← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

المبحث الثاني الأصل في الأشياء الطهارة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، من حيوان، أو نبات، أو جماد، أو مائع. • النجاسات محصورة مستقصاة، والطاهر من الأعيان لا حصر له. • الحكم بنجاسة شيء متلقى من الشارع، لا دخل للقياس فيه. [م-٤٦٨] هذا أصل عظيم من أصول الشريعة، يحتاج إليه الفقيه في كثير من الأعيان المختلف في طهارتها. قال ابن حزم: «من ادعى نجاسةً أو تحريمًا لم يصدق إلا بدليل من نص: قرآن، أو سنة صحيحة» (١). • وقد دل على هذا أدلة كثيرة منها: من الكتاب قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) [البقرة: ٢٩]. قال الكاساني: أباح الانتفاع بالأشياء كلها، ولا يباح الانتفاع إلا بالطاهر (٢).

стр. 2662

وقال في مغني المحتاج: «اعلم أن الأعيان جماد وحيوان، فالجماد كله طاهر؛ لأنه خلق لمنافع العباد، ولو من بعض الوجوه. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) [البقرة: ٢٩]، وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة إلا ما نص الشارع على نجاسته» (١). وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَاّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩]. وجه الدلالة من الآية: أن الله بيَّن لنا أنه قد فصل لنا ما حرم علينا: والتفصيل: هو التبيين، ومعنى هذا أنه بيَّن المحرمات، فما لم يبيِّن تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، وكل حلال لنا فهو طاهر. وقد ذكر ابن تيمية: أن الطاهر ما حل ملابسته ومباشرته وحمله في الصلاة، والنجس بخلافه (٢). وقال القرافي: والطهارة ترجع للإباحة (٣). (١٠٣٠ - ١) وأما الآثار، فمنها ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن داود بن صبيح، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا محمد يعني ابن شريك المكي، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله تعالى نبيه ﷺ ، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو وتلا: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً)

стр. 2663

[الأنعام: ١٤٥] إلى آخر الآية (١). [صحيح] (٢). وأما الإجماع، فقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر، كما يقولون فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل، وما لا يحل

стр. 2664

نكاحه وشبه ذلك» (١). وقال أيضًا: «الأصل الجامع: طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها، فكل ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر» (٢). وأما البراءة الأصلية: قال الشوكاني: «حق استصحاب البراءة الأصلية، وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي، وغائطه، والروثة فذاك، وإن عجز عنه، أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة» (٣). وقال الشوكاني: «الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيما في الأمور التي تعم بها البلوى» (٤). وبناءً على هذه القاعدة الجليلة المهمة التي سنحتاج إليها كثيرًا في بحثنا هذا، وذلك أنه إذا وقع نزاع في شيء، هل هو طاهر أو نجس؟ نطالب من قال بالنجاسة بالدليل من الكتاب، أو من السنة، أو من الإجماع، أو من القياس الصحيح، أو من قول صحابي لم يخالف، فإن أثبت لنا حجته، وإلا حكم للشيء بالطهارة، ولا نحتاج إلى دليل على طهارة هذه العين، والله أعلم. * * *

стр. 2665

المبحث الثالث أقسام النجاسات مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • تقسيم النجاسة تقسيم اصطلاحي راجع تارة إلى ذات النجاسة، وتارة إلى كيفية تطهيرها، ولا مشاحة في الاصطلاح. • الحكم على شيء بأنه نجس متلقى من الشرع، وأما تطهيره فمعقول المعنى، فمتى زال، أو أزيل بأي مزيل زال حكمه. [م-٤٦٩] لما كان الكلام على تقسيم النجاسة إنما هو اصطلاح فقهي، فقد اختلفت المذاهب في تقسيم النجاسات، فالحنفية: يقسمون النجاسة: إلى حقيقية وحكمية. فالحقيقية: هي نجاسة الخبث، ويقسمونها إلى مرئية كالدم، وغير مرئية كالبول إذا جفَّ مثلًا. والحكمية: وهي نجاسة الحدث. وهذا بناء على مذهبهم في الحدث وأنه نوع من النجاسة، ولذلك فالماء المستعمل

