تيمموا، وحبسوا الماء لسقياهم» (٢).
ونقل هذا ابن قدامة في المغني، وعارضه بقول أبي بكر والقاضي حيث قالا: لا يلزمه بذله؛ لأنه محتاج إليه.
فتعقبه ابن قدامة بقوله: «إن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، بدليل ما لو رأى
стр. 2393
حريقًا أو غريقًا في الصلاة عند ضيق وقتها لزمه ترك الصلاة، والخروج لإنقاذه، فلأن يقدمها على الطهارة بالماء أولى» (١).
وجاء في مسائل أبي داود: «قلت لأحمد: المرأة تكون في القرية، والماء عنده مجتمع الفساق، فتخاف أن تخرج، أتتيمم؟ قال: لا أدري» (٢).
ولعل الإمام أحمد رأى أن هذا الأمر قد يكون من المرأة من قبيل توهم الخوف الذي لا حقيقة له، وإلا فإن المرأة إذا خافت على عرضها حرم عليها الخروج؛ لأن المحافظة على العرض أولى من تحصيل الطهارة بالماء، وإذا كان يشرع له التيمم إذا خاف على ماله من اللصوص، فلأن يشرع له التيمم إذا خاف على عرضه من باب أولى فأولى.
كما جاء في مسائل أحمد ﵀: «قلت لأحمد: الذي يخاف أن يأتي الماء أيتيمم؟ قال: مم يخاف؟ قلت: من لا شيء، خاف هو بالليل. قال: رجل يخاف السبع؟ قلت: ليس سبع. فقال أحمد: لا بد من أن يتوضأ» (٣).
قلت: الخوف من الليل هو نوع من المرض، والمرض يبيح التيمم، ومقصود الشرع من مشروعية التيمم رفع الحرج، وتكليف هذا الرجل بالوضوء مع مرضه هذا يلحقه أذى نفسي شديد، فلا أرى حرجًا من تيمم هذا الرجل، وأكثر من يخاف من الليل أصحاب الأمراض النفسية المسمى في عصرنا بالاكتئاب، ويصيب كبار السن أكثر من غيرهم، فتجدهم يخافون من الظلمة، وإذا سألتهم مم يخافون؟ قالوا: لا ندري، وقد يكون نتيجة تغيرات في خلايا المخ بسبب الهرم، أسأل الله لنا ولهم السلامة والعافية.
* * *
стр. 2394
المبحث الثالث في الماء يباع بأكثر من ثمنه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الزيادة اليسيرة على ثمن المثل لا أثر لها.
• إذا وجد الماء بأكثر من ثمن المثل نزِّل الماء في حقه منزلة العدم؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة.
• حرمة المال مقدمة على حرمة العبادة؛ لأن الطهارة بالماء لها بدل بخلاف تلف المال، ولهذا قالوا: ما لا بدل له مقدم على ما منه بدل، فلو وجد ثوبًا وماء يباعان، وهو محتاج إليهما في الصلاة، ومعه ثمن أحدهما فقط؛ لزمه شراء الثوب؛ لأنه لا بدل له، ولا يلزمه شراء الماء للطهارة؛ لأن له بدلًا، وهو التيمم.
[م-٤٠٩] إذا وجد الرجل الماء يباع، فإما أن يباع بأكثر من ثمنه، أو يباع بثمنه بدون زيادة،
فإن بيع بثمنه، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه لزمه شراؤه، كما يلزمه شراء
стр. 2395
الرقبة في الكفارة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقال النووي: يلزمه شراؤه بلا خلاف (٢).
وقيل: ليس عليه شراؤه لا بما قل ولا بما كثر، فإن اشتراه لم يجز الوضوء به، ولا الغسل، وفرضه التيمم، وله أن يشتريه للشرب إن لم يعطه بلا ثمن. وهو اختيار
ابن حزم ﵀ (٣).
(٩٦٢ - ٣٩) واستدل ابن حزم ﵀ بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير،
عن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء (٤).
(٩٦٣ - ٤٠) وبما رواه ابن ماجه من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار (٥).
[صحيح] (٦).
وإنما جعل الشرع الناس شركاء في الماء، والكلأ والنار؛ لأنها أسباب الحياة: حياة
стр. 2396
الإنسان، وحياة الحيوان، وما كان سببًا في حياة الناس فلا يجوز احتكاره كالهواء.
