← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

معناه: أن غير المؤمن نجس. وقد أجبنا على هذه الأدلة في الكلام على طهارة الكافر في حال الحياة، ولا يوجد دليل على نجاسته في حال الوفاة، وترك غسله والصلاة عليه؛ لأنه ليس من أهل العبادة، وليس هذا راجعًا إلى نجاسته. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الأقوال تبين لنا أن القول بطهارة بني آدم أرجح من غيرها، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراض، على خلاف أدلة بقية الأقوال، فإنها لا تكاد تسلم من الاعتراضات، والله أعلم. * * *

стр. 2697

الفصل الثاني في الحيوان غير الآدمي المبحث الأول في الحيوان البري الحي غير المأكول الفرع الأول في طهارة الهرة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل ما شق التحرز منه فنجاسته معفو عنها، كالهرة عللت طهارتها بكثرة التطواف، ويلحق بها ما كان مثلها. [م-٤٧٤] اختلف العلماء في حكم الهرة من حيث الطهارة والنجاسة، فقيل: إن الهرة عينها نجسة، ولكن سقطَتْ نجاسة سؤرها لعلة التطواف علينا، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه، وهذا مذهب الحنفية (١).

стр. 2698

وقيل: هي طاهرة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). • دليل الحنفية: الدليل الأول: (١٠٥٨ - ٢٩) ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة (٢). [المحفوظ أن غسل الإناء من ولوغ الكلب مرفوع، ومن ولوغ الهر موقوف على أبي هريرة، فلا حجة فيه فيما عارض المرفوع من حديث أبي قتادة] (٣).

стр. 2699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2700

الدليل الثاني: (١٠٥٩ - ٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الهر سبع (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2701

• دليل الجمهور: (١٠٦٠ - ٣١) ما رواه مالك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها: أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١).

стр. 2702

[صحيح] (١).

стр. 2703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2705

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2708

فاشتمل الحديث على حكمين: الأول: طهارة عينها، بقوله: إنها ليست بنجس. الثاني: طهارة سؤرها. ولا يلزم من طهارة الثاني طهارة الأول، لأنه قد يقال: إنه عفي عن السؤر لعلة التطواف، لكن لما قال: إنها ليست بنجس علمنا طهارة عينها، والله أعلم.

стр. 2709

إلا أن الحنابلة أخذوا من طهارة الهرة أن ما كان مثلها فما دون في الخلقة فهو طاهر، وكأن الحكم علق في حجم الحيوان، وليس لعلة التطواف، والحديث صريح بأنها أعطيت الهرة حكم الطهارة لمشقة التطواف لا غير، ولم ينظر إلى حجم الهرة، فقد يقاس على الهرة كل حيوان محرم الأكل يشق التحرز منه، سواءً كان في حجم الهرة أو أكبر أو أصغر؛ لأن الحجم لا يؤثر في الطهارة والنجاسة، وقد يحكم على حيوان أصغر حجمًا من الهرة بأنه نجس، إذا كان محرم الأكل، ولم يشق التحرز منه. فتعليق الحكم بحجم الحيوان فيه محذوران: الأول: إهمال العلة التي نصَّ عليها النبي ﷺ : وهي علة التطواف. الثاني: إعمال علَّة لم ينص عليها الرسول ﷺ ، وهو حجم الهرة. وعليه فالمشقة هي علَّة الحكم لا غير، والله أعلم. * * *

стр. 2710

الفرع الثاني في الحيوان المركوب كالحمار والبغل مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في الحيوان الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء منها إلا بدليل. • العلة في طهارة الحيوان البري، هل راجعة إلى الحياة؛ لأنه بالموت يكون نجسًا؟ وعليه فكل حيوان حي فهو طاهر بما في ذلك الكلب والخنزير، وما ورد في تطهير الإناء من ولوغ الكلب فهو تعبدي، لوجوب العدد في غسله، والنجاسة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها. أو أن الحكم بالطهارة للحيوان راجع إلى إباحة الأكل، فما كان محرم الأكل فهو نجس، إلا أن يشق التحرز منه؟ • علة الطهارة والنجاسة في الحيوان مركبة، ومتنوعة، فالموت علة في نجاسة كل حيوان مطلقًا إلا ميتة الآدمي، وميتة البحر، وما لا نفس له سائلة، والتذكية من أهلها علة في طهارة ما يؤكل من الحيوان البري، بخلاف ما لا يؤكل، والحيوان محرم الأكل نجس إلا أن يشق التحرز منه. [م-٤٧٥] اختلف العلماء في الحمار والبغل:

