← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الفرع الثالث في التيمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأرض كالماء إذا زال تغيرها بالنجاسة طهرت. • الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. [م-٤٤٠] إذا أصابت الأرض نجاسة، ثم جفت، وذهب أثرها، فهل يتيمم بها؟ اختلف العلماء في هذا بناء على اختلافهم في طهارة الأرض المتنجسة بالجفاف، وهل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو تزال بأي مزيل، ومنه الجفاف؟ فقيل: يتيمم بها، وهو قول في مذهب الحنفية (١). وقيل: يصلي عليها، ولا يتيمم بها، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (٢). وقيل: لا يتيمم بها، وهو مذهب الجمهور (٣).

стр. 2522

دليل الحنفية في التفريق بين الصلاة والتيمم: قالوا: لا يصح التيمم بها، وإن صحت الصلاة عليها؛ لأن الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت أصبحت طاهرة، غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، وأما التيمم فلا بد من طهورية الأرض، وبناء على هذا القول فهم يقسمون التراب إلى طهور وطاهر ونجس. وقد أجبنا على ضعف قول من ذهب إلى هذا التقسيم في المسألة السابقة. دليل من قال: يتيمم بها: ذهب إلى أن الطهارة تزال بأي مزيل، ولا يتعين ذهابها بالماء، فإذا ذهبت عين النجاسة فقد ذهب حكمها. دليل من قال: لا يتيمم بها: ذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى في مسألة لاحقة. أما المسألة السابقة فقد ذكرنا أدلتهم في مسألة خلاف العلماء في وجوب تعيين الماء لإزالة النجاسة، فالجمهور يذهبون إلى أن النجاسة لا تذهب حتى تزال بالماء فإذا لم تغسل بالماء فما زال حكم النجاسة باقيًا، ولو ذهبت عين النجاسة. وسنكمل أدلتهم في مسألة لاحقة إن شاء الله تعالى، وهي مسألة: هل الجفاف مطهر للنجاسات، أو لا؟ في كتاب أحكام النجاسات من هذه السلسلة، فانظره في الموضعين غير مأمور. * * *

стр. 2523

الفرع الرابع في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • التراب كالماء، إما طهور، أو ونجس، ولا يوجد قسم ثالث لا طهور ولا نجس. [م-٤٤١] اختلف الفقهاء في التيمم بالتراب المستعمل. فقيل: يجوز التيمم به، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأحد القولين في مذهب الشافعية (٣)، ووجه في مذهب الحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥). وقيل: لا يجوز التيمم به، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧).

стр. 2524

• دليل من قال: يجوز التيمم بالتراب المستعمل: الدليل الأول: لا يوجد دليل على تقسيم التراب إلى طهور وطاهر ونجس، بل التراب كالماء قسمان: إما طهور، وإما نجس. الدليل الثاني: كل الأدلة التي سيقت في الاستدلال على جواز الوضوء بالماء المستعمل في طهارة واجبة تصح دليلًا على صحة التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة، وقد سبق ذكرها في كتاب المياه. الدليل الثالث: قال ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (١)، والاستدلال في الحديث من وجهين: الأول: أن الحديث قد نص على أن الأرض قد جعلها الله طهورًا، خرج من ذلك الأرض النجسة بالدليل الشرعي، بقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦]، وبقي ما عداه على الطهورية. الوجه الثاني: أن كلمة (طهور) على وزن فعول، وهذا الصيغة تدل على التكرار، فدلت بالإشارة إلى جواز التيمم بالتراب المستعمل (٢). الدليل الرابع: أن التيمم لا يمكن أن ينفك عن استعمال التراب المستعمل، خاصة إذا قلنا: إن التيمم ضربة واحدة كما هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وسوف نعرض لها إن شاء لله تعالى في مبحث مستقل، فإذا مسح المتيمم وجهه، ثم عاد ومسح يديه

стр. 2525

بنفس الضربة، فقد مسحهما بالتراب المستعمل في مسح الوجه، وهذا دليل على جواز استعمال التراب المستعمل في طهارة واجبة. الدليل الخامس: ذكر بعضهم: أن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يصير التراب مستعملًا بخلاف الماء. والصحيح أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا، ولا نحتاج إلى هذا الدليل في التفريق بين الماء المستعمل في طهارة واجبة، وبين التراب المستعمل في طهارة واجبة، بل الكل طهور. • دليل من قال: لا يجوز التيمم بالتراب المستعمل: إذا كان الماء المستعمل في طهارة واجبة لا يرفع الحدث، فكذلك التراب المستعمل في طهارة واجبة. وقد بينا ضعف هذا القياس، وأن الصحيح أن الماء المستعمل في طهارة واجبة ماء طهور، وإذا كان الأصل ضعيفًا، فما بني على القول الضعيف فهو ضعيف. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة نجد أن القول الذي يقسم التراب أو الماء إلى طهور وطاهر قول ضعيف، وأن الصحيح أن التراب إما طهور، وإما نجس، ولا فرق بين الماء والتراب، وعلى التنزل بأن الماء المستعمل في طهارة واجبة ليس ماء مطلقًا، فهل التراب المستعمل أيضًا لا يقال له تراب مطلق، فالتيمم بالتراب لا يخرجه عن كونه ترابًا، وهو باق على صفته التي خلقه الله عليها، فكيف يمنع من التيمم به، ونقول له: إذا لم يجد غيره صل بدون تيمم. * * *

