وقيل: فرض في الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو مذهب الحنابلة (١).
والكلام في أدلة هذه المسألة مقيسة على مسألة حكم الموالاة في الوضوء والغسل، وما ذكر من أدلة هناك، هي نفس أدلة هذه المسألة، فارجع إليها إن شئت.
وقد رجحت هناك أن الموالاة واجبة، وتسقط بالعذر كغيرها من الواجبات؛ لأن التيمم عبادة واحدة، فلا يفرق بين أفعالها، والله أعلم.
* * *
стр. 2592
الباب السادس في سنن التيمم
الفصل الأول في التسمية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لم يرد ذكر للتسمية في جميع الأحاديث التي نقلت لنا صفة التيمم، والأصل عدم المشروعية.
• ليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالأذان والصلاة لا يشرع لهما التسمية.
• الأصل في العبادات المنع، والمشروعية تحتاج إلى توقيف.
[م-٤٥٣] سبق لنا خلاف أهل العلم في حكم التسمية في الوضوء وفي الغسل، وسوف نعرض في هذا الفصل حكم التسمية في بدلهما: وهو التيمم،
فقد اختلف العلماء فيها إلى أقوال.
стр. 2593
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١)، اختارها ابن قدامة (٢).
وقيل: التسمية من فضائل الوضوء، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣).
وقيل: لا تشرع التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٤)،
وهو الراجح.
стр. 2594
وقيل: تجب التسمية مع الذكر، وتسقط بالنسيان، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: تباح التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
وإذا كان هذا الخلاف في الوضوء فالخلاف في التيمم مخرج عليها.
دليل من قال: التسمية سنة:
الدليل الأول:
(١٠١٢ - ٨٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع (٣).
стр. 2595
[إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (١).
وقد قال القرافي في كتابه الفروق: «فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات، وما لم تشرع فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، ثم قال: والقصد من هذا الفرق بيان عسره والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإشكال استفاده، وحثه ذلك على طلب جوابه» (٢).
الدليل الثاني:
استحسان التسمية على كل شيء، قال في النوادر: «لا يأتي - يعني: ذكر التسمية - من طريق صحيح، والتسمية في كل شيء حسنة».
قلت: استحسان التسمية في كل شيء قول ليس بالصواب، بل المطلوب اتباع الشرع، فما تركت فيه التسمية كانت السنة تركه، وما فعلت فيه التسمية كانت السنة فعله، ثم ما ثبت فيه فعل التسمية ننظر فيه، فإن ورد فيه ما يدل على الشرطية كقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١٢١]، اعتبرنا التسمية شرطًا في حل الأكل، وما لم يرد ما يدل على الشرطية، فإن كان فيه ما يدل على الوجوب، اعتبرنا التسمية واجبة، وإلا بقيت على الاستحباب، وليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالتسمية في العبادات منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مستحب كما في قراءة القرآن إذا افتتحت القراءة بأول السورة، بل قد تستحب في بعض المباحات كالأكل والشرب، ومنها ما هو بدعة، كالتسمية في الأذان وفي الإقامة وفي الصلاة وفي الحج والعمرة ونحوها، فليس كل فعل تشرع فيه التسمية.
الدليل الثالث:
وردت أحاديث كثيرة في مشروعية التسمية في الوضوء، بلفظ: (لا صلاة إلا
стр. 2596
بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)
ورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وعلي ابن أبي طالب، وسعيد بن زيد، وأنس وعائشة ﵃ أجمعين، وإن كان في أسانيدها مقال، فإنها صالحة للحجة بالمجموع (١).
فإذا ثبتت التسمية في طهارة الماء، كانت التسمية مشروعة في التيمم، لأنه بدل عن طهارة الماء (٢).
• وأجيب:
لا نسلم أن التسمية مشروعة في الطهارة المائية، وقد تقدم بحث التسمية في الطهارة المائية من وضوء، وغسل، وتبين أن التسمية فيهما غير مشروعة، وإذا بطل الأصل بطل الفرع، ولو أخذنا بظاهر أحاديث (لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) لقلنا: إن التسمية شرط في صحة الوضوء، من تركها ولو سهوًا لم يصح وضوؤه، وكان لزامًا عليهم القول بأن منزلة التسمية في الوضوء، كمنزلة الوضوء للصلاة، ولما لم تكن هذه الأحاديث بتلك الصحة لم يذهب الجمهور إلى أن التسمية شرط، بل لم يذهبوا إلى القول بالوجوب إلا رواية عن الإمام أحمد، وعليه فنقول لهم: لا تحتجوا علينا بأحاديث أنتم أنفسكم لا تقولون بمقتضاها، والله المستعان.