стр. 2711

فتوقف الحنفية فيهما (١). وقيل: إنهما طاهران، وإليه ذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (٢). وقيل: الحمار والبغل نجسان، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (٣). • دليل الجمهور: الدليل الأول: الأصل في الأعيان الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء إلا بدليل صحيح صريح، ولا دليل هنا. الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) [النحل: ٨]. فذكر الله هذه الحيوانات في مقام الامتنان على عباده، في حل ركوبها واتخاذها زينة، ولو كانت نجسة لما أباحها لهم. الدليل الثالث: أن الحمار والبغل كانت تركب على عهد رسول الله ﷺ ، ولا بد أن يصيب

стр. 2712

الراكبَ شيء من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لبينه النبي ﷺ ، ولنقل توقي الصحابة لذلك. الدليل الرابع: أن الرسول ﷺ حكم بطهارة الهرة لكونها من الطوافين علينا كما تقدم ذكر الدليل وتخريجه، والحمار والبغل يشتركان في هذه العلة، خاصة قبل ظهور السيارات وانتشارها، فقد كانت مركوب عامة الناس، ولا زالت مركوب كثير من الناس في المجتمعات الإسلامية الفقيرة، ويستعملها الرعاة في بواديهم، وإذا وجدت العلة وجد الحكم. • دليل من قال بنجاسة الحمار والبغل: الدليل الأول: (١٠٦١ - ٣٢) ما رواه البخاري من طريق محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال صبحنا خيبر بكرة، وفيه: فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادي النبي ﷺ إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس (١). • وأجيب: بأن الخلاف ليس في لحوم الحمر الأهلية وإنما في أبدانها حال الحياة، فالضمير في قوله: (فإنها رجس) عائد إلى اللحوم، وليس إلى الحمر، ونجاسة اللحوم لا يستلزم نجاسة الحيوان حال الحياة؛ لأن الحمار لا تحله التذكية، فإذا ذبح كان ميتة، ونجاسة الميتة معلوم من الشرع بالضرورة. فالرسول ﷺ قال: إنها رجس لما قيل له: يا رسول الله أكلت الحمر، ولذلك أكفئت القدور بعد أن طبخت. ويحتمل أن قوله: إنها رجس: أي حرام، فلم يتعرض الحديث للنجاسة، كما في قوله تعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إنها رجس، أي حرام، وإلا فالميسر

стр. 2713

لا يقال: إنه نجس، وكذلك الأنصاب والأزلام، والجواب الأول أقوى؛ لأن الغالب في إطلاق لفظة «رجس» على الحيوان إنما يراد بها أنه نجس، وإن كانت تطلق على غير المأكول والمشروب ويراد بها الحرام أحيانًا، والله أعلم. الدليل الثاني: قالوا: إنه حيوان حرم أكله لا لحرمته، مع إمكان التحرز منه غالبًا أشبه الكلب في النجاسة. • وأجيب: بأن الكلب ورد فيه نص على نجاسة سؤره، ووجوب غسل الإناء من ولوغه سبعًا، وحرم اقتناؤه إلا لحاجة، بخلاف الحمار فإنه يجوز اقتناؤه للزينة، ولم يرد نص في غسل الإناء من ولوغه، ولم نؤمر بغسل ما أصاب ثيابنا من عرقه ولعابه، فأين وجه الشبه بين المقيس والمقيس عليه. وأما القول بأنه يمكن التحرز منه في الغالب ففيه نظر، إذ لا يمكن لراكبه التحرز من عرقه فبدنه يلامس بدن الراكب، فيعرق بدن الحمار خاصة في البلاد الحارة، فيصيب ثياب الراكب وبدنه، ولا بد. • ذكر ما أوجب للحنفية التوقف في البغل والحمار: حيث كان التوقف في المسألة لا يعتبر حكمًا، لم أقدم ذكر أدلة الحنفية كالعادة حين ذكر الأدلة؛ فالتوقف ليس من أحكام الشرع، والمتوقف هو ملتبس عليه الأمر، فلم يحرر في المسألة قولًا فضلًا أن يحرر دليلًا، وما أوجب لهم التوقف هو تعارض الأدلة عندهم في طهارة سؤره، وفي حكم لحمه، فجاء عندهم ما يقتضي نجاسة سؤره، وما يقتضي طهارته، وجاء عندهم ما يقتضي تحريم لحمه، وما يقتضي إباحة أكلها، فلما تعارضت الأدلة توقفوا، وجعلوا سؤرهما مشكوكًا فيه: يقول السرخسي: «أما سؤر الحمار فطاهر عند الشافعي رحمه الله تعالى، وهو قول

