← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وقيل: لا يصح، اختاره الجصاص وأبو بكر الرازي من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣). تعليل من قال: يصح تيممه عن الحدث الأكبر: التعليل الأول: قالوا: لأنه لو كان ذاكرًا للجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم، وقد فعل. التعليل الثاني: قالوا: إن التيمم طهارة، فلا يلزم نية أسبابها كما في الوضوء. وهذا التعليل جيد، لكنهم لا يقبلونه فيما لو نوى التيمم وأطلق، فلا بد عندهم من نية الطهارة، أو نية استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة بذاتها لا تصح بدون طهارة، وهذا سبق بيانه. التعليل الثالث: أن الجنب والمحدث نيتهما واحدة، فلم يشترط نية الحدث الأكبر، قال النووي: إن الجنب ينوي بتيممه ما ينويه المحدث، وهو استباحة الصلاة، فلا فرق (٤). اهـ

стр. 2452

قلت: نية الصلاة تستلزم نية الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فكذلك لو كان جنبًا ونوى بغسله الصلاة ارتفع حدثه الأكبر، ولكن لو أن هذا الجنب انغمس في ماء، وخرج مرتبًا على القول بوجوب الترتيب، ولم ينو إلا الحدث الأصغر لم يرتفع حدثه الأكبر، فلماذا في التيمم قلنا: إذا نوى حدثه الأصغر ارتفع حدثه الأكبر، فالواجب أن يكون التيمم حكمه حكم الماء. التعليل الرابع: قالوا: التيمم عن الحدث الأصغر يجزئ عن الحدث الأكبر؛ لأن صفة التيمم فيهما واحدة. وقد جعل بعض أهل العلم هذا التعليل سببًا في وجوب تعيين النية كما سيأتي في أدلة القول الثاني. • دليل من قال: لا يصح تيممه عن الحدث الأكبر: الدليل الأول: (٩٧٥ - ٥٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١). وجه الاستدلال: أن هذا لم ينو إلا الحدث الأصغر، فكيف يرتفع الحدث الأكبر، وإذا كان هذا ممنوعًا في طهارة الماء، وهي الأصل، فكيف يكون مسموحًا به في طهارة التيمم، وهي

стр. 2453

الفرع، أي البدل. الدليل الثاني: التيمم للحدثين الأصغر والأكبر يقع لهما على صفة واحدة، فلا بد من التمييز بالنية (١). وهذا القول هو الراجح، فلا بد من التيمم إما أن ينوي رفع الحدث، أو استباحة الصلاة، نظرًا لقوة أدلته، والله أعلم. * * *

стр. 2454

الفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها المسألة الأولى لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • التيمم يقوم مقام الماء. • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم. • هذه المسألة ترجع إلى الاختلاف في توصيف التيمم، هل رافع للحدث، أو مبيح للعبادة؟ فعلى القول بأنه رافع لا يشترط نية ما يتيمم له، وعلى القول بأنه مبيح يشترط، والصواب الأول. [م-٤٢٤] إذا نوى بالتيمم الصلاة وأطلق فهل يصلي به الفرائض والنوافل؟ اختلف العلماء في هذا: فقيل: يصلي به النافلة والفريضة، وهذا مذهب الحنفية (١)، واختيار إمام الحرمين

стр. 2455

والغزالي من الشافعية (١)، ووجه في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: لا يصلي به إلا النافلة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). • تعليل الحنفية الشافعية: تعليل الحنفية يختلف عن تعليل الشافعية: أما الحنفية فيرون أن التيمم يرفع الحدث، فإذا ارتفع الحدث كان له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو التعليل الصحيح لفروع هذه المسائل. وأما تعليل إمام الحرمين والغزالي من الشافعية، فقالوا: إن الصلاة اسم جنس، فيشمل الفرض والنفل، فيكون حكمه حكم ما لو نوى بتيممه الفريضة والنافلة معًا. • تعليل الحنابلة: لما كان التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستباح به الفرض حتى ينويه؛ ولهذا كان التعيين شرطًا في الفرض، ولما لم يوجد أبيح له التنفل؛ لأنه أقل

стр. 2456

ما يحمل عليه الإطلاق بخلاف الوضوء فإنه يرفع الحدث فاستباح به الجميع. والجواب عن هذا قد ذكرته في المسألة المتقدمة، وأن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث قول ضعيف، وما بني على الضعيف فهو ضعيف. * * *

стр. 2457

المسألة الثانية لو نوى بالتيمم نفلاً فصلى به فريضة • مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: التيمم طهور المسلم عند عدم الماء. • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم. • إذا نوى نفلًا جاز له أن يصلي به ما يشاء من الفروض والنوافل بناء على أن التيمم رافع للحدث، وقيل: إذا نوى نفلًا لم يصل به فرضًا بناء على أن التيمم مبيح لا رافع، والصواب الأول. وقيل: • الشيء لا يتضمن ما فوقه. • التيمم طهارة ضرورة، والحكم بالضرورة مقيد بقدرها. [م-٤٢٥] إذا نوى بتيممه نافلة، فهل له أن يصلي بهذا التيمم فريضة؟ اختلف أهل العلم في هذا: فقيل: يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يجد الماء أو يحدث، وهذا