وهذه المسألة: «أعني بيع فضل الماء فيه خلاف بين الفقهاء، وقد بحثت هذه المسألة في المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، ويكفي الإشارة في ذلك إلى الأقوال الفقهية، فأقول:
قال القرطبي: «ماء الأنهار والعيون، وآبار الفيافي التي ليست بمملوكة، فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي في ذلك» (١).
كما أن الماء إذا استخرجه الإنسان وحازه في إناء ونحوه جاز له بيعه، وإذا جمع الكلأ وحصده، فقد ملكه، وصح له بيعه.
ومثل الكلأ الحطب، فإذا جمعه صار مالكًا له، وجاز بيعه» (٢).
قال القرطبي في المفهم: «المسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا فقد ملكه، وأن له بيعه، وأما ماء الأنهار والعيون وآبار الفيافي التي ليست بمملوكة فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك، وأما فضل ماء في ملك فهذا هو محل الخلاف، فهل يجبر على بذل فضله، أو لا يجبر، وإذا أجبر فهل هو بالقيمة أم لا؟ وسبب الخلاف معارضة النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتيج إليه».
كما يجوز بيع البئر وحده دون الأرض، ويجوز بيع الأرض وفيها بئر،
ودليل ذلك ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم،
قال البخاري: وقال عثمان: قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁.
стр. 2397
فالماء إذا كان نابعًا في أرض مباحة فهو مشترك بين الناس، وإن كان نابعًا في ملك رجل، فهل يجوز بيعه، أو لايجوز، فيه خلاف، والخلاف مبني على مسألة أخرى: هل يملك أو لا يملك؟
ومذهب الجمهور على أن الإنسان إذا حاز الماء من البئر واستخرجه منه فقد ملكه، وجاز له بيعه،
(٩٦٤ - ٤١) واستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه،
من حديث الزبير ابن العوام، عن النبي ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم أحبلًا، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطي أم منع (١).
فإذا أذن الشرع في بيع الحطب، مع أن الشرع جعل الناس شركاء في الكلأ، فيحمل ذلك على أن الأمر قبل احتطابه، فكذلك الماء، إذا استخرجه من البئر في الأرض المباحة جاز له بيعه، وإن كانت البئر في أرضه فهو أحق بالماء إذا كان محتاجًا إليه، وإن كان غير محتاج إليه وجب بذله، ولا يجوز بيعه، ما دام الماء نقعًا في البئر، والله أعلم (٢).
стр. 2398
هذا فيما يتعلق بالخلاف في جواز شراء الماء للوضوء، وأن الراجح مذهب الجمهور، وهو جواز شراء الماء للوضوء، وصحة بيع الماء إذا حازه الإنسان من الآبار ونحوها. وحتى لو صححنا مذهب ابن حزم ﵀ في عدم جواز بيع الماء للتيمم، فإن الإنسان إذا منع حقه، فاشتراه فإن له أن يتوضأ به، والإثم على من منع بذله إلا بالمال، مثله مثل ما إذا احتاج إلى كلب صيد، ولم يبذل له إلا بالمال فإن له أن يشتريه، والإثم على من منعه بذل هذا الكلب إلا بالبيع.
هذا فيما يتعلق بالخلاف فيما إذا وجد الماء يباع من غير زيادة في ثمنه.
[م-٤١٠] وإن وجد الرجل الماء يباع بأكثر من ثمنه، فهل يجب عليه شراؤه، أو يتيمم؟
اختلف أهل العلم في هذا.
فقيل: يلزمه الشراء، ولو كان بجميع ماله، ذهب إلى هذا الحسن البصري رحمه الله تعالى (١).
стр. 2399
وقيل: إذا زاد ثمن الماء عن قيمته، فإن كان الغبن يسيرًا، وجب عليه شراؤه، وإن كان فاحشًا فله أن يتيمم، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
ونظر المالكية إلى اعتبار المشتري، فقالوا: إن كان قليل الدراهم تيمم، أي حتى ولو عرض الماء بثمن المثل، وإن كان يقدر على الشراء فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن (٣).
وقيل: لا يلزمه الشراء إذا زاد عن ثمن المثل، ولو كان يسيرًا، وهذا مذهب الشافعية (٤)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٥).
