• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض القولين وأدلتهما، يمكننا القول بأن من تحقق عدم الماء فإنه يتيمم من غير طلب؛ لأن طلب الماء حينئذ سيكون نوعًا من العبث، وأما من كان لا يتحقق عدم الماء، فإنه يلزمه طلب الماء؛ لأن الوضوء واجب إجماعًا، فيجب طلب الماء للقيام به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن شرط صحة التيمم عدم وجود الماء، ويبطل إذا وجد الماء، فكيف يصح تيممه، والاحتمال قائم بأن الماء قد يكون موجودًا حوله.
ويمكن لنا أن نقسم حال الإنسان إلى أقسام:
الأول: أن يعلم أن الماء غير موجود، كما لو كان في مفازة من الرمال، ولا يوجد بها أثر من حياة، فهذا يتيمم، وليس عليه الطلب. والله أعلم.
الثاني: أن يغلب على ظنه بناء على أمارات معينة، فيعمل بغلبة الظن، سواء غلب على ظنه عدم الماء، فلا يلزمه الطلب، أو غلب على ظنه وجود الماء، فيجب عليه الطلب حينئذ.
الثالث: أن يشك في وجود الماء، فيجب عليه الطلب حتى يصل إلى اليقين أو إلى غلبة الظن، فيعمل بموجبها.
الرابع: أن يتوهم الأمر، فيجب عليه الطلب، سواء كان الوهم في وجود الماء أو عدمه.
* * *
стр. 2487
الفرع الأول في تقدير المسافة التي تبيح التيمم ويسقط فيها طلب الماء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• التحديد والتقدير لا يقال إلا بتوقيف، والواجب منه طلب لا مشقة فيه، ولا عظيم نصب؛ لأن التيمم شرع لدفع الحرج.
• كل ما لم يحد شرعًا فإن مرجعه إلى العرف.
• شرع التيمم دفعًا للحرج، والطلب الذي فيه حرج ومشقة ينافي مقصود الشارع.
[م-٤٣٤] من خلال الفصل السابق تم مناقشة، هل يجب عليه طلب الماء قبل التيمم، وفي هذا الفصل سوف نناقش الحدود التي إذا بعد الماء فيها عن صاحبه، شرع له التيمم.
اختلف في ذلك أهل العلم،
فقيل: يتيمم إذا كان الماء يبعد ميلًا فأكثر، فإن كان أقل من ميل لم يجز التيمم،
стр. 2488
وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، ورجحه الكاساني في بدائع الصنائع (١).
وقيل: إن كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنة أو يسرة يعتبر ميلًا واحدًا، وهو اختيار الحسن بن زياد من الحنفية (٢).
وقيل: إن كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير، ويحس أصواتهم، وأصوات الدواب، فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك فهو بعيد، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٣).
وقيل: لا يحد فيه حدًا، وإنما إذا شق عليه، أو على أصحابه إن انتظروه، أو خاف فوات الرفقة تيمم.
وهذا القول رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة (٤)، والمشهور في مذهب المالكية (٥).
стр. 2489
وقيل يطلب الماء في رحله، وما قرب منه عرفًا، بحيث ينظر أمامه، وخلفه، ويمينه، وشماله إن كان الذي حواليه لا يستتر عنه، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
ولم يرد دليل في الشرع على تقدير مسافة معينة، وكل ما لم يحد شرعًا فإن مرجعه إلى العرف، والحكمة من مشروعية التيمم هو رفع الحرج كما نصت عليه آية التيمم، فالطلب الذي يلحق صاحبه مشقة وعنت فهو مرفوع، وإذا خاف فوت الرفقة لم يجب عليه طلب الماء، حتى ولو لم يكن يتضرر بفوتهم، فيكفي أن يفقد الإنس والألفة معهم، ومن قدره بالميل كالحنفية فتقديره لم يكن عن توقيف من الشارع، وإنما نظروا إلى المشقة التي تلحق الرجل في عصرهم، وأما في عصرنا فقد يكون الحال مختلفًا، فالسيارة ليست كالراحلة، والراكب ليس كالماشي، ومذهب الشافعية والحنابلة أرى أنه أيسر على المكلف ما دام أن الأمر ليس فيه توقيف، فينظر في مكانه، وما قرب منه، ولا يلزمه أن يشد رحله في طلب الماء، ويكفي أن يسأل أهل الخبرة بالمكان الذي هو فيه إن أمكن، فإذا لم يقف على الماء تيمم، ولا حرج،
(٩٨٤ - ٦١) فقد روى ابن المنذر من طريق صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعي، قلت: حضرت الصلاة، والماء حائز على الطريق، أيجب أن أعدل إليه؟ قال: حدثني موسى بن يسار، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يكون في السفر، والماء على غلوتين ونحو ذلك، فلا يعدل إليه (٣).
[حسن] (٤).
стр. 2490
(٩٨٥ - ٦٢) وأما ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن سنان القزاز، أخبرنا عمرو بن محمد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتيمم بموضع يقال له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة (١).
[فهذا منكر، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (٢).
стр. 2491
والموقوف كاف في الاحتجاج؛ لأن الصحابي أعلم من غيره متى يشرع له التيمم، ومتى لا يشرع.