стр. 2458

مذهب الحنفية (١). وقيل: لا يجوز أن تصلى الفريضة بتيمم النافلة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: لا تصلى النافلة بالتيمم أصلًا، وإنما يتيمم للمكتوبة (٥). • دليل من قال: يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل: الدليل الأول: (٩٧٦ - ٥٣) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٦). فإذا تيمم الرجل فهو على طهارته ما لم يجد الماء أو يحدث، ومن طلب منه إعادة التيمم فعليه الدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ، ولا يوجد دليل يطلب لمن كان متطهرًا إعادة الطهور. الدليل الثاني: (٩٧٧ - ٥٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة،

стр. 2459

عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١). فإذا كان التيمم يقوم مقام الوضوء، فإنه يأخذ حكمه، فإذا كان للمتوضئ أن يصلي بوضوئه ما شاء من الفرائض والنوافل، فكذلك الحكم في التيمم، له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل. • دليل من قال: إذا تيمم للنافلة لا يصلي بها الفريضة: هذه المسألة وأمثالها بنوها على مسألة سابقة، وهي هل التيمم يرفع الحدث، أو يعتبر يبيح للمتيمم فعل المأمور؟ فحين ذهبوا إلى الاعتقاد بأن التيمم لا يرفع الحدث، لم يجعلوا حكمه حكم الوضوء، وبنوا على هذه المسألة من الشروط والأحكام ما كنا في غنية عنه لو تبنوا القول الراجح، وهو أن التيمم يرفع الحدث إلى وجود الماء، فمن ذلك اشترطوا في التيمم نية ما يتيمم له من صلاة أو طواف، ونية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، فلو تيمم، ونوى نفلًا لم يدخل الفرض؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو نوى استباحة الصلاة وأطلق، فلم يعين فرضًا ولا نفلًا لم يصل به فرضًا (٢)، وبعضهم ذهب إلى أنه لا يصلي فرضين بتيمم واحد كما سيأتي بيانه، وهكذا كل هذه الفروع بنيت على أصل ضعيف، وهو أن التيمم لا يرفع الحدث، وقد بينت فيما سبق من السنة أن التيمم يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وهو يقوم مقام الماء في كل شيء، فأغنى عن إعادته هنا. • دليل من قال: لا يتيمم لنافلة: قال: إن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يتيمم إلا للمكتوبة؛ لأنه محدث أجيزت له

стр. 2460

الفريضة للضرورة، فلا نتعداها. وهذا يعكر عليه أن الرسول ﷺ تيمم لرد السلام، والطهارة لرد السلام مستحب، وليس بواجب. (٩٧٨ - ٥٥) فقد روى البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (١). • الراجح: الراجح من الخلاف مذهب الحنفية، وأن التيمم يقوم مقام الماء فيرفع الحدث بشرطه، وهو عدم الماء، أو الخوف أو العجز عن استعماله، والله أعلم. * * *

стр. 2461

المسألة الثالثة لو تيمم للفريضة فصلى به نافلة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل طهارة يجوز أن يصلي بها نافلة، فإنه فيجوز له أن يصلي بها فريضة كالوضوء، والعكس. • الصلاة جنس واحد، فما يصح في النفل يصح في الفرض إلا بدليل. • التيمم طهور المسلم عند عدم الماء. • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم بشرطه. وقيل: • الأعلى يتضمن الأدنى، والأقوى يتضمن الأضعف، فإذا نوى الفرض صلى به نافلة، وإذا نوى النافلة أبيح له مس المصحف، والطواف، وقراءة القرآن؛ لأن النافلة آكد من ذلك كله. • القوي ينوب عن الضعيف. [م-٤٢٦] اختلف أهل العلم فيما لو تيمم للفريضة، فهل له أن يصلي به نافلة،