• دليل الحنابلة على وجوب التسمية مع الذكر:
لما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى، أوجبوها في بدلها، وهو التيمم، فإذا ثبتت التسمية في طهارة الأصل ثبتت في طهارة البدل؛ لأن البدل له حكم المبدل.
стр. 2597
• ويُجاب عن ذلك:
أولًا: لم تثبت مشروعية التسمية في الوضوء حتى يثبت حكمها في التيمم هذا من جهة.
ومن جهة أخرى على القول بثبوت التسمية في الوضوء، وهو قول ضعيف، فلا يلزم منه ثبوت التسمية في التيمم.
قال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى: «قد يعارض في هذا، فيقال: إن التيمم ليس له حكم المبدل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأن التيمم إنما يطهر فيه عضوان فقط: الوجه والكفان في الحدث الأصغر والأكبر، فلا يقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمم، لكن الاحتياط أولى، فيسمي عند التيمم أيضًا، والمتأمل لحديث عمار بن ياسر، وهو قوله ﷺ : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا يستفيد منه أن التسمية ليست واجبة» (١).
قلت: ليس الاحتياط في قول التسمية في التيمم؛ لأن الاحتياط في العبادات عدم الفعل حتى تثبت المشروعية، وذلك لأن الأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية، وإذا استفيد من حديث عمار عدم الوجوب، كان تارك التسمية لا يلام، بينما فاعل التسمية قد يقال عنه: إنه مبتدع، لأنه لا يوجد في التيمم حديث صحيح ولا ضعيف يذكر التسمية، وإذا اختلف في عبادة، هل هي مستحبة أو غير مشروعة كان الاحتياط تركها حتى نتيقن مشروعيتها، ويكفي أن الإمام مالكًا يقول في التسمية في الوضوء: لم أسمع بها في شيء، أهو يريد أن يذبح؟ ونقلنا كلامه أثناء تحرير الأقوال.
• دليل من قال: التسمية غير مشروعة في التيمم:
الدليل الأول:
الأصل في العبادات الحضر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث
стр. 2598
التيمم ليس فيها ذكر التسمية، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤].
الدليل الثاني:
أن آية التيمم في كتاب الله وأحاديث التيمم التي نقلت لنا في سنة المصطفى خلو من التسمية، فلو كانت مشروعة لذكرها الله في كتابه، ولما أغفل الصحابة ﵃ عن ذكرها، ولو كانت التسمية مشروعة لحفظها الله لنا، قال تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [المائدة: ٦]، ولم يذكر التسمية.
(١٠١٣ - ٩٠) ومنها ما رواه البخاري من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال:
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (١).
فقوله: «إنما كان يكفيك هكذا» ولم يذكر التسمية، فلو كانت التسمية واجبة لما كفاه هذا الفعل.
• القول الراجح:
القول بعدم مشروعية التسمية هو القول الذي يتمشى مع الأدلة، والأصل عدم المشروعية حتى تثبت التسمية في حديث صحيح خال من النزاع، والله أعلم.
* * *
стр. 2599
الفصل الثاني
تكرار المسح في التيمم
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• طهارة المسح مبنية على التخفيف، ولهذا لم يشرع فيها التكرار، بخلاف طهارة الغسل.
[م-٤٥٤] سبق لنا في الوضوء خلاف العلماء في استحباب الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، فهل يشرع تكرار المسح في التيمم مرتين وثلاثًا قياسًا على الوضوء؟
فقيل: لا يشرع تكرار المسح للمتيمم، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 2600
وقيل: يستحب تكرار المسح، حكاه الرافعي وجهًا في مذهب الشافعية، وضعفه النووي (١).
• دليل من قال: لا يشرع التكرار:
الدليل الأول:
الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على الاستحباب، ولا يوجد دليل على استحباب تكرار التيمم، وقد أمر الله بمسح الوجه واليدين، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار.
الدليل الثاني:
أن طهارة التيمم طهارة تقوم على المسح، فهي مبنية على التخفيف، بخلاف الطهارة المائية، ولذلك لم يشرع التكرار لما هو ممسوح بالماء، كمسح الرأس ومسح الخفين ومسح الجبيرة، فكيف لما هو ممسوح بالتراب.
الدليل الثالث:
(١٠١٤ - ٩١) ما رواه البخاري من حديث عمار، وفيه:
قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٢).