стр. 2666

في رفع الحدث نجس عندهم على قول في مذهبهم كما بيناه سابقًا (١). كما يقسم الحنفية النجاسة إلى مغلظة ومخففة: فالمغلظة عند أبي حنيفة: ما ورد فيها نص لم يعارض بنص آخر، فإن عورض بنص آخر فمخففة. مثاله: دم الحيض نجس مغلظ لورود النص على نجاسته، ولم يعارض بنص آخر. بينما بول ما يؤكل لحمه نجس مخفف؛ لأن حديث: «استنزهوا من البول» (٢)، يدل على نجاسته، وحديث العرنيين، حيث أذن لهم بشرب أبوال الإبل يدل على طهارته، فلما عورض بنص آخر دل على أن نجاسته مخففة. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن النجاسة المغلظة ما أجمع على نجاسته، والمخففة ما اختلف الأئمة في نجاسته. فروث ما يؤكل لحمه مغلظة عند أبي حنيفة؛ لقوله: إنها ركس (٣)، ولم يعارض بنص آخر. والروث عند صاحبيه مخفف لقول مالك وأحمد بطهارته (٤). وذهب الشافعية والحنابلة إلى تقسيم النجاسة باعتبار كيفية تطهيرها إلى ثلاثة أقسام: أ - مغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما، فتحتاج إلى التسبيع والتتريب، بخلاف غيرها من النجاسات.

стр. 2667

ب ـ مخففة: وهي طهارة بول الرضيع الذكر، ويكفي في طهارتها النضح. جـ - متوسطة: وهي سائر النجاسات. كما قسم الشافعية والحنابلة النجاسة إلى قسمين: نجس العين: وهي النجاسة التي لا تطهر بحال إلا الخمر، فتطهر بالتخلل. ونجاسة حكمية: وهي النجاسة الطارئة على محل نجس (وهو ما يسمى بالمتنجس). وعلى هذا فتكون النجاسة إما نجسًا أو متنجسًا، فالنجس لا يطهر بحال، والمتنجس ما يمكن تطهيره (١). وقال النووي: الحكمية: هي التي تيقن وجودها ولا تحس كالبول إذا جف على المحل، ولم يوجد له رائحة ولا أثر، فيكفي إجراء الماء على المحل مرة. وأما العينية: فلا بد من محاولة إزالة ما وجد منها من طعم ولون وريح (٢). وهذه التقاسم هي تقاسيم اصطلاحية كما سبق، تارة ترجع إلى ذات النجاسة، وتارة ترجع إلى كيفية تطهيرها، ولا مشاحة في الاصطلاح، والله أعلم. * * *

стр. 2668

الباب الأول في الطاهر والنجس من الحيوان الفصل الأول في طهارة بني آدم المبحث الأول في طهارة المسلم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • تطهير الخبث معقول المعنى، ولذا كان التطهير في محل الخبث، وطهارة الحدث تعبدية فلم يتعلق التطهير في محل الحدث. • قال ﷺ : إن المؤمن لا ينجس أي بالحدث، وإن كان المسلم بالخبث كغيره تلحقه النجاسة. • تطلق الطهارة ويراد بها الطهارة من الذنوب، وهذه لا تقتضي النجاسة الحسية، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣]. • بدن الحائض طاهر في غير موضع الأذى، إن حيضتك ليست في يدك، وكانت عائشة تدهن رأس رسول الله ﷺ وترجله، وهي حائض، فالمحدث والجنب أولى بطهارة بدنهما من الحائض؛ لأنهما أخف حدثًا.

стр. 2669

[م-٤٧٠] المسلم إذا كان متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر فهو طاهر بلا خلاف بين أهل العلم (١). [م-٤٧١] وإن كان محدثًا، سواءً كان محدثًا حدثًا أكبر: كالجنب والحائض، أو حدثًا أصغر كما لو نام، أو بال، أو تغوط، ونحوها، فقد اختلف في طهارته: فقيل: طاهر، وهو مذهب الجمهور (٢)، وقول في مذهب الحنفية (٣). وقيل: نجس نجاسة حكمية، وهو قول في مذهب الحنفية (٤). وقيل: يجب اعتزال الحائض، روي هذا عن ابن عباس (٥)، ولا يثبت عنه، وروي عن عبيدة السلماني (٦)، وهو قول شاذ. • دليل الجمهور: الدليل الأول: لو كان المحدث نجسًا لما صح حمله في الصلاة، وقد جاء في حديث أبي قتادة في الصحيحين: «أن الرسول ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب» (٧). الدليل الثاني: (١٠٣١ - ٢) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع،