стр. 2462

فقيل: له أن يصلي به نافلة مطلقًا، سواء تقدمت النافلة على الفريضة، أو العكس، وهذا مذهب الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: له أن يصلي به نافلة بشرط ألا تتقدم النافلة على الفريضة، وأن تكون النافلة موصولة بالفريضة، وهذا مذهب المالكية (٤)، وقول في مذهب الشافعية (٥). • وجه قول الجمهور: أما الحنفية فتعليلهم هو ما سبق أن التيمم يرفع الحدث، فإذا ارتفع الحدث فله أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو التعليل الصحيح لهذه المسألة. وأما تعليل الشافعية، فقالوا: كل طهارة يجوز له أن يتنفل بها بعد الفريضة، فإنه يجوز له قبلها كالوضوء (٦). وهذا التعليل جيد، لكن لا يطردونه، فلا يجيزون له فعل الفريضة لو تيمم بنية النافلة، فيقال لهم: لما لا تقولون: كل طهارة جاز أن يصلي بها نافلة، فيجوز أن يصلي بها فريضة كالوضوء، ولا فرق. وأما تعليل الحنابلة، قالوا: إذا نوى استباحة الأعلى الذي هو الفرض جاز له استباحة الأدنى: الذي هو النفل، فنية الفريضة أعلى من نية النافلة، دون العكس. فيقال لهم القاعدة المشهورة: الصلاة جنس واحد، ما صح في النفل صح في الفرض، وكذلك العكس، فكل ما يبطل النافلة يبطل الفريضة، وكل شيء يبطل

стр. 2463

الفريضة يبطل النافلة إلا بدليل صحيح من السنة كاستقبال القبلة ونحوها، فما لم يأت دليل على أن هذا خاص بالنفل دون الفرض فالأصل فيه استواء الحكم، ولذلك لما ذكر الصحابي ﵁ أن الرسول ﷺ كان يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها، قال: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (١)، فلولا هذا الاستثناء لانسحب الحكم حتى على الفريضة، فنحتاج إلى دليل من السنة على أن من تيمم للنفل لا يصلي به الفرض، ولا يوجد دليل، فلذلك فالقول الراجح أن الحدث إذا ارتفع يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل، سواء نوى ارتفاع الحدث، أو نوى صلاة مطلقة أو نوى نفلًا أو فرضًا. • تعليل المالكية: التعليل الأول: قال في مواهب الجليل: «الأصل أن لا يصلي صلاتين بتيمم واحد نافلة ولا فريضة، وأن لا يجوز التيمم للصلاة عند عدم الماء إلا عند القيام إليها، فأجيز أن يصلي بتيمم واحد ما اتصل من النوافل، والنافلة إذا اتصلت بالفريضة استحسانًا ومراعاة للخلاف لكونها لاتصالها بها كالصلاة الواحدة، فإذا طال ما بينهما سقطت مراعاة للخلاف، ورجعت المسألة إلى حكم الأصل في وجوب إعادة التيمم» (٢). • ويُجاب: الظاهر من هذا التعليل أنهم بنوه على أصل ضعيف، وهو أنه لا يصلي صلاتين بتيمم واحد، وهذا لا دليل عليه، وأنه اغتفر ذلك في النافلة بشرط أن تكون بعد الفريضة، وبشرط أن تكون متصلة بها بدون فاصل، وحملهم على ذلك أن النافلة يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفرض، ومراعاة للخلاف، وأنها إذا اتصلت كان

стр. 2464

حكمها حكم الصلاة الواحدة، وكل ذلك لا دليل عليه من السنة، وإنما هو قائم على نظر غير صحيح، وأن التيمم لا يرفع الحدث، ولو كانت النافلة إذا اتصلت بالفريضة كان حكمهما حكم الصلاة الواحدة، فلماذا لا تقولون هذا في الفريضة، وأنه يجوز أن يصلي فرضين بتيمم واحد بشرط اتصالها حتى يكونا كالصلاة الواحدة، ولو كان الحامل على ذلك مراعاة الخلاف، فإن الخلاف قائم حتى في صلاة فريضتين بتيمم واحد، فلماذا لم تقولوا بجواز ذلك مراعاة للخلاف، مع أن مراعاة الخلاف ليس من أدلة الشرع مطلقًا، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، ولكن دائمًا تجد القول الضعيف لا يَطَّرد، ويحمل تناقضه معه، بخلاف القول الصحيح، والله أعلم. • التعليل الثاني للمالكية: ذكر بعضهم تعليلًا آخر، وهو أن مالكًا إنما قال: تصلى النافلة بتيمم الفريضة، ولا تصلى الفريضة بتيمم النافلة، مع أن الكل صلاة؛ لأن الأصول مبنية على أن النوافل تبع للفرائض؛ لأن الفرائض أصول، فلما كان الأصل كذلك جاز أن تصلى النافلة بتيمم الفريضة؛ لأنها تبع لها، ولم يجز أن تصلى الفريضة بتيمم النافلة؛ لأن ذلك خلاف الأصول؛ إذ تصير الفريضة حينئذ تبعًا للنافلة. • ويُجاب: لو كان هذا الأصل صحيحًا لاطرد هذا الأصل في طهارة الماء، وكنا نمنع من صلاة الفريضة بعد النافلة حتى في الوضوء من أجل أن لا تكون الفريضة تبعًا للنافلة، فلما لم يراع مثل هذا في طهارة الماء لم يراع مثل ذلك في طهارة التيمم، والتيمم إنما هو بدل عن الوضوء، والبدل له حكم المبدل. * * *

стр. 2465

المسألة الرابعة في أداء الفرائض بتيمم واحد مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم. • يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفروض والنوافل بناء على أن التيمم رافع للحدث، وقيل: لا يستباح بالتيمم الواحد أكثر من فريضة بناء على أن التيمم مبيح لا رافع، والصواب الأول. [م-٤٢٧] اختلف الفقهاء في الرجل الواحد يصلي أكثر من فريضة بتيمم واحد: فقيل: إذا تيمم للفريضة فله أن يصلي به ما شاء من الفروض والنوافل، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).