وجه الاستدلال:
فكونه ينفخ في يديه دليل على سقوط استحباب التكرار؛ لأن تكرار المسح يستلزم تخفيف التراب على يديه، فلا يحوجه إلى نفخ يديه، فلما نفخ كان ذلك دليلًا على سقوط استحباب التكرار، والله أعلم.
стр. 2601
• دليل من قال: يشرع التكرار:
لما كان الوضوء يشرع فيه التكرار، فثبت الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، والتيمم بدل عن الماء، فيأخذ حكمه؛ لأن البدل له حكم المبدل.
وقد أجبنا على هذا التعليل فيما سبق، وقلنا: إن البدل له يقوم مقام المبدل في حكمه وليس في وصفه، فالمسح على الخفين بدل عن غسل الرجل، ولا يأخذ صفته، والله أعلم.
الراجح: أنه لا يشرع تكرار المسح لعدم الدليل.
* * *
стр. 2602
الفصل الثالث
نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض
[م-٤٥٥] اختلف أهل العلم في حكم نفخ الأيدي بعد ضربهما في الأرض،
فقيل: يستحب، والغرض إزالة ما علق في اليدين من التراب؛ لأنه لا يجب عليه تلطيخ التراب على عضو التيمم، وهو دليل على أنه لا يشترط في التيمم التراب، وإنما يشترط الضرب من غير زيادة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
стр. 2603
وقيل: يسن النفخ من أجل تخفيف التراب إن كان كثيرًا بحيث يبقى بعد النفخ من التراب قدر الحاجة، وهذا لمن يشترط التراب في التيمم، وهو مذهب الشافعية، وبعضهم اعتبره قولًا قديمًا للشافعي (١)،
وبه قال إسحاق (٢).
ويفهم من القولين أنه إذا لم يكن تراب، فلا يسن النفض (٣).
وقال أحمد: لا يضره إن فعل أو لم يفعل (٤).
وقيل: يكره نفخ التراب، وهو رواية عن أحمد (٥).
стр. 2604
• الدليل على استحباب النفخ:
(١٠١٥ - ٩٢) ما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر، وفيه:
قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (١).
فثبت عن الرسول ﷺ أنه نفخ يديه بعد أن ضربهما الأرض، واختلف العلماء، هل هذا النفخ لكونه علق بيديه شيء، فخشي ﵊ أن يصيب وجهه الكريم.
أو علق بيده من التراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه.
ويحتمل أن يكون لبيان التشريع، فهذه ثلاثة أقوال لثلاثة احتمالات (٢).
وقد سقنا لك كل مذهب ومن قاله، والذي يظهر لي أن مذهب الحنفية هو أقوى المذاهب، وقد دللنا فيما سبق أن التراب ليس شرطًا في صحة التيمم، وأن المتيمم يصح تيممه إذا ضرب جنس الأرض، سواء كان ترابًا أو غيره، فإذا ضرب الأرض، وكان في يديه غبار يتقيه، فلينفخه، ولا حرج؛ لأن المطلوب هو ضرب الأرض باليدين ومسح الوجه واليدين بهما، وليس نقل التراب من الأرض.
ونفخ اليدين ليس واجبًا؛ لأن الله لم يذكره في آية التيمم، قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) [المائدة: ٦]، وكان ابن عمر لا ينفخ يديه،
(١٠١٦ - ٩٣) فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم،
عن ابن عمر أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه،
стр. 2605
ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب. قال عبد الرزاق: وبه نأخذ (١).
[إسناده صحيح] (٢).
* * *
стр. 2606
الفصل الرابع
في استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى
[م-٤٥٦] ذهب الفقهاء إلى استحباب التيامن في التيمم، وهو تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى (١).
واعتبر المالكية ذلك من فضائل التيمم (٢).
• ومستند هذا الاستحباب:
(١٠١٧ - ٩٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا
стр. 2607
شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،
عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (١).
فإذا كان الرسول ﷺ يستحب التيمن في الطهور، فقد جاء عن المصطفى أن التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فثبت استحباب تقديم اليمين فيه، والله أعلم.
(١٠١٨ - ٩٥) ومنه ما رواه أبو داود من طريق أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن شقيق، وفيه ذكر مناظرة بين أبي موسى وعبد الله بن مسعود، فكان منه أن قال أبو موسى:
ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض، فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه؟ فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار (٢).
[حديث عمار صحيح بالجملة، وتقديم مسح اليدين على الوجه انفرد به أبو معاوية عن الأعمش، وليس بمحفوظ] (٣).