(٩٨٦ - ٦٣) فقد روى مالك، عن نافع،
أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف حتى إذا كانا بالمربد نزل عبد الله، فتيمم
стр. 2492
صعيدًا طيبًا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى (١).
وإسناده في غاية الصحة.
(٩٨٧ - ٦٤) ورواه ابن المنذر من طريق أيوب، عن نافع به، بلفظ:
عن ابن عمر أنه أقبل من أرضه بالجرف، حتى إذا كان مربد النعم، حضرت صلاة العصر، فتيمم، وإنه لينظر إلى بيوت المدينة (٢).
وهو أصح شيء ورد في الباب حسب علمي، والله أعلم.
وقول محمد بن مسلمة من المالكية: «إنما تيمم عبد الله بالمربد، وهو بطرف المدينة؛ ولم ينتظر الماء؛ لأنه خاف فوات الوقت» (٣)، فيشكل عليه أن نافعًا قال: دخل المدينة، والشمس مرتفعة.
وأجاب الباجي في المنتقى على هذا الإشكال، فقال: يحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن يريد بقوله: والشمس مرتفعة: أي أنها مرتفعة عن الأفق، لم
стр. 2493
تغب بعد، إلا أن الصفرة قد دخلتها، فخاف فوات وقت الصلاة المختار.
الوجه الثاني: «أن يكون عبد الله قد رأى أنه لا يدخل المدينة حتى يخرج الوقت، فتيمم على هذا الاجتهاد، وصلى، ثم تبين له أنه كان في فسحة من الوقت، فلم يعد» (١).
قلت: هذا كله تأويل للأثر، ومن قبيل الحدس، ولا أظن أن عبد الله بن عمر ﵁ لا يدري أنه يدخل المدينة قبل خروج الوقت، خاصة وأنه ينظر إلى بيوت المدينة حين تيمم.
(٩٨٨ - ٦٥) أما ما رواه الطبراني من طريق المهيمن بن عباس، عن أبيه،
عن جده، أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يأتون العالية، فيدركون المغرب عند مربد النعم، فيتيممون (٢).
[فإسناده ضعيف] (٣).
* * *
стр. 2494
الفرع الثاني لو تيمم ناسيًا وجود الماء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• النسيان عذر في المنهيات دون المأمورات.
والفرق: أن الأمر يقتضي إيجاد الفعل، فما لم يفعل لم يخرج من العهدة، والنهي يقتضي الكف، والمفعول من غير قصد للمنهي عنه كلا قصد.
• الشروط لا تسقط بالسهو.
• لو صلى ناسيًا التيمم لم يسقط؛ لأنه من نسيان الشروط المأمور بفعلها، وأما نسيان محل الماء فهو عذر يلحقه بالعاجز عن الوصول إلى الماء.
[م-٤٣٥] إذا تيمم ناسيًا وجود الماء، وبعد الصلاة تبين له أن الماء كان معه، فهل يلزمه إعادة الصلاة، أو يصح تيممه؟
فقيل: لا تلزمه الإعادة. وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (١)، ومالك في
стр. 2495
إحدى الروايتين عنه (١)، ورواه أبو ثور عن الشافعي (٢)، واختاره ابن حزم ﵀، ورجحه ابن العربي من المالكية (٣).
وقيل: لا يصح تيممه، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٤)، وإحدى الروايتين عن مالك (٥)، والصحيح من مذهب الشافعية (٦)، والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ (٧).
• دليل من قال: لا تلزمه الإعادة، وتيممه صحيح:
الدليل الأول:
النسيان: عذر شرعي يلحق الإنسان، ومعه يكون عاجزًا عن استعمال الماء، والشرع اعتبر العذر مبيحًا للتيمم، ولو كان الماء موجودًا، كما لو جاء الإنسان إلى بئر، ولم يكن معه دلو يستقي به، فإن هذا عذر له يبيح التيمم، وإن كان الماء موجودًا، فالنسيان عجز شرعي لا يمكن معه استعمال الماء، فصح تيممه كالعجز الحسي.
الدليل الثاني:
إذا جهل وجود الماء، وخشي خروج الوقت صار مطالبًا شرعًا بالتيمم، وأن
стр. 2496
يؤدي الصلاة في وقتها، فلو ترك التيمم حتى خرج الوقت صار آثمًا لتفريطه، وإذا كان التكليف في حقه أن يتيمم ويصلي، كان فعله التيمم بمقتضى الشرع، فكيف نطالبه بالإعادة، وقد امتثل الأمر.
• دليل من قال: تلزمه الإعادة:
الدليل الأول:
أن القواعد الشرعية تدل على أن النسيان والجهل يعذر بهما المرء في حق الله تعالى في باب المنهيات، دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة ولم يؤمر بالإعادة لجهله (١)، وصلاته ﷺ في نعليه، وبهما آذى حتى أخبره جبريل بذلك، وهو في الصلاة، فنزعهما، وبنى على صلاته (٢)،
بخلاف فعل المأمور فإنه حين رأى رجلًا في قدمه لمعة لم يصبها الماء، قال: ارجع فأحسن وضوءك (٣).
