وقد حاول بعض العلماء الإجابة عنه، على احتمال ثبوته بأجوبة منها:
الأول: أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نسخ.
ذكر الشافعي رحمه الله تعالى وأبو بكر الأثرم وغيرهما من العلماء: أن التيمم إلى الآباط إن كان وقع ذلك بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. اهـ
ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد (١).
الثاني: أن يكون ذلك وقع من الصحابة على وجه الاجتهاد قبل معرفتهم للصفة المشروعة من النبي ﷺ .
قال ابن عبد البر: «يحتمل أن يكون من تيمم عند نزول الآية إلى المناكب أخذ بظاهر الكلام، وما تقتضيه اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أحكمت الأمور بعدُ بفعل النبي ﵇، وأمره بالتيمم إلى المرفقين» (٢).
وقال ابن الجوزي: «وحديث عمار: (تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط) ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارًا لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالوجه والكفين، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي ﷺ في التيمم، أنه قال: الوجه والكفين. ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما عَلَّمه النبي ﷺ » (٣).
وقال ابن رجب: «وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما: أن النبي ﷺ لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه
стр. 2557
عند نزول الآية لظنهم أن اليد عند الإطلاق تشمل الكفين والذارعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطًا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة، وظن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي ﷺ التيمم بفعله، وقوله (التيمم للوجه والكفين) فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه ﷺ ، ومنهم عمار راوي الحديث، فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين» (١).
وهذا الجواب لا حاجة إليه مع تضعيف حديث عمار من طريق الزهري، لأنه يبعد كل البعد أن يكون التيمم نزل على رسول الله ﷺ ، وهم في السفر، ثم يتيمم أصحابه ﵃ دون أن يسألوا رسول الله ﷺ عن صفة التيمم، مع حرصهم على متابعة الرسول ﷺ في الدقيق والجليل، وإمكان الرجوع إلى المصطفى ﷺ في معرفة تلك الصفة، وعلى فرض أن يكون بعضهم فعل ذلك اجتهادًا مع وجود الرسول ﷺ بينهم، فإن الرسول ﷺ كان سيعلم ذلك إما من الوحي لمخالفته الصفة المشروعة، وإما من الناس خاصة إذا شاهدوا تيمم الرسول ﷺ مخالفًا لما فعلوه، وهذا إنما نقوله في المناظرة، وإلا فهو بعيد جدًا، ولم يكن الصحابة يجتهدون إلا حيث لم يكن رسول الله ﷺ معهم، وأما إذا كان معهم فإنه يرجعون إليه، ويصدرون عنه، فالصواب أن حديث عمار من طريق الزهري حديث مضطرب، وقد بينت اختلاف أصحاب الزهري عليه في إسناده في أول كتاب التيمم، وهذا الذي دفع ابن عبد البر أن يقول: «أحاديث عمار في التيمم كثيرة الاضطراب، وإن كان رواتها ثقات» (٢).
قال ابن رجب: «هذا حديث منكر جدًا، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس، ذكره الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وروي عن الزهري أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي
стр. 2558
عنه أنه قال: لا أدري ما هو؟ وروي عن مكحول أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء، وقال: أيضًا: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه» (١).
• الدليل الثاني لمن قال: يمسح إلى الآباط:
قالوا: إن اليد إذا أطلقت يتناول جميع اليد، من رؤوس الأصابع إلى الآباط.
• ويُجاب:
هذا يحتاج إلى دليل على أن اليد تطلق على جميع الجارحة، بل الدليل قام من القرآن على خلاف هذا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو بلسان عربي مبين، قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، فأطلق اليد، ولم يفهم منه الرسول ﷺ ، ولا صحابته الكرام أن القطع يشمل جميع الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الآباط، بل قام الإجماع على أن القطع للكف فقط، وقد نقلته عن ابن
عبد البر في أدلة القول السابق.
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن التيمم يقتصر على الوجه والكفين بضربة واحدة هو أقوى الأقوال دليلًا، وأسلمها من الاعتراض، فلم يثبت حديث مرفوع إلى النبي ﷺ بالتيمم إلى المرفقين، وإنما صح ذلك موقوفًا على بعض الصحابة، وليس في قولهم حجة مع مخالفتهم لحديث عمار المرفوع في الصحيحين، كما لم يثبت حديث مرفوع في أن التيمم ضربتان، والمصير في صفة التيمم إلى آية المائدة، مع حديث عمار بن ياسر، وما خالفهما فهو إما موقوف أو ضعيف، والله أعلم.