стр. 2400
وقيل: إن كان ذا مال كثير، ولا تجحف به الزيادة لزمه الشراء، ولو كانت الزيادة كثيرة، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
• دليل الحسن على وجوب شراء الماء ولو بماله كله:
هذا القول انفرد به الحسن عن بقية العلماء، ولعل دليله، أن الله شرط للتيمم عدم وجود الماء بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وهذا واجد للماء، ثم إن المال إذا ذهب لتحصيل شرط الصلاة لم يكن مبذرًا ولا مسرفًا؛ وذلك لأنه صرفه في أعظم الأعمال بعد الشهادتين، وهو الصلاة.
• دليل الجمهور على أن الزيادة إذا كانت فاحشة تيمم:
الدليل الأول:
دلت النصوص القطعية على حرمة مال المسلم، وأن حرمة ماله كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذلك الضرر في المال (٢).
الدليل الثاني:
أن التفريق بين الغبن اليسير والغبن الفاحش مقرر في الشرع، وأن الناس قد يقع بينهم مثل ذلك في معاملاتهم، ولا يعدون ذلك موجبًا لفسخ البيع، فالمصير إليه متعين في وجوب شراء الماء.
والعجب أن الشافعية يوجبون التيمم، ولو كان ذلك يلحق بالبدن ضررًا كبيرًا من زيادة في المرض أو تأخير في البرء، ولا يجيزون التيمم إلا مع خوف تلف النفس أو العضو، مع أن زيادة المرض نوع من الضرر يلحق بالبدن، ويجيزون التيمم إذا لحق المال ضرر يسير، مع أن الأولى مراعاة البدن على مراعاة المال.
стр. 2401
• دليل المالكية على اعتبار الثلث:
المالكية يجعلون الزيادة على الثلث في كثير من الأمور فرقًا بين القليل والكثير، ويستدلون بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁، (٩٦٥ - ٤٢) فقد روى البخاري من طريق عامر بن سعد، عن سعد، قال: كان النبي ﷺ يعودني، وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ... الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
ومع أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يستثني الإنسان من ماله مقدار الثلث، وبين أن يأخذ الأجنبي من ماله الثلث فأكثر، كما أن هذا قيل في باب الوصية، فسحب هذا الحكم على كل شيء في أبواب الفقه، في العبادات والمعاوضات، فيجعل ما زاد على الثلث كثير في كل شيء فيه تكلف، وفيه قياس أمور على أخرى دون أن يكون هناك علة جامعة.
• دليل من قال: يلزمه الشراء إذا كان ذا مال ولا تجحف به الزيادة:
أن الله شرع التيمم بشرط المرض، أو عدم الماء، فقال تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) إلى قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فكان المعتبر إما عدم الماء، أو دفع الضرر كما لو كان مريضًا، وإذا كان المعتبر مع وجود الماء هو دفع الضرر، فإن صاحب المال الكثير لن يضره بذل الماء، ولو زاد على ثمنه كثيرًا، وبالتالي لا يشرع له التيمم، ما دام أن الضرر أو عدم الماء غير موجود، وقياسًا على الإسراف، فإن الإسراف في المجتمعات الفقيرة قد يكون من التقتير في المجتمعات الغنية، والله أعلم.
стр. 2402
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال، وحجة كل قول نجد أن أضعف الأقوال هو قول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، وهو وجوب بذل المال كله في شراء الماء، حتى ولو كان ذلك يلحق الضرر به.
كما أن مذهب الشافعية الذي يعتبرون أدنى زيادة في قيمة الماء تجيز للإنسان أن يتيمم، ولو كان ذا مال كثير، هو قول ضعيف أيضًا.
بقي قول الجمهور بأن الغبن إذا كان فاحشًا فإن له أن يتيمم، وقول من قال: يشتريه ولو كان الغبن فاحشًا إذا كان ذا مال، وكانت الزيادة لا تضره، فهذا القولان لهما حظ من النظر، وأجد نفسي تميل إلى اعتبار الضرر بقيمة الماء، فإن كانت قيمة المال تضره لم يجب عليه الشراء، ولو كان الماء بثمن المثل، وإن كانت لا تضره فإنه يجب عليه الشراء، والله أعلم.
* * *
стр. 2403
المبحث الرابع في قبول الرجل هبة الماء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• بذل الماء للطهارة يختلف عن بذل سائر الأموال، فالماء إذا بذل بلا سؤال لم يكن فيه منة غالبًا فيجب قبوله.