стр. 2526

الفرع الخامس التيمم بالتراب المغصوب مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • هل التراب المغصوب كالماء المغصوب، أو أن التطهر بالماء المغصوب يستهلك بالاستعمال فيفوته على صاحبه بخلاف التراب. • هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا؟ • هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا، أو أن النهي إذا كان لمعنى في غيره لم يقتض فساده؟ [م-٤٤٢] اختلف العلماء في التيمم بالتراب المغصوب، فقيل: يصح التيمم به، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنابلة (٢).

стр. 2527

والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الوضوء بالماء المغصوب، قال ابن مفلح: «وتراب مغصوب كالماء» (١). فالأدلة في المسألتين واحدة، وقد سبق بحث خلاف العلماء في الوضوء بالماء المغصوب، مع ذكر أدلة كل قول، وبينت أن الراجح صحة الوضوء، وأن التحريم والصحة منفكان، غير متلازمين، فقد يكون الشيء حرامًا صحيحًا، وقد يكون الشيء حرامًا فاسدًا، باعتبارات تعود إلى المنهي عنه، فتارة يكون النهي عائدًا إلى ذات الشيء المنهي عنه، وتارة يكون النهي لا يعود إليه، وإنما يعود لأمر خارج، فانظر أدلة كل فريق في المجلد الأول. * * *

стр. 2528

الباب الرابع فيما يتيمم عنه الفصل الأول في التيمم عن الحدث مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • قال تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) إلى قوله: ( ... وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) فذكر في طهارة الوضوء الحدث الأكبر والأصغر، ثم انتقل إلى طهارة التيمم فذكر حدثين: الأصغر بقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) والأكبر بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أي جامعتم النساء. [م-٤٤٣] أما التيمم عن الحدث الأصغر فإنه إجماع بين أهل العلم، قال النووي: «يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع» (١). واختلفوا في التيمم عن الحدث الأكبر،

стр. 2529

فقيل: يتيمم عنه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وقيل: لا يتيمم، وهو مذهب عمر وابن مسعود ﵄ (٢). دليل من قال بمشروعية التيمم عن الجنابة: الدليل الأول: استدلوا من كتاب الله بآية المائدة، سواء من قال: إن قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٣)، المقصود به الجماع، أو من قال إن المقصود به الحدث الأصغر وهو مس بدن المرأة. لكن من قال: إن المقصود بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) الحدث الأصغر كان توجيه للاستدلال بالآية على النحو التالي، قال: إن قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) إلى قوله سبحانه: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ثم قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (٤)، وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعًا. وأما من قال: إن المراد بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) هو الجماع، وهو تفسير

стр. 2530

ابن عباس ﵄، وهو الموافق لبلاغة القرآن، فالآية نص في تيمم الجنب، وتوجيه الآية: أن الله ذكر طهارتين: الماء والتيمم، وذكر في وجوب طهارة الماء سببين: الحدث الأصغر والأكبر، فالأصغر في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) والحدث الأكبر بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا). وفي طهارة التيمم كذلك: ذكر حدثين: الأصغر والأكبر، فالأصغر بقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) والأكبر بقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أي جامعتم النساء، ولو حمل على اللمس باليد لكان المعنى تكرار الحدث الأصغر، وإهمال الحدث الأكبر في طهارة التيمم، وهذا مناف للبلاغة المعهودة من كتاب الله ، فكان مقتضى التقسيم في طهارة الماء من ذكر الحدث الأصغر والأكبر، أن يعاد التقسيم نفسه في طهارة التيمم، لا أن يكرر الحدث الأصغر، ويهمل الحدث الأكبر، وهذه القرينة كافية في حمل اللمس على الجماع في الآية الكريمة، وقد فسرها ابن عباس بالجماع، وهو ترجمان القرآن، (٩٩٥ - ٧٢) فقد روى ابن أبي شيبة، من طريق عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد ابن جبير، قال: اختلفت أنا وأناس من العرب في اللمس، فقلت: أنا وأناس من الموالي: اللمس ما دون الجماع، وقالت العرب: هو الجماع، فأتينا ابن عباس، فقال: غلبت العرب، هو الجماع. [صحيح] (١). وقد احتج أبو موسى ﵁ بآية المائدة على مشروعية التيمم عن الجنابة، وذلك حين ناظر ابن مسعود، وانقطع ابن مسعود عن الجواب عن الآية، واعتذر بذلك بأنه قال بالمنع سدًا للذريعة:

стр. 2531

(٩٩٦ - ٧٣) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا أما كان يتيمم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد، قلت: وإنما كرهتم هذا لذا، قال: نعم ... الحديث (١). وفي رواية للبخاري: «فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، فكيف تصنع بهذه الآية، فما درى عبد الله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم .... وذكر الكلام السابق» (٢). وجواب ابن مسعود لم يكن مطابقًا للسؤال؛ لأن السؤال عن رجل أجنب فلم يجد الماء شهرًا، فهو عادم للماء، فقال: لا يصلي، واعتذر ابن مسعود بأنه لو رخص في هذا لتيمم الرجل الذي يجد الماء إذا برد عليه، وجواب ابن مسعود مشكل من الناحية الشرعية؛ لأن سد الذرائع يجب ألا يؤدي القول بها إلى إسقاط واجب أو ارتكاب محرم، وسوف أعلق عليه عند الكلام على مذهب عمر وابن مسعود ﵄. الدليل الثاني: (٩٩٧ - ٧٤) ما رواه البخاري من طريق الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه

стр. 2532

وكفيه، ورواه مسلم بنحوه (١). الدليل الثالث: (٩٩٨ - ٧٥) ما رواه البخاري، قال: أخبرنا عبد الله، قال أخبرنا عوف، عن أبي رجاء، قال: حدثنا عمران بن حصين الخزاعي، أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (٢). الدليل الرابع: (٩٩٩ - ٧٦) ما رواه أبو داود من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو ابن بجدان، عن أبي ذر، قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا ذر ابد فيها، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ ، فقال أبو ذر: فسكت، فقال: ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل، فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير (٣). الدليل الخامس: من النظر، فإن التيمم إنما شرع من أجل استدراك مصلحة الوقت؛ لأن عادم الماء قد يستطيع أن يصلي خارج الوقت بالماء، فشرع لإدراك فضيلة الوقت، وهذا قدر

стр. 2533

مشترك بين الحدثين الأصغر والأكبر. • دليل عمر وابن مسعود على أن الجنب لا يتيمم: الدليل الأول: عدم العلم بالدليل، وهو في حقهما كاف في الاستدلال؛ لأن الأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية، إلا أن من لم يعلم بالدليل لا يكون قوله حجة على من علم، وقد حفظ غيرهما التيمم عن الجنابة من حديث عمران بن الحصين، ومن حديث أبي ذر ﵁ فضلًا عن حديث عمار المتفق على صحته. الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]. وجه الاستدلال: أن الله نهى الجنب أن يقرب مصلى المسلمين إلا مجتازًا فيه حتى يغتسل، ولم يرخص له بالتيمم. قالوا: وتأويل قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) قالوا: اللمس قالوا: المقصود به: اللمس باليد دون الفرج ودون الجماع (١). وقد تكلمت في أدلة الجمهور على أن الراجح في معنى اللمس: هو الجماع خاصة، ولكن الله يكني بذكره كما قال تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) [البقرة: ١٨٧]، وقال: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧]، وهذا يراد به الجماع. وقد قال ابن عبد البر: «لم يتعلق بقول عمر وعبد الله أحد من فقهاء الأمصار من أهل الراي وحملة الآثار» (٢).

стр. 2534

قلت: قد تبعهما على ذلك إبراهيم النخعي من فقهاء التابعين، فيما حكاه ابن المنذر (١). وقد حاول بعض أهل العلم أن ينسب إليهما الرجوع عن هذا القول، وعندي أن دعوى الرجوع تحتاج إلى إثباته عنهما بسند صحيح صريح، وكثير من الأقوال الضعيفة التي قال بها بعض الصحابة، كالقول بجواز المتعة، أو القول بجواز مسح القدم بلا خف، أو نفي القول بمشروعية المسح على الخفين، أو القول بجواز ربا الفضل ونحوها تجد من أهل العلم من يحاول أن يثبت أن الصحابي الذي قال بهذا القول بأنه قد رجع، ولا يكون له دليل على هذه الدعوى إلا أنه قد ينبل بالصحابي أن يقول بهذا القول الضعيف فيحمله هذا على دعوى الرجوع، وقد يكون له دليل غير صحيح، أو صحيح ولكنه غير صريح، فمن ذلك مسألتنا هذه، فقد رأى بعض أهل العلم أن عمر وابن مسعود قد رجعا عن قولهما. قال النووي: «التيمم عن الحدث الأكبر جائز، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي التابعي، فإنهم منعوه، قال ابن الصباغ وغيره: قيل إن عمر وعبد الله رجعا» (٢). فقد ساق الرجوع بصيغة التمريض، وحكاية قيل ليست جزمًا برجوعهما. قال ابن عبد البر: «قال قائل: إن في بعض الأحاديث عن عمار، أن عمر لم يقنع بقول عمار، فالجواب: أن عمر كان يذهب إلى أن الجنب لا يجزيه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمار عن النبي ﷺ بأن التيمم يكفيه سكت عنه، ولم ينهه، فلما لم ينهه علمنا أنه قد وقع في قلبه تصديق عمار؛ لأن عمارًا قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع في قلبه تكذيب عمار لنهاه؛ لما كان الله قد جعل في قلبه تعظيم حرمات الله، ولا شيء أعظم من الصلاة، وغير متوهم على عمر أن يسكت على صلاة تصلى عنده بغير طهارة، وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى الناس لربه، وأنصحهم لهم في دينهم في