* * *
стр. 2559
المبحث الثاني استيعاب المسح للوجه واليدين
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• طهارة المسح مبنية على التخفيف، ولهذا لم يشرع فيها التكرار، بخلاف طهارة الغسل.
[م-٤٤٦] اختلف العلماء في حكم استيعاب المسح للوجه واليدين، فلو أن المتيمم ترك شيئًا يسيرًا من مسح وجهه أو يديه، فهل يصح تيممه؟
فقيل: الاستيعاب فرض،
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 2560
وقيل: الاستيعاب ليس بفرض، فمسح الأكثر يقوم مقام الكل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (١)، واختيار ابن مسلمة من المالكية (٢)، ورجحه ابن حزم ﵀ (٣).
ولذلك أوجب الأئمة الأربعة نزع الخاتم من أجل القيام بفرض الاستيعاب (٤).
وأما تخليل الأصابع في التيمم: فمن ذهب منهم إلى جواز التيمم على الحجر ونحوه أوجب تخليل الأصابع، لكي يقوم بواجب الاستيعاب كالحنفية (٥)، والمالكية على المشهور (٦).
ومن اشترط الغبار اشترط تفريج أصابعه إذا ضرب الأرض، حتى يتخللها
стр. 2561
الغبار كالشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: ليس عليه تخليل أصابعه ولا نزع خاتمه،
стр. 2562
وهو رواية الكرخي عن أبي حنيفة (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢).
• دليل من قال: يجب الاستيعاب:
قال تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦].
(١٠٠٧ - ٨٤) وفي البخاري من حديث عمار بن ياسر:
قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٣).
فقوله: (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) يقتضي أن يكون المسح لجميع الوجه واليدين، والحديث امتثال وبيان للآية الكريمة (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة:
стр. 2563
٦]، وهو يرفع ما قد يتوهم في الباء من تبعيض، وقد بينا في فرائض الوضوء من قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) أن الباء لا تأتي للتبعيض، فهي كالباء في قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]، ولا يجوز بالإجماع الطواف ببعض البيت، والذين ذهبوا إلى جواز مسح بعض الرأس، مستدلين بأن الباء للتبعيض في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) لم يقولوا هذا في آية التيمم (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) وهي واحدة في الآيتين، ومتعلقها واحد، وهو فعل الأمر (امسحوا) وهذا نوع من التناقض.
الدليل الثاني:
القياس على طهارة الماء، فكما أن غسل الوجه واليدين يجب أن يشمل جميع الوجه واليدين، فكذلك في طهارة التيمم يجب أن يشمل جميع الوجه واليدين؛ لأن البدل له حكم المبدل.
• ويُجاب:
بأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه، ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين (١).
ثم إن هذا الدليل أنتم لا تأخذون به من كل وجه، فهل ترون أنه يجب أن يصل الماء إلى باطن الفم والأنف ليقوم مقام المضمضة والاستنشاق، أو إلى باطن الشعر الخفيف كشعر الحاجبين واللحية الخفيفة (٢)، فإذا استثنيتم ذلك، بطل القياس على طهارة الماء.
الدليل الثالث:
حكى الإمام أحمد أن التعميم في مسح الوجه إجماع.
стр. 2564
قال ابن رجب: «قال الجوزجاني: حدثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم، قال: يعيد الصلاة. فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح، ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحدًا ترك ذلك من تيممه» (١).
فإن كان فُهِم من كلام الإمام أحمد أنه إجماع كما فهمه ابن رجب ﵀، فهو إجماع على حكاية فعل، وليس إجماعًا قوليًا على وجوب التعميم، فهناك فرق بين النقل بأن أحدًا لم يترك كذا، وبين القول بوجوب التعميم؛ لأن الإجماع هنا قد يؤخذ منه على القول بثبوته على مشروعية التعميم، وليس على وجوبه؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لم ينقل عنه أنه أخل بالترتيب في الوضوء، ومع ذلك فالخلاف في وجوبه محفوظ، فما بالك بالنقل عن فعل السلف، وقد أثبتنا أن هناك قولًا في مذهب الحنفية أنه يجزئ مسح أكثر الوجه واليدين، وهذا اختيار ابن حزم، فهذا كاف في خرق الإجماع، والله أعلم.