стр. 2497
والفرق بين المأمورات والمنهيات من حيث المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها، امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه، فمن نسي الماء، وهو في رحله، وصلى بالتيمم، فإنه يطالب بفعله؛ لأنه من باب المأمورات، أرأيت لو أن الرجل نسي الطهارة، وصلى بدونها، لزمته إعادة الصلاة، فكذلك نسيان الماء، فإنه بمنزلة نسيان الطهارة الواجبة عليه. وهذا من أقوى أدلتهم (١).
• ويُجاب:
النزاع: هل يعتبر من نسي الماء، عاجزًا عن استعماله، أو ليس بعاجز؟ فإن اعتبرناه عاجزًا عن استعمال الماء لم يكن تاركًا للمأمور، لأنه حينئذ لم يكن مأمورًا بما عجز عنه شرعًا، وكان المأمور به في هذه الحال هو التيمم، وإن اعتبرناه في حالة النسيان ليس بعاجز شرعًا، صدق عليه أنه ترك ما هو مأمور فيه، فلا يعذر بالجهل والنسيان، ونحن نذهب إلى أن من نسي وجود الماء، وطلب الماء، وأمعن في طلبه، فلم يجده، أنه عاجز عن استعماله حالة نسيانه، وتيممه وصلاته إنما وقع في هذه الحالة، أعني حالة العجز، فلا يكون قد ترك المأمور، وفرق بين نسيان التيمم ونسيان الماء، فنسيان التيمم لا يسقطه كما لو نسي الوضوء، ونسيان الماء عجز شرعي عن استعماله، لأنه مخاطب أن يصلي قبل خروج الوقت، وقد عجز عن الوصول إلى الماء بذهوله عنه، فلا يكلف بالإعادة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن التيمم إنما يصح بشرطين: عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله، وهذا واجد للماء، وقادر على استعماله، إلا أنه جاهل بالوجود والقدرة، والجهل عذر في
стр. 2498
رفع الإثم، لا في إسقاط الواجب المأمور به، كما قلنا: في صلاته، ناسيًا الحدث، فإنه يجب عليه أن يتطهر ويصلي، فكذلك هنا.
• ويُجاب عن هذا.
إذا عجز الإنسان عن استعمال الماء صح تيممه كالمريض، وهذا الناسي غير قادر على استعمال الماء، فإمكان وقوع التيمم يقف على القدرة، والقدرة إنما تتصور مع العلم بمكان المقدور عليه، فإذا لم يعلم اختل شرط القدرة، وإذا لم يقدر صار عاجزًا، وإذا عجز أبيح له التيمم، وإذا أبيح له ذلك لم يلزم بالإعادة، ويفارق من حاله هذا حال من صلى بدون طهارة؛ لأن من صلى بدون طهارة لم يأت بالمأمور أصلًا، بينما هذا كان المأمور في حقه التيمم بدليل أنه لو ترك التيمم حتى خرج وقت الصلاة أثم لتفريطه، فإذا كان التيمم هو الطهارة في حقه، فكيف يقاس من نسي الطهارة بالكلية على من قام بها.
الدليل الثالث:
أن الله قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) فاشترط عدم وجود الماء، ولم يشترط عدم العلم بوجود الماء، وبينهما فرق.
• الراجح:
القولان فيهما قوة، وكل قول له وجه، والنفس تميل إلى القول بصحة تيممه، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون مشروطًا بأن يكون الرجل قد قام بما يعتقد أنه يلزمه من البحث عن الماء حوله حتى غلب على ظنه عدم وجود الماء، فإن لم يقم بطلب الماء حوله، فإنه يكون بذلك قد قصر في القيام بما يجب عليه، ويكون القول بالإعادة في هذه الحالة فيه قوة واحتياط، والله أعلم.
* * *
стр. 2499
الشرط السادس
في اشتراط دخول الوقت
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• التيمم طهور المسلم عند عدم الماء.
• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.
البدل يقوم مقام المبدل في حكمه، لا في وصفه (١).
وقيل:
• البدل دون المبدل منه (٢).
• المبدل منه أفضل من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدل (٣).
[م-٤٣٦] العبادات نوعان: عبادة مؤقتة بوقت، وذلك مثل الفرائض الخمس، والسنن الرواتب، والوتر ونحوها، وعبادة غير مؤقتة بوقت كالنفل المطلق.
стр. 2500
وقد اختلف العلماء هل يشترط لصحة التيمم دخول وقت العبادة المؤقتة، أو يصح تيممه ولو تيمم قبل دخول وقتها؟
فقيل: لا يشترط، وهو مذهب أبي حنيفة (١)، واختاره ابن شعبان من المالكية (٢)، وابن حزم (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤).
وقيل: يشترط دخول وقتها، وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
• وسبب الخلاف يرجع إلى سببين:
الأول: أن الوضوء عبادة مقصودة لذاتها يصح قصده وحده، ولهذا استحب تجديده، والتيمم ليس مقصودًا لذاته، ولا يستحب تجديده وإنما وهو وسيلة لغيره مما تشترط له الطهارة.
الثاني: اختلافهم في طهارة التيمم، هل هي طهارة ضرورة، والحدث فيها لا يرتفع، وإنما يستباح بها فعل المأمور، أو أنها طهارة بدل، تأخذ حكم المبدل من كل وجه إلى حين وجود الماء، فمن رأى أنه طهارة ضرورة، قال: لا يجوز التيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة، ومن رأى أنها تقوم مقام الماء عند عدمه أو عند العجز عن
стр. 2501
استعماله، قال: بجواز أن يتيمم قبل الوقت، وأن يصلي بتيممه هذا فروضًا ونوافل إلى حين وجود الماء أو قيام حدث ناقض لهذه الطهارة.