стр. 2535

ذلك الوقت رحمة الله عليه» (١). قلت: ليست القسمة أن يقع في قلب عمر تصديق عمار، أو تكذيبه، بل هناك قسم ثالث، وهو أن يقع في قلبه خطأ عمار، وقد قال لعمار: نوليك ما توليت (٢)، يعني: أنت تتحمل مسؤولية هذا البلاغ، وأنا برئ من هذا، فهو في أحسن أحواله لا يذكر شيئًا، ولذلك قال عمر لعمار: اتق الله يا عمار (٣)، فهذا دليل على أنه لم يقنع بكلام عمار. وقال الباجي: «والذي يظهر لي من قولهما أنهما إنما منعا ذلك للذريعة، وذلك أن أبا وائل روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو رخصنا لهم فيها لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتمم» (٤). وهذا الكلام يمكن أن يصدق على ابن مسعود وحده، ولا يصدق هذا الكلام على عمر، وذلك لأن عمر قد وعظ عمارًا حين ذكر له قصة التيمم، وقال له: اتق الله يا عمار، وأخبره بأنه لا يذكر شيئًا، وأما عن ابن مسعود فهو ثابت عنه، وفيه إشكال كبير، ولا بد من توجيهه، فالعمل في سد الذرائع سائغ بشرط ألا يؤدي ذلك إلى إسقاط واجب، أو ارتكاب محرم، فالجنب إذا منعناه من التيمم كان معنى ذلك إما أن يدع الصلاة إلى أن يجد الماء، أو يصلي بدون طهارة، وكلا الأمرين حرام، ثم لو صح كلام ابن مسعود في الجنب إذا تيمم مع وجود الماء خوفًا من البرد، لم يصح كلامه في الجنب إذا تيمم لفقد الماء، وعمر وابن مسعود يمنعان الجنب من التيمم مطلقًا مع عدم الماء، ومع وجوده والخوف من استعماله، فلا بد من توجيه كلام ابن مسعود ﵁، خاصة أنه من كبار فقهاء الصحابة ﵃، فيقال: إن ابن مسعود ذكر سببًا واحدًا من الأسباب التي حملته على القول بعدم تيمم الجنب، ولم

стр. 2536

يذكر كل الأسباب التي حملته على القول بالمنع، ولقد كان ابن مسعود ﵁ شديد المتابعة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فحين رأى أن عمر لم يقنع بكلام عمار، كما ذكر ابن مسعود ذلك في مناظرته لأبي موسى، ورأى أنه تعارض عنده كلام عمر وكلام عمار، وعمر أفقه من عمار ﵁، فاتبع ابن مسعود أفقه الرجلين، ولا بد من القول بذلك؛ لأن الاعتذار الذي ذكره ابن مسعود ﵁ من كونه منع ذلك من باب سد الذرائع لا يجوز القول به، وهو يؤدي إلى ترك الواجبات، والوقوع في المحرمات، وإنما كان ذلك من جملة المرجحات، وليس المرجح الوحيد، والله أعلم. وأعتقد أن مذهب عمر وابن مسعود أصبح مهجورًا في هذا العصر، فليس له أتباع فيما أعلم، والعجب ليس من نسيان عمر ﵁ ما حدث له مع عمار، فإن الإنسان مهما أوتي من حفظ فإنه معرض للنسيان، ولكن العجب كيف خفي على عمر وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري ﵁ الأحاديث الأخرى في تيمم الجنب، كحديث عمران بن الحصين، وقد كان وقع ذلك في الغزو بشهود عدد كثير من الصحابة، وكيف خفي عليهم حديث أبي ذر ﵁، فأبو موسى لم يحتج على ابن مسعود إلا في حديث عمار، وآية المائدة مما يدل على أنه لا يعلم الأحاديث الأخرى، وفي ذلك تسلية لطالب علم الحديث، فإنه قد يحكم لإسناد ما بأنه ضعيف، وهناك طريق أخرى صحيحة لم يقف عليها، وهذا أمر لا يسلم منه أحد، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. * * *