• دليل من قال: مسح الأكثر يقوم مقام الكل:
الدليل الأول:
ذكر ابن حزم: أن الله قال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء: ١٩٥]، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم: ٤]، والمسح في اللغة لا يقتضي الاستيعاب، فوجب الوقوف عند ذلك، ولم يأت بالاستيعاب في التيمم قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول صاحب، نعم ولا قياس، فبطل القول به ... والعجب أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع، ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسح على الخفين، والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين
стр. 2565
لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان .... واضطربوا في الرأس .... ثم ذكر اختلافهم (١).
الدليل الثاني:
أن طهارة المسح مبنية على التخفيف، بخلاف طهارة الغسل، فإيجاب الاستيعاب في طهارة المسح فيه عسر ومشقة.
الدليل الثالث:
إذا كان المتيمم يمسح وجهه مرة واحدة بكلتا يديه، فلا تكفي يداه لاستيعاب كل جزء في وجهه مهما قل، فلو كان الاستيعاب فرضًا لشرع تكرار المسح للوجه؛ ليحصل الاستيعاب، فلما لم يشرع تكرار المسح للوجه علم أن الاستيعاب ليس فرضًا.
• الراجح من الخلاف:
المطلوب أن يمسح وجهه بكلتا يديه، ولا يكرر المسح، فما أتت يداه على وجهه بالمسح كاف في حصول المقصود، فإن الرسول ﷺ مسح وجهه مرة واحدة بكلتا يديه، ويعلم أن مسح الوجه باليدين لا يمكن أن يمسح كل جزء من وجهه، فإنه إن جمع أصابعه ليعمم بالمسح كل جزء من وجهه بقي طرفا الوجه بدون مسح، وإن فرج أصابعه ليمسح أكبر قدر ممكن من وجهه فإن ما بين أصابعه لم يصبه المسح، فيكون بذلك قد فوت جزءًا، ولو يسيرًا، وهذا دليل على أن مسح الغالب يقوم مقام الكل، وأما تخليل الأصابع فلم يقم دليل صحيح بل ولا ضعيف فيما أعلم على مشروعية تخليل الأصابع في التيمم، فضلًا أن يكون التخليل واجبًا، والتعليل في أن التراب ليس له نفوذ الماء وسريانه، فيعتبر التخليل آكد منه في التيمم منه في الوضوء، فهذا القول ممكن أن يعكس، فيقال: طهارة المسح مبنية على التخفيف، بخلاف طهارة
стр. 2566
الماء، فيستحب التخليل في الوضوء، ولا يشرع التخليل في التيمم، ثم إننا نقول: لسنا بحاجة إلى القياس بالعبادات، وخاصة إن التخليل إما أن يكون مشروعًا أو لا؟
فإن لم يكن مشروعًا فظاهر، وإن كان مشروعًا فلا بد أن يفعله الرسول ﷺ ، أو يرشد إليه، خاصة أنه تيمم ﵊، وفعله الصحابة في عهده، وبعد وفاته، فهل قدمتم دليلًا على أن الرسول ﷺ قد فعل ذلك، فإذا لم يوجد دليل كان هذا دليلًا على أن السنة تركه، فما تركه الرسول ﷺ فالسنة تركه، والله أعلم.
قال سليمان بن داود الهاشمي: «يجزئه في التيمم إن لم يصب بعض وجهه، أو بعض كفيه؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس إذا ترك منه بعضًا أجزأه» (١).
وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: «المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء منه لم يعد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء» (٢).
وقال الجوزجاني: «لم نسمع أحدًا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم، كما يتبعون في الوضوء بالتخليل» (٣).
ونقل حرب، عن إسحاق أنه قال: تضرب بكفيك على الأرض، ثم تمسح بهما وجهك، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية، أصاب ما أصاب، وأخطأ ما أخطأ، ثم تضرب مرة أخرى بكفيك (٤).
* * *
стр. 2567
المبحث الثالث مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• طهارة المسح مبنية على التخفيف
[م-٤٤٧] سبق لنا في طهارة الماء وجوب غسل ما تحت الشعر الخفيف، واختلف العلماء في طهارة التيمم، هل يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف كالعنفقة وشعر الحاجبين، وشعر اللحية الخفيف، أو لا يجب؟.
فقيل: يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف، وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد
стр. 2568
الوجهين في مذهبي الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: لا يجب مسح ما تحت الشعر،
اختاره أبو يوسف من الحنفية (٣)، وهو مذهب المالكية (٤)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
وقيل: لا يجب عليه مسح اللحية في التيمم، وهو قول في مذهب الحنفية (٧).