• دليل من قال: لا يتيمم قبل دخول وقت العبادة:
الدليل الأول:
قالوا: من القرآن قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) إلى قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن القائم إلى الصلاة أمر بالوضوء، فإن لم يجده تيمم، وهذا يقتضي أن لا يفعله إلا بعد قيامه إليها، وعدم الماء، والوضوء إنما جاز قبل الوقت؛ لوجود دليل خاص على جواز وقوعه قبل الوقت، فبقي التيمم على المنع، ولكون الوضوء رافعًا للحدث، بخلاف التيمم، فإنه طهارة ضرورة كطهارة المستحاضة (١).
• ويُجاب عن هذا:
إذا كنا أمرنا بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولم يمنع ذلك من جواز تقدم الوضوء على الوقت، لم يمنع هذا أيضًا من صحة التيمم قبل الوقت، وهذا مقتضى القياس الصحيح.
ولا يمكن لكم أن تخرجوا من هذا القياس الصحيح بقولكم إن الوضوء يرفع الحدث بخلاف التيمم؛ لأننا لا نسلم أن التيمم ليس رافعًا للحدث، وقد تمت مناقشة هذه المسألة في مسألة مستقلة، وتبين لنا بدليل الكتاب والسنة أن التيمم جعله الله مطهرًا لهذه الأمة كما في قوله تعالى: (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ).
وقوله ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (٢).
стр. 2502
فهذه الأدلة نص في موضع النزاع، وأن التيمم طهور المسلم، والطهور: هو ما يطهر غيره، ولو كان المراد طاهرًا لم يكن فيه خصوصية، فإن التراب طاهر لنا ولغيرنا من الأمم، وإنما اختصت هذه الأمة بكون التيمم مطهر.
كما أن القياس على طهارة المستحاضة، وأن طهارتها يشترط لها دخول الوقت، فهذه مسألة فيها نزاع أيضًا، ولا يوجد حديث صحيح يأمر المستحاضة بأنها لا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت، ولا بأمرها بالوضوء لكل صلاة، وإنما صح هذا من قول عروة ﵁ موقوفًا عليه، فالمستحاضة ومن به سلس بول إذا توضأ فهو على طهارته، يصلي به ما شاء من الفروض والنوافل، خرج الوقت أو لم يخرج، والحدث الدائم لا يؤثر في طهارته شيئًا؛ لأنه مغلوب عليه، فوجوده كعدمه، وهذا مذهب المالكية، وسبق بحث هذه المسألة في باب نواقض الوضوء، وإذا بطل المقيس عليه بطل المقيس.
الدليل الثاني:
(٩٨٩ - ٦٦) روى البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث أدركته الصلاة أي أدركه وقت الصلاة، فهذا دليل على أن التيمم لا يكون إلا بعد دخول وقت الصلاة.
стр. 2503
• ويُجاب:
أن الحديث إنما هو عن وجوب التيمم على العبد لوجوب الصلاة، فلا يجب التيمم على العبد إلا إذا أدركته الصلاة: أي وجب عليه فعلها، فالحديث في معنى الآية الكريمة: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]، فإذا كانت هذه الآية لا تمنع من الوضوء قبل دخول وقت الصلاة، لم يمنع الحديث من التيمم قبل دخول الوقت.
• دليل من قال: يجوز التيمم قبل دخول الوقت:
الدليل الأول:
لا يوجد نص من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ يمنع من التيمم قبل الوقت، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل الصحيح الخالي من النزاع.
الدليل الثاني:
القياس الصحيح: أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء، وإذا كان التيمم بدل عن الوضوء، فالبدل له حكم المبدل، فكما أن الوضوء يجوز قبل دخول الوقت فكذلك بدله الذي هو التيمم.
الدليل الثالث:
الصلاة في أول الوقت فضيلة في الجملة، قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء ٧٨].
وقوله ﷺ : أفضل الأعمال الصلاة على وقتها متفق عليه أي على أول وقتها.
ولا يمكن أن تقع الصلاة في أول الوقت إلا بتقديم الطهارة على دخول الوقت، والطهارة شيئان: الماء عند وجوده، والتراب عند عدم الماء، فاقتضى ذلك جواز تقديم التيمم على الوقت (١).
стр. 2504
الدليل الرابع:
حديث أبي ذر، وقول النبي ﷺ له: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١).
ولم يفرق بين كونه قبل الوقت أو بعده، وإنما علق جوازه بعدم الماء، لا بالوقت، وهذا معنى قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء، ولم يفرق بين حاله قبل الوقت أو بعده.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بجواز التيمم قبل الوقت هو القول الصحيح لقوة أدلته، وضعف أدلة الجمهور، والله أعلم.
* * *
стр. 2505
الشرط السابع في الشروط المتعلقة بالأرض المتيمم عليها
الفرع الأول في التيمم بغير التراب
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ما كان من جنس الأرض، ولم يتغير عن حكم الأصل، فإنه يجوز التيمم به.
• يجوز التيمم بالتراب والجص، والنورة، والرمل، وبكل ما هو من جنس الأرض.