стр. 2670

عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (١). وقوله: إن المؤمن لا ينجس: يحتمل معنيين: الأول: إن المؤمن لا ينجس بهذا -أي بالحدث- وذلك أن أبا هريرة إنما كره جلوسه مع الرسول ﷺ لكونه جنبًا، فقال له: إن المؤمن لا ينجس أي بهذا، وإن كان المؤمن قد تلحقه النجاسة الطارئة كغيره، فإذا أصاب بدنه نجاسة تنجس. فيكون الحديث دليلًا على طهارة بدن الجنب. المعنى الثاني: إن المؤمن لا ينجس أي طاهر بإيمانه، وهي طهارة معنوية، خاصة أن الحكم كان على وصف الإيمان، فيكون الإيمان مؤثرًا في الحكم، فيكون المعنى: المؤمن طاهر بإيمانه. كقوله ﷺ : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (٢). أي المؤمن القوي في إيمانه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في إيمانه، وليس المراد ما يستدل به أهل الرياضة على قوة الأبدان، فإن قوة البدن لا يتعلق بها مدح ولا ذم إلا حيث استعملت في طاعة الله ، ولذلك كان ابن مسعود دقيق الساق، وهو من أفضل الصحابة. وحديث أبي هريرة في طهارة الجنب، وهو حدث أكبر، وأما طهارة الحائض فنذكره في الأدلة التالية. الدليل الثالث: (١٠٣٢ - ٣) ما رواه مسلم، من طريق ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن

стр. 2671

عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١). ففي هذا الحديث دلالة على أنه لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى، فكما أن حيضتها ليست في يدها، فهي ليست في شيء من جسمها إلا موضع خروج الأذى، وهكذا سائر الأحداث. والله أعلم الدليل الرابع: (١٠٣٣ - ٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض. ورواه البخاري أيضًا (٢). قال الحافظ: وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها (٣). والحيض حدث، فدل على أن المسلم المحدث طاهر. الدليل الخامس: (١٠٣٤ - ٥) ما رواه مسلم، من طريق المقدام بن شريح عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على

стр. 2672

موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (١). قال القرطبي: قولها: «أتعرق العرْق: أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى فحسب» (٢). الدليل السادس: (١٠٣٥ - ٦) ما رواه مسلم، قال حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فقال ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما (٣). الدليل السابع: الإجماع: قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن عرق الجنب طاهر وكذلك الحائض» (٤).

стр. 2673

وإذا كان عرقهما طاهرين، وهو خارج من جسدهما، كان جسدهما طاهرًا. وقال النووي: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران. وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري في كتابه في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة (١). وقال ابن تيمية: «وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة»، ثم قال: وهذا متفق عليه بين الأئمة أن بدن الجنب طاهر، وعرقه طاهر، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن أو مائع لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة «(٢). وإذا ثبتت طهارة المحدث حدثًا أكبر، كان المحدث حدثًا أصغر طاهرًا من باب أولى. • دليل من قال: المحدث نجس نجاسة حكمية: الدليل الأول: قالوا: إن استعمال الماء لرفع الحدث يسمى طهارة، قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (٣). • ويجاب عنه: أولًا: سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت

стр. 2674

فيه، ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له ﷺ بقوله: (إن المؤمن لا ينجس). متفق عليه، وقد يقال: سمي طهارة باعتبار اللغة، فإن الطهارة في اللغة النظافة وإزالة ما يستقذر وهذا الفعل متضمن لذلك. ثانيًا: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر. الدليل الثاني: (١٠٣٦ - ٧) ما رواه مسلم، من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (١). فلولا أن الجنب يؤثر في طهورية الماء لما نهى عنه، فهذا دليل على أن بدنه نجس. • وأجيب: بأنه الرسول ﷺ لم يتعرض لحكم الماء، ولم يقل ﵊: إنه أصبح نجسًا بمجرد الاغتسال فيه، فالحديث ليس فيه إلا النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، حالة كون المغتسل جنبًا، فإن قيل: ما الحكمة من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم؟ يقال: إن الطباع مجبولة على كراهة استعمال الماء الدائم الذي يغتسل فيه من الجنابة، وقد يكون في بدنه شيء من المذي فيستقذر. • دليل من قال: يجب اعتزال الحائض حال الحيض: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]. واعتزال النساء: اعتزال لجميع بدنها. ومن باشرها لا يصدق عليه أنه اعتزلها.