стр. 2569
• وسبب الخلاف اختلافهم في مسألتين:
الأولى: وسبق بحثها، هل يجب استيعاب الوجه واليدين بالمسح في التيمم؟
وقد ترجح بأن الاستيعاب ليس بواجب، وأن عليه أن يمسح وجهه بكلتا يديه، ولا يتعمد ترك شيء منه، فإن بقي منه شيء لا يرجع إليه بالمسح.
والثانية: قياس التيمم على الوضوء، فلما كان الوضوء يجب غسل ما تحت الشعر الخفيف، فهل يقاس عليه التيمم، فيقال بوجوب مسح ما تحت الشعر الخفيف؟
والصحيح أن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن المسح مبني على التخفيف، بخلاف طهارة الغسل، والله أعلم.
* * *
стр. 2570
المبحث الرابع صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: (١)
• كيفما أوصل المتيمم التراب إلى وجهه، وظاهر كفيه، صح تيممه.
• صفة العبادة كأصلها يقوم على التوقيف.
[م-٤٤٨] اختلف العلماء في صفة المسح بالتيمم:
فقيل: يضرب بيديه الصعيد، فيقبل بهما ويدبر (٢)، ثم ينفضهما، ثم يمسح بهما
стр. 2571
وجهه، ثم يعود بكفيه على الصعيد مرة ثانية، فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بذلك ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين، وهذه الصفة رواية أبي يوسف عن
أبي حنيفة (١).
وقيل: يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى، ظاهر يده اليمنى، من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك. وهذه هي الصفة المختارة عند الحنفية (٢).
وذلك لأن مسح ظاهر اليد اليمنى بباطن الأصابع، ثم مسح باطن اليد اليمنى بباطن الكف دون الأصابع فيه احتراز من استعمال التراب المستعمل (٣).
ونحوها عند المالكية، إلا أنهم لم يجعلوا الأصابع تمسح ظاهر اليد، والكف يمسح باطن اليد، بل الكف بأصابعها تمسح ظاهر اليد وباطنها، فقالوا في صفة التيمم المستحبة ما يلي:
«أن يضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة، فإن تعلق بها شيء نفضه نفضًا خفيفًا، ومسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى لليدين ويضع اليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكف إلى المرفق، ومن باطن المرفق إلى الكوع، ويفعل باليسرى كذلك.
стр. 2572
وأجاز الشيخ أبو الحسن وعبد الحق مسح كف اليمنى قبل الشروع في اليسرى؛ لأن الأصل أن لا يشرع في عضو إلا بعد كمال ما قبله.
وروى ابن حبيب تركها حتى يصل إلى كوع الأخرى، ويمسح الكوعين.
وجهه: أن كفه اليمنى كما تمسح ذراعه فكذلك ذراعه يمسح كفه، والتكرار في التيمم غير مطلوب، فلا يؤمر بمسح كفه بكفه، ولأنه يذهب بما في كفه اليمين من التراب (١).
وذكر صاحب الرسالة أنه إذا وصل إلى الكوع مسح بباطن إبهام اليسرى ظاهر إبهامه اليمنى، وكذلك في اليسرى (٢).
وذكر الشافعية صفة التيمم المستحبة نحوًا من ذلك، حيث قالوا:
أن يضع بطون أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، فيمرها عليه رافعًا إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى (٣).
وذكر النووي بأن مسح إحدى الراحتين، سنة على قول جمهور العراقيين، ونقله ابن الصباغ عن الأصحاب مطلقًا إذا كان قد فرق بين أصابعه في الضربة الثانية.
وقال البغوي: إن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسحهما حصل، وإلا فلا.
стр. 2573
قلت: كلام البغوي فيه نظر؛ لأن نية التيمم كافية، ولا تشترط نية عند كل فعل من أفعال التيمم، ومثله سائر العبادات، فالصلاة نية واحدة، والوضوء نية واحدة، والله أعلم.
وصوب النووي طريقة العراقيين، قال: فإن قيل: إذا سقط فرض الراحتين صار التراب الذي عليهما مستعملًا، فكيف يجوز مسح الذراعين به؟ ولا يجوز نقل الماء الذي غسلت به إحدى اليدين إلى الأخرى؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن اليدين كعضو واحد، ولهذا جاز تقديم اليسار على اليمين، ولا يصير التراب مستعملًا إلا بانفصاله، والماء ينفصل عن اليد المغسولة، فيصير مستعملًا.
الثاني: أنه يحتاج إلى هذا هاهنا، فإنه لا يمكنه أن يتم الذارع بكفها، بل يفتقر إلى الكف الأخرى، فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه.
