← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

في السفر، أو غير واجد الماء» (١). وقد علمت أن مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ونصره الرافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة تقديم الشرط على الوقت، وأنه لا يتيمم وهو قادر على الصلاة بالماء، ولو خرج الوقت. * * *

стр. 2417

المبحث الثاني في التيمم خوفًا من فوت صلاة الجنازة والعيد مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في صلاة الجنازة، هل تفوت الصلاة عليها بالدفن إلى غير بدل، أو لا تفوت؟ فمن قال: إنها تفوت ويقصد بفوتها فوتها مع الإمام رأى أنه يتيمم لها إذا خشي فواتها. ومن قال: لا تفوت، رأى أنه لا يتيمم لها، ويفسر عدم الفوات بإمكان الصلاة عليها بعد دفنها. وعليه يمكن أن يقال: كل عبادة تفوت لا إلى بدل يجوز أداؤها بالتيمم، وكل عبادة تفوت إلى بدل لا يشرع لها التيمم، والله أعلم. • شرع التيمم عند فقد الماء لاستدراك ما قد يفوت من مصالح الوضوء من حصول الطهارة، والإذن بالصلاة، وإدراك الوقت. [م-٤١٦] اختلف أهل العلم في الرجل يخشى فوات صلاة الجنازة وصلاة العيد، هل يتيمم؟

стр. 2418

فقيل: يتيمم ويصلي، وهذا مذهب الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، وبه قال سفيان وإسحاق (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤). وقيل: لا يتيمم في الحضر لصلاة جنازة إلا إن تعينت عليه، ويتيمم لها المسافر والمريض مطلقًا تعينت عليه أم لا، وهذا مذهب المالكية (٥).

стр. 2419

وقيل: لا يتيمم مطلقًا للجنازة والعيد، وهذا مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يصلي عليها من غير وضوء ولا تيمم، وهو قول الشعبي (٣)، ومحمد بن جرير الطبري (٤). • دليل من قال: يتيمم لفوت الجنازة . الدليل الأول: (٦٦٩ - ٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عمر بن أيوب الموصلي، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء،

стр. 2420

عن ابن عباس، قال: إذا خفت أن تفوتك الجنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم، وصل (١). [المحفوظ وقفه على عطاء، وأنكر أحمد وابن معين والبيهقي إسناده إلى ابن عباس ﵁] (٢).

стр. 2421

الدليل الثاني: (٩٧٠ - ٤٧) ما رواه ابن عدي من طريق يمان بن سعيد، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا معافي بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: إذا فاجأتك جنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم (١). [وهذا أشد نكارة من الذي قبله] (٢).

стр. 2422

الدليل الثالث: (٩٧١ - ٤٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (١). وجه الاستدلال: أنه لما تيمم بالمدينة مع جود الماء خوفًا من فوت السلام، كان تيممه خوفًا من فوات الجنازة وصلاة العيد من باب أولى، فكل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم، بخلاف الجمعة فإنها تفوت إلى بدل، وهو الظهر، وبخلاف الصلوات الخمس، فإنها تفوت إلى بدل، وهو القضاء. ولأنه جعل التيمم في تلك الحالة طهورًا، لأنه حين تيمم تحقق له أنه ذكر الله على طهارة، فاقتضى أن يكون فعل الصلاة به جائزًا، ولأنها صلاة لا يقدر على فعلها إلا بالتيمم، فاقتضى أن يجزئه كالمريض والمسافر. • ويُجاب: قالوا: إن الطهارة ليست بشرط في رد السلام، فالتيمم لذلك أهون مما هو شرط فيها كالصلاة على الجنازة والعيد. وأما الصلاة على الجنازة فإنها لا تفوت؛ لأنه يمكنه الصلاة على القبر، قال النووي: «الجنازة لا تفوت، بل يصليها على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع، ويجوز بعدها