وقال النووي: «قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء، والغسل ولبس الثوب، والنعل والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس والسلام من الصلاة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والأخذ والعطاء، وغير
стр. 2608
ذلك مما هو في معناه.
ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط والاستنجاء، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل، وفعل المستقذرات، وأشباه ذلك» (١).
وقال ابن تيمية: «قد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك.
وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعل، والخروج من المسجد، والذي يختص بإحداهما إن كان بالكرامة كان باليمين، كالأكل والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب، وتناولها، ونحو ذلك.
وإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنثار، والامتخاط، ونحو ذلك» (٢).
* * *
стр. 2609
الفصل الخامس
تجديد التيمم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في العبادات المنع.
• الوضوء تارة يكون مقصودًا لذاته، وتارة يكون وسيلة لتحصيل عبادة لغيره، وأما التيمم فلم يثبت أنه مقصود لذاته، بل هو وسيلة لغيره، وما كان وسيلة لغيره فقط لم يستحب تجديده.
• البدل دون المبدل منه (١).
• المبدل منه أفضل من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدل (٢).
[م-٤٥٧] ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يستحب تجديد التيمم (٣)،
стр. 2610
وقيل: يستحب التجديد، وهو أضعف الوجهين في مذهب الشافعية (١).
• دليل من قال: لا يستحب:
استدلوا: بعدم الدليل على المشروعية، والأصل في العبادات المنع.
واستدلوا أيضًا: بأن المقصود من تجديد الوضوء النظافة ورفع الحدث، والتيمم طهارة ضرورة، وهو ملوث. والتعليل الأول أصح.
• واستدل من استحب التجديد:
بالقياس على الوضوء، ولأنه بدل عنه، والبدل له حكم المبدل.
والصحيح الأول، ولم يثبت عن الرسول ﷺ من فعله، ولا من قوله أن طلب تجديد التيمم، وترك النبي ﷺ للعبادة سنة كفعله لها.
وهذه المسألة مما يخالف فيه التيمم الوضوء؛ مع أنه بدل عنه، وهذا يدلك على أن القاعدة التي تقول: البدل له حكم المبدل، ليست على إطلاقها.
* * *
стр. 2611
الفصل السادس
استقبال القبلة حال التيمم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.
[م-٤٥٨] اعتبر المالكية استقبال القبلة حال التيمم من الفضائل (١).
واعتبره الشافعية من الآداب (٢). ولا فرق بين الفضائل والآداب.
وقد سبق أن الأئمة الأربعة على استحباب استقبال القبلة حال الوضوء، ولم أجد أحدًا حكى الإجماع على استحباب استقبال القبلة إلا أن ابن مفلح قال: «ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل». اهـ
وهذه العبارة ليست حكاية للإجماع والله أعلم، خاصة إذا علمنا أنه لم ينقل
стр. 2612
عن الرسول ﷺ أنه كان يتحرى القبلة عند فعل الوضوء، ولا أمر به من قوله ﷺ ، والاستحباب لا يثبت إلا بدليل من فعله أو قوله ﵊.
والاستحسان في العبادات التي كانت تفعل على وقت الرسول ﷺ ولم يستحسنها من أضعف الأشياء، وإذا لم يثبت استحباب استقبال القبلة في الوضوء، فكذلك الشأن في التيمم، ولا أعلم لهم دليلًا من كتاب أو سنة على هذا الاستحباب، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، فإذا لم يوجد لم يكن استحبابه جيدًا، ولا أعلم أن الرسول ﷺ أمر بقوله، أو كان من فعله أنه إذا أراد أن يتيمم استقبل القبلة.
ولو كان هذا في الدعاء لقيل له دليل إيجابي على ذلك، فقد استقبل الرسول ﷺ الكعبة حين دعا على الصفا، وكذا حين دعا على المروة، كما استقبل القبلة بعد رميه الجمرة الأولى والوسطى من اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وأما استقبال القبلة حين الوضوء، أو التيمم فلا أعلم له أصلًا من الشرع، والله أعلم.
* * *
стр. 2613
الفصل السابع
إقبال اليدين وإدبارهما في التراب حال الضرب
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• صفة العبادة كأصلها يقوم على التوقيف.
[م-٤٥٩] ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى استحباب إقبال اليدين وإدبارهما حال الضرب، مبالغة في الاستيعاب، ومعنى ذلك: أن يحركهما بعد الضرب أمامًا وخلفًا مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع (١).
