← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

الفرع الرابع في نجاسة الخنزير مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الخلاف في طهارة الخنزير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان: هل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي، فإذا مات تنجس إلا ما استثني كميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة، وما ورد في تطهير الإناء من ولوغ الكلب فهو تعبدي، لوجوب العدد في تطهيره، والنجاسة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها. أو أن علة النجاسة في الحيوان ترجع إلى تحريم الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس، إلا أن يكون آدميًا، أو يشق التحرز منه كالهر، الصحيح الثاني. [م-٤٧٧] اختلف العلماء في نجاسة الخنزير: فقيل: الخنزير نجس نجاسة عينية، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية،

стр. 2732

والحنابلة (١)، وقول في مذهب المالكية (٢). وقيل: إن عينه طاهر، بناء على أن كل حيوان حي، فهو طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٣)، ورجحه الشوكاني (٤). • دليل من قال بنجاسة الخنزير . الدليل الأول: قال تعالى: (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]. والرجس: يأتي بمعنى النجس. قال الجصاص: واللحم وإن كان مخصوصًا بالذكر فإن المراد جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه أعظم منفعته وما يبتغى منه، كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر جميع أفعاله في الصيد، وخص القتل بالذكر؛ لأنه أعظم ما يقصد به الصيد. وكقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩]، فخص البيع بالنهي؛ لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم، والمعني جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة. وإنما نص على البيع تأكيدًا للنهي عن الاشتغال عن الصلاة، كذلك خص لحم الخنزير بالنهي تأكيدًا لحكم تحريمه وحظرًا لسائر أجزائه، فدل على أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصًّا

стр. 2733

في لحمه (١). • اعتراض وجواب: حمل الشوكاني رحمه الله تعالى قوله: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) على الحرام، وتحريم أكل لحم الخنزير إجماع لا خلاف فيه. • وأجيب: بأن حمله على الحرام فيه بعدٌ؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه حرام فيبعد أن يكون صدر الآية وآخرها على تكرار التحريم، بل قوله تعالى: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) تعليل للتحريم، وليس تكرارًا له. والصحيح أن قوله: (رِجْسٌ) دليل على النجاسة، لكن هل هو دليل على نجاسة الخنزير أو على نجاسة لحمه عند إرادة أكله، فالهر لحمه رجس، وكذا الحمار لحمه رجس كما جاء في الحديث (٢)، وذلك لا يتضمن حال الحياة؛ لأن الخنزير إذا فارقته الحياة فهو ميتة، سواءً مات حتف أنفه، أو مات عن طريق التذكية؛ لأن التذكية لا تعمل فيه الحل، وهو محرم الأكل، ولو قال: (أو خنزير فإنه رجس) لكان في الآية دليل على نجاسة عين الخنزير، والله أعلم. الدليل الثاني: (١٠٦٨ - ٣٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم

стр. 2734

منها بدًا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبه قال: واشربوا (١). [أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٢). وجه الاستدلال: أنه أمر بغسلها في الماء حين كان أهلها يطبخون في آنيتهم الخنزير، وهذا شأن النجاسات. اعتراض: أن نجاسة لحم الخنزير لا تعني نجاسة الخنزير حال الحياة، وبينهما فرق. الدليل الثالث: قال النووي: نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيًا (٣). الدليل الرابع: الخنزير أولى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه بخلاف الكلاب فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه. وقولنا: من غير ضرر: احتراز من العقرب، فإنه يباح قتلها، وهي طاهرة، ولكن من أجل دفع ضررها (٤).

стр. 2735

• وأجيب: بأنه لا يلزم من تحريم الأكل والاقتناء لزوم النجاسة، فالتحريم أعم من النجاسة، فقد يكون الشيء محرم الأكل وهو طاهر، كالسم ونحوه، كما أنه قد يحرم الاقتناء مع الطهارة كالتماثيل والأزلام ونحوها. الدليل الخامس: (١٠٦٩ - ٤٠) ما رواه مسلم، من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه (١). فشبه اللعب بها بغمس اليد في هذه النجاسات. لكن قد يجاب عنه بما قاله النووي في شرحه لصحيح مسلم، قال: ومعنى «صبغ يده في لحم الخنزير ودمه في حال أكله منهما» وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما. والله أعلم. يعني: وليس لمجرد تلوث اليد بهذه القاذورات، وتحريم الأكل مجمع عليه، والنزاع في طهارة عينه حال الحياة، والله أعلم. الدليل الثالث: كل حيوان محرم الأكل الأصل فيه النجاسة مطلقًا حال الحياة وحال الممات، ولكن استثني ما يشق التحرز منه لعلة التطواف، وبقي ما عداه على النجاسة، أرأيت إلى الهر، فإن الرسول ﷺ حين حكم بطهارتها، لم يقل: إنه لا يوجد دليل يقتضي النجاسة، ولم ير كونها حية كافيًا في كونها طاهرة، بل إن التعليل يفهم منه الحكم