стр. 2423

عندنا» (١). • ورد هذا: بأن رد السلام ليس من شرطه الطهارة، هذا لا خلاف فيه، وإذا تحقق أن المتيمم لرد السلام قد ارتفع حدثه وأصبح طاهرًا، فقد أذن لمن تطهر أن يصلي على الجنازة وأن يصلي صلاة العيد؛ لأن الحدث قد ارتفع. وأما قولهم بأن الجنازة لا تفوت لإمكان الصلاة على القبر، قلنا: المقصود بقولنا تفوت ما قاله المرداوي، في كتابه الإنصاف، قال: «مراد المصنف (ابن قدامة) وغيره بفوات الجنازة: فواتها مع الإمام، قاله القاضي وغيره. قال جماعة: ولو أمكنه أن يصلي على قبره لكثرة وقوعه، وعظم المشقة فيه». قلت: والذي أذن بأن تقضى السنة الراتبة للفجر بعد الصلاة إذا فاتته مع أنه وقت نهي، مع إمكان أن يصليها ضحى في غير وقت النهي، لكون ذلك قد يشق عليه، فكذلك تكليفه باتباع الجنازة للمقبرة والصلاة على القبر قد يكون أكثر مشقة من مثل هذا، وإذا فرغ الإمام من الصلاة رفعت الجنازة. الدليل الرابع: (٩٧٢ - ٤٩) ما رواه ابن المنذر من طريق محمد بن عمرو، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم وصلى عليها (٢). [الصواب أنه موقوف على الشعبي] (٣).

стр. 2424

دليل من قال: لا يتيمم: الدليل الأول: قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وهذا واجد للماء مع القدرة على استعماله من غير خوف، ولا ضرر، فلا يعذر بالتيمم. الدليل الثاني: (٩٧٣ - ٥٠) ما رواه عبد الرزاق من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر: أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء

стр. 2425

فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١). وجه الاستدلال: قوله: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فأوجب مس الماء للبشرة إذا وجد الماء، وهذا واجد للماء، فكيف يتيمم مع وجوده. • وأجيب عن هذا الدليل والذي قبله: التيمم إنما شرع من أجل المحافظة على الوقت، فإنه يمكن لمن عدم الماء في السفر أن يؤخر الصلاة عن وقتها، ويصليها إذا وجد الماء، فإذا كان لا يجوز له ذلك، وإن كان يعلم أنه يجد الماء بعد خروج الوقت، فكذلك يشرع له التيمم إذا خاف فوت العبادة؛ لأن فوت العبادة أبلغ من فوت وقتها، والله أعلم. الدليل الثالث: (٩٧٤ - ٥١) ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر (٢). إسناده صحيح. ويُجاب عن هذا: بأن هذا الأثر رد على الشعبي والطبري ممن يجيز الصلاة على الجنازة بغير طهارة، وأما من اشترط لها التيمم، فقد صلاها بطهارة؛ لأن التيمم على الصحيح مطهر، كما مر معنا في الأحاديث الصحيحة: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. وحديث الصعيد الطيب طهور المسلم. • دليل من قال: يصلى على الجنازة بالتيمم بشرط إن تعينت عليه: تعليلهم في ذلك، بأن صلاة الجنازة إذا تعينت أصبحت فرض عين عليه، فصار