• كل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم به، لقوله: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا.
[م-٤٣٧] اتفق العلماء على جواز التيمم بالتراب إلا من شذ.
قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز إلا من شذ منهم» (١).
стр. 2506
وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز، واختلفوا فيما عداه من الأرض (١).
وقال ابن رشد: «حصل الإجماع على إجازة التيمم على التراب، والاختلاف فيما سواه مما هو مشاكل للأرض» (٢).
[م-٤٣٨] واختلفوا بالتيمم بغير تراب مما هو من جنس الأرض،
فقيل: التيمم جائز بكل ما صعد على الأرض من جنسها، من تراب، أوجص، أو نورة، أو رمل، أو غير ذلك، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (٣).
وقيل: لا يجوز التيمم إلا بتراب طهور له غبار، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٤)، واختيار أبي يوسف من الحنفية (٥).
وقيل: يجوز التيمم بكل ما هو على وجه الأرض حتى الحشيش النابت على وجه الأرض والثلج إذا عم الأرض وحالا بينك وبينها، وهو قول في مذهب مالك (٦).
وقيل: لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو بالرمل دون الحجارة ونحوها، وهو قول
стр. 2507
لأبي يوسف من الحنفية (١).
• وسبب الخلاف في هذه المسألة:
اختلافهم في تفسير قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦]، ما هو الصعيد، وفي تفسيرها قولان:
أحدهما: أن الصعيد يطلق على التراب الخالص.
(٩٩٠ - ٦٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه،
عن ابن عباس، قال: أطيب الصعيد الحرث، وأرض الحرث (٢).
[ضعيف] (٣).
وليس فيه دليل على أن الصعيد يطلق على التراب؛ لأن قوله «أطيب الصعيد» اسم تفضيل، فهو يدل على أن غير أرض الحرث يسمى صعيدًا، لكن أرض الحرث أطيب الصعيد.
وقال الشافعي: لا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار (٤).
وقال الأزهري: «مذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦]، أنه التراب الطاهر الذي على وجه الأرض، أو خرج من باطنها» (٥).
واستدل بعضهم بقوله «طيبًا» فالأرض الطيبة: هي القابلة للإنبات، ففيها إشارة إلى اعتبار التراب، بدليل قوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ
стр. 2508
لا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِداً) (١).
ولا يتعين الطيب بوصف الإنبات فقط، وليس لاعتبار الإنبات معنى يعود إلى التيمم، وإنما المقصود بالطيب هنا الطاهر الذي هو ضد النجس، قال محمد بن مسلمة: يريد أن يكون طاهرًا، ولم يرد كرم الأرض ولا لؤمها (٢).
فالطيب: ضده الخبيث، ولا نعرف خبيثًا يمكن أن يوصف به الصعيد إلا أن يكون نجسًا.
والقول الثاني: الصعيد هو وجه الأرض.
قال في المصباح المنير: «الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك» (٣).
وقال الباجي: «الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو رملًا أو حجرًا، قاله
ابن الأعرابي وأبو إسحاق، والزجاج، قال أبو إسحاق: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة» (٤).
فهذان إمامان من أهل اللغة يحكيان الإجماع على أن الصعيد هو وجه الأرض، وينفيان وقوع اختلاف بين أهل اللغة في ذلك.
قلت: ويدل عليه قوله تعالي: (فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) [الكهف: ٤٠].
وقال : (صَعِيداً جُرُزاً) [الكهف: ٨]. والجرز: هي الأرض التي لا نبات عليها ولا زرع ولا غرس (٥).
стр. 2509
وقال ابن كثير: صعيدًا جرزًا: أي لا ينبت ولا ينتفع به (١).
وقال في المصباح المنير أيضًا: الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه:
على التراب الذي على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، وتجمع هذه على صعد بضمتين وصعدات، مثل طريق وطرق وطرقات.
فالخلاصة: أن الصعيد على هذا التفسير الأخير اسم مشترك يطلق على التراب، وعلى وجه الأرض، فمن استدل بالآية على أنها دليل على أنه لا يجوز التيمم إلا على التراب فقط فقد أخطأ؛ والذين يجوزون التيمم بكل ما هو على وجه الأرض لا يمنعون من التيمم بالتراب، وإنما ينكرون أن في الآية دليلًا على اختصاص التيمم بالتراب فقط.
فإذا عرفنا منشأ الخلاف فهذا أوان ذكر أدلة كل قول.
• دليل من قال: يتيمم بكل ما هو من جنس الأرض:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
قد قدمنا كلام أهل اللغة في معنى الصعيد، وأنه لفظ مشترك يطلق على التراب، وعلى وجه الأرض، ويجب استعمال المشترك في معنييه إلا أن يمنع من ذلك مانع، ولا مانع هنا.
الدليل الثاني:
(٩٩١ - ٦٨) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:
стр. 2510
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
فكل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم به.
الدليل الثالث:
أنه ﷺ في غزوة تبوك مر برمال كثيرة، ولم يكن يحمل معه التراب، ولم ينقل أنه كان يصلي بدون تيمم.