ونقل صاحب البيان وجهًا أنه يجوز نقل الماء من يد إلى يد أخرى؛ لأنهما كيد، فعلى هذا يسقط السؤال (١).
وأما صفة التيمم عند الحنابلة:
فقالوا: يضرب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، يمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه (٢).
وقال ابن قدامة: «ويستحب أن يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، وليس بفرض؛ لأن فرض الراحتين قد سقط بإمرار كل واحدة على ظهر الكف» (٣).
ومع اعتراف بعض الفقهاء من كل مذهب بأن هذه الصفة التي استحبوها لم
стр. 2574
يأت عليها دليل من الشرع
فقد ذكر العيني في البناية والطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح، وهما من الحنفية بأن هذه الصفة -أعني المسح بالأصابع ظاهر اليد اليمنى، والمسح بباطن الكف باطن اليد اليمنى، ثم اليسرى مثل ذلك- لم ترد في شيء من الأحاديث (١).
وقال القرافي من المالكية: «وهذه الصفة وإن لم ترد - يعني في السنة- فليست تحكمًا، بل لما علم الفقهاء أن الإيعاب مطلوب، والصعيد ليس يعم بسيلانه كالماء اختاروا هذه الصفة؛ لإفضائها لمقصود الشارع، وفعل الوسائل لتحصيل المقاصد من قواعد الشرع وعادته» (٢).
فيقال: إذا اعترفتم بأن هذه الصفة لم ترد، فهل غاب إدراك هذه المصلحة عن الرسول ﷺ ، وعن صحابته الكرام، أو لا؟
فإن قلتم: هي معلومة للرسول ﷺ ، قلنا: فلماذا علمها ومع ذلك تركها، ألا يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة. ألا يكون فعلكم نوعًا من الاستدراك على الشرع، وإحداث صفة لم تكن مشروعة، أليست صفة العبادة توقيفية، فكيف نستحسن شيئًا لم يرد في أحاديث التيمم، نعم القول بأن التيمم ضربتان ورد في بعض الأحاديث المرفوعة الضعيفة، وفي بعض الآثار الصحيحة الموقوفة، وقد ناقشت ذلك في فصل مستقل، كما ناقشت في فصل مستقل القول بأن التراب فيه ما هو مستعمل، فلا يتيمم به، ومنه ما هو غير مستعمل، فيختص التيمم به، قياسًا على الماء، وبينت أن القول بأنه يوجد ماء أو تراب مستعمل لا يتطهر به، قول ضعيف، فأغنى الكلام هناك عن إعادته هنا، والله الموفق.
قال النووي من الشافعية: «قال الرافعي: وزعم بعضهم أن هذه الكيفية منقولة
стр. 2575
عن فعل الرسول ﷺ ، وليس هذا بشيء، قال أصحابنا: كيف أوصل التراب إلى وجهه واليدين بضربتين فأكثر بيده أو خرقة أو خشبة جاز، ونص عليه في الأم» (١).
وقال ابن رجب الحنبلي: «وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي، وأبي بكر، وغيرهما» (٢).
فهذا كلام جملة من أصحاب المذاهب قد صرحوا بأن هذه الصفة لم يثبت فيها حديث، فإذا عرفنا هذا فيقال في صفة المسح ما دل عليه حديث عمار في الصحيحين:
ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه، وكيف مسح فقد حصل المقصود.
قال في تنوير المقالة شرح ألفاظ الرسالة: «ولو مسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه، وأوعب المسح أجزأه؛ لأن الواجب التعميم على أي وجه وجد» (٣).
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم؟ فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض ضربة واحدة، وقال: هكذا.
قال ابن رجب تعليقًا: وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع، ومن كلام من قال من السلف: إن التيمم ضربة للوجه والكفين.
وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل، وهذا ضعيف؛ لأن التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان:
الوجه الأول: أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثًا، وهذا لم يرفع حدثًا على ظاهر المذهب.
стр. 2576
وعلى الوجه الثاني: أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل، فالمستعمل هو ما علق بالوجه، أو تناثر منه، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما بقي في الإناء بعد الاستعمال منه، وليس هو بمستعمل، ويجوز التيمم به» (١).
وقال ابن تيمية: «وصفة التيمم أن يضرب بيديه الأرض، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه لحديث عمار بن ياسر الذي في الصحيح» (٢).
وليس فيه دليل على استحباب - فضلًا عن وجوب - تفريج الأصابع، ولم يدل عليها سنة مرفوعة، ولا أعلم بها أثرًا صحيحًا، والسنة لزوم ما ورد في السنة عن الرسول ﷺ ، ولا يستحسن شيء من الصفات إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ ، أو عن أحد من صحابته رضوان الله عليهم.