стр. 2466

وقيل: لا يصلي به إلا فريضة واحدة، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، إلا أن المالكية في أحدى القولين عنهم استثنوا الصلوات الفائتة إذا صلاها متصلة بعضها ببعض (٣). • دليل من قال: يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل: الدليل الأول: (٩٧٩ - ٥٦) ما رواه عبد الرزاق من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٤). فقوله: (الصعيد وضوء المسلم) أي يقوم مقام الوضوء، فإذا كان من توضأ له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، فكذلك التيمم، فمن تيمم فقد ارتفع حدثه بالتيمم، فجاز له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يحدث أو يجد الماء،

стр. 2467

فما دام أنه لم يأت ما يبطل تيممه، ولم يشرع له تجديد التيمم، فيبقى على طهارته، هذا وجه استدلال الحنفية من الحديث القائلين بأن التيمم يرفع الحدث. وأما وجه استدلال الحنابلة القائلين بأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح، يرون أن التيمم إذا استباح به فعل الفريضة استباح به ما كان من جنسها، ولا فرق بين فريضة وأخرى، وأما إذا استباح به نافلة، فلا يستبيح به ما هو أعلى منها كالفريضة، فإذا تيمم للفريضة صلى به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقت الصلاة، أو يجد الماء، أو يحدث، فليس الفراغ من الفريضة حدثًا يبطل التيمم حتى نوجب للفريضة الأخرى تيممًا آخر، والله أعلم. الدليل الثاني: روى ابن المنذر من طريق إسرائيل، عن أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: يجزئ المتيمم أن يصلي الصلوات بتيمم واحد (١). الدليل الثالث: قال تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ... ثم قوله في سياقه: (فَتَيَمَّمُوا) فأمر بالصلاة بالتيمم على الوجه الذي أمر بها بالوضوء، فلما لم تقتض الآية تكرار الوضوء لكل صلاة لم تقتض تكرار التيمم (٢). وقال مالك: من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به، من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء، بأطهر منه، ولا أتم صلاة؛ لأنهما أمرا جميعًا،

стр. 2468

فكلٌ عمل بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء، لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء. قبل أن يدخل في الصلاة (١). • دليل من قال: لا يصلي به أكثر من فريضة واحدة: الدليل الأول: (٩٨٠ - ٧٥) ما رواه ابن المنذر من طريق الأزهر بن مروان، ثنا عبد الوارث، عن عامر الأحول، عن نافع، عن ابن عمر، قال: يتيمم لكل صلاة (٢). [حسن إن سلم من خطأ عامر الأحول] (٣).

стр. 2469

وعلى فرض صحته، فإنه مخالف لما ثبت عن ابن عباس، فإذا اختلف الصحابة كان الاتباع لأقرب القولين إلى الشرع، وقول ابن عباس موافق للقياس الصحيح، وسبق ذكره في أدلة القول الأول. الدليل الثاني: (٩٨١ - ٥٨) ما رواه عبد الرزاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة (١). [ضعيف جدًا] (٢).

стр. 2470

الدليل الثالث: (٩٨٢ - ٥٩) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أن عمرو بن العاص قال: نحدث لكل صلاة تيممًا (١). [ضعيف] (٢). الدليل الرابع: (٩٨٣ - ٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: يتيمم لكل صلاة (٣). [ضعيف، وله أكثر من علة] (٤).

стр. 2471

الدليل الخامس: الأصل أن الطهارة تجب لكل صلاة، بظاهر قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... ) [المائدة: ٦]، ولكن السنة خصت من ذلك الطهارة بالماء، حيث صلى النبي ﷺ يوم فتح مكة صلوات بوضوء واحد، فبقي التيمم على أصله، إذ لم يرد فيه من التخصيص ما ورد في الوضوء. • وأجيب: بأن قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]. إن كان يدل على استحباب الوضوء لكل صلاة لفعل الرسول ﷺ ، فإنه لا يدل على استحباب التيمم لكل صلاة، فضلًا أن يجب التيمم لكل صلاة، وذلك أن تجديد الوضوء قد وردت به السنة، ولم يرد في التيمم استحباب تجديده لكل صلاة، فكان الأولى أن يقال: إن السنة خصت التيمم، فلا يشرع التيمم لكل صلاة، والقول بأنه لولا ما فعل الرسول ﷺ يوم الفتح لكان الوضوء واجبًا لكل صلاة ليس بصواب، لما روى البخاري من حديث أنس، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث (١).