الدليل الرابع:
لو كان التيمم يختص بالتراب لجاءت النصوص صريحة واضحة بالنهي عن التيمم بالرمال والحجارة ونحوها؛ لأن الأمر يتعلق بالطهارة، والطهارة تتعلق بالركن الثاني للإسلام وهو الصلاة، فلما لم يأت نصوص تنهى عن التيمم بغير التراب، علم أن الأرض كلها يجوز التيمم عليها، والله أعلم.
• دليل من قال: التيمم خاص بالتراب ذي الغبار:
أما الدليل على اشتراط التراب، فاستدلوا بما يلي.
الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦]، قالوا: الصعيد: هو التراب.
وسبق الجواب عن ذلك، وبينت أن الصعيد كما يطلق على التراب يطلق على وجه الأرض، فهو لفظ مشترك.
стр. 2511
الدليل الثاني:
(٩٩٢ - ٦٩) استدلوا بما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش،
عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى.
وجه الاستدلال:
أن الحديث جعل الأرض كلها مسجدًا، وخص الطهورية بالتربة، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له، بل كان زيادة في اللفظ، ونقصًا في المعنى، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم (١).
وهذا أقوى دليل لمن اشترط التراب، وأجيب عنه بأجوبة منها:
الأول: أن حديث جابر: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا منطوقه يدل على أن جميع الأرض طهور.
وحديث حذيفة منطوقه يدل على أن التراب طهور، فمنطوقه موافق لمنطوق حديث جابر.
ومفهوم حديث حذيفة: أن غير التراب ليس مطهرًا، وإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته، ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته، فالمنطوق مقدم على المفهوم؛ لأن دلالة المفهوم دلالة ضعيفة، بخلاف المنطوق، ولا يمكن أن نخصص أو نقيد بالمفهوم (٢).
стр. 2512
الجواب الثاني:
إذا ذكر عموم أو مطلق بحكم، ثم ذكر فرد من أفراده بحكم يوافق حكم العام أو المطلق، فإن هذا الفرد لا يعتبر مخصصًا ولا مقيدًا للعموم.
مثال ذلك: إذا قلنا: أكرم طلبة العلم، فهذا لفظ يفيد عموم الطلبة، ثم قلنا: أكرم زيدًا، وكان زيد من طلبة العلم، فإنه لا يفهم منه تخصيص الإكرام لزيد وحده.
فحديث جابر: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا مطلق يشمل جميع الأرض.
وحديث وجعلت تربتها لنا طهورًا التراب فرد من أفراد الأرض، ذكر بحكم يوافق حكم الأرض بكونها طهورًا، فلم يقتض ذلك تقييدًا ولا تخصيصًا.
قال ابن المنذر في الأوسط للتدليل على هذه القاعدة: «ونظير ذلك قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) الآية [البقرة: ٢٣٨]، فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة: ٢٣٨]، ثم خص الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، فقال: (والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات» (١).
فكأن ابن المنذر يقول مفهوم (والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨] الآية، لا يعارض به منطوق حافظوا على الصلوات.
الدليل الثالث:
(٩٩٣ - ٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا المثنى بن الصباح، أخبرني عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني أكون في الرمل أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟
وأما الدليل على اشتراط الغبار:
فلقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن لفظة (منه) دالة على التبعيض، ولا يتحقق ذلك إلا بغبار يعلق باليد، ويمسح به الوجه واليدان.
• وأجيب:
أولًا: أن كلمة (منه) في الآية ليست دالة على التبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، كما في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الإسراء: ١].
ثانيًا: أن آية التيمم في سورة النساء ليس فيها كلمة (منه) قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) [المائدة: ٦].
ثالثًا: في حديث عمار ﵁ الذي رواه البخاري وفيه، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه (١).
والنفخ قد يزيل أثر التراب والغبار.
رابعًا: أن الرسول ﷺ كان يسافر في الأرض الرملية، ولم ينقل عنه ترك التيمم لعدم وجود الغبار، كل ذلك دليل على أن اشتراط الغبار قول ضعيف، والله أعلم.
• دليل من خص التيمم بالتراب والرمل:
لعل صاحب هذا القول حمله على إدخال الرمل خاصة مع التراب، كونه رأى
стр. 2515
أن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وكان ماؤهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل التراب معه، ولا أمر بحمله، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، فجعل الرمل ملحقًا بالتراب، والله أعلم.
• الراجح:
أن التراب والرمل ليس بشرط في صحة التيمم، فالأرض كلها يصح أن يتيمم عليها المسلم، والله أعلم.
* * *
стр. 2516
الفرع الثاني في طهارة ما يتيمم به
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• قال ﷺ : الصعيد الطيب طهور المسلم، فالحكم المعلق بوصف مناسب دليل على أن ذلك الوصف علة له، فعلم أن طهارتها مؤثرة في كونها مسجدًا وطهورًا، وإذا لم يكن التراب طهورًا لم يكن مطهرًا.
• الماء المتغير بالنجاسة لا يتوضأ به إجماعًا، وفرضه التيمم، والتراب بدل عن الماء، فهل للبدل حكم المبدل؟
أو يقال نجاسة الماء بسبب رقته تتعدى إلى بدن المتوضئ وثيابه، واستعماله سينشر النجاسة، بخلاف التراب النجس، ولأننا لو قلنا بوجوب طهارة التراب فالشرطية لا تثبت إلا بدليل؛ لأنها قدر زائد عن مجرد الوجوب؟
• الماء لا ينجس على الصحيح إلا بالتغير، فالتراب مثله إذا لم تظهر عليها النجاسة فالتيمم به صحيح.