• قد يكون الماء من أنفس الأموال كالحاجة إلى الماء العذب في لجة البحر، وفي المفازة.
[م-٤١١] إذا وهب للرجل ماء ليتوضأ به، فهل يلزمه قبوله؟.
قيل: يلزمه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والصحيح المنصوص في مذهب الشافعية (٣)، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (٤)، وهو اختيار ابن حزم (٥).
стр. 2404
وقيل: لا يلزمه، اختاره بعض المالكية (١)، حكاه بعضهم وجهًا في مذهب الشافعية (٢).
ومن أجاز رأى أن بذل الماء بين الناس ليس فيه منة، فأوجب قبول الهبة.
ومن منع رأى أن ذلك لا يسلم من منة، والمنة نوع من الحرج والأذى، وقد قال : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].
والحقيقة أن المنة لها تعلق بالآخذ وبالدافع، فإن كان يعرف من حال الدافع أنه يتبع هبته بالمن والأذى، لم يلزمه قبوله، فإن بعض الناس قد يمن بالشيء الحقير، وبعض الناس قد يرى أن أخذك لهديته نوع من الإحسان عليه، كما قال الشاعر:
يا ذا الذي يعطي الكثير وعنده أني عليه بأخذه أتصدق، كما أن بعض الناس لم يتعود أن يسأل الناس شيئًا، حتى ولو لم يكن في ذلك منة من الدافع، فقد تعود أن تكون يده دائمًا عليا، واليد العليا خير من اليد السفلى.
وقد كان الرسول ﷺ يبايع الناس على ألا يسألوا الناس شيئًا، كما في صحيح مسلم، قال الراوي: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه (٣).
ثم هناك فرق بين أن يعطى الماء دون مسألة، وبين أن يسأل الناس الماء، ففي الأول أقل مِنَّة من الثاني.
وإذا غلب على ظنه أن يمنعه، أو يمن عليه ينبغي أن يقال: لا يجب عليه السؤال حتى على مذهب الجمهور القائلين بأنه إذا وهب له وجب عليه قبوله.
стр. 2405
جاء في النوادر والزيادات: «وإنما على المسافر أن يطلب الماء ممن يليه، أو ممن يرجو أن يعطيه، وليس عليه أن يطلب أربعين رجلًا» (١).
فقوله: «ممن يرجو أن يعطيه» دليل على أنه إذا غلب على ظنه أن لا يبذل له الماء لم يجب عليه السؤال.
وقال الغزالي في الوسيط: «وهل يجب عليه الابتداء بسؤال هذه الأمور؟ فيه وجهان: لأن السؤال أصعب على ذوي المروءات، وإن هان قدر المسؤول» (٢).
وأما إذا وهب له ثمنه، فقد قال النووي: لم يلزمه قبوله بالاتفاق، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه (٣).
وينبغي أن يقيد ذلك بأن لا يكون الواهب ابنًا أو أبًا؛ وذلك لأنه لا منة من الأب على ابنه، فإن الأب هو سبب وجود الابن، فالمنة له قائمة على ولده، أخذ منه ثمن الماء أو لم يأخذ، كما أن الولد لا يمن على أبيه إذا أعطاه ثمن الماء، وذلك لأن الأب إذا احتاج إلى مال ولده فله أن يأخذ قدر كفايته منه، والله أعلم.
* * *
стр. 2406
الفصل الثالث
في التيمم خوفًا من فوات العبادة
[م-٤١٢] ذكرنا فيما سبق سببين من أسباب التيمم، وهو فقد الماء، والثاني: التعذر عن استعماله، وسوف نتناول في هذا الفصل بحثًا آخر، وهو في الرجل بين يديه الماء، إن توضأ به فاتته العبادة، أو فاته وقت أدائها، فهل يتيمم ليدرك العبادة، أو يتوضأ؟ والمسائل التي يتكلم عليها الفقهاء في مثل هذه المسألة ثلاث:
الأولى: إذا خشي خروج وقت الفريضة.
الثانية: إذا خاف فوت صلاة العيد، أو صلاة الجنازة.
الثالثة: إذا خاف فوت الجمعة.
* * *
стр. 2407
المبحث الأول إذ خاف خروج وقت الفريضة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا ازدحم واجبان أو شرطان، ولم يمكن الجمع بينهما، كازدحام شرط الطهارة وشرط الوقت، فأيهما يقدم، فالصلاة لا تنفك عن الوقت إما أداء، وإما قضاء، والنوم والنسيان عذر معتبر لفوات الوقت، فليلحق بهما عذر تحصيل الطهارة.