стр. 2472

فهذا الحديث ظاهره أن الوضوء لكل صلاة من فعل الرسول ﷺ خاصة، وأن الصحابة لم يكن يصنعون ما يصنع ﵊، وأن هذا لم يتلق بعد فتح مكة، وإنما كان هذا شأن الصحابة ﵃. وإن كان في الآية تقدير كما ذكر بعض أهل العلم، وأن معنى الآية، كما قال زيد بن أسلم ﵀: إذا قمتم إلى الصلاة: أي: من النوم .. فعلى هذا التقدير لا يكون فيه مستمسك لمن أوجب التيمم لكل صلاة، والله أعلم. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة نجد أن القول بأن المتيمم له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل أقوى من حيث الاستدلال، وذلك لأن القول بأنه ليس له أن يصلي إلا فريضة واحدة، وله أن يصلي ما شاء من النوافل خلاف القياس، فإن كان له أن يجمع من النوافل ما شاء، فله أن يصلي من الفرائض ما شاء، إذ ليس بين طهارته للمكتوبة وطهارته للنافلة فرق في شيء من الأحكام، وغير جائز أن نقول: إذا صليت النافلة فأنت متطهر، وإذا صليت المكتوبة فأنت غير متطهر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن من تطهر بموجب الكتاب والسنة فهو على طهارته، ولا ينقضها إلا كتاب أو سنة أو إجماع، أو قول صاحب لا مخالف له، ولا يوجد في هذه المسألة شيء من هذه الأمور، والعجب في مذهب المالكية رحمهم الله تعالى كيف يصلي الرجل مجموعة من الفرائض بتيمم واحد إذا كانت مقضية، ولا يصليها إذا كانت أداء، فهل هذا إلا دليل على أن هذا القول بني على الرأي المحض، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، والله أعلم. * * *

стр. 2473

المسألة الخامسة إذا تيمم للنافلة فصلى به نوافل أخرى مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • التيمم طهور المسلم عند عدم الماء. • كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم. • إذا نوى المتيمم النافلة صلى به ما يشاء من الفروض والنوافل بناء على أن التيمم رافع للحدث، وقيل: لا يستباح بالتيمم الواحد أكثر من عبادة واحدة بناء على أن التيمم مبيح لا رافع، وأن طهارة الضرورة تقدر بقدرها. [م-٤٢٨] لو تيمم الرجل ينوي بتيممه فعل نافلة من النوافل، فهل له أن يصلي بهذا التيمم نوافل أخرى، اختلف الفقهاء في ذلك، فقيل: له أن يصلي ما شاء من النوافل، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)،

стр. 2474

والحنابلة (١). وقيل: له أن يصلي نوافل أخرى بشرط أن تكون متصلة، فإن كان بينها فاصل طويل عرفًا أعاد تيممه، وهذا مذهب المالكية (٢). وهذه المسألة وإن كانت متفرعة عن المسائل السابقة، من كون التيمم يرفع الحدث، أو لا يرفعه، وإنما يبيح فعل الصلاة، ومع ذلك فقد خفف الجمهور في مسألة النوافل، فأجازوا فيها صلاة أكثر من نافلة بتيمم واحد، ولم يجيزوا ذلك في الفرض، وهذا راجع إلى أن النوافل مبنية على التيسير، فهذا الرسول ﷺ كان يصلي حيث توجهت به راحلته. * * *

стр. 2475

المبحث الرابع لو تيمم يريد به تعليم الغير مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • من نوى ما لا يصح إلا بطهارة كالصلاة صح تيممه، ومن نوى شيئًا لا يشترط فيه الطهارة كالتعليم لم يصح تيممه. • نية التعليم لا تتضمن نية الطهارة؛ لأنها ليست شرطًا فيها. • من نوى التعليم والصلاة صح تيممه؛ لعدم المنافاة، وتعليم العبادة عبادة. [م-٤٢٩] لو تيمم الرجل يريد تعليم الغير، فهل له أن يصلي بهذا التيمم؟ اختلف في ذلك. فقيل: يصلي به، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (١).