стр. 2426

معذورًا في التيمم لها، وأما إذا لم تتعين، بأن وجد من يصلي عليها من المتوضئين فإنها لا تجب عليه، لأنها لما كانت على الكفاية جرت مجرى السنن في حقه. وهذا التعليل عليل، فالرسول ﷺ تيمم لرد السلام، والطهارة ليست شرطًا، بل ولا واجبًا في رد السلام، وإنما رد السلام من ذكر الله، والطهارة للذكر سنة بالاتفاق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخطاب في فرض الكفاية موجه إلى جميع الناس إلى أن تفعله طائفة منهم، وأن فعل الجميع يقع فرضًا، وليس من قبيل السنن. • دليل الشعبي والطبري على جواز صلاة الجنازة بدون طهارة: حجتهم في ذلك بأن الصلاة على الميت دعاء له بالمغفرة والرحمة، وهذا الفعل لا تشترط له الطهارة. والصحيح أن الدعاء للميت صلاة، وليست مجرد دعاء له. قال ابن عبد البر: «وقد أجمعوا أنه لا يصلى عليها إلا إلى القبلة، ولو كانت دعاء كما زعم الشعبي لجازت إلى غير القبلة، ولما أجمعوا على التكبير فيها، واستقبال القبلة علم أنها صلاة، ولا صلاة إلا بوضوء» (١). قلت: ولو قال: ولا صلاة إلا بطهور لكان أعم؛ لأن الصلاة بالتيمم تجوز، وهي بلا وضوء. والشارع أطلق على الجنازة صلاة، فقال: صلوا على صاحبكم، وما جاء من الشارع فيحمل على الحقيقة الشرعية، ولا يحمل على الحقيقة اللغوية إلا إذا مع التعذر أو قرينة. • الراجح من أقوال أهل العلم: بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بجواز التيمم لمن خاف فوات الصلاة على الجنازة أو العيد، ويشق عليه أن يصلى على الجنازة بالمقبرة أو على القبر أن

стр. 2427

ذلك سائغ إن شاء الله تعالى، والأصل في مشروعيته تيمم الرسول ﷺ لرد السلام، والله أعلم. * * *

стр. 2428

المبحث الثالث التيمم خوفًا فوات الجمعة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم، بخلاف الجمعة فإنها تفوت إلى بدل، وهو الظهر. [م-٤١٧] اختلف العلماء فيما إذا خاف الرجل أن تفوته صلاة الجمعة، فهل يتيمم لها، أو يتوضأ ولو فاتته، بناء على أن الجمعة لها بدل، وهو صلاة الظهر، وصلاة الظهر يمكنه أن يصليها في وقتها؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقيل: لا يتيمم لها، وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤).

стр. 2429

وقيل: بل يتيمم لها، وهو قول في مذهب المالكية خلاف المشهور عند المتأخرين (١)، واختاره ابن تيمية (٢). وقيل: يتيمم، ويصلي الجمعة، ثم يتوضأ، ويعيدها ظهرًا، وهو قول في مذهب المالكية (٣). والأدلة في هذه المسألة هي الأدلة نفسها في المسألة السابقة، وهي إذا خشي فوات العيد، هل يتيمم، حتى يدرك الصلاة، أو لا يتيمم في الحضر مع وجود الماء؟ إلا أن صلاة الجمعة قد رأى بعضهم أن هناك إجماعًا على عدم صلاتها بالتيمم؛ والإجماع لعله غير محفوظ. قال ابن المنذر: «قال أبو ثور: لا أعلم خلافًا أن رجلًا لو أحدث يوم الجمعة، وخاف فواتها أن ليس له أن يتيمم، ويصلي، فإذا كان هذا من القوم إجماعًا لوجود الماء، كان كل محدث في موضع يجد فيه الماء مثله» (٤). والخلاف محفوظ عند المالكية كما تبين لك من خلال عرض الأقوال في المسألة، كما أنه رأي ابن تيمية. * * *

стр. 2430

الباب الثالث في شروط التيمم الشرط الأول النية الكلام في النية طويل ومتشعب، وكنت قد تطرقت إلى كثير من أحكامها في كتاب الوضوء، عند الكلام على شروط الوضوء، وسوف أتطرق إلى مباحث النية الخاصة بالتيمم، والتي لم نتطرق لها في أحكام الوضوء، وسوف أقسم الكلام على أحكام النية إلى ثلاثة فصول إن شاء الله تعالى، وأقسم هذه الفصول إلى مباحث، والمباحث إلى فروع، والفروع إلى مسائل، حتى آتي إن شاء الله تعالى على أكثر أحكامها، يسر الله ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 2431

الفصل الأول في اشتراط النية لطهارة التيمم مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها، وكل ما كانت صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات، والطهارات، والصيام، والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (١). [م-٤١٨] اختلف العلماء في اشتراط النية في الطهارة عمومًا، وقد سبق لنا أن ذكرنا خلاف العلماء في كتاب الوضوء، فقيل: النية شرط في طهارة الأحداث كلها، الأصغر والأكبر، لا فرق بين طهارة