• الصلاة لا تصح إلا بالوضوء مع القدرة عليه، وهذا قادر على استعمال الماء من غير عجز ولا ضرر.
• التيمم لم يشرع لإدراك الوقت فقط، بل ربما روعي فيه ألا تتراكم الصلوات على المكلف، فيشق عليه القضاء.
• الطهارة ألصق بالصلاة من الوقت، فالوقت ظرف، والطهارة شطر الصلاة، قال ﷺ : الطهور شطر الإيمان (١)، والمقصود شطر الصلاة، والفائتة تصح خارج الوقت، وإذا أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت حتى ولو وقع أكثر الصلاة خارج الوقت، بينما لا صلاة بغير طهور، والطهارة بمنزلة الأهلية للأداء، فلو أحدث بأي جزء من الصلاة قبل التسليم عاد البطلان إلى جميع الصلاة.
стр. 2408
وقيل:
• التيمم شرع مراعاة للوقت وحتى لا تتراكم الصلوات، وإلا لأمكن أن يقال: ينتظر إلى حين وجود الماء.
[م-٤١٣] إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فهل يتيمم ليدرك الوقت، أو يتوضأ، ولو صلى خارج الوقت؟
وهذه المسألة فرع من مسائل كثيرة تدور على أيهما يقدم مراعاة الوقت، أو مراعاة الشرط، إذا كان تحصيل أحدهما سيكون سببًا في فوات الآخر؟
فالمسافر إذا عدم الماء، ولا يصل إليه إلا بعد خروج الوقت، فجمهور العلماء يرون أنه يتيمم ويصلي في الوقت (١).
قال ابن تيمية: «المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضا عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق الأئمة وليس له أن يؤخر الصلاة حتى يصل إلى الماء» (٢).
إلا أن الحنفية لم يجعلوا المعيار في التيمم إدراك الوقت، وإنما نظروا إلى قرب الماء وبعده، فإن كان الماء قريبًا فإنه لا يتيمم، وإن خرج الوقت، وإن كان بعيدًا تيمم (٣).
[م-٤١٤] ومثله العريان لو أمكنه تحصيل السترة بعد خروج الوقت لم يؤخر الصلاة حكاه ابن تيمية إجماعًا (٤)، وفيه قول للشافعية إن كان يمكنه تحصيل السترة
стр. 2409
قريبًا لزمه انتظار السترة، وإن فات الوقت (١).
[م-٤١٥] وإذا أخر الصلاة عن وقتها للاشتغال بشرطها الذي يحصله قريبًا، كرجل وقف على بئر، وهو محدث، فإن اشتغل باستخراج الماء من البئر خرج الوقت، وإن تيمم صلى في الوقت، فأيهما أولى بالمراعاة؟
وقع نزاع بين أهل العلم،
فقيل: يقدم الوقت على الشرط، فيصلي بالتيمم لإدراك الوقت.
اختاره زفر من الحنفية، وهو المشهور في مذهب مالك، نص عليه في المدونة، وأحد القولين في مذهب الشافعية، واستظهره النووي (٢).
стр. 2410
وقيل: يقدم الشرط على الوقت، فيصلي بالماء ولو خرج الوقت.
وهذا مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ورجحه الرافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
стр. 2411
وقيل: بالتفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما، فإن كان نائمًا، فاستيقظ من نومه، أو ناسيًا فتذكر في آخر الوقت، قدم الشرط ولو خرج الوقت، وإن لم يكن معذورًا بنوم أو نسيان فإنه يتيمم لإدراك الوقت، وهذا اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى (١).
• دليل من قال: يتيمم ويصلي:
الدليل الأول:
قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً) [النساء: ١٠٣].
الدليل الثاني:
قالوا: إن التيمم إنما شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، ولولا مراعاة الشارع لهذه المصلحة لقيل: ينتظر إلى حين وجود الماء، فيصليها بالماء، فمشروعية التيمم دليل على اهتمام الشارع بالوقت، وأن المحافظة على الوقت بالتيمم، أولى من المحافظة على الطهارة المائية خارج الوقت.
والدليل على عناية الشارع بالوقت أنه لم يجعل قتال العدو مبيحًا لتأخير الصلاة عن وقتها، قال تعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) [البقرة: ٢٣٩].