* * *
стр. 2577
المبحث الخامس في اشتراط ضرب الأرض بالكفين للتيمم
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• العبرة بمسح الوجه واليدين بالتراب بنية التيمم.
[م-٤٤٩] هل يشترط في التيمم ضرب الأرض بيديه، أو يصح التيمم حتى لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: لا يشترط ضرب الأرض بيديه، فلو وضع كفيه على التراب أجزأه، وهذا
стр. 2578
مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
ودليلهم: أن الكتاب لم يعتبر ضرب الأرض من مسمى التيمم، فإن المأمور به في القرآن هو المسح فقط، قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦].
فالعبرة بمسح الوجه واليدين بالتراب بنية التيمم.
وأما حديث عمار بن ياسر ﵁ مرفوعًا، وفيه:
فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٥).
فهو لا يدل على وجوب كل ما ذكر في الحديث، ومنه الضرب، بدليل أن النفخ ليس بواجب، وهو مذكور فيه، وبدليل أن آية التيمم ليس فيها ذكر الضرب، فقد يكون الحديث خرج مخرج الغالب، أو أنه أراد من الضرب: إرادة المسح بالأرض، والضرب أبلغ من وضع اليد بالأرض، والله أعلم.
стр. 2579
ويتفرع على هذه المسألة سؤال آخر:
هل ضرب اليد بالأرض ركن بالتيمم، أو وسيلة يتوصل بها لمسح الوجه واليدين بالأرض، وينبني على الخلاف في هذه المسألة ما لو ضرب الأرض بيديه، ثم أحدث قبل مسح وجهه ويديه.
فقال أبو شجاع وهو من الحنفية: يعيد ضرب الأرض، كبطلان بعض الوضوء بالحدث.
وفي الخلاصة: الأصح أنه لا يستعمل ذلك التراب، كذا اختاره شمس الأئمة السرخسي (١).
قلت: وهذا هو مذهب الشافعية:
قال القاضي حسين البغوي: «إذا أحدث المتيمم بعد أخذه التراب، وقبل المسح بطل ذلك الأخذ، وعليه الأخذ ثانيًا، بخلاف ما لو أحدث بعد أخذ الماء، وقبل غسل الوجه، فإنه لا يضره؛ لأن المطلوب في الوضوء الغسل لا نقل الماء، وهنا المطلوب نقل التراب» (٢).
والصحيح أن نقل التراب ليس هو العبادة في التيمم، وإنما العبادة هو مسح الوجه واليدين بعد ضرب الصعيد الطيب.
قال القاضي الإسبيجابي من الحنفية: «يجوز -يعني: إذا أحدث بعد ضرب الأرض- كمن ملأ كفيه ماء، فأحدث، ثم استعمله، والذي يقتضيه النظر عدم اعتبار ضربة الأرض من مسمى التيمم شرعًا؛ فإن المأمور به المسح ليس غير في الكتاب،
стр. 2580
قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦] (١).
هذا وقد عقدت فصلًا مستقلًا فيما لو ألقت الرياح التراب على وجه المتيمم وكفيه، فهل يجزئ ذلك عن ضرب الأرض، أو لا بد من ضرب الأرض بالتيمم، فتلك المسألة لها متعلق بهذه، وقد حكيت فيها ثلاثة أقوال:
الإجزاء مطلقًا، والمنع مطلقًا، والإجزاء إن مسح بيديه على وجه وكفيه، فارجع إليها لزيادة البحث في هذه المسألة، والله أعلم.
* * *
стр. 2581
المبحث السادس مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد
[م-٤٥٠] اختلف العلماء في مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد:
فقيل: لا يجوز المسح بأقل من ثلاثة أصابع، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجوز ولو بباطن إصبع واحد، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 2582
وقيل: لا يجزئه، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
• دليل من قال: يجزئ يد واحدة:
قالوا: إن الغرض إيصال التراب إلى محل الفرض، وقد حصل (٢).
ولأن المسح في الآية مطلق، فيتناول اليد وغيرها كما يتناول يد الغير (٣).
فآية التيمم ذكرت الممسوح، ولم تذكر آلة المسح، فكيف حصل المسح أجزأ.
• دليل من قال: لا يجزئه:
الدليل الأول:
(١٠٠٨ - ٨٥) استدلوا بما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر، وفيه:
قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. ورواه مسلم (٤).
وهذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، نعم يدل على استحباب ضرب جميع الكفين بالأرض، والله أعلم.
• الراجح:
جواز مسح الوجه واليدين بيد واحدة أو بعض يده، أو بخرقة ونحوها بعد ضربها بالتراب؛ كما لو يممه غيره بإذنه.
* * *
стр. 2583
الفرض الثاني
حكم الترتيب في طهارة التيمم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل عدم وجوب الترتيب.
• الواو هل تفيد الجمع والترتيب، أو تفيد مطلق الجمع فلا يلزم الترتيب إلا بدليل مستقل.
وقيل:
• العبادات المحضة المشتملة على أفعال متغيرة يلزم فيها التقيد بالصفة الواردة بالشرع، والترتيب جزء من صفة العبادة، والإخلال به تغيير للعبادة الواردة.
[م-٤٥١] اختلف العلماء في حكم الترتيب في التيمم، بأن يمسح وجهه أولًا، ثم يديه،
فقيل: الترتيب مسنون، وليس بواجب، وهذا مذهب الحنفية (١)،
стр. 2584
والمالكية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: الترتيب فرض، بأن يقدم وجهه، ثم يديه وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: إن تيمم بضربتين: وجب الترتيب، وإن تيمم بضربة واحدة لم يجب، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يقدم في التيمم اليدان قبل الوجه، وهو قول الأعمش (٦).
• دليل من قال: إن الترتيب مسنون:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل على أن الترتيب واجب، والأصل عدم التكليف حتى يقوم دليل على الوجوب.
الدليل الثاني:
لو كان الترتيب واجبًا لعبر الله عنه بـ (ثم) المفيدة للترتيب، ولقال سبحانه
стр. 2585
وتعالى: فامسحوا بوجوهكم ثم أيديكم، فلما قال : (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦]، وطلب مسح الوجه والأيدي بالواو، والواو في اللغة لا تقتضي ترتيبًا، وإنما تقتضي مطلق التشريك، مثله لو قلت لك: اشتر لي خبزًا ولحمًا. فإذا اشتريت اللحم قبل الخبز فقد امتثلت الأمر.
الدليل الثالث:
(١٠٠٩ - ٨٦) ما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال:
كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه ... الحديث وفيه مناظرة بين عبد الله بن مسعود وبين أبي موسى (١).
[قال أحمد: رواية أبي معاوية عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط] (٢).
وإذا كان في هذا الدليل اعتراض، فإن الأدلة السابقة كافية في الاستدلال بعدم وجوب الترتيب، والله أعلم.
• دليل من قال: يجب الترتيب:
استدلوا بقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦]، فبدأ بالوجه.
(١٠١٠ - ٨٧) وقد روى النسائي رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن جابر، أن رسول الله ﷺ طاف سبعًا، ورمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم قرأ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فصلى سجدتين، وجعل المقام بينه وبين الكعبة، ثم استلم الركن، ثم خرج، فقال: إن الصفا والمروة من شعائر الله، فابدأوا بما بدأ الله به (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمرنا أن نبدأ بما بدأ الله به، والأصل في الأمر الوجوب، وقد بدأ الله بذكر الوجه قبل اليدين، فيكون الترتيب امتثالًا للأمر النبوي بتقديم ما قدمه الله، وتأخير ما أخره الله.
• وأجيب:
بأن المحفوظ من لفظ الحديث أنه بلفظ الخبر: نبدأ بما بدأ الله به، فلا حجة فيه (٢).
• دليل الأعمش على وجوب تقديم اليدين على الوجه:
إن ثبت هذا القول عن الأعمش، فربما أخذه مما رواه عن أبي وائل.
стр. 2588
(١٠١١ - ٨٨) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال:
كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه ... الحديث وفيه مناظرة بين عبد الله ابن مسعود وأبي موسى (١).
وقد بينا أن هذه اللفظة قد بين الإمام أحمد أنها غلط، وإن كان أبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، وهو مقدم على غيره في حديث الأعمش إلا أن الاختلاف على أبي معاوية نفسه دليل على أنه لم يضبط، والثقة قد يخطئ، ولو سلمت صحة رواية أبي معاوية على الأعمش، فإن الترتيب هذا في تقديم اليدين على الوجه مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، وظاهر القرآن تقديم الوجه، وهو يدل على أنه إن قدم الوجه على اليدين عملًا بكتاب الله تعالى فحسن، وإن قدم اليدين على الوجه عمل بلفظ
أبي معاوية عن الأعمش فحسن أيضًا، ولا يدل على وجوب تقديم اليدين على الوجه، وهو ظاهر، والله أعلم.