стр. 2432

الماء، وبين طهارة التيمم، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: عكسه، أن النية ليست بشرط مطلقًا، وهذا القول منسوب لزفر من الحنفية (٢)، وللأوزاعي رحمه الله تعالى (٣)، وللحسن بن صالح (٤). وقيل: كل طهارة بالماء تجوز بغير نية، ولا يجزئ التيمم إلا بنية، وهو مذهب الحنفية (٥)، وبه قال سفيان الثوري (٦). • دليل الجمهور على اشتراط النية في الطهارتين الماء والتيمم: سبق لنا أن ذكرنا أدلتهم في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا. • دليل الحنفية على التفريق بين طهارة الماء وطهارة التراب: أما دليل الحنفية على عدم اشتراط النية في طهارة الماء، فقد ذكرته، وأجبت عنه، في كتابي أحكام المسح على الحائل (٧).

стр. 2433

• وأما وجه التفريق بين طهارة الماء وطهارة التراب: ذكروا وجوهًا منها: الوجه الأول: أن التيمم في اللغة: القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة، فإذا جرى الماء على أعضاء الوضوء، أو عم الماء جميع البدن فيصدق عليه أنه امتثل الأمر الشرعي بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦]. وقوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]. فهذا الأمر تحصيله لا يتوقف على النية. الوجه الثاني: الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية. ويُجاب عن هذا بجوابين: الجواب الأول: أن يقال: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود. الجواب الثاني: لا نسلم أن التراب غير مطهر، فإنه قد ثبت أنه مطهر للحدث والخبث معًا، فالدليل على أنه مطهر من الأحداث قوله تعالى بعد ذكره للتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦]. فنص على أن الغاية من مشروعية التيمم إرادة التطهير مع نفي الحرج عن هذه الأمة.

стр. 2434

ومن السنة، قال رسول الله ﷺ كما في حديث جابر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .... الحديث، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (١). وفي حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (٢). فحكم الرسول ﷺ على أن الصعيد طهور المسلم. فهذا دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الاستجمار، ومثل طهارة النعل بالتراب، وطهارة ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، فالقول بأن التراب غير مطهر مخالف لنصوص الكتاب والسنة، والتفريق بين الوضوء والتيمم، فلا تجب النية في طهارة الوضوء، وتجب النية في طهارة التيمم تفريق بين ما جمع الله ، فقد جمع بينهما في آية المائدة، ذاكرًا الوضوء بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) إشارة إلى النية، وقال في التيمم (فَتَيَمَّمُوا) إشارة إلى قصد الصعيد، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله، وقوله في غاية الضعف. • دليل من قال: التيمم يصح بدون نية: قالوا: إن التيمم بدل عن طهارة الماء، وإذا كانت طهارة الماء وهي الأصل تصح بلا نية، فكذلك طهارة البدل؛ لأن البدل يأخذ حكم المبدل. ويُجاب: لا نسلم أن طهارة الماء تصح بلا نية، وما بني على قول ضعيف كان ضعيفًا، فالصحيح من أقوال أهل العلم أن الطهارة من الأحداث كلها تفتقر إلى نية، وقد

стр. 2435

قدمنا مجموعة من الأدلة على اشتراط النية في بحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا (١)، والله أعلم. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بأن النية شرط في طهارة الحدث مطلقًا، سواء كانت الطهارة بالماء، أو بالتراب هو القول الراجح، لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، والله أعلم. * * *

стр. 2436

الفصل الثاني لو سفت الريح التراب على وجهه ونوى به التيمم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل من مس التراب وجهه ويديه بنية التيمم صح تيممه. [م-٤١٩] اختلف أهل العلم فيما لو ألقت عليه الريح ترابًا عمَّ وجهه ويديه، هل يصح تيممه؟ قال النووي: فإن لم يقصدها لم يجزه بلا خلاف (١). قلت: ينبغي أن يكون فيه خلاف، فإن من لم يشترط النية ربما صحح تيممه، كما أن من لم يشترط النية في غسل الجنابة، لو انغمس في نهر ارتفع حدثه، إلا أنني لم أقف على من صرح بصحة تيممه في مسألتنا هذه، فليتأمل. وأما إذا نوى به التيمم وصمد للريح، فقيل: لا يصح تيممه، وهو مذهب المالكية (٢)، والمنصوص في مذهب الشافعية،