стр. 2476

وقيل: لا يصلي به، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). قال سفيان: من علم غيره الوضوء أجزأه، ومن علمه التيمم لم يجزه (٥). والخلاف في هذا قائم على حكم النية في التيمم، فمن يرى أن النية ليست شرطًا في صحة التيمم رأى أن تيممه لتعليم الغير يمكن له أن يصلي به، ومن رأى أن النية شرط في صحة التيمم، اشترط أن يكون مع نية التعليم نية التيمم للصلاة، ونحوها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القاعدة: أن من نوى ما لا يصح إلا بطهارة كالصلاة صح تيممه، ومن نوى شيئًا لا يشترط فيه الطهارة كالتعليم لم يصح تيممه؛ لأن نية التعليم لا تتضمن نية الطهارة؛ لأنها ليست شرطًا فيها، والله أعلم، ومن نوى التعليم والصلاة صح تيممه؛ لأن التعليم عبادة مقصودة، وكذا الصلاة، وقد صلى الرسول ﷺ على المنبر، وقال: إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي. متفق عليه (٦).

стр. 2477

فإذا كانت نية التعليم لم تقدح في صحة الصلاة، فكذلك إذا نوى التيمم للصلاة، ونوى التعليم لم يقدح في صحة التيمم، والله أعلم. * * *

стр. 2478

الشرط الثاني من شروط التيمم الإسلام مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الإيمان شرط لصحة العبادة، وليس شرطًا لوجوبها وأن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، ومعاقب في الآخرة على تركها على الصحيح. • كل ما تشترط له النية من العبادات لا يصح من الكافر؛ لأن الكافر ليس من أهل الثواب في الآخرة إلا غسل الجنابة من الذمية تكون تحت المسلم، وذبيحة الكتابي يذكر اسم الله عليها. [م-٤٣٠] سبق لنا في الكلام على شروط الوضوء أن قدمنا خلاف العلماء في وضوء الكافر، وهل يصح وضوؤه أو لا يصح، وأن مذهب الجمهور على أن الإسلام شرط في صحة الوضوء، وخالف في ذلك الحنفية ﵀، فقالوا بصحة وضوء الكافر، وقد تم مناقشة الأدلة هناك، فأغنى عن إعادته هنا، وفي هذا البحث نتناول الخلاف في التيمم، وهل يصح التيمم من الكافر، أو يشترط أن يكون المتيمم

стр. 2479

مسلمًا، في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقيل: الطهارة كلها من وضوء أو تيمم، بل وكل العبادات لا يصح فعلها من الكافر، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: يصح الوضوء من الكافر ولا يصح منه التيمم، وبه قال أبو حنيفة ومحمد ابن الحسن (٢). وقال أبو يوسف: إذا تيمم بنية الإسلام أو الطهر فهو صحيح، وإذا أسلم فله أن يصلي به، وإن تيمم بنية الصلاة لم يصح (٣). أما الخلاف في صحة الوضوء فقد سبق تحريره في كتاب الوضوء. وأما سبب الخلاف في التيمم فيرجع إلى الكلام على اشتراط النية فيه، فمن ذهب إلى وجوب النية في التيمم اشترط أن يكون المتيمم مسلمًا؛ لأن الكافر ليس من أهل النية، فكل عمل يفتقر إلى نية لا يصح فعله من الكافر؛ لأن النية تصير الفعل منتهضًا مسببًا للثواب، ولذلك لما كان أبو حنيفة ﵀ يرى صحة الوضوء بلا نية صحح الوضوء من الكافر، ولم يصحح تيممه لاشتراطه النية عنده في التيمم، وأما الجمهور الذين يذهبون إلى أن النية شرط في الوضوء والتيمم والغسل يذهبون إلى أن الإسلام شرط في صحة هذه الأفعال، فلا يصح فعلها من الكافر، وهو الصحيح. وسبب تفريق أبي يوسف بأنه إن نوى الكافر بتيممه الإسلام صح، فإذا أسلم بعد صلى بتيممه، وإن نوى به الصلاة لم يصح؛ لأن الكافر من أهل نية الإسلام، والإسلام رأس العبادة، فيصح تيممه بخلاف ما إذا تيمم للصلاة، فإنه ليس من أهل

стр. 2480

الصلاة، فلا يصح تيممه بهذه النية. والراجح قول الجمهور، وهل تجب على الكافر الطهارة من وضوء وتيمم وغسل، فيه خلاف، وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية، وهي هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وقد حررت فيها الخلاف في كتاب الوضوء، في الكلام على شروط الوضوء، فارجع إليها غير مأمور. * * *

стр. 2481

الشرط الثالث التكليف مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الجنون سبب لرفع التكليف. • أقوال المجنون والطفل الذي لا يميز وقصدهما لغو في الشرع. • من صحت منه النية صحت منه الطهارة، وما لا فلا؛ لأن التكليف شرط لوجوب الطهارة، وليس شرطًا لصحتها. [م-٤٣١] المكلف: هو البالغ العاقل، فلا يجب ولا يصح تيمم المجنون، وأما المميز: فيصح منه التيمم، ولا يجب عليه (١).