стр. 2714

ابن عباس ﵄، فإنه كان يقول: الحمار يعلف القت والتبن، فسؤره طاهر. وعندنا مشكوك فيه غير متيقن بطهارته، ولا بنجاسته؛ فإن ابن عمر ﵄ كان يقول: إنه رجس، فيتعارض قوله وقول ابن عباس ﵄، وكذلك الأخبار تعارضت في أكل لحمه فروي أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. وروي أن أبجر بن غالب ﵁ قال: لم يبق لي من مالي إلا حميرات فقال ﵊ كل من سمين مالك (١)، وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته، واعتباره بلبنه يدل على نجاسته؛ ولأن الأصل الذي أشار إليه رسول الله ﷺ في الهرة موجود في الحمار؛ لأنه يخالط الناس لكنه دون ما في الهرة فإنه لا يدخل المضايق فلوجود أصل البلوى لا نقول بنجاسته، ولكون البلوى فيه متقاعدًا لا نقول بطهارته فيبقى مشكوكًا فيه، وأدلة الشرع أمارات لا يجوز أن تتعارض، والحكم فيها الوقف (٢). وهذه الأدلة التي ساقها السرخسي ليست متكافئة، حتى يقال: بالتعارض، فأثر ابن عباس لم يعارض الحديث المرفوع في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، فإننا نقول بطهارة سؤرها، وتحريم لحمها، ولا تعارض. وأما الأحاديث التي ساقها، فيقال: الحديث الضعيف لا يعارض به الحديث المتفق على صحته، فالنهي عن لحوم الحمر الأهلية ثابت في حديث متفق على صحته، كما خرجته في أدلة القول الأول. وحديث (كل من سمين مالك) حديث مضطرب، لا يثبت عن رسول الله ﷺ . (١٠٦٢ - ٣٣) فقد رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن معقل يحدث عن عبد الله بن بسر،

стр. 2715

عن ناس من مزينة الظاهرة، أن أبجر -أو ابن أبجر- سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله لم يبق لي مال إلا حمري، فقال رسول الله ﷺ : أطعم أهلك من سمين مالك، فإنما كرهت لهم جوال (١) القرية (٢). [الحديث فيه اضطراب كثير] (٣).

стр. 2716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2719

وذكر الطحاوي عن بعضهم جوابًا عن هذا الحديث، فقال: قد يجوز أن يكون الحمر التي أباح النبي ﷺ أكلها في هذا الحديث كانت وحشية، ويكون قول النبي ﷺ : فإنما كرهت لكم جوال القرية على الأهلية (١). وجوابًا آخر: أنه جاء في الحديث قيل للنبي ﷺ : إنه قد أصابتنا سنة، وإن سمين مالنا في الحمير، فقال: كلوا من سمين مالكم، فأخبر أن ما كان أباح لهم من ذلك كان في عام سنة فيكون إنما أباحه لهم في حال الضرورة وقد تحل في حال الضرورة الميتة، فليس في هذا الحديث دليل على حكم لحوم الحمر الأهلية في غير حال الضرورة، وقد جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ مجيئا متواترا في نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية (٢).