стр. 2437

وعليه أكثرهم (١)، ورجحه كثير من الحنابلة (٢). وقيل: يصح تيممه، اختاره بعض الشافعية (٣)، وبعض الحنابلة (٤). وقيل: إن مسح أجزأ، وإلا فلا، اختاره ابن الصباغ من الشافعية (٥)، والمتأخرون من الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: وهذا الصحيح قياسًا على مسح الرأس (٦). • تعليل من قال: لا يصح تيممه: قالوا: إن النقل شرط، ولم يوجد.

стр. 2438

• ونوقش هذا: أين الدليل على أن النقل شرط، فالقصد للشي: وهو النية كافية في المطلوب، وقصده لا يستلزم قصد النقل، وكما أن النقل ليس شرطًا في طهارة الماء، وهي أصل، كذلك لا تكون شرطًا في طهارة البدل، فلو نزل المطر على بدن الجنب ونوى به الغسل، حتى عمم به جميع بدنه ارتفع حدثه، فكذلك هنا. • دليل من قال: يصح تيممه: قاله قياسًا على ما ذكرنا من صحة الغسل لو جلس تحت المطر أو الميزاب، ونزل عليه الماء، فعمم جميع بدنه أن حدثه يرتفع، فكذلك هنا. • دليل من قال: إن مسح أجزأ، وإلا فلا: الدليل الأول: استدل بقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) فطلب الشرع المسح، فإذا لم يمسح لم يمتثل للأمر. الدليل الثاني: ولأنه يتعذر وصول التراب إلى جميع وجهه من غير مسح. • ويُجاب عن هذين الدليلين: بأن المسح ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو آلة لتحقيق المطلوب، ولذلك لو يممه غيره مع قدرته صح تيممه، مع أنه لم يمسح هو، وإنما مسح غيره، فلا فرق بين أن يكون مرور التراب عن طريق يد غيره، وبين أن يكون مروره عن طريق الريح إذا قصد التيمم، فالغاية أن يمس التراب وجهه ويديه، وأما كون التعميم متعذرًا، فالتعميم حتى باليد متعذر، فالمسح الأصل فيه التخفيف بخلاف الغسل، كالمسح على الخفين ومسح الرأس وغيرهما، فإذا أصاب أكثر التراب غالب وجهه أجزأه، والله أعلم.

стр. 2439

الدليل الثالث: قالوا اشترطنا المسح قياسًا على ما ذكرناه في كتاب الوضوء فيما لو غسل رأسه بدلًا من مسحه، فمنهم من قال: لا يجزئ مطلقًا، ومنهم من قال: يجزئ مطلقًا، ومنهم من قال: إن مسح أجزأ، ليتحقق امتثال الأمر، والكلام في تلك المسألة كالكلام في هذه، ولا فرق، وقد سبق تحريرها. وأجاب المانعون عن هذا الدليل: قالوا: هناك فرق بين ما لو غسل رأسه أجزأ عن مسحه، وبين هذه المسألة، فإن من غسل رأسه قد قام الدليل على صحته، لأنه إذا أجزأ غسل الرأس عن الجنابة، فلأن يجزئ ذلك عن الوضوء أولى بخلاف التيمم، والراجح أنه لا فرق. • تنبيه: قال المسعودي: «وإن أدنى وجهه من الأرض أو تمعك في التراب، فحصل الغبار على أعضاء التيمم، فإن كان لعجز صح، وإن كان لا لعجز، فهل يصح؟ فيه وجهان» (١). قلت: ينبغي أن يصح مطلقًا، وبدون شرط الغبار، وسيأتي مزيد بحث في اشتراط الغبار إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2440