فرخص الله لعبيده في الصلاة حال الخوف رجالًا على الأقدام، أو ركبانًا على الخيل والإبل ونحوهما، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، وجوز ترك بعض الشروط كاستقبال القبلة، بل ومن الاكتفاء بالإيماء عن الركوع والسجود كل ذلك من أجل
стр. 2412
المحافظة على الوقت، مع أنه يمكنه أن يصلي خارج الوقت مع قيامه بشروط العبادة وأركانها، فالوقت أولى بالمراعاة من الطهارة المائية، والله أعلم.
الدليل الثالث:
القياس على المسافر، وذلك أن المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء إلا بعد خروج الوقت كان فرضًا عليه أن يصلي بالتيمم حكاه بعض العلماء إجماعًا (١)، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يصل إلى الماء، فكذلك الحال هنا، يجب عليه أن يؤدي الصلاة بالتيمم، ولا يخرج العبادة عن وقتها طلبًا للطهارة المائية.
• ونوقش هذا:
بأن الخلاف محفوظ حتى في المسافر، فالحنفية رأوا أن الماء إذا كان قريبًا من المسافر فإنه لا يتيمم، ولو خرج الوقت (٢)، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (٣).
الدليل الرابع:
(٩٦٦ - ٤٣) ما رواه البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،
فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (٤).
стр. 2413
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لما خشي فوات الرد على الرجل إن هو توضأ لرد السلام، تيمم في الحضر مع وجود الماء من أجل إدراك الرد على الرجل على طهارة، فكذلك إذا خشي فوات وقت الفريضة تيمم لإدراك الوقت، وإن كان الماء موجودًا.
الدليل الخامس:
ما رواه مسلم من حديث أبي موسى مرفوعًا، وقوله: الصلاة ما بين هذين (١).
• دليل من قال: يتوضأ، ولا يتيمم:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
فالانتقال إلى التيمم مشروط بعدم الماء للرجل الصحيح، وهذا واجد للماء حقيقة.
الدليل الثاني:
(٩٦٧ - ٤٤) ما رواه أبو ذر، قال النبي ﷺ له: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك لهو خير (٢).
[انفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال أحمد: لا أعرفه] (٣).
فقوله: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) مطلق، سواء خاف خروج الوقت أو لا، فالله إنما أجاز التيمم بشرطين: فقد الماء، أو العجز عن استعماله لمرض ونحوه، أما مع وجود الماء، والقدرة على استعماله فإنه يجب عليه استعماله، ولو خرج الوقت؛ وخروج الوقت معذور فيه؛ لأنه مشتغل بتحصيل شرط العبادة.
стр. 2414
• ويُجاب:
واعترض عليه بالمسافر إذا علم أنه يدرك الماء بعد خروج الوقت لم يجز له تأخير الصلاة، ووجب عليه التيمم.
ورد هذا الجواب:
بأن مسألة المسافر كمسألة الحاضر، والخلاف فيها محفوظ، وإنما كان الخلاف في المسافر أقل من الخلاف في الحاضر ليس راجعًا إلى مراعاة الوقت أو الشرط، وإنما هو راجع إلى قيام الخلاف في مشروعية التيمم في الحضر، واتفاقهم على مشروعية التيمم في السفر لعادم الماء، وقد قدمت في الأقوال أن الحنفية يجعلون المدار على قرب الماء وبعده للمسافر، فإن كان قريبًا قدم الشرط على الوقت، وإن كان بعيدًا على خلاف بينهم في تحديد مسافة البعد قدم الوقت على الشرط، وهو أحد القولين عند الشافعية، والله أعلم.
• دليل ابن تيمية على التفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما:
قال: إن الوقت في حق النائم يبدأ من حين الاستيقاظ، فلا تفوته الصلاة،
(٩٦٨ - ٤٥) وقد قال ﷺ : أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى.
الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة (١).
فإذا كان النوم ليس فيه تفريط، وقد أمر النائم بإيقاع الصلاة إذا قام من النوم، فهذا هو وقتها بالنسبة إليه، لا فرق بين كون الصلاة في الوقت أو خارج الوقت.