стр. 2537

الفصل الثاني في التيمم عن النجاسة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • التيمم لا يطهر الثياب النجسة، وهذا بالاتفاق. • لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعية التيمم عن النجاسة، والأصل في العبادات المنع. • التيمم ليس بدلًا عن إزالة النجاسة، وإنما هو بدل عن الحدث الأصغر بالاتفاق، والأكبر على الصحيح، إلا في استباحة الوطء، والمسح على الخفين. [م-٤٤٤] تبين لنا فيما سبق أن التيمم عن الحدث الأصغر محل اتفاق بين العلماء، وأن التيمم عن الجنابة أيضًا هو مذهب الأئمة الأربعة، ولم يخالف في ذلك إلا عمر بن الخطاب وابن مسعود وإبراهيم النخعي، وسوف نبحث في هذه المسألة التيمم عن طهارة الخبث، فإن كانت النجاسة على ثيابه لم يتيمم لها قولًا واحدًا (١)، وإن كانت النجاسة على بدنه، وليس عنده ما يزيلها، أو تضره إزالتها، فهل يتيمم لها؟ في هذا خلاف

стр. 2538

بين أهل العلم، فقيل: لا يتيمم عن طهارة الخبث، وهو مذهب الجمهور (١)، ورواية عن أحمد (٢). وقيل: بل يتيمم عنها، وبه قال الحسن البصري (٣)، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٤). وقيل: يمسح موضع النجاسة بالتراب، ويصلي، وبه قال الثوري والأوزاعي، وحكاه أبو ثور عن الشافعي (٥).

стр. 2539

• دليل من قال: لا يتيمم عن النجاسة: الدليل الأول: النص الشرعي ورد في التيمم عن الحدث، ولم يوجد دليل من الكتاب، ولا من السنة على صحة التيمم عن النجاسة، والأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية. الدليل الثاني: أن طهارة الحدث عبادة تعبدية، ومتعلقة بأعضاء لا علاقة لها بمحل الحدث، فإذا تعذر الماء تعبد الله بتعفير كفيه ووجهه بالتراب، وأما الطهارة من النجاسة فهي عبادة معقولة المعنى، ومتعلقة بمحل النجاسة، وليس بأعضاء الطهارة، وكان المطلوب من استعمال الماء في غسل النجاسة هو إزالتها، فمتى زالت النجاسة عن البدن ولو بلا نية طهر المحل، وهذا لا يحصل بالتيمم، فالتيمم لا يزيل النجاسة ولا يخففها، فلهذا لم يشرع. الدليل الثالث: الطهارة من النجاسة إنما تكون في محل النجاسة حيث كانت دون غيره، فلو كان هناك مطهر من ماء ونحوه لم يغسل من البدن إلا ما أصابته النجاسة، وأما التيمم فمحل التطهير في الوجه والكفين، فكيف يكون التراب مطهرًا للنجاسة في غير محل التطهير؟ • دليل من قال: يصح التيمم عن النجاسة إذا كانت على البدن: الدليل الأول: أما اشتراط كون النجاسة على البدن، فلحديث أبي ذر: الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه

стр. 2540

بشرته» سبق تخريجه (١). فقوله: «فليمسه بشرته» دليل على تعلق التيمم بطهارة بالبدن دون طهارة الثوب والبقعة. وقوله (طهور المسلم) مطلق، يشمل طهارته عن الحدث، وعن الخبث. • ويُجاب: بأن الحديث ورد جوابًا على سؤال وقع من أبي ذر، وهو أنه تصيبه الجنابة الليالي لا يقدر على الماء، فقال له الرسول ﷺ : الصعيد الطيب طهور المسلم أي طهوره من الجنابة، وليس من الخبث. الدليل الثاني: أن المكان النجس هو موضع من البدن يجب تطهيره بالماء مع القدرة عليه، فإذا عجز عن الماء وجب له التيمم بالتراب قياسًا على طهارة الحدث. • ويُجاب: بأن قياس طهارة الخبث على طهارة الحدث قياس مع الفارق، وذلك أن طهارة الحدث تجب لها النية، وطهارة الخبث تصح بدون نية، فلو نزل المطر على ثوب نجس حتى ذهب بعين النجاسة طهر الثوب، ولو لم ينو صاحبه إزالة النجاسة. ومنها أن طهارة الحدث من قبيل فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فهي من قبيل ترك المحظور، ولذلك لو صلى بدون طهارة الحدث وجب عليه إعادة الصلاة، بخلاف ما لو صلى ناسيًا أن عليه نجاسة، فإن صلاته صحيحة، ولا تجب عليه الإعادة. ومنها أن طهارة الحدث تكون في أعضاء مخصوصة، بينما طهارة الخبث تتبع موضع النجاسة حيث كانت. ومنها أن طهارة الحدث تعبدية، فليست ناشئة عن نجاسة، ولا ينجس المؤمن