ولا أعلم دليلًا من الكتاب ولا من السنة على استحباب هذه الصفة، وهذا التعليل غير كاف في استحباب صفة لم ينقل فعلها من الرسول ﷺ ، ولا من صحابته الكرام، ولو كانت هذه الصفة مشروعة لفعله الرسول ﷺ ، ولو فعلها لحفظت، ونقلت لنا.
* * *
стр. 2614
الفصل الثامن
البداءة بأعلى الوجه حين المسح
[م-٤٦٠] ظاهر الأحاديث في صفة التيمم أنه لا استحباب في البداءة بشيء من الوجه، فكيف مسح وجهه فقد امتثل الأمر، سواء بدأ بأعلى الوجه أو بأسفله أو بغير ذلك، وهذا هو الصحيح؛ لأن الاستحباب حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولم يوجد.
وقد صرح جماعة من أصحاب الشافعية باستحباب البداءة بأعلى الوجه، منهم المحاملي في اللباب، والرافعي.
وقال صاحب الحاوي: مذهب الشافعي أنه يبتدئ بأعلى الوجه كالوضوء.
قال: ومن أصحابنا من قال: يبدأ بأسفل الوجه، ثم يستعلي؛ لأن الماء في الوضوء إذا استعلى به انحدر بطبعه، فعم جميع الوجه، والتراب لا يجري إلا بإمرار اليد، فيبدأ بأسفله ليقل ما يصير على أعلاه من الغبار؛ ليكون أجمل لوجهه، وأسلم لعينيه (١).
* * *
стр. 2615
الفصل التاسع
استحباب الصمت أثناء التيمم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• صفة العبادة كأصلها يقوم على التوقيف.
• الأصل في الكلام أنه مباح، فلا ينتقل عنه إلا بدليل من الشرع.
[م-٤٦١] سبق لنا أن الصمت عن كلام الناس من آداب الوضوء، وهو مذهب الحنفية (١)، المالكية (٢).
وقيل: يكره الكلام أثناء الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).
стр. 2616
وعد النووي من سنن الوضوء ترك الكلام من غير حاجة (١).
وأما التيمم فلم أقف على استحباب الصمت فيه عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ولم يذكروه من سنن التيمم أو من فضائله وآدابه.
وذهب المالكية إلى اعتبار الصمت أثناء التيمم من فضائل التيمم (٢)، ولا أعلم له دليلًا من الكتاب أو السنة على هذا الاستحباب، ولا أعرف أحدًا غير المالكية اعتبروا الصمت من فضائل التيمم، فإن كانوا قاسوه على الوضوء، فلم يثبت النهي عن الكلام في الوضوء حتى يثبت في التيمم،
(١٠١٩ - ٩٦) وقد روى البخاري من طريق مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره،
أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. الحديث. ورواه مسلم (٣).
فهذا في الكلام أثناء الغسل، والوضوء والتيمم مثله.
* * *
стр. 2617
الباب السابع في مبطلات التيمم
الفصل الأول يبطل التيمم ما يبطل الوضوء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم.
[م-٤٦٢] سبق لنا نواقض الوضوء المتفق عليها والمختلف فيها، فما أجمع عليه العلماء على أنه يبطل الوضوء فإنه يبطل التيمم بالإجماع، كالبول والغائط والريح.
وما اختلف في نقضه للوضوء اختلف في نقضه للتيمم، والترجيح هناك لا يختلف عن الترجيح هنا، فما رجحنا أنه مبطل للوضوء فإنه مبطل للتيمم، وما ترجح لنا أنه لا يبطل الوضوء فلا يبطل التيمم.
ويبطل التيمم عن الحدث الأكبر بما يوجب الغسل، وقد قدمنا في كتاب الغسل موجباته المتفق عليها والمختلف فيها.
قال ابن حزم: «وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم، هذا مما لا خلاف
стр. 2618
فيه من أحد من أهل الإسلام» (١).
وقال في بدائع الصنائع: «وأما بيان ما ينقض التيمم، فالذي ينقض التيمم نوعان: عام، وخاص، أما العام: فكل ما ينقض الوضوء من الحدث الحقيقي والحكمي ينقض التيمم» (٢).
وقال المرداوي الحنبلي: «وأما مبطلات التيمم، فيبطل التيمم عن الحدث الأصغر بما يبطل الوضوء بلا نزاع، ويبطل التيمم عن الحدث الأكبر بما يوجب الغسل، وعن الحيض والنفاس بحدوثهما، فلو تيممت بعد طهرها من الحيض له، ثم أجنبت: جاز وطؤها لبقاء حكم تيمم الحيض، والوطء إنما يوجب حدث الجنابة على ما تقدم» (٣).