стр. 2675

• وأجيب: بأن الذي يوضح القرآن هو الرسول ﷺ ، وقد بعثه الله ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قال ﷺ في حديث أنس عند مسلم (١)، وقد ذكرته بطوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). الدليل الثاني: (١٠٣٧ - ٨) أخرج عبد الرزاق (٢)، وأحمد (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، وابن جرير الطبري (٦)، والبيهقي (٧)، واللفظ للبيهقي، رووه كلهم من طريق الزهري، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته، أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله ابن عباس في رسالة، فدخلت عليه فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها، ثم ذكرت ذلك. فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليها، فسألتها عن ذلك، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل فراشه عبد الله عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله بن عباس، فتغيظت عليه، وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ، فوالله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها، ثم يباشرها بسائر جسده. [ضعيف] (٨).

стр. 2676

وعلى فرض صحته فإنه لا يتوقع من ابن عباس ﵄ أن تبلغه سنة المصطفى ثم يبقى على رأيه المخالف لفعل الرسول ﷺ ، بل والمخالف لقوله. فكونه لم يعترض على ميمونة دليل منه على التسليم والقبول لما أخبرته، وإذا رجحنا رجوعه عنه لم يبق قولًا له. والله أعلم. وممن رأى هذا الرأي عبيدة السلماني: (١٠٣٨ - ٩) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريقين، عن محمد ابن سيرين، قال: قلت لعبيدة السلماني: ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا، قال: الفراش واحد، واللحاف شتى (١). [صحيح]. وهذا موقوف عليه، ولا حجة في قول أحد مع قول الرسول ﷺ وفعله، وقول عبيدة لا يخرق الإجماع المؤيد بالسنة الصحيحة الصريحة ما دام أن الأمر لم يثبت عن ابن عباس. بل الثابت عن ابن عباس خلافه. (١٠٣٩ - ١٠) فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريق محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال: قال ابن عباس: إذا جعلت الحائضُ ثوبًا أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها (٢). [حسن] (٣). قال النووي: «وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره، من أنه لا يباشر شيئًا

стр. 2677

منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف، ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة، المذكورة في الصحيحين وغيرها من مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده» (١). وقال الشوكاني: «وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش امرأته إذا حاضت فليس بشيء» (٢). فالراجح: طهارة المسلم سواءً كان محدثًا أو غير محدث، وسواءً كان حدثه أكبر أم أصغر، وأما طهارته حال الممات فإننا سوف نتعرض له في باب مستقل عند الكلام على الميتة. • الراجح: أن بدن المسلم طاهر، ولو كان محدثًا، وأن الحدث معنى تعبدي، يمنع المتصف به من بعض العبادات التي من شرطها الطهارة من الحدث، وليس الحدث خبثًا يتصف به بدن المحدث حتى يتنجس به. * * *

стр. 2678

المبحث الثاني في طهارة المشرك مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • إباحة نساء أهل الكتاب وطعامهم دليل على طهارة أبدانهم. • إذا علقت الطهارة على وصف كالإيمان، أو علقت النجاسة على وصف كالشرك لم يرد بذلك الطهارة أو النجاسة الحسية؛ لأن تطهير الشرك لا يكون إلا باعتقاد الإيمان، بينما النجاسة عين خبيثة يمكن تطهيرها بإزالتها. [م-٤٧٢] اختلف الفقهاء في بدن المشرك، هل هو طاهر أو نجس؟ فقيل: بدنه طاهر، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 2679

وقيل: بدنه نجس مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية، وإليه ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى (١). وقيل: المشرك طاهر حيًا، ونجس ميتًا، وهو قول في مذهب المالكية (٢). • دليل من قال: إن بدن المشرك طاهر: الدليل الأول: قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]. وجه الاستدلال: يلزم من حل طعامهم لنا مع مباشرتهم لها طهارة أبدانهم، كما أباح لنا نكاح نسائهم، ويلزم من المعاشرة الزوجية مباشرة كل واحد من الزوجين للآخر، وفي هذا لا يسلم من إصابة عرقهن وريقهن، فدل على طهارة أجسادهن. اعتراض على الاستدلال: اعترض ابن حزم على هذا الاستدلال بقوله: فإن قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن، قلنا نعم، فأي دليل في هذا على أن لعابها وعرقها ودمعها طاهر؟ فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفظ من ذلك. قلنا: هذا خطأ، بل يفعل فيما مسه من لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسه بولها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق، ولا حرج في ذلك، ثم هب أنه لو صح لهم ذلك في نساء أهل الكتاب، من أين لهم