стр. 2541

بالحدث، بخلاف الخبث، فإنه عين مستقذرة شرعًا. أن الحدث مانع يرتفع بالتعبد بالماء أو بالتراب، وأما الخبث فلن يزول بمجرد التيمم، نعم يمكنه أن يدعكه بالتراب حتى تزول عين النجاسة، وهذا لا يقال عنه تيمم. فهذه بعض الفروق بين الطهارتين مما يجعل قياس طهارة الحدث على طهارة الخبث قياس مع الفارق، والله أعلم. الراجح: مذهب جماهير أهل العلم، وأن التيمم عن النجاسة غير مشروع، والله أعلم. * * *

стр. 2542

الباب الخامس في فروض التيمم الفرض الأول مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب المبحث الأول ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لا يصح حديث في ذكر ضربتين في صفة التيمم. • طهارة المسح لا يشرع فيها التكرار إلا في طهارة الاستجمار ثلاثًا وإن أنقى بما دونها. • طهارة المسح مبنية على التخفيف. [م-٤٤٥] اختلف الفقهاء في كيفية الضرب والمسح، فقيل: يجب للتيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، وضربة يمسح

стр. 2543

بهما يديه إلى المرفقين، هذا مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: التيمم ضربة واحدة، للوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٤)، وأشهر القولين عن الأوزاعي (٥). وقيل: الضربة الأولى، ومسح اليدين إلى الكوعين فرض في التيمم، والضربة الثانية ومسح اليدين إلى المرفقين سنة فيه، وهو المشهور عند المالكية (٦)، واختاره

стр. 2544

القاضي من الحنابلة (١). وقيل: يمسح اليدين إلى الآباط، وهو مذهب الزهري رحمه الله تعالى (٢). وقيل: التيمم ضربتان، يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه ومرفقيه، وهذا قول ابن أبي ليلى، والحسن بن حي. قال ابن عبد البر: وما أعلم قال ذلك غيرهما (٣). وقيل: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين، وهذا أحد القولين عن الأوزاعي (٤)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). وتقدم القول الأول عنه، أنه ضربة واحدة، للوجه واليدين إلى الكوعين. هذا تقريبًا أهم كل ما قيل من أقوال في المسألة (٦). والأقوال الشاذة لن نعنى بها، وبذكر أدلتها، وإنما الذي يهمنا في هذا الباب ذكر أدلة أشهر الأقوال، والله أعلم. • دليل من قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين: الدليل الأول: (١٠٠٠ - ٧٧) ما رواه أبو داود في السنن من طريق محمد بن ثابت العبدي،

стр. 2545

أخبرنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر (١). [المعروف أنه موقوف على ابن عمر، وقد أنكر رفعه أحمد بن حنبل، والبخاري وأبو داود وأبو زرعة والبيهقي وغيرهم] (٢).

стр. 2546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2548

الدليل الثاني: (١٠٠١ - ٧٨) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن مخلد، وإسماعيل بن علي، وعبد الباقي بن قانع، أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا عثمان بن محمد الأنماطي، ثنا حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين (١).

стр. 2549

[الصواب موقوف، ورفعه شاذ] (١). الدليل الثالث: (١٠٠٢ - ٧٩) ما رواه الطحاوي من طريق أبي يوسف، عن الربيع بن بدر، حدثنا أبي، عن جدي، عن أسلع التميمي، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لي: يا أسلع قم، فارجل لنا. قلت: يا رسول الله أصابتني بعدك جنابة، فسكت حتى أتاه جبريل بآية

стр. 2550

التيمم، فقال لي: يا أسلع، قم فتيمم صعيدًا طيبًا: ضربتين، ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك، ظاهرهما وباطنهما، فلما انتهينا إلى الماء، قال: يا أسلع قم، فاغتسل (١). [حديث منكر، وقصة نزول آية التيمم مشهورة في الصحيحين، حين كان الصحابة في سفر، وقد ضاع عقد لعائشة، فقاموا، وليس معهم ماء، وليسوا على ماء، فنزلت آية التيمم، ولم تنزل الآية لهذه الحادثة] (٢). الدليل الرابع: (١٠٠٣ - ٨٠) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي صالح، حدثني الليث، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير

стр. 2551

مولى بن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ السلام حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وذراعيه، ثم رد ﵇ (١). [ذكر الذراعين في الحديث ليس بمحفوظ، وقد اختلف على أبي صالح عبد الله ابن صالح كاتب الليث في ذكر هذه الزيادة، والحديث في صحيح البخاري، وليس فيه مسح الذراعين] (٢).