стр. 2482

وتعريف التمييز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الناس (١). وقيل: هو من يصل إلى حالة بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده، ولا يتقيد بسبع سنين (٢). وهذا التعريف هو ما يدل عليه اشتقاق كلمة مميز. وقيل: هو من استكمل سبع سنين (٣). وأما كون التيمم لا يصح من مجنون، وغير مميز؛ فلأن من شرط الوضوء النية على الصحيح، وهما ليس لهما نية صحيحة. وأما كونه لا يجب عليهما؛ فلأن من شرط الوجوب التكليف، وهما غير مكلفين. وقد أجمع أهل العلم على أن الطفل غير المميز لا يصح منه التيمم، قال ابن تيمية: الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول، ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين (٤). والكلام في هذا الشرط كالكلام فيه في باب الوضوء، فقد سبق لي أن ذكرت الأدلة على أن الوضوء لا يصح من غير المميز والمجنون، وأن البلوغ شرط لوجوب الوضوء، والتمييز شرط لصحته، والكلام في الباب هنا كالكلام في الباب هناك فارجع إليه غير مأمور إن أردت الوقوف على مزيد أدلة هذا الشرط، والله الموفق. * * *

стр. 2483

الشرط الرابع انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لا بقاء للطهارة مع وجود ما ينافيها إلا في المعذور. أو بلفظ آخر: • انقطاع ما يوجب الحدث شرط في صحة الطهارة إلا في المعذور. [م-٤٣٢] إذا أراد التيمم لا بد أن ينقطع ما يوجب الحدث، وذلك كالحيض والنفاس، والبول والغائط؛ لأن خروج مثل هذه ينقض الطهارة، ويوجب الحدث، إلا في المعذور كالمستحاضة، ومن به سلس بول، ونحوهما، فإنه يجوز له أن يتيمم، ولو لم ينقطع حدثه، بل إن خروج دم الاستحاضة، ومن به سلس بول، لا يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء أصلًا، وإنما يستحب منه الوضوء ومثله التيمم، ولا يجب، وهذا مذهب المالكية (١). وقد بحثت هذه المسألة في مجلد الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (٢). * * *

стр. 2484

الشرط الخامس طلب الماء قبل التيمم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • عدم الماء شرط في صحة التيمم، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ولا يصدق عليه أنه لم يجد إلا إذا سبقه طلب. • لا يجوز لمريد الوضوء الانتقال إلى التيمم إلا بعد اليأس من الوصول إلى الماء، أو القدرة على استعماله؛ لأن التيمم رخصة فلا تستباح إلا بيقين. [م-٤٣٣] سبق لنا أنه لا يصح التيمم إلا مع قيام العذر: وهو عدم الماء، أو العجز عن استعماله. وهل يجب عليه قبل التيمم طلب الماء، حتى يتحقق أن الماء معدوم، أو لا يجب عليه الطلب؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فقيل: إذا لم يرجُ وجود الماء، ولم يخبره مخبر، فليس عليه الطلب، ويجزيه التيمم، وهو مذهب الحنفية (١)، وراوية عن أحمد (٢).

стр. 2485

وقيل: يجب عليه الطلب، فإن تيمم قبل الطلب لم يجزه، وهو مذهب الجمهور (١). • دليل الجمهور على وجوب طلب الماء: الدليل الأول: استدلوا بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) فهذا دليل على وجوب طلب الماء؛ لأنه لا يصدق عليه أنه لم يجد الماء إلا بعد الطلب. الدليل الثاني: من جهة القياس، فإن التيمم بدل عن طهارة الماء، ولا يصح فعل البدل إلا بالعجز عن المبدل، ولا يتحقق العجز إلا بعد البحث والطلب. • دليل الحنفية على أن طلب الماء إذا لم يكن معه ماء غير واجب: استدلوا بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)، فمن لم يكن معه ماء فهو غير واجد للماء، فإن قيل: لا يكون غير واجد إلا بعد الطلب، قيل: هذا خطأ؛ لأن الوجود لا يقتضي طلبًا، قال تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [النساء: ٩٢]، ومعناه: ليس في ملكه، ولا له قيمتها، لا أنه أوجب عليه أن يطلبها. وقال تعالى: (فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ) [الأعراف: ٤٤]، فأطلق اسم الوجود على ما لم يطلبوه. وقال تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) [الضحى: ٨]. ويقال: وجد فلان لقطة، وإن لم يطلب وجودها. فإذا كان الوجود قد يكون من غير طلب، فمن ليس بحضرته ماء، ولا هو عالم به، فهو غير واجد، وإذا تناوله إطلاق اللفظ لم يجزئنا أن نزيد عليه فيه فرض الطلب؛ لأن فيه إلحاق الزيادة بحكم الآية، وذلك غير جائز (٢).