[م-٤٦٣] ولو تيمم للحدث الأصغر والأكبر معًا، ثم أحدث،
فقيل: يبطل تيممه عن الحدث الأصغر، ويبقى تيممه عن الحدث الأكبر، وهو مذهب الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
وقيل: يبطل تيممه كله، ويعود جنبًا، وهو المشهور من مذهب المالكية (٧).
стр. 2619
• تعليل الجمهور:
أنه لو اغتسل من الجنابة بنية رفع الحدثين، ارتفعا، فإذا أحدث لم يعد إليه الحدث الأكبر، فكذلك التيمم.
• وتعليل المالكية:
بأن التيمم مبيح لا رافع، فإذا تيمم للحدثين، ثم أحدث بطل تيممه، فإذا بطل تيممه رجع إلى حالته قبل التيمم، وهو كونه جنبًا.
والتعليل الأول أرجح، خاصة أننا رجحنا أن التيمم مطهر، وأنه بدل عن طهارة الماء، فيقوم البدل مقام المبدل إلا ما نص عليه الدليل.
* * *
стр. 2620
الفصل الثاني يبطل التيمم بوجود الماء
المبحث الأول وجود الماء قبل الصلاة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا وجد الماء عاد الحدث إلى البدن، أصغر كان الحدث أو أكبر.
• التيمم طهارة ضرورة فتقدر بقدرها.
[م-٤٦٤] إذا تيمم الرجل، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، فهل وجود الماء يبطل تيممه؟.
قيل: إذا وجد الماء بطل تيممه، وهو قول عامة أهل العلم (١).
стр. 2621
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن والشعبي: إذا فرغ من التيمم لا يبطل بوجود الماء (١).
• دليل الجمهور:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأوجب غسل هذه الأعضاء عند وجود الماء، ثم نقله إلى التراب عند عدمه، فمتى وجد الماء فهو مخاطب باستعماله بظاهر الآية (٢).
الدليل الثاني:
الإجماع، قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء أن من تيمم بعد أن طلب الماء فلم يجده، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن تيممه باطل، لا يجزيه أن يصلي، وأنه قد عاد بحاله قبل التيمم» (٣).
وقال القرطبي: «أجمعوا على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة،
стр. 2622
بطل تيممه، عليه استعمال الماء» (١).
وقال ابن المنذر: «أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنقض، وعليه أن يتطهر، ويصلي، إلا حرف روي عن أبي سلمة فإنه فيما بلغني عنه أنه قال في الجنب، يتيمم، ثم يجد الماء، قال: لا يغتسل» (٢).
وجاء في حاشية قليبوبي وعميرة: «ومن تيمم لفقد ماء، فوجده، إن لم يكن في صلاة بطل تيممه بالإجماع» (٣).
الدليل الثالث:
(١٠٢٠ - ٩٧) ما رواه عبد الرزاق من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٤).
[سبق تخريجه] (٥).
فقوله: «فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» أمر من الرسول ﷺ بوجوب مس الماء حين وجوده، وقد وجده قبل التلبس بالصلاة فوجب عليه مسه.
الدليل الرابع:
أن التيمم بدل عن الماء، يراد لغيره، فإذا وجد المبدل قبل التلبس بالمقصود وجب الرجوع إليه.
стр. 2623
الدليل الخامس:
سبق لنا في مبحث خاص أن التيمم مطهر إلى غاية وهو وجود الماء، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها خلاف ما قبلها، فعند وجود الماء يصير محدثًا بالحدث السابق.
• دليل أبي سلمة على أنه لا يلزمه استعمال الماء:
قال: إن التيمم طهارة صحيحة، ومتى صحت الطهارة فلا ينقضها إلا الحدث، وليس وجود الماء حدثًا حتى نقول ببطلان الطهارة.
• وأجيب بأمور منها:
أولًا: القول بأن وجود الماء ليس بحدث مُسَلَّم به، ولا يصير المتيمم محدثًا بوجود الماء، وإنما الحدث السابق يعود حكمه عند وجود الماء، وفرق بين أن يكون وجود الماء حدثًا، وبين قولنا: إنه عاد إليه حدثه السابق؛ لأن التيمم طهارة إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه استعماله.
ثانيًا: أن هذا نظر في مقابل النص، فيعتبر نظرًا فاسدًا؛ لأن الدليل إذا قام على بطلان العبادة لم يعارض بالدليل النظري،
(١٠٢١ - ٩٨) فقد روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه:
«فلما انفتل ﷺ من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك».