стр. 2680

طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من غير أهل الكتاب؟ فإن قالوا: قلنا ذلك قياسًا على أهل الكتاب. قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان حقًّا لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن أول بطلانه أن علتهم في طهارة الكتابيات جواز نكاحهن، وهذه العلة معدومة بإقرارهم في غير الكتابيات. والقياس عندهم لا يجوز إلا بعلة جامعة بين الحكمين، وهذه علة مفرقة لا جامعة وبالله تعالى التوفيق. • ورد هذا الاعتراض: يمكن الرد على ابن حزم ﵀ بأنه إذا كانت المرأة من أهل الكتاب طاهرة، كان الرجل طاهرًا ولا فرق، ولو سلم اعتراض ابن حزم على هذا الدليل فما جوابه عن أكل طعام أهل الكتاب، فإنهم يباشرونه بأيديهم، ويطبخونه بمياههم، وفي آنيتهم، ومن غير فرق بين طعام الرجل وطعام المرأة. (١٠٤٠ - ١١) فقد أخرج البخاري بسنده من حديث أبي هريرة في قصة وضع السُّمِّ للرسول ﷺ ، وفيه: قال رسول الله ﷺ : هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم؟ قالوا: نعم. قال: هل وضعتم في هذه الشاة سمًّا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك (١). (١٠٤١ - ١٢) وروى مسلم بإسناده من طريق عبد الله بن مغفل، قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا. قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا، ورواه البخاري واللفظ لمسلم (٢). الدليل الثاني: (١٠٤٢ - ١٣) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،

стр. 2681

أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد. الحديث قطعة من حديث طويل. ورواه مسلم أيضًا (١). وجه الاستدلال: لو كان الكافر نجس العين لما ربط ثمامة في المسجد وهو مشرك، فدل على طهارة بدن المشرك. • اعتراض وجواب: اعترض على هذا الحديث بأنه كان قبل النهي عن دخول المشركين المسجد في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: ٢٨]، فتكون الآية ناسخة للحكم الوارد في الحديث. • ويجاب: بأن النهي عن دخول المسجد الحرام لا يشمل النهي عن دخول غيره من المساجد، وهذا النهي ليس خاصًا في مسجد الكعبة، بل ينهى عن دخول الحرم كله، وإن كان باقي الحرم قد يتبول فيه الإنسان ويتغوط، فهذا نهي خاص عن الحرم كله لا عن المسجد، فلا يقاس عليه غيره من البقاع إلا ما ورد الدليل بذلك. الدليل الثالث: (١٠٤٣ - ١٤) ما أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وقد جاء فيه: أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان مجنبًا فاغتسل من ذلك الماء. والحديث في صحيح مسلم دون قصة اغتسال الجنب (٢).

стр. 2682

الدليل الرابع: (١٠٤٤ - ١٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم. الحديث (١). [اختلف في سماع الحسن من عثمان، كما اختلف في وصله وإرساله، والراجح إرساله] (٢).

стр. 2683

وجه الاستدلال به، كالاستدلال بحديث ثمامة. الدليل الخامس: لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه توقي الكفار، وقد كانوا معهم في مكة قبل الهجرة، كما لم ينقل توقيهم لأهل الكتاب في المدينة، ولو كانوا أنجاسًا لنقل توقيهم لهم، وغسل ما أصابهم منهم. • دليل من قال بنجاسة المشرك: الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا و) [التوبة: ٢٨]. وجه الاستدلال: نهى الله عن دخول المشركين المسجد الحرام، وذكر العلة في ذلك، وهو أنهم نجس، فدل على نجاستهم نجاسة عينية، وإذا ورد لفظ نجس في الشرع حمل ذلك على الحقيقة الشرعية.