стр. 2486

• الراجح من الخلاف: بعد استعراض القولين وأدلتهما، يمكننا القول بأن من تحقق عدم الماء فإنه يتيمم من غير طلب؛ لأن طلب الماء حينئذ سيكون نوعًا من العبث، وأما من كان لا يتحقق عدم الماء، فإنه يلزمه طلب الماء؛ لأن الوضوء واجب إجماعًا، فيجب طلب الماء للقيام به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن شرط صحة التيمم عدم وجود الماء، ويبطل إذا وجد الماء، فكيف يصح تيممه، والاحتمال قائم بأن الماء قد يكون موجودًا حوله. ويمكن لنا أن نقسم حال الإنسان إلى أقسام: الأول: أن يعلم أن الماء غير موجود، كما لو كان في مفازة من الرمال، ولا يوجد بها أثر من حياة، فهذا يتيمم، وليس عليه الطلب. والله أعلم. الثاني: أن يغلب على ظنه بناء على أمارات معينة، فيعمل بغلبة الظن، سواء غلب على ظنه عدم الماء، فلا يلزمه الطلب، أو غلب على ظنه وجود الماء، فيجب عليه الطلب حينئذ. الثالث: أن يشك في وجود الماء، فيجب عليه الطلب حتى يصل إلى اليقين أو إلى غلبة الظن، فيعمل بموجبها. الرابع: أن يتوهم الأمر، فيجب عليه الطلب، سواء كان الوهم في وجود الماء أو عدمه. * * *

стр. 2487

الفرع الأول في تقدير المسافة التي تبيح التيمم ويسقط فيها طلب الماء مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • التحديد والتقدير لا يقال إلا بتوقيف، والواجب منه طلب لا مشقة فيه، ولا عظيم نصب؛ لأن التيمم شرع لدفع الحرج. • كل ما لم يحد شرعًا فإن مرجعه إلى العرف. • شرع التيمم دفعًا للحرج، والطلب الذي فيه حرج ومشقة ينافي مقصود الشارع. [م-٤٣٤] من خلال الفصل السابق تم مناقشة، هل يجب عليه طلب الماء قبل التيمم، وفي هذا الفصل سوف نناقش الحدود التي إذا بعد الماء فيها عن صاحبه، شرع له التيمم. اختلف في ذلك أهل العلم، فقيل: يتيمم إذا كان الماء يبعد ميلًا فأكثر، فإن كان أقل من ميل لم يجز التيمم،

стр. 2488

وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، ورجحه الكاساني في بدائع الصنائع (١). وقيل: إن كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنة أو يسرة يعتبر ميلًا واحدًا، وهو اختيار الحسن بن زياد من الحنفية (٢). وقيل: إن كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير، ويحس أصواتهم، وأصوات الدواب، فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك فهو بعيد، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٣). وقيل: لا يحد فيه حدًا، وإنما إذا شق عليه، أو على أصحابه إن انتظروه، أو خاف فوات الرفقة تيمم. وهذا القول رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة (٤)، والمشهور في مذهب المالكية (٥).

стр. 2489

وقيل يطلب الماء في رحله، وما قرب منه عرفًا، بحيث ينظر أمامه، وخلفه، ويمينه، وشماله إن كان الذي حواليه لا يستتر عنه، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). ولم يرد دليل في الشرع على تقدير مسافة معينة، وكل ما لم يحد شرعًا فإن مرجعه إلى العرف، والحكمة من مشروعية التيمم هو رفع الحرج كما نصت عليه آية التيمم، فالطلب الذي يلحق صاحبه مشقة وعنت فهو مرفوع، وإذا خاف فوت الرفقة لم يجب عليه طلب الماء، حتى ولو لم يكن يتضرر بفوتهم، فيكفي أن يفقد الإنس والألفة معهم، ومن قدره بالميل كالحنفية فتقديره لم يكن عن توقيف من الشارع، وإنما نظروا إلى المشقة التي تلحق الرجل في عصرهم، وأما في عصرنا فقد يكون الحال مختلفًا، فالسيارة ليست كالراحلة، والراكب ليس كالماشي، ومذهب الشافعية والحنابلة أرى أنه أيسر على المكلف ما دام أن الأمر ليس فيه توقيف، فينظر في مكانه، وما قرب منه، ولا يلزمه أن يشد رحله في طلب الماء، ويكفي أن يسأل أهل الخبرة بالمكان الذي هو فيه إن أمكن، فإذا لم يقف على الماء تيمم، ولا حرج، (٩٨٤ - ٦١) فقد روى ابن المنذر من طريق صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعي، قلت: حضرت الصلاة، والماء حائز على الطريق، أيجب أن أعدل إليه؟ قال: حدثني موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكون في السفر، والماء على غلوتين ونحو ذلك، فلا يعدل إليه (٣). [حسن] (٤).

стр. 2490

(٩٨٥ - ٦٢) وأما ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن سنان القزاز، أخبرنا عمرو بن محمد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتيمم بموضع يقال له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة (١). [فهذا منكر، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (٢).
следующие страницы →