стр. 2720

وهذا جواب قوي لو كان حديث ابن أبجر صحيحًا، أما إذا كان ضعفه بيِّنًا فلا حاجة لتلمس الجواب عن دليل لا يقوم بنفسه لضعفه، والله أعلم. والقول بأن هناك شيئًا من أحكام الشريعة مشكوكًا فيه غير صحيح، ولا يجوز القول به ولا اعتقاده؛ لأن الشك إنما هو أمر عارض يعتري المجتهد عند تعارض الأدلة، وما يكون مشكوكًا فيه عند مجتهد لا يكون مشكوكًا فيه عند آخر؛ لأن الشك في الشيء هو عجز عن الوصول إلى الحكم الشرعي، قطعيًا كان أو ظنيًا، والتوقف وإن صح أن يكون من آحاد المجتهدين لقصور أو تقصير، لكن لا يصح كونه مذهبًا يدعى إليه وإلى تبنيه من أتباع المذهب الحنفي، بل يجب على غيرهم من علماء المذهب الحنفي الاجتهاد في الوصول إلى الحكم الشرعي، واختلاف الصحابة في شيء لا يوجب الشك في طهارة الشيء، فليس كل ما اختلف فيه الصحابة يكون حكمه مشكوكًا فيه، وإلا أدى الأمر إلى الشك في كثير من الأحكام الشرعية؛ لأن الأمور التي اختلف فيها الصحابة أكثر من الأمور التي اتفقوا عليها، بل يجب النظر في خلافهم، والأخذ بما هو أقرب إلى الكتاب والسنة وقواعد الشرع. ثم إن الأحكام الشرعية جميعها قد بينها الله بيانًا واضحًا، كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: ٨٩]، ولكن هذا البيان لم يعلمه كل أحد، والخلاف إنما هو ناشئ عن اختلاف الأفهام، فالقصور والتقصير إنما هو من قبل البشر، لا من قبل التشريع قطعًا. * * *

стр. 2721

الفرع الثالث في نجاسة الكلب مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • نجاسة الإناء بولوغ الكلب دليل على نجاسة لسانه، وإذا كان لسانه نجسًا لم يكن هناك فرق بين اللسان وبين سائر أعضائه. • كل حيوان محرم الأكل فهو نجس على الصحيح، ولو في الحياة، إلا ما شق التحرز منه كالهر، أو كان التحريم لحرمته كالآدمي. وقيل: كل حي من الحيوان فهو طاهر حتى الكلب والخنزير. [م-٤٧٦] اختلف الفقهاء في نجاسة عين الكلب، وسيأتي الكلام على سؤره في باب مستقل إن شاء الله تعالى.

стр. 2722

فقيل: إن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة (١)، ومذهب المالكية (٢)، وقول الزهري (٣)، واختاره داود الظاهري (٤). وقيل: إن الكلب نجس العين، معلمه وغير معلمه، وهو قول أبي يوسف ومحمد ابن الحسن من الحنفية (٥)، والمعتمد في مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • دليل من قال بطهارة عين الكلب: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤]. وجه الاستدلال: أباح الله الأكل مما أمسكت الكلاب، ولم يأمرنا بغسل المكان

стр. 2723

الذي أمسكته معه، مع أنه لا يخلو من التلوث بريق الكلب، ولو كان نجسًا لأمرنا بغسله، ولنقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم غسله. • وأجيب: بأن الحنابلة يوجبون غسل ما أصاب فم الكلب من الصيد، قال البهوتي: ويجب غسل ما أصاب فم الكلب؛ لأنه موضع أصابته نجاسة، فوجب غسله كغيره من الثياب والأواني (١). وقال النووي في المجموع: «لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله بخلاف الإناء» (٢). وبناء عليه فهناك قول في مذهب الشافعية وهو المشهور من مذهب الحنابلة بوجوب غسل ما أصابه فم الكلب، وإذا قلنا بالوجوب فلا طريق إلى إلزامنا بعدم الغسل. • ورد عليهم: بأن اعتراض المالكية والحنفية بعدم وجود أمر من الشارع بغسل ما أصاب فم الكلب، وهذا حق، فليس هناك أمر، أما كونه يوجد قول بوجوب الغسل فهذا لم نتعرض له، ولم ندع أن المسألة إجماع، إلا أن يقال: عدم الأمر اكتفاء بعموم أدلة تطهير المتنجس. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الآية دليل عام على جواز أكل صيد الكلب المعلم للحاجة إلى ذلك، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، بل قد وردت أدلة أخرى بينت نجاسة الكلب، كحديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ... ) وغيره من الأحاديث، فهذا دليل خاص تحمل عليه الأدلة العامة، كالآية ونحوها، والله أعلم.