стр. 2684

• وأجيب: بأن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك، والشرك نجاسة معنوية، كما أن الإيمان طهارة معنوية في قوله: (إن المؤمن لا ينجس) (١)، وحمل المعنى على الحقيقة الشرعية هو الأصل، لكن إذا وردت قرينة تمنع من إرادة الحقيقة الشرعية لم يحمل عليها، فلما أذن في نكاح نساء أهل الكتاب، وأباح لنا طعامهم، علم أن الحقيقة الشرعية غير مرداة، فحملنا الآية على النجاسة المعنوية، والله أعلم. الدليل الثاني: (١٠٤٥ - ١٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، قال: أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم، وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ لم يأذن باستعمالها إلا بعد غسلها، فدل ذلك على نجاستها، وإذا كانت آنيتهم نجسة فمن باب أولى أن تكون أبدانهم نجسة كذلك. • وأجيب بجوابين: الأول: لو كانت العلة النجاسة لأمر بغسلها مباشرة، فالنهي عن استعمالها مع

стр. 2685

وجود غيرها مطلق، سواءً تيقنا طهارتها أم لا، والأصل في النهي المنع، لكن لما قال : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) [المائدة: ٥]، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم وأوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب في أحاديث صحيحة، فدل على أن الغسل من باب الاحتياط والاستحباب. الجواب الثاني: أن حديث أبي ثعلبة الخشني في قوم كانوا يأكلون في آنيتهم الميتة والخنزير، ويشربون فيها الخمر، ولذا أمر بغسلها إن لم يوجد غيرها، أما من يعلم أنهم لا يأكلون فيها الميتة ولا يشربون فيها الخمر فآنيتهم كآنية المسلمين. (١٠٤٦ - ١٧) ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إنى بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بدًا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (١). [أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٢). الدليل الثالث: (١٠٤٧ - ١٨) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت

стр. 2686

يا أبا هر؟ فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (١). مفهومه: إن المشرك نجس. قلت: لا حاجة إلى الاستدلال بمفهوم الحديث، وعندنا منطوق الآية الكريمة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) وقد أجبت عن الآية، وما كان جوابًا عن الآية كان جوابًا عن مفهوم حديث أبي هريرة ﵁. • دليل من قال: إن المشرك ينجس بالموت: سوف أعقد إن شاء الله تعالى في الفصل التالي كلام أهل العلم في حكم ميتة الآدمي، وأذكر فيه أدلة كل قول، فانظره مشكورًا. • الراجح من الخلاف: الراجح أن بدن المشرك طاهر، وأن نجاسته معنوية، والله أعلم. * * *

стр. 2687

المبحث الثالث في نجاسة بني آدم بالموت مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • تغسيل الميت دليل على طهارة عينه؛ إذ لو كان نجس العين لما تعبدنا بغسله؛ لأن غسل ما هو نجس العين لا يزيده إلا تنجيسًا. • المقصد الشرعي من غسل الميت معنيان: أحدهما غسل بمعنى الحدث، وهذا يكفي فيه غسلة واحدة إلى ثلاث، وغسل يرجع إلى نظافة بدنه، وهذا يرجع تقديره إلى الغاسل، قال ﷺ لمن غسل ابنته: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك. [م-٤٧٣] اختلف العلماء في ميتة الآدمي: فقيل: نجس مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (١).

стр. 2688

وقيل: طاهر مطلقًا، وهو الراجح في مذهب الشافعية، والمالكية، والمشهور عند الحنابلة (١). وقيل: المسلم الميت طاهر، والكافر الميت نجس، وهو قول في مذهب المالكية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣)، واختيار ابن حزم (٤). • دليل من قال: إن ميتة الآدمي طاهرة: الدليل الأول: (١٠٤٨ - ١٩) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ ، وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيت معه

стр. 2689

حتى قعد فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (١). وجه الاستدلال: قوله: (إن المؤمن لا ينجس) هذا مطلق، وهو يشمل حال الحياة وحال الموت. الدليل الثاني: (١٠٤٩ - ٢٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا (٢). ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٣). [صحيح] (٤). الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: ٧٠]. وجه الاستدلال: أن التكريم يقتضي بأن لا يحكم عليه بالنجاسة سواءً في حال الحياة أو في حال الموت. • ويمكن يجاب عنه: بأن هذا الدليل ليس نصًّا على طهارة الميت، كما أن الحكم على بوله وغائطه ومذيه بأنه نجس، لا ينافي تكريم الله له،، فكذلك الحكم على بدنه بأنه نجس حال