ثم ذكر في الحديث قصة الماء الذي أحدثه الله تعالى آية لنبيه ﵇، قال: «وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: اذهب فأفرغه عليك» (١).
стр. 2624
وكذلك يشهد لذلك ما رواه عبد الرزاق من حديث أبي ذر، وقد سقنا لفظه في أدلة القول الأول، وفيه قال النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١).
[سبق تخريجه] (٢).
فهذه الأحاديث تشهد على أن الطهور بالتراب إنما يصح مع عدم الماء، فإذا وجد الماء فلا يصح التطهر بالتراب، وأن الحدث السابق قبل التيمم يعود إلى العبد، سواء كان حدثًا أكبر أو أصغر.
• الراجح:
القول الراجح الذي لا شك فيه أن المتيمم إذا وجد الماء قبل التلبس بالعبادة وجب عليه استعمال الماء لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ... ) [المائدة: ٦]، الآية فأمرت بالطهارة بالماء حين القيام إلى الصلاة، فإذا كان الماء موجودًا حال القيام إلى الصلاة، كان الفرض على العبد هو غسل أعضاء الوضوء في ذلك الماء، واختلفوا فيما لو أدرك من الوقت ما يتسع لأن يتطهر بالماء، فهل يصلي قبل خروج الوقت، أو يراعي الشرط، ولو خرج الوقت، وقد بحثت هذه المسألة، في فصل مستقل وذكرت أدلة كل فريق هناك، فأغنى بحثه السابق عن إعادة ذكر أدلته في هذا الفصل، والله أعلم.
* * *
стр. 2625
المبحث الثاني في وجود الماء أثناء الصلاة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• وجود الماء يمنع ابتداء التيمم بالإجماع، وطهارة التيمم تنتهي بوجود الماء، فإن وجد الماء بعد الفراغ من العبادة لم يؤثر بطلان التيمم على صحة الصلاة، وإن وجد الماء أثناء الصلاة بطلت؛ لأن الصلاة إذا بطل بعضها بطل جميعها.
• إذا بطل التيمم بوجود الماء قبل الصلاة وبعدها، بطل التيمم بوجود الماء أثناء الصلاة.
• ما جاز لعذر بطل بزواله.
• الحادث بعد انعقاد السبب قبل إتمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب.
[م-٤٦٥] إذا قدر المتيمم على استعمال الماء، وهو في الصلاة، فهل يلزمه الخروج، أو يتم صلاته؟
في هذه المسألة اختلف أهل العلم:
стр. 2626
فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
وقيل: يتم صلاته، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤)، ورواية عن أحمد (٥)، وقيل: إن أحمد رجع عن هذا القول فتكون المسألة عند الحنابلة رواية واحدة كقول الجمهور (٦).
وقيل: يتم صلاته إن كان تيممه يغنيه عن إعادة الصلاة، كما لو كان تيممه في السفر الطويل، وتبطل صلاته إن كان يجب عليه إعادة الصلاة، كما لو تيمم في الحضر،
стр. 2627
وهذا مذهب الشافعية (١).
وقيل: يتطهر، ويبني على صلاته، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
• دليل من قال ببطلان الصلاة:
الدليل الأول:
(١٠٢٢ - ٩٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان،
عن أبي ذر، أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٣).
стр. 2628
[سبق تخريجه] (١).
فأوجب استعمال الماء إذا وجده، وهو يشمل ما إذا كان قبل الصلاة، أو في أثناء الصلاة، أو بعد الصلاة، فإذا عاد إليه حدثه السابق أثناء الصلاة بطلت صلاته.
الدليل الثاني:
(١٠٢٣ - ١٠٠) ما رواه البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب ح وعن عباد بن تميم،
عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. وأخرجه مسلم (٢).
احتج به البيهقي في الخلافيات، ولولا أنه ذكره لم أذكره؛ لأن الحديث ليس في مسألتنا.
وجه الاستدلال:
أن الاستثناء معيار العموم، فقوله ﷺ : لا ينصرف نهي عن الانصراف عن الصلاة. وقوله: (إلا أن يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) استثناء من النهي، ولو كان له أن ينصرف لوجود الماء لذكره الحديث.
والحديث إنما سيق في معرض طرح الشك، والأخذ باليقين، ونحن نقول بذلك: فلا ينصرف إذا شك في وجود الماء، أما إذا تيقن وجود الماء، فإن عليه الانصراف كما لو تيقن الحدث، ثم إن الحديث سيق جوابًا على سؤال عن الشك في الحدث أثناء الصلاة، وليس في موضوع البحث.