стр. 2724

الدليل الثاني: (١٠٦٣ - ٣٤) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (١). • وأجيب بعدة أجوبة: الأول: أن هذا كان في بداية الإسلام، وقبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب. وهذا الجواب قائم على الظن، ولا يعلم التاريخ حقيقة، بل إن الأمر بقتل الكلاب كان متقدمًا ثم نسخ، فلو عكس قائل المسألة وقال: إن التغليظ في نجاسة الكلب كان ذلك حين كان المسلم مأمورًا بقتلها، فلما نسخ القتل خفف الأمر، لو قيل به كان أوجه من هذه الدعوى. الثاني: أن بول الكلاب لا خلاف في نجاسته، فكيف تستدلون على طهارتها بما قام الإجماع على نجاسته؟ • وأجيب: بأن حكاية الإجماع فيه نظر، فقد ذكر الحافظ في الفتح أن ابن وهب يرى أن جميع الأبوال طاهرة عدا بول الآدمي، كما أن هناك قولًا بجواز أكل لحم الكلاب، ويرى أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهذا القول يخرق دعوى الإجماع (٢). الثالث: أن النجاسة كونها لم تغسل؛ لأن النجاسة قد تطهرها الشمس، وهو ما يسمى

стр. 2725

عند بعض الفقهاء التطهير بالاستحالة، خاصة أن بلاد الحجاز بلاد حارة، فإذا أذهبت الحرارة لون النجاسة وريحها وطعمها طهر المحل. وهذا الجواب أقواها في نظري، والله أعلم. وهناك أدلة أخرى استدلوا بها على طهارة الكلاب، منها أدلتهم في طهارة سؤر السباع، وسوف نذكرها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، فانظرها غير مأمور. • دليل من قال بنجاسة الكلاب . الدليل الأول: (١٠٦٤ - ٣٥) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (١). فقوله: (طهور إناء أحدكم) والطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء، فدل على نجاسته. (١٠٦٥ - ٣٦) وروى مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (٢). • وأجيب: بأن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب إنما هو للتعبد، وليس للنجاسة، يؤيد ذلك أمور: الأول: أمر بغسل الإناء مع أن الماء لم يتغير، وإنما ينجس الماء بالتغير بالنجاسة،

стр. 2726

فإذا وقعت نجاسة في الماء ولم تغيره لم ينجس على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذا دليل على أن الأمر بغسلها إنما هو للتعبد. ثانيًا: غسل النجاسة معقول المعنى، والمطلوب غسلها حتى تذهب عينها، فإذا ذهبت ذهب حكمها، فلم اعتبر العدد في غسل نجاسة الكلب دل على أن الغسل للتعبد، لأن دم الحيض وهو مجمع على نجاسته قد أمر الرسول ﷺ بغسله بدون عدد كما في حديث أسماء المتفق عليه. ثالثًا: استعمال التراب مع الماء على خلاف القياس في سائر النجاسات، كل هذا يدل على أن الأمر بغسلها إنما هو تعبدي. رابعًا: أن قوله: «طهور إناء أحدكم» لا يدل على أن الإناء تنجس، قال ابن العربي: فإن قيل: «روي عن النبي ﷺ طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا، والطهارة تقابل النجاسة، قلنا: لا يصح ما ذكرتم، بل يرد على المحل النجس وعلى الطاهر، قال الله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [النساء: ٤٣]، وقال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (١). وليس هناك نجاسة، وقال في السواك في الفم: (السواك مطهرة للفم) وقال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣]، وحقيقة المسألة أن لفظ النجاسة يقتضي الطهارة، وأما لفظ الطهارة فلا يقتضي النجاسة (٢). • وأجيب: أولًا: أن قوله «طهور إناء أحدكم» دليل على ثبوت النجاسة؛ إذ الطاهر ليس بحاجة إلى تطهير. ثانيًا: أن قوله: «فليرقه» دليل على أن الماء تنجس، وإلا لما أمر بإفساد الماء وإراقته،