стр. 2690

الموت لا ينافي التكريم، وقد يكون المراد من التكريم هو ما أعطاه الله لهذا المخلوق من عقل، وسخر له ما في السموات والأرض وغير ذلك من نعم الله على بني آدم. الدليل الرابع: يشرع للميت الغسل قبل الدفن، ولو كان نجس العين لما طهره الغسل، ولم يكن لمشروعيته فائدة، وهذا ما ينزه عنه الشارع. • وأجيب: بأنه لو كان طاهرًا لم يؤمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة. • ورد هذا: بأن غسل الميت له مقصودان في الشرع، أحدهما: تعبدي، وهو بمنزلة رفع الحدث من الحي، فكما أن المسلم الحي طاهر، سواءً كان محدثًا أو غير محدث، فكذلك الميت، والطهارة من الحدث ليست طهارة عن نجاسة، وذلك لأن غسل الأعضاء المخصوصة في الوضوء لا دخل لها في مخرج البول والغائط والريح وسائر الأحداث، وإنما هي طهارة تعبدية. والثاني: وهي نظافة بدنه، ولهذا ترك عدد الغسلات فيه إلى تقدير الغاسل، قال ﷺ : اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك. الدليل الخامس: (١٠٥٠ - ٢١) ما روه مسلم، من طريق عبد العزيز بن محمد، عن عبد الواحد ابن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن عائشة أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد (١).

стр. 2691

وجه الاستدلال: كون المسلمين إلى يومنا هذا يصلون على موتاهم في المساجد، دليل على طهارة الميت، ولو كان الموت يجعل الآدمي نجسًا ما صلي على الميت في المسجد، مع الأمر بحفظ المساجد عن النجاسات، بل وعن القاذورات ولو كانت طاهرة كالبصاق والنخامة ونحوهما. • دليل من قال: إن الميت نجس مطلقًا: الدليل الأول: إذا كان الحيوان الطاهر المأكول اللحم إذا مات من غير تذكية أصبح نجسًا بالإجماع، فكذلك بدن الآدمي، فإن طهارته حال الحياة لا تمنع من نجاسته إذا مات، لكونه حيوانًا له نفس سائلة. • وأجيب: بأن هذا القياس في مقابل النص، فيكون قياسًا فاسدًا، فقد دلت النصوص على طهارة المسلم حيًا وميتًا كما ذكرناها في أدلة القول الأول، فيكون الآدمي مخصوصًا من الحيوان الذي له نفس سائلة، وينجس بالموت، كما خص السمك بطهارته ميتًا، وإن كان له نفس سائلة. كما يمكن أن يقال: بأن هذا قياس مع الفارق، حيث إن الحيوان حلال الأكل خلقه الله ليكون مائدة تؤكل، ويفتقر عند التذكية إلى ذكر اسم الله عليه ليكون طاهرًا حلالًا، بخلاف الآدمي فلا يحل أكله حيًا ولا ميتًا كما هو معلوم، وإذا ثبت الفارق سقط القياس، والله أعلم. الدليل الثاني: (١٠٥١ - ٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن عطاء أن حبشيًّا وقع في زمزم، فمات، قال: فأمر ابن الزبير أن ينزف ماء

стр. 2692

زمزم، قال: فجعل الماء لا ينقطع، قال: فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، قال: فقال ابن الزبير: حسبكم (١). [صحيح] (٢). الدليل الثالث: (١٠٥٢ - ٢٣) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: أن زنجيًّا وقع في ماء زمزم، فأنزل إليه رجلًا فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء، ثم قال للذي في البئر: ضع دلوك من قبل العين التي تلي البيت أو الركن؛ فإنها من عيون الجنة (٣). [قتادة لم يسمع من ابن عباس] (٤). الدليل الرابع: (١٠٥٣ - ٢٤) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق جابر، عن أبي الطفيل، قال: وقع غلام في ماء زمزم، فنزفت أي نزح ماؤها (٥).

стр. 2693

[ضعيف جدًّا] (١). وجه الاستدلال من هذه الآثار: لو لم يكن الآدمي ينجس بالموت لما نجس ماء زمزم بموت الآدمي فيه، ولما كان هناك حاجة إلى نزحه. • ويجاب عن هذا من أربع وجوه: الوجه الأول: هناك من يضعف قصة وقوع الزنجي في بئر زمزم، وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة ﵀. فقد روى البيهقي بإسناده عن سفيان قوله: أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر أحدًا صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا: إنه مات في زمزم، وما سمعت أحدًا يقول: ينزح زمزم (٢). الوجه الثاني: هذه الآثار إن صحَّت فهي موقوفة على صحابي، وفعل الصحابي حجة إذا لم يخالف المرفوع، وهنا قد خالف ما رواه أحمد، (١٠٥٤ - ٢٥) قال أحمد في مسنده: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الوليد ابن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج- عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر

стр. 2694

يلقى فيها الحيض، والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء (١). [صحيح بشواهده] (٢) (١٠٥٥ - ٢٦) وروى أحمد أيضًا، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك ابن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «الماء لا ينجسه شيء» (٣). [سبق تخريجه] (٤). بل إن فعل ابن عباس بالأمر بنزح البئر على التسليم بصحته عنه معارض بما صح عن ابن عباس نفسه، (١٠٥٦ - ٢٧) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا (٥). وهذا نص صريح بأن الموت لا ينجس المؤمن، وإذا كان الموت ليس من أسباب النجاسة في حق المؤمنين، لم يكن من أسبابها في حق غيرهم، لأن الشيء لا يمكن أن يكون إذا لحق زيدًا لم ينجسه، وإذا لحق عمرًا نجسه، بل الحكم يكون شاملًا لعموم الناس على صورة واحدة. الوجه الثالث: ربما نزح البئر لسبب آخر غير وقوع الجثة في البئر، فإنه يبعد أن يسقط أحد في بئر ويسلم من الجروح، وقد يغير الدم لون الماء وطعمه، ومعلوم أن الدم يحرم شربه،

стр. 2695

فنزحت من أجل ذلك، أو من أجل استقذار الماء. (١٠٥٧ - ٢٨) ويؤيد ذلك ما رواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (١). فإذا كان هذا في الفأرة الميتة وهي بلا شك نجسة، وفي إناء السمن، وهو إناء صغير ليس كالبئر، والسمن ليس كالماء في دفعه للنجاسة، ومع ذلك لم ينجس السمن كله، فما بالك بالبئر والذي غالبًا ما يكون الماء فيه كثيرًا، ومع الآدمي وهو على الصحيح عين طاهرة، فإنه بلا شك يكون طاهرًا، وأن الأمر بنزح الماء إنما هو للاستقذار أو لحرمة شرب الدم وقد تغير الماء به، والله أعلم. الوجه الرابع: أنكم تقولون بنزح البئر مطلقًا، تغير الماء أو لم يتغير، مع أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو ماء طهور بالإجماع كما نقلنا الإجماع على ذلك عند الكلام على سؤر الخنزير فلماذا أخرجتم البئر من هذا الإجماع، وما الحاجة إلى نزحه، وبئر زمزم من الماء الكثير، وليس من الماء القليل. • دليل من قال: إن الكافر الميت نجس بخلاف المؤمن: الدليل الأول: استدلوا بعموم قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨]. فهذا مطلق يشمل حال الحياة وحال الموت. الدليل الثاني: مفهوم قوله ﷺ : سبحان الله إن المؤمن لا ينجس.

стр. 2696

معناه: أن غير المؤمن نجس. وقد أجبنا على هذه الأدلة في الكلام على طهارة الكافر في حال الحياة، ولا يوجد دليل على نجاسته في حال الوفاة، وترك غسله والصلاة عليه؛ لأنه ليس من أهل العبادة، وليس هذا راجعًا إلى نجاسته. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الأقوال تبين لنا أن القول بطهارة بني آدم أرجح من غيرها، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراض، على خلاف أدلة بقية الأقوال، فإنها لا تكاد تسلم من الاعتراضات، والله أعلم. * * *

стр. 2697

الفصل الثاني في الحيوان غير الآدمي المبحث الأول في الحيوان البري الحي غير المأكول الفرع الأول في طهارة الهرة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل ما شق التحرز منه فنجاسته معفو عنها، كالهرة عللت طهارتها بكثرة التطواف، ويلحق بها ما كان مثلها. [م-٤٧٤] اختلف العلماء في حكم الهرة من حيث الطهارة والنجاسة، فقيل: إن الهرة عينها نجسة، ولكن سقطَتْ نجاسة سؤرها لعلة التطواف علينا، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه، وهذا مذهب الحنفية (١).

стр. 2698

وقيل: هي طاهرة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). • دليل الحنفية: الدليل الأول: (١٠٥٨ - ٢٩) ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة (٢). [المحفوظ أن غسل الإناء من ولوغ الكلب مرفوع، ومن ولوغ الهر موقوف على أبي هريرة، فلا حجة فيه فيما عارض المرفوع من حديث أبي قتادة] (٣).

стр. 2699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2700

الدليل الثاني: (١٠٥٩ - ٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الهر سبع (١). [ضعيف] (٢).
следующие страницы →