الفصل الثالث في صفة النية سوف نخصص هذا الفصل في الكلام عن كيفية النية في التيمم، فلو نوى المتيمم نية التيمم فقط فهل يجزئ؟ أو لا بد من نية ما يتيمم له، وما يتيمم عنه، فأنوي مثلًا التيمم، للصلاة أو للطواف أو نحوهما، عن الحدث الأصغر، أو عن الحدث الأكبر، أو عن النجاسة على البدن كما في مذهب الحنابلة، فعندنا ثلاثة أشياء. الأولى: نية التيمم. الثانية: نية ما يتيمم له من الطاعات كالصلاة والطواف وقراءة القرآن، وهل إذا نوى الفرض منها يكفي عن نية النفل؟ الثالثة: نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، وسوف نتناول هذه المسائل واحدة واحدة، وما يتفرع منها. * * *

стр. 2441

المبحث الأول لو نوى مطلق التيمم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم. • البدل يقوم مقام المبدل في حكمه، لا في وصفه (١). وقيل: • الوضوء وسيلة لغيره، ومقصود لنفسه، ولذا صح قصده وحده، والتيمم وسيلة فقط، وليس مقصودًا لذاته، فلا يصح قصده فقط. • الوضوء يصح تجديده، والتيمم لا يستحب تجديده. • البدل دون المبدل منه (٢). • الوضوء أفضل من التيمم الذي لا يجوز إلا عند العجز عن الوضوء (٣). [م-٤٢٠] إذا نوى فرض الوضوء صح الوضوء قولًا واحدًا، وأما إذا نوى

стр. 2442

فرض التيمم أو التيمم المفروض، أو فرض الطهارة، فقد اختلف الفقهاء هل يصح تيممه؟ • وسبب الخلاف يرجع إلى الأسباب التالية: الأول: أن الوضوء عبادة مقصودة لذاتها يصح قصده وحده، ولهذا استحب تجديده، والتيمم ليس مقصودًا لذاته، ولا يستحب تجديده وإنما وهو وسيلة لغيره مما تشترط له الطهارة. الثاني: الخلاف في التيمم هل هو رافع للحدث، أو مبيح للصلاة، فمن قال: إنه مبيح لا رافع لا يرى صحة أن ينوي فرض التيمم. الثالث: أن التمييز لا يحصل بنية فرض التيمم؛ لأن التيمم عن الحدث والجنابة فرض، وصورته واحدة، فلا يحصل التمييز بينهما إذا نوى فرض التيمم، بخلاف الوضوء والغسل فإنما يتميزان بالصورة. ومن هنا وقع الخلاف: فقيل: إذا نوى فرض التيمم صح تيممه، وهو اختيار أبي بكر بن سعيد البلخي من الحنفية، ونسب إلى أبي حنيفة (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 2443

وقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنفية (١)، وأصح الوجهين في مذهب

стр. 2444

الشافعية (١)، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢). • وجه من قال بالصحة: القياس على الوضوء، فكما أنه لو نوى فرض الوضوء صح الوضوء، فكذلك التيمم. • وجه من قال: لا يصح: وأما دليل الحنفية فاستدلوا بقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) ثم قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فتضمنت الآية نية التيمم للصلاة، وليس مطلق النية (٣). وأما تعليل إمام الحرمين من الشافعية: قال: لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح فعل الصلاة، فلا بد من تعيين ما يتيمم له كالصلاة والطواف، وما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، قالوا: ويفارق الوضوء، أن الوضوء مقصود لنفسه، ولهذا استحب تجديده بخلاف التيمم. وعلل السيوطي التفريق بين التيمم والوضوء بقوله: «إن التمييز لا يحصل بذلك -أي بنية الفرض- لأن التيمم عن الحدث والجنابة فرض، وصورته واحدة بخلاف الوضوء والغسل فإنما يتميزان بالصورة» (٤). والراجح أنه لو تيمم بنية الفرض أو بنية رفع الحدث فإن حدثه يرتفع، ولا إشكال كما نبهت على أن هذه المسألة إنما بنيت على أصل ضعيف، وهو أن التيمم لا يرفع الحدث، وهو خلاف الكتاب والسنة كما بينت في مبحث مستقل. * * *