стр. 2727

وإذا ثبتت نجاسة لعابه، فعرقه وبوله ومنيه وسائر بدنه نجس من باب أولى؛ لأن فم الكلب أطهر ما فيه. والحق أن زيادة فليرقه في الحديث لا يثبتها أهل الحديث، ويرونها لفظة شاذة (١)، ولكن يكفي قوله: (طهور إناء أحدكم) لإثبات نجاسة لعابه، فكذلك عرقه وبوله ومنيه وسائر بدنه. ثالثًا: أما الجواب عن القول بأن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فنقول: هذه مسألة خلافية، وإن كنا نعتقد أن الصحيح أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإذا حكمنا بنجاسة الماء في ولوغ الكلب لم يلزم منه أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها التتريب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ. على أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم. وأما قول ابن العربي رحمه الله تعالى: إن لفظ الطهارة لا يقتضي النجاسة فليس بصواب، لأننا نقول: الطهارة إما أن تكون عن حدث وإما أن تكون عن نجاسة، والأمر بتطهير الجنب إنما هو عن حدث، وأما غسل الإناء فلا يمكن أن يحمل على طهارة الحدث، فيكون المقصود به طهارة الخبث، وأما حديث (السواك مطهرة) فالمقصود به الطهارة اللغوية: وهي النظافة، وآية الصدقة المقصود بها الطهارة من الذنوب، فهي طهارة معنوية. الدليل الثاني: (١٠٦٦ - ٣٧) ما رواه أحمد، من طريق عيسى يعني: ابن المسيب، حدثني أبو زرعة

стр. 2728

عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يأتي دار قوم من الأنصار، ودونهم دار قال: فشق ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله سبحان الله تأتي دار فلان، ولا تأتي دارنا قال: فقال النبي ﷺ : لأن في داركم كلبًا، قالوا: فإن في دارهم سنورًا، فقال النبي ﷺ : إن السنور سبع (١). [ضعيف وسبق تخريجه في طهارة الهر] (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ فرق بين الهر والكلب، فدل على نجاسة الكلب كما دل على طهارة الهر. • وأجيب: بأن الحديث ضعيف، ولم يذكر الرسول ﷺ في الحديث أن الهر طاهر حتى يقال بالمفهوم، فيقال: مفهومه أن الكلب نجس، وإنما قال: الهر سبع، والسبع قد يكون طاهرًا وقد يكون نجسًا، وهذه مسألة سوف أبحثها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (١٠٦٧ - ٣٨) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن شهاب، عن ابن السباق، أن عبد الله بن عباس، قال: أخبرتني ميمونة أن رسول الله ﷺ أصبح يومًا واجمًا، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله ﷺ : إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أما والله ما أخلفني قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء

стр. 2729

فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير. وجه الاستدلال: بأن النبي ﷺ نضح مكان الكلب، ولو كان محله طاهرًا لما نضحه؛ لأن فيه إضاعة للمال. والنضح هنا المقصود به الغسل. قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (١). قال السيوطي في شرحه للحديث: ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (٢). وقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلًا. قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها» (٣). • وأجيب: لو سلم أن النضح مكان الكلب المقصود به الغسل، لكان ذلك مجرد فعل،

стр. 2730

والفعل المجرد لا يدل على الوجوب. • ويرد عليه: بأن جبريل لا يخلف وعده وهو واجب عليه من أجل أمر مستحب، بل لأجل أمر واجب. وقد يقال: سلمنا أن خروج الكلب من البيت كان واجبًا لدخول الملائكة، ولذلك من اقتنى كلبًا من غير حاجة نقص من أجره كل يوم قيراط، لكن النضح لم يدل الحديث على وجوبه، فربما كان خروج الكلب كافيًا، ولكن الرسول إنما نضحه طلبًا للكمال، وطلب الكمال ليس فيه إضاعة للمال، فتأمل. • الراجح: بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بنجاسة الكلب قول قوي جدًّا، ونجاسة لسان الكلب ظاهرة في السنة الصحيحة، ولا يوجد فرق بين لسان الكلب وبين سائر أعضائه، بل إن لسان الكلب قد يكون أطهر من سائر أعضائه، فإذا حكمنا بنجاسة فم الكلب حكمنا بنجاسة سائر الأعضاء ولا بد، والله أعلم. * * *

стр. 2731

الفرع الرابع في نجاسة الخنزير مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الخلاف في طهارة الخنزير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان: هل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي، فإذا مات تنجس إلا ما استثني كميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة، وما ورد في تطهير الإناء من ولوغ الكلب فهو تعبدي، لوجوب العدد في تطهيره، والنجاسة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها. أو أن علة النجاسة في الحيوان ترجع إلى تحريم الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس، إلا أن يكون آدميًا، أو يشق التحرز منه كالهر، الصحيح الثاني. [م-٤٧٧] اختلف العلماء في نجاسة الخنزير: فقيل: الخنزير نجس نجاسة عينية، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية،