стр. 2552

الدليل الخامس: (١٠٠٤ - ٨١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمن ابن أبزى، عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال إلى المرفقين (١). [إسناده ضعيف، وهو مخالف لما رواه أبان عن قتادة، ومخالف لما كان يفتي به قتادة، ومخالف لما رواه الناس عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار] (٢).

стр. 2553

الدليل السادس: القياس على الوضوء، وذلك أن الفرض في الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين، فكذلك التيمم يجب أن يكون المسح فيه إلى المرفقين (١). • ويُجاب: بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، وهل هذا النظر إلا مثل نظر عمار ابن ياسر ﵁ حين تمرغ في التراب قياسًا على طهارة الماء، فطهارة المسح لا ينبغي أن تقاس على طهارة الغسل، فطهارة المسح المشروع فيها التخفيف. • دليل من قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) [المائدة: ٦]. فذكر (اليد) وأطلق فلم يقيدها بشيء كما فعل في الوضوء، في قوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، واليد عند الإطلاق إنما يراد بها الكف، بدليل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، وقد أجمعوا على أن القطع إلى الكوعين، نقل الإجماع ابن عبد البر (٢)، فالمسح ينبغي أن يكون إلى الكوعين. قال ابن عبد البر: «وحجة من رأى التيمم إلى الكوعين جائز، ولم ير بلوغ

стр. 2554

المرفقين واجبًا: ظاهر قوله : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [المائدة: ٦]، ولم يقل: إلى المرفقين: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٣٤]، فلم يجب بهذا الخطاب إلا أقل ما يقع عليه اسم يد؛ لأنه اليقين، وما عدا ذلك شك، والفرائض لا تجب إلا بيقين، وقد قال الله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها من الكوع، فكذلك التيمم، إذ لم يذكر فيه المرفقين، وقد ثبت عن النبي ﷺ في أكثر الآثار في التيمم أنه مسح وجهه وكفيه، وكفى بهذا حجة؛ لأنه لو كان ما زاد على ذلك واجبًا لم يدعه رسول الله ﷺ » (١). الدليل الثاني: (١٠٠٥ - ٨٢) ما رواه البخاري من طريق الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، ورواه مسلم معلقًا بنحوه (٢). وهذا صريح أن المسح ضربة واحدة، وأنه في اليدين إلى الكفين، وقد أخرجه البخاري في صحيحه، فيجب المصير إليه، وظاهر آية المائدة تؤيده كما سقت ذلك في الدليل الأول. قال الحافظ ابن حجر: «الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى

стр. 2555

حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف، أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا (١)، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيها مقال ... » (٢). قلت: وكذلك رواية الآباط لا تثبت عن النبي ﷺ أيضًا، وقد سبق تخريجها والتيمم إلى الآباط، قول لا يعرف إلا لابن شهاب رحمه الله تعالى (٣). فلم يبق من روايات حديث عمار إلا ما ورد في الصحيحين، وأن التيمم للكفين فقط، والله أعلم. • دليل من قال: التيمم إلى الآباط: (١٠٠٦ - ٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عمار بن ياسر أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليهم الرخصة في المسح بالصعدات، فدخل عليها أبو بكر، فقال: إنك لمباركة، لقد نزل علينا فيك رخصة، فضربنا بأيدينا لوجوهنا، وضربنا بأيدينا ضربة إلى المناكب والآباط (٤). [الحديث فيه اضطراب كثير] (٥).

стр. 2556

وقد حاول بعض العلماء الإجابة عنه، على احتمال ثبوته بأجوبة منها: الأول: أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نسخ. ذكر الشافعي رحمه الله تعالى وأبو بكر الأثرم وغيرهما من العلماء: أن التيمم إلى الآباط إن كان وقع ذلك بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. اهـ ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد (١). الثاني: أن يكون ذلك وقع من الصحابة على وجه الاجتهاد قبل معرفتهم للصفة المشروعة من النبي ﷺ . قال ابن عبد البر: «يحتمل أن يكون من تيمم عند نزول الآية إلى المناكب أخذ بظاهر الكلام، وما تقتضيه اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أحكمت الأمور بعدُ بفعل النبي ﵇، وأمره بالتيمم إلى المرفقين» (٢). وقال ابن الجوزي: «وحديث عمار: (تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط) ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارًا لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالوجه والكفين، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي ﷺ في التيمم، أنه قال: الوجه والكفين. ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما عَلَّمه النبي ﷺ » (٣). وقال ابن رجب: «وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان: أحدهما: أن النبي ﷺ لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه

стр. 2557

عند نزول الآية لظنهم أن اليد عند الإطلاق تشمل الكفين والذارعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطًا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة، وظن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي ﷺ التيمم بفعله، وقوله (التيمم للوجه والكفين) فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه ﷺ ، ومنهم عمار راوي الحديث، فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين» (١). وهذا الجواب لا حاجة إليه مع تضعيف حديث عمار من طريق الزهري، لأنه يبعد كل البعد أن يكون التيمم نزل على رسول الله ﷺ ، وهم في السفر، ثم يتيمم أصحابه ﵃ دون أن يسألوا رسول الله ﷺ عن صفة التيمم، مع حرصهم على متابعة الرسول ﷺ في الدقيق والجليل، وإمكان الرجوع إلى المصطفى ﷺ في معرفة تلك الصفة، وعلى فرض أن يكون بعضهم فعل ذلك اجتهادًا مع وجود الرسول ﷺ بينهم، فإن الرسول ﷺ كان سيعلم ذلك إما من الوحي لمخالفته الصفة المشروعة، وإما من الناس خاصة إذا شاهدوا تيمم الرسول ﷺ مخالفًا لما فعلوه، وهذا إنما نقوله في المناظرة، وإلا فهو بعيد جدًا، ولم يكن الصحابة يجتهدون إلا حيث لم يكن رسول الله ﷺ معهم، وأما إذا كان معهم فإنه يرجعون إليه، ويصدرون عنه، فالصواب أن حديث عمار من طريق الزهري حديث مضطرب، وقد بينت اختلاف أصحاب الزهري عليه في إسناده في أول كتاب التيمم، وهذا الذي دفع ابن عبد البر أن يقول: «أحاديث عمار في التيمم كثيرة الاضطراب، وإن كان رواتها ثقات» (٢). قال ابن رجب: «هذا حديث منكر جدًا، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس، ذكره الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وروي عن الزهري أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي

стр. 2558

عنه أنه قال: لا أدري ما هو؟ وروي عن مكحول أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء، وقال: أيضًا: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه» (١). • الدليل الثاني لمن قال: يمسح إلى الآباط: قالوا: إن اليد إذا أطلقت يتناول جميع اليد، من رؤوس الأصابع إلى الآباط. • ويُجاب: هذا يحتاج إلى دليل على أن اليد تطلق على جميع الجارحة، بل الدليل قام من القرآن على خلاف هذا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو بلسان عربي مبين، قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، فأطلق اليد، ولم يفهم منه الرسول ﷺ ، ولا صحابته الكرام أن القطع يشمل جميع الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الآباط، بل قام الإجماع على أن القطع للكف فقط، وقد نقلته عن ابن عبد البر في أدلة القول السابق. • الراجح: بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن التيمم يقتصر على الوجه والكفين بضربة واحدة هو أقوى الأقوال دليلًا، وأسلمها من الاعتراض، فلم يثبت حديث مرفوع إلى النبي ﷺ بالتيمم إلى المرفقين، وإنما صح ذلك موقوفًا على بعض الصحابة، وليس في قولهم حجة مع مخالفتهم لحديث عمار المرفوع في الصحيحين، كما لم يثبت حديث مرفوع في أن التيمم ضربتان، والمصير في صفة التيمم إلى آية المائدة، مع حديث عمار بن ياسر، وما خالفهما فهو إما موقوف أو ضعيف، والله أعلم. * * *

стр. 2559

المبحث الثاني استيعاب المسح للوجه واليدين مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • طهارة المسح مبنية على التخفيف، ولهذا لم يشرع فيها التكرار، بخلاف طهارة الغسل. [م-٤٤٦] اختلف العلماء في حكم استيعاب المسح للوجه واليدين، فلو أن المتيمم ترك شيئًا يسيرًا من مسح وجهه أو يديه، فهل يصح تيممه؟ فقيل: الاستيعاب فرض، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 2560

وقيل: الاستيعاب ليس بفرض، فمسح الأكثر يقوم مقام الكل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (١)، واختيار ابن مسلمة من المالكية (٢)، ورجحه ابن حزم ﵀ (٣). ولذلك أوجب الأئمة الأربعة نزع الخاتم من أجل القيام بفرض الاستيعاب (٤). وأما تخليل الأصابع في التيمم: فمن ذهب منهم إلى جواز التيمم على الحجر ونحوه أوجب تخليل الأصابع، لكي يقوم بواجب الاستيعاب كالحنفية (٥)، والمالكية على المشهور (٦). ومن اشترط الغبار اشترط تفريج أصابعه إذا ضرب الأرض، حتى يتخللها
следующие страницы →