стр. 2445

المبحث الثاني إذا نوى المتيمم رفع الحدث مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الخلاف في المسألة راجع إلى الخلاف في التيمم: هل هو مبيح للعبادة، أو رافع للحدث؟ فمن قال: التيمم مبيح لم يصحح التيمم بنية رفع الحدث، بخلاف من قال: التيمم يرفع الحدث. • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم بشرطه. • البدل يقوم مقام المبدل في حكمه، لا في وصفه (١). [م-٤٢١] اختلف أهل العلم فيما إذا نوى المتيمم رفع الحدث، فقيل: يرتفع حدثه، وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 2446

وقيل: لا يرتفع حدثه، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). والقول في أدلة هذه المسألة راجع إلى مسألة سبق بحثها، وهي هل التيمم يرفع الحدث، أو يبيح فعل الصلاة فقط؟ فمن رأى أن التيمم يرفع الحدث كالحنفية لم يمنع التيمم بهذه النية، ومن رأى أن التيمم لا يرفع الحدث منع المتيمم أن يتيمم بهذه النية، وقد رجحت فيما سبق أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين وجود الماء، وقد ذكرنا أدلتهم فيما سبق، فأغنى عن إعادته هنا، ولا يختلف القول لو نوى الطهارة، فإن نية الطهارة راجع إلى مسألتنا، هل التيمم مطهر، أو مبيح فقط، والله أعلم. * * *

стр. 2447

المبحث الثالث في اشتراط نية ما يتيمم عنه الفرع الأول لو تيمم ولم ينو ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل يأخذ حكم المبدل. • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم. • شروط العبادة متلقاة من الشارع، مبناها على التوقيف. • الأصل في شروط العبادة المنع، فلا يشرع منها شيء إلا بدليل. [م-٤٢٢] عرفنا فيما سبق الخلاف فيما لو نوى التيمم فقط، وسوف نناقش في هذا المبحث حكم نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، فقيل: لا يشترط نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، بل يكفي أن

стр. 2448

ينوي التيمم للصلاة مثلًا، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣). وقيل: إن كان التيمم من الحدث الأصغر لم يلزمه استحضاره حال التيمم، بل يكفي فيه استباحة الصلاة من غير ذكر المتعلق، وفي الأكبر لابد من استحضار المتعلق، فإن ترك ذلك أعاد أبدًا. هذا هو المشهور من مذهب المالكية (٤).

стр. 2449

وقيل: يستحب له استحضار نية الحدث الأكبر، فإن ترك هذا مطلقًا عامدًا أو ناسيًا أعاد في الوقت، وهو قول في مذهب المالكية (١). وقيل: يشترط أن ينوي نية ما يتيمم له، وما يتيمم عنه، وهذا مذهب الحنابلة (٢). والراجح أن التيمم يقوم مقام الماء، فإذا نوى فرض التيمم، فقد قام بما هو واجب عليه، وإذا نوى الصلاة بتيممه، ارتفع حدثه الأصغر والأكبر؛ لأنه يلزم من نية الصلاة ارتفاع الحدث، وإذا نوى ارتفاع الحدث الأصغر ارتفع الأصغر فقط، أو نوى ارتفاع الحدث الأكبر دخل فيه الحدث الأصغر تمامًا كما هو في طهارة الماء، ولا فرق؛ لأن التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل يأخذ حكم المبدل، والله أعلم. * * *

стр. 2450

الفرع الثاني إذا تيمم للأصغر فهل يرتفع الأكبر مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. [م-٤٢٣] لو أن رجلًا تيمم للحدث الأصغر ناسيًا حدثه الأكبر، فهل يصح تيممه عن الحدث الأكبر؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فقيل: يصح، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٣).