стр. 2732

والحنابلة (١)، وقول في مذهب المالكية (٢). وقيل: إن عينه طاهر، بناء على أن كل حيوان حي، فهو طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٣)، ورجحه الشوكاني (٤). • دليل من قال بنجاسة الخنزير . الدليل الأول: قال تعالى: (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]. والرجس: يأتي بمعنى النجس. قال الجصاص: واللحم وإن كان مخصوصًا بالذكر فإن المراد جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه أعظم منفعته وما يبتغى منه، كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر جميع أفعاله في الصيد، وخص القتل بالذكر؛ لأنه أعظم ما يقصد به الصيد. وكقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩]، فخص البيع بالنهي؛ لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم، والمعني جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة. وإنما نص على البيع تأكيدًا للنهي عن الاشتغال عن الصلاة، كذلك خص لحم الخنزير بالنهي تأكيدًا لحكم تحريمه وحظرًا لسائر أجزائه، فدل على أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصًّا

стр. 2733

في لحمه (١). • اعتراض وجواب: حمل الشوكاني رحمه الله تعالى قوله: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) على الحرام، وتحريم أكل لحم الخنزير إجماع لا خلاف فيه. • وأجيب: بأن حمله على الحرام فيه بعدٌ؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه حرام فيبعد أن يكون صدر الآية وآخرها على تكرار التحريم، بل قوله تعالى: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) تعليل للتحريم، وليس تكرارًا له. والصحيح أن قوله: (رِجْسٌ) دليل على النجاسة، لكن هل هو دليل على نجاسة الخنزير أو على نجاسة لحمه عند إرادة أكله، فالهر لحمه رجس، وكذا الحمار لحمه رجس كما جاء في الحديث (٢)، وذلك لا يتضمن حال الحياة؛ لأن الخنزير إذا فارقته الحياة فهو ميتة، سواءً مات حتف أنفه، أو مات عن طريق التذكية؛ لأن التذكية لا تعمل فيه الحل، وهو محرم الأكل، ولو قال: (أو خنزير فإنه رجس) لكان في الآية دليل على نجاسة عين الخنزير، والله أعلم. الدليل الثاني: (١٠٦٨ - ٣٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم

стр. 2734

منها بدًا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبه قال: واشربوا (١). [أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٢). وجه الاستدلال: أنه أمر بغسلها في الماء حين كان أهلها يطبخون في آنيتهم الخنزير، وهذا شأن النجاسات. اعتراض: أن نجاسة لحم الخنزير لا تعني نجاسة الخنزير حال الحياة، وبينهما فرق. الدليل الثالث: قال النووي: نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيًا (٣). الدليل الرابع: الخنزير أولى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه بخلاف الكلاب فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه. وقولنا: من غير ضرر: احتراز من العقرب، فإنه يباح قتلها، وهي طاهرة، ولكن من أجل دفع ضررها (٤).

стр. 2735

• وأجيب: بأنه لا يلزم من تحريم الأكل والاقتناء لزوم النجاسة، فالتحريم أعم من النجاسة، فقد يكون الشيء محرم الأكل وهو طاهر، كالسم ونحوه، كما أنه قد يحرم الاقتناء مع الطهارة كالتماثيل والأزلام ونحوها. الدليل الخامس: (١٠٦٩ - ٤٠) ما رواه مسلم، من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه (١). فشبه اللعب بها بغمس اليد في هذه النجاسات. لكن قد يجاب عنه بما قاله النووي في شرحه لصحيح مسلم، قال: ومعنى «صبغ يده في لحم الخنزير ودمه في حال أكله منهما» وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما. والله أعلم. يعني: وليس لمجرد تلوث اليد بهذه القاذورات، وتحريم الأكل مجمع عليه، والنزاع في طهارة عينه حال الحياة، والله أعلم. الدليل الثالث: كل حيوان محرم الأكل الأصل فيه النجاسة مطلقًا حال الحياة وحال الممات، ولكن استثني ما يشق التحرز منه لعلة التطواف، وبقي ما عداه على النجاسة، أرأيت إلى الهر، فإن الرسول ﷺ حين حكم بطهارتها، لم يقل: إنه لا يوجد دليل يقتضي النجاسة، ولم ير كونها حية كافيًا في كونها طاهرة، بل إن التعليل يفهم منه الحكم
следующие страницы →