• دليل من قال: إن تيمم بضربتين كان الترتيب واجبًا وإلا فلا:
استدل لقوله بأن بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد مسح الوجه، فإذا وقع مسح باطن الأصابع مع مسح وجهه أخل بالترتيب.
قال ابن عقيل: رأيت التيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيبًا مستحقًا في الوضوء،
стр. 2589
وهو أنه يعتد بمسح باطن يديه قبل مسح وجهه (١).
قلت: في هذا دليل على أن الترتيب ليس واجبًا، وليس معناه أن نقول بوجوب الترتيب إن كان التيمم بضربتين، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
القول بعدم وجوب الترتيب أقوى من حيث النظر، كما أن الأثر لا يدل على وجوب الترتيب، والأصل عدم الوجوب، والله أعلم.
* * *
стр. 2590
الفرض الثالث
الموالاة في التيمم
[م-٤٥٢] اختلف العلماء في حكم الموالاة بين الوجه واليدين في طهارة التيمم،
فقيل: سنة مطلقًا في التيمم من الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب الحنفية (١)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: فرض مطلقًا في الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب المالكية (٤).
стр. 2591
وقيل: فرض في الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو مذهب الحنابلة (١).
والكلام في أدلة هذه المسألة مقيسة على مسألة حكم الموالاة في الوضوء والغسل، وما ذكر من أدلة هناك، هي نفس أدلة هذه المسألة، فارجع إليها إن شئت.
وقد رجحت هناك أن الموالاة واجبة، وتسقط بالعذر كغيرها من الواجبات؛ لأن التيمم عبادة واحدة، فلا يفرق بين أفعالها، والله أعلم.
* * *
стр. 2592
الباب السادس في سنن التيمم
الفصل الأول في التسمية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لم يرد ذكر للتسمية في جميع الأحاديث التي نقلت لنا صفة التيمم، والأصل عدم المشروعية.
• ليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالأذان والصلاة لا يشرع لهما التسمية.
• الأصل في العبادات المنع، والمشروعية تحتاج إلى توقيف.
[م-٤٥٣] سبق لنا خلاف أهل العلم في حكم التسمية في الوضوء وفي الغسل، وسوف نعرض في هذا الفصل حكم التسمية في بدلهما: وهو التيمم،
فقد اختلف العلماء فيها إلى أقوال.
стр. 2593
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١)، اختارها ابن قدامة (٢).
وقيل: التسمية من فضائل الوضوء، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣).
وقيل: لا تشرع التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٤)،
وهو الراجح.
стр. 2594
وقيل: تجب التسمية مع الذكر، وتسقط بالنسيان، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: تباح التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
وإذا كان هذا الخلاف في الوضوء فالخلاف في التيمم مخرج عليها.
دليل من قال: التسمية سنة:
الدليل الأول:
(١٠١٢ - ٨٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع (٣).
стр. 2595
[إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (١).
وقد قال القرافي في كتابه الفروق: «فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات، وما لم تشرع فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، ثم قال: والقصد من هذا الفرق بيان عسره والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإشكال استفاده، وحثه ذلك على طلب جوابه» (٢).
الدليل الثاني:
استحسان التسمية على كل شيء، قال في النوادر: «لا يأتي - يعني: ذكر التسمية - من طريق صحيح، والتسمية في كل شيء حسنة».
قلت: استحسان التسمية في كل شيء قول ليس بالصواب، بل المطلوب اتباع الشرع، فما تركت فيه التسمية كانت السنة تركه، وما فعلت فيه التسمية كانت السنة فعله، ثم ما ثبت فيه فعل التسمية ننظر فيه، فإن ورد فيه ما يدل على الشرطية كقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١٢١]، اعتبرنا التسمية شرطًا في حل الأكل، وما لم يرد ما يدل على الشرطية، فإن كان فيه ما يدل على الوجوب، اعتبرنا التسمية واجبة، وإلا بقيت على الاستحباب، وليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالتسمية في العبادات منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مستحب كما في قراءة القرآن إذا افتتحت القراءة بأول السورة، بل قد تستحب في بعض المباحات كالأكل والشرب، ومنها ما هو بدعة، كالتسمية في الأذان وفي الإقامة وفي الصلاة وفي الحج والعمرة ونحوها، فليس كل فعل تشرع فيه التسمية.
الدليل الثالث:
وردت أحاديث كثيرة في مشروعية التسمية في الوضوء، بلفظ: (لا صلاة إلا