стр. 2451

وقيل: لا يصح، اختاره الجصاص وأبو بكر الرازي من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣). تعليل من قال: يصح تيممه عن الحدث الأكبر: التعليل الأول: قالوا: لأنه لو كان ذاكرًا للجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم، وقد فعل. التعليل الثاني: قالوا: إن التيمم طهارة، فلا يلزم نية أسبابها كما في الوضوء. وهذا التعليل جيد، لكنهم لا يقبلونه فيما لو نوى التيمم وأطلق، فلا بد عندهم من نية الطهارة، أو نية استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة بذاتها لا تصح بدون طهارة، وهذا سبق بيانه. التعليل الثالث: أن الجنب والمحدث نيتهما واحدة، فلم يشترط نية الحدث الأكبر، قال النووي: إن الجنب ينوي بتيممه ما ينويه المحدث، وهو استباحة الصلاة، فلا فرق (٤). اهـ

стр. 2452

قلت: نية الصلاة تستلزم نية الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فكذلك لو كان جنبًا ونوى بغسله الصلاة ارتفع حدثه الأكبر، ولكن لو أن هذا الجنب انغمس في ماء، وخرج مرتبًا على القول بوجوب الترتيب، ولم ينو إلا الحدث الأصغر لم يرتفع حدثه الأكبر، فلماذا في التيمم قلنا: إذا نوى حدثه الأصغر ارتفع حدثه الأكبر، فالواجب أن يكون التيمم حكمه حكم الماء. التعليل الرابع: قالوا: التيمم عن الحدث الأصغر يجزئ عن الحدث الأكبر؛ لأن صفة التيمم فيهما واحدة. وقد جعل بعض أهل العلم هذا التعليل سببًا في وجوب تعيين النية كما سيأتي في أدلة القول الثاني. • دليل من قال: لا يصح تيممه عن الحدث الأكبر: الدليل الأول: (٩٧٥ - ٥٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١). وجه الاستدلال: أن هذا لم ينو إلا الحدث الأصغر، فكيف يرتفع الحدث الأكبر، وإذا كان هذا ممنوعًا في طهارة الماء، وهي الأصل، فكيف يكون مسموحًا به في طهارة التيمم، وهي

стр. 2453

الفرع، أي البدل. الدليل الثاني: التيمم للحدثين الأصغر والأكبر يقع لهما على صفة واحدة، فلا بد من التمييز بالنية (١). وهذا القول هو الراجح، فلا بد من التيمم إما أن ينوي رفع الحدث، أو استباحة الصلاة، نظرًا لقوة أدلته، والله أعلم. * * *

стр. 2454

الفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها المسألة الأولى لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • التيمم يقوم مقام الماء. • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم. • هذه المسألة ترجع إلى الاختلاف في توصيف التيمم، هل رافع للحدث، أو مبيح للعبادة؟ فعلى القول بأنه رافع لا يشترط نية ما يتيمم له، وعلى القول بأنه مبيح يشترط، والصواب الأول. [م-٤٢٤] إذا نوى بالتيمم الصلاة وأطلق فهل يصلي به الفرائض والنوافل؟ اختلف العلماء في هذا: فقيل: يصلي به النافلة والفريضة، وهذا مذهب الحنفية (١)، واختيار إمام الحرمين

стр. 2455

والغزالي من الشافعية (١)، ووجه في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: لا يصلي به إلا النافلة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). • تعليل الحنفية الشافعية: تعليل الحنفية يختلف عن تعليل الشافعية: أما الحنفية فيرون أن التيمم يرفع الحدث، فإذا ارتفع الحدث كان له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو التعليل الصحيح لفروع هذه المسائل. وأما تعليل إمام الحرمين والغزالي من الشافعية، فقالوا: إن الصلاة اسم جنس، فيشمل الفرض والنفل، فيكون حكمه حكم ما لو نوى بتيممه الفريضة والنافلة معًا. • تعليل الحنابلة: لما كان التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستباح به الفرض حتى ينويه؛ ولهذا كان التعيين شرطًا في الفرض، ولما لم يوجد أبيح له التنفل؛ لأنه أقل
следующие страницы →