الدليل الثالث:
إذا كان وجود الماء قبل الصلاة يبطل التيمم بالإجماع إلا ما روي عن أبي سلمة،
стр. 2629
فكذلك وجود الماء أثناء الصلاة يبطلها.
• دليل من قال: يتم صلاته:
قالوا: جعل الله للطهارة وقتًا، وجعل للصلاة وقتًا غيره، فوقت الطهارة: هو وقت القيام إلى الصلاة قبل الدخول فيها، ووقت الصلاة: هو وقت الدخول في أدائها، وهو حينئذ غير متعبد بفرض الطهارة، إذ لا يجوز له أن يدخل في الصلاة إلا بعد فراغه من طهارتها، فإذا تيمم كما أمر، فقد خرج عن فرض الطهارة، وإذا كبر فقد دخل في فرض الصلاة، ولا يجوز نقض طهارة قد مضى وقتها، وإبطال ما صلى من الصلاة، كما فرض عليه وأمر به إلا بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع.
• ويُجاب:
بأن فرض الطهارة لا شك أنه قبل الدخول في الصلاة، ويلزمه استصحاب حكم الطهارة، فلو ورد ما ينقض طهارته أثناء الصلاة بطلت، كما لو خرج منه ريح، ووجود الماء في حق المتيمم سبب في رجوع حدثه السابق، وإذا رجع حدثه السابق إلى بدنه بطلت صلاته كما لو أحدث فيها.
الدليل الثاني:
إذا تلبس بمقصود البدل: وهو الصلاة لم يلزمه الخروج، كما لو أنه شرع في الصيام، ثم قدر على العتق لم يجب عليه الانتقال على الصحيح.
• ويُجاب عن هذا بجوابين:
الجواب الأول:
هناك فرق بين المسألتين، فوجود الماء سبب في رجوع الحدث السابق، وهذا مبطل بحد ذاته للصلاة، فإن من شروط صحة الصلاة مطلقًا أن يكون متطهرًا من الحدث، فإذا رجع إليه حدثه لوجود الماء بطلت صلاته، بخلاف وجود الرقبة فليس مبطلًا للصيام، فمفسدات الصيام: هي الأكل والشرب والجماع، وليس وجود الرقبة
стр. 2630
يخل بعبادة الصوم لا من قريب ولا من بعيد، فاعتبر تلبسه بالصيام قبل قدرته على العتق كاف في براءة ذمته.
الجواب الثاني:
ما ذكره ابن رجب في قواعده، قال: «من تلبس بعبادة، ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجدًا له قبل الشروع لكان هو الواجب، دون ما تلبس به، هل يلزمه الانتقال إليه، أم يمضي ويجزيه؟
هذا على ضربين:
الضرب الأول: أن يكون المتلبس به رخصة عامة، شرعت تيسيرًا على المكلف، وتسهيلًا عليه، مع إمكان إتيانه بالأصل على ضرب من المشقة والتكلف، فهذا لا يجب عليه الانتقال منه بوجود الأصل كالمتمتع إذا عدم الهدي، فإنه رخص له في الصيام رخصة عامة، حتى لو قدر على الشراء بثمن في ذمته، وهو ميسور في بلده لم يلزمه.
الضرب الثاني: أن يكون المتلبس به إنما شرع ضرورة للعجز عن الأصل وتعذره بالكلية، فهذا يلزمه الانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه، ولو في أثناء التلبس كالعدة بالأشهر، فإنها لا تعتبر بحال مع القدرة على الاعتداد بالحيض، ولهذا تؤمر من ارتفع حيضها لعارض معلوم، أن تنتظر زواله، ولو طالت المدة، وإنما جوز لمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر؛ لأن حيضها غير معلوم، ولا مظنون عوده، وسواء كانت هذه المعتدة مكلفة قبل هذا بالاعتداد بالحيض كمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه أن تعتد بالأشهر، ثم حاضت في أثنائها، أو لم تكن مكلفة به كالصغيرة إذا حاضت في أثناء العدة بالأشهر. وهاهنا مسائل كثيرة مترددة بين الضربين، منها:
المتيمم إذا شرع في الصلاة، ثم وجد الماء، ففي بطلانها روايتان؛ لأن التيمم من حيث كونه رخصة عامة، فهو كصيام المتمتع، ومن حيث كونه ضرورة يشبه العدة