• الراجح:
بعد استعراض الأقوال، أجد أن المسألة فيها خلاف قوي، وليس هناك نص
стр. 2415
يقطع النزاع، ولا إجماع ترد إليه الأقوال، والوقت للصلاة سبب وشرط، والطهارة شرط، وإذا كان بمقدور النائم إذا انتبه وكان يمكنه أن يصلي الصلاة في وقتها بالتيمم، وقلنا له: ليس فرضك التيمم، بل يحب عليك الوضوء وتحصيل الطهارة، وإن خرج الوقت، فغيره مثله، ومسألة فائدة العذر إنما هو في تعلق الإثم على التفريط، وهو حكم تكليفي، لذلك أجدني أميل إلى القول بمراعاة الطهارة، إذا كانت بين يديه، ويلحق فعله بالقضاء إن كان قد تعمد التأخير، وبالأداء إن كان لم يتعمد، والله أعلم.
تنبيه:
قال ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: «وأما قول بعض أصحابنا: إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناو لجمعها أو مشتغل بشرطها، فهذا لم يقله قبله أحد من الأصحاب، بل ولا أحد من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي؛ فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس على عمومه وإطلاقه بإجماع المسلمين، وإنما فيه صورة معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يضع حبلا يستقي، ولا يفرغ إلا بعد الوقت؛ وإذا أمكن العريان أن يخيط له ثوبا ولا يفرغ إلا بعد الوقت، ونحو هذه الصور، ومع هذا فالذي قاله في ذلك خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه، وخلاف قول جماعة علماء المسلمين من الحنفية والمالكية وغيرهم.
وما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعي. ومن قال ذلك فهو محجوج بإجماع المسلمين على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن وقتها المحدود شرعا، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهو لا يجده إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير باتفاق المسلمين .... ».
هذا القول من الشيخ ﵀ يشكل عليه، ما جاء في مسائل أحمد رواية
عبد الله: «سألت أبي عن رجل في مصر من الأمصار، فخاف إن هو ذهب يجيء بالماء ليتوضأ أن تطلع الشمس يتيمم؟ قال: لا يكون هذا في مصر من الأمصار، إنما يتيمم
стр. 2416
في السفر، أو غير واجد الماء» (١).
وقد علمت أن مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ونصره الرافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة تقديم الشرط على الوقت، وأنه لا يتيمم وهو قادر على الصلاة بالماء، ولو خرج الوقت.
* * *
стр. 2417
المبحث الثاني في التيمم خوفًا من فوت صلاة الجنازة والعيد
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في صلاة الجنازة، هل تفوت الصلاة عليها بالدفن إلى غير بدل، أو لا تفوت؟
فمن قال: إنها تفوت ويقصد بفوتها فوتها مع الإمام رأى أنه يتيمم لها إذا خشي فواتها. ومن قال: لا تفوت، رأى أنه لا يتيمم لها، ويفسر عدم الفوات بإمكان الصلاة عليها بعد دفنها.
وعليه يمكن أن يقال: كل عبادة تفوت لا إلى بدل يجوز أداؤها بالتيمم، وكل عبادة تفوت إلى بدل لا يشرع لها التيمم، والله أعلم.
• شرع التيمم عند فقد الماء لاستدراك ما قد يفوت من مصالح الوضوء من حصول الطهارة، والإذن بالصلاة، وإدراك الوقت.
[م-٤١٦] اختلف أهل العلم في الرجل يخشى فوات صلاة الجنازة وصلاة العيد، هل يتيمم؟
стр. 2418
فقيل: يتيمم ويصلي، وهذا مذهب الحنفية (١)،
ورواية عن أحمد (٢)، وبه قال سفيان وإسحاق (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤).
وقيل: لا يتيمم في الحضر لصلاة جنازة إلا إن تعينت عليه، ويتيمم لها المسافر والمريض مطلقًا تعينت عليه أم لا، وهذا مذهب المالكية (٥).
стр. 2419
وقيل: لا يتيمم مطلقًا للجنازة والعيد، وهذا مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يصلي عليها من غير وضوء ولا تيمم، وهو قول الشعبي (٣)، ومحمد بن جرير الطبري (٤).
• دليل من قال: يتيمم لفوت الجنازة .
الدليل الأول:
(٦٦٩ - ٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عمر بن أيوب الموصلي، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء،
стр. 2420
عن ابن عباس، قال: إذا خفت أن تفوتك الجنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم، وصل (١).
[المحفوظ وقفه على عطاء، وأنكر أحمد وابن معين والبيهقي إسناده إلى ابن عباس ﵁] (٢).