стр. 2517
[م-٤٣٩] ذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط طهارة ما يتيمم به، فلا يصح التيمم على الأرض النجسة (١).
وفي مذهب المالكية قولان فيمن تيمم على أرض نجسة:
أحدهما: يعيد ما دام في الوقت.
والثاني: يعيد أبدًا (٢).
وعلى القول بأنه يعيد ما دام في الوقت فإن الإعادة ليست واجبة؛ لأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وبين خارج الوقت، وقد قال بعضهم عن أصحاب مالك: إن كل موضع يقول فيه مالك: إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب (٣).
стр. 2518
وقد أثبت جماعة من أهل العلم الخلاف في التيمم بالتراب النجس، وأنه ليس من مسائل الإجماع، منهم ابن حزم (١)، وابن المنذر (٢)، وسائر من نقلنا عنه من كتب المالكية ممن حرر الخلاف.
• دليل من اشترط الطهارة:
قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦]، والطيب ضد النجس (٣).
قال ابن قدامة: الطيب: الطاهر (٤).
(٩٩٤ - ٧١) ولما رواه ابن الجارود في المنتقى من طريق حماد، عن ثابت وحميد،
عن أنس ﵁، قال: جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا (٥).
[صحيح] (٦).
стр. 2519
• دليل من قال: يعيد ما دام في الوقت:
لقد ذكر ابن عبد البر: أن هذا الحكم إنما هو في أرض أصابتها نجاسة، ولم يظهر لها أثر في الأرض، وأما الأرض التي تُرَى فيها النجاسة، فإنه يعيد أبدًا (١)، فإذا كان ذلك كذلك، فهل الأرض بذلك تكون نجسة، ولا بد من غسلها بالماء، أو يحكم بطهارتها ما دامت لم تظهر فيها النجاسة، الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة فلم يظهر لها لون أو طعم، أو رائحة، وفيه قولان لأهل العلم، فمنهم من يرى نجاسته، ومنهم من يرى أنه طاهر حتى يتأثر بالنجاسة، وقد حررت ذلك في كتاب المياه، وذكرت أدلة كل قول، ورجحت أن الماء لا يحكم له بالنجاسة حتى تكون النجاسة غالبة على الماء، وذلك بأن يظهر لها أثر في الماء من طعم أو لون أو رائحة، فإذا لم يظهر لها شيء من ذلك، واستهلكت في الماء، فإن الماء طهور، والحكم لا يختلف عنه في الأرض، فإن لم يكن للنجاسة وجود محسوس لم تكن الأرض نجسة، ولكن ما هو الدليل على استحباب الإعادة بالوقت، ذكروا وجوهًا للاستحباب منها:
أن التيمم لا يجب فيه إيصال التراب إلى البشرة، إذ لو تيمم على الحجر الصلد أجزأه، وإنما الواجب قصد الأرض وضربها باليد، والمرتفع من التراب النجس إلى الأعضاء لم يحصل به خلل في طهارة الحدث، وإنما هو حامل لنجاسة لم يتعمدها، فيعيد في الوقت، على قاعدة إزالة النجاسة.
أو لأن الغبار ينتقل مع الريح الجارية على هذا المكان، والتيمم إنما يقع على أعلى المنتقل الطاهر (٢).
أو لأن الأمام طلب الإعادة بالوقت مراعاة للقائل من الأئمة بطهارة الأرض
стр. 2520
بالجفاف كمحمد بن الحنفية، والحسن البصري (١).
قلت: هذه مسألة أخرى سوف أتعرض لها في المسألة التالية لهذه.
أو لأن الحكم عائد إلى حكم الصلاة بالثوب النجس، فإن في مذهب المالكية قولًا باستحباب التخلي عن النجاسة في الصلاة، وأن الطهارة من الخبث ليس شرطًا ولا واجبًا من واجبات الصلاة، وأن من صلى في الثوب النجس يعيد ما دام في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، فهذا مثله. وقد ناقشت أدلة هذه المسألة ولله الحمد في كتاب أحكام النجاسات، فانظره مشكورًا في المجلد الذي يلي هذا.
• الراجح من الخلاف:
التيمم على النجاسة يختلف عن التيمم على التراب النجس، فالتيمم على النجاسة لا يجوز، وأما على التراب المتنجس، فإن كانت الأرض لم تظهر عليها النجاسة، فإن الأرض طيبة، يجوز التيمم والصلاة عليها، وإن كانت النجاسة ترى على الأرض فإنه لا يتيمم عليها، ولكن أن يجعل ذلك شرطًا في صحة التيمم نحتاج إلى نص شرعي ينفي صحة التيمم، ولا يكفي كون الشيء واجبًا أن يكون شرطًا، فإن الشرطية أخص من الوجوب، ولا بد في إثبات الشرطية أن نستند إلى نص ينفي صحة التيمم على الأرض النجسة، كما عبر عن الشرطية في الطهارة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (٢).
* * *
стр. 2521
الفرع الثالث في التيمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأرض كالماء إذا زال تغيرها بالنجاسة طهرت.
• الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
[م-٤٤٠] إذا أصابت الأرض نجاسة، ثم جفت، وذهب أثرها، فهل يتيمم بها؟
اختلف العلماء في هذا بناء على اختلافهم في طهارة الأرض المتنجسة بالجفاف، وهل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو تزال بأي مزيل، ومنه الجفاف؟
فقيل: يتيمم بها، وهو قول في مذهب الحنفية (١).
وقيل: يصلي عليها، ولا يتيمم بها، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (٢).
وقيل: لا يتيمم بها، وهو مذهب الجمهور (٣).
стр. 2522
دليل الحنفية في التفريق بين الصلاة والتيمم:
قالوا: لا يصح التيمم بها، وإن صحت الصلاة عليها؛ لأن الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت أصبحت طاهرة، غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، وأما التيمم فلا بد من طهورية الأرض، وبناء على هذا القول فهم يقسمون التراب إلى طهور وطاهر ونجس.
وقد أجبنا على ضعف قول من ذهب إلى هذا التقسيم في المسألة السابقة.
دليل من قال: يتيمم بها:
ذهب إلى أن الطهارة تزال بأي مزيل، ولا يتعين ذهابها بالماء، فإذا ذهبت عين النجاسة فقد ذهب حكمها.
دليل من قال: لا يتيمم بها:
ذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى في مسألة لاحقة.
أما المسألة السابقة فقد ذكرنا أدلتهم في مسألة خلاف العلماء في وجوب تعيين الماء لإزالة النجاسة، فالجمهور يذهبون إلى أن النجاسة لا تذهب حتى تزال بالماء فإذا لم تغسل بالماء فما زال حكم النجاسة باقيًا، ولو ذهبت عين النجاسة.
وسنكمل أدلتهم في مسألة لاحقة إن شاء الله تعالى، وهي مسألة: هل الجفاف مطهر للنجاسات، أو لا؟ في كتاب أحكام النجاسات من هذه السلسلة، فانظره في الموضعين غير مأمور.
* * *
стр. 2523
الفرع الرابع في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• التراب كالماء، إما طهور، أو ونجس، ولا يوجد قسم ثالث لا طهور ولا نجس.
[م-٤٤١] اختلف الفقهاء في التيمم بالتراب المستعمل.
فقيل: يجوز التيمم به، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأحد القولين في مذهب الشافعية (٣)، ووجه في مذهب الحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥).
وقيل: لا يجوز التيمم به، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧).
стр. 2524
• دليل من قال: يجوز التيمم بالتراب المستعمل:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل على تقسيم التراب إلى طهور وطاهر ونجس، بل التراب كالماء قسمان: إما طهور، وإما نجس.
الدليل الثاني:
كل الأدلة التي سيقت في الاستدلال على جواز الوضوء بالماء المستعمل في طهارة واجبة تصح دليلًا على صحة التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة، وقد سبق ذكرها في كتاب المياه.
الدليل الثالث:
قال ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (١)، والاستدلال في الحديث من وجهين:
الأول: أن الحديث قد نص على أن الأرض قد جعلها الله طهورًا، خرج من ذلك الأرض النجسة بالدليل الشرعي، بقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦]، وبقي ما عداه على الطهورية.
الوجه الثاني: أن كلمة (طهور) على وزن فعول، وهذا الصيغة تدل على التكرار، فدلت بالإشارة إلى جواز التيمم بالتراب المستعمل (٢).
الدليل الرابع:
أن التيمم لا يمكن أن ينفك عن استعمال التراب المستعمل، خاصة إذا قلنا: إن التيمم ضربة واحدة كما هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وسوف نعرض لها إن شاء لله تعالى في مبحث مستقل، فإذا مسح المتيمم وجهه، ثم عاد ومسح يديه
стр. 2525
بنفس الضربة، فقد مسحهما بالتراب المستعمل في مسح الوجه، وهذا دليل على جواز استعمال التراب المستعمل في طهارة واجبة.
الدليل الخامس:
ذكر بعضهم: أن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يصير التراب مستعملًا بخلاف الماء.
والصحيح أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا، ولا نحتاج إلى هذا الدليل في التفريق بين الماء المستعمل في طهارة واجبة، وبين التراب المستعمل في طهارة واجبة، بل الكل طهور.
• دليل من قال: لا يجوز التيمم بالتراب المستعمل:
إذا كان الماء المستعمل في طهارة واجبة لا يرفع الحدث، فكذلك التراب المستعمل في طهارة واجبة.
وقد بينا ضعف هذا القياس، وأن الصحيح أن الماء المستعمل في طهارة واجبة ماء طهور، وإذا كان الأصل ضعيفًا، فما بني على القول الضعيف فهو ضعيف.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة نجد أن القول الذي يقسم التراب أو الماء إلى طهور وطاهر قول ضعيف، وأن الصحيح أن التراب إما طهور، وإما نجس، ولا فرق بين الماء والتراب، وعلى التنزل بأن الماء المستعمل في طهارة واجبة ليس ماء مطلقًا، فهل التراب المستعمل أيضًا لا يقال له تراب مطلق، فالتيمم بالتراب لا يخرجه عن كونه ترابًا، وهو باق على صفته التي خلقه الله عليها، فكيف يمنع من التيمم به، ونقول له: إذا لم يجد غيره صل بدون تيمم.
* * *