стр. 2736

بالنجاسة لولا وجود هذه العلة، فإنه قال: إنها من الطوافين عليكم، يعني: رفع الحكم بنجاسته دفعًا للحرج والمشقة علينا، لوجود علة التطواف، ومشقة التحرز منها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلو كان جنس الهر لا يطوف علينا، وتوحش لكان مقتضى التعليل أن يعود الحكم عليها بالنجاسة، والله أعلم. وهذا أقوى دليل في نظري على الحكم بنجاسة كل حيوان محرم الأكل. • وقد يجاب عنه: بأن يقال: إن قوله: (إنها من الطوافين عليكم) تعليل لكون الله خلقها طاهرة، أي كيف تكون نجسة، وهي من الطوافين عليكم؟ فلأجل ذلك لم يخلقها الله تعالى نجسة، ولا يستفاد من ذلك العكس، أن ما لم يكن طوافًا كان نجسًا؛ لأن هذا يقتضي أن الأصل هو النجاسة، ومعلوم أن النجاسة حكم شرعي ناقل عن الأصل: الذي هو الطهارة. • دليل من قال بالطهارة: الدليل الأول: قالوا: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا نحكم بنجاسة عين إلا لدليل صحيح صريح يقتضي النجاسة، ولا دليل هنا. قال النووي ﵀ مع أنه يتبنى مذهب الشافعية، قال: ليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته (١). وهذا من تمام عدله وإنصافه. الدليل الثاني: إن تحريم أكل لحم الخنزير لا يقتضي نجاسته حال الحياة، فالحمار والبغل والهر محرمة الأكل، ومع ذلك هي طاهرة على الصحيح.

стр. 2737

• الراجح بين القولين: أرى أن القول بالنجاسة أقوى من حيث الدليل والتعليل، وتوجيه طهارة الهر واضح في أن كل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما يشق التحرز منه فإنه طاهر حال الحياة، والله أعلم. * * *

стр. 2738

الفرع الخامس في نجاسة سباع البهائم والطير مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الخلاف في طهارة سباع البهائم والطير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان: هل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حي حتى الكلب والخنزير، أو أن علة الطهارة هي إباحة الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا الآدمي، وما يشق التحرز منه كالهر. [م-٤٧٨] اختلف الفقهاء في نجاسة سباع البهائم والطير، فقيل: إنها نجسة، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).

стр. 2739

وقيل: إنها طاهرة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢). • دليل من قال بالنجاسة: الدليل الأول: (١٠٧٠ - ٤١) ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا (٣). [رجاله ثقات إلا أن إسناده منقطع] (٤).

стр. 2740

وجه الاستدلال: لولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله لما نهاه عن ذلك. • وأجيب: بأن الأثر ضعيف أولًا. وثانيًا: ليس فيه دلالة، فإن قول عمر: فإنا نرد على السباع وترد علينا صريح أنه لا يؤثر ورود السباع على الماء حتى مع العلم بورودها، ولو قال: لا تخبره، فإنا لم نكلف السؤال، عملًا بالأصل لكان الاستدلال له وجه. الدليل الثاني: (١٠٧١ - ٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (١). [إسناده صحيح إن شاء الله] (٢). وجه الاستدلال: لو لم يكن ولوغ السباع مؤثرًا في طهارة الماء لما قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فإن مفهومه إذا كان الماء دون القلتين فقد يحمل الخبث من ولوغ السباع والدواب، والله أعلم. • وأجيب: بأن السباع والدواب منها ما هو نجس كالكلب، فالكلب داخل في لفظ السباع كما أنه داخل في لفظ الدواب، ومنها ما هو طاهر، فلا يدل على نجاسة كل السباع،

стр. 2741

وإذا كان الكلب من جملة ما ينوب الماء لم يكن الحديث دالًّا على نجاسة كل سبع، وإنما يدل على نجاسة السباع النجاسة التي من جملتها الكلب. ثانيًا: ورد في بعض ألفاظ الحديث: وما ينوبه من الكلاب والدواب. ثالثًا: أن كلمة ينوبه لا تعني فقط الاقتصار على الولوغ، فقد تبول فيه أيضًا، وبولها غير ريقها، والله أعلم. الدليل الثالث: (١٠٧٢ - ٤٣) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ورواه مسلم (١). الدليل الرابع: (١٠٧٣ - ٤٤) ما ورواه مسلم، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث دال على أن هذه السباع من البهائم والطير محرمة الأكل، وكل ما كان محرم الأكل لا لحرمتها، وأمكن التحرز منها كانت نجسة. الدليل الخامس: ما قلناه سابقًا في نجاسة الخنزير، نعيده هنا: فالهر، حين حكم الرسول ﷺ بطهارتها، لم يقل: إنه لا يوجد دليل يقتضي النجاسة، ولم ير في كونها حية كافيًا

стр. 2742

لاعتبارها طاهرة، بل إن التعليل يفهم منه الحكم بالنجاسة لولا وجود هذه العلة، فإنه قال: إنها من الطوافين عليكم. يعني: رفع الحكم بنجاسته دفعًا للحرج والمشقة علينا، لوجود علة التطواف، ومشقة التحرز منها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلو كان جنس الهر لا يطوف علينا، وتوحش لكان مقتضى التعليل أن يعود الحكم عليها بالنجاسة، وإذا كانت هذه السباع يمكن التحرز منها كانت نجسة ولابد. • دليل من قال بطهارة سباع البهائم والطير: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح. • وأجيب: بأننا سقنا الأدلة على نجاستها، وهذا يكفي في النقل عن أصل الإباحة. الدليل الثاني: (١٠٧٤ - ٤٥) ما رواه ابن ماجه حدثنا أبو مصعب المدني، حدثنا عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة منها فقال: لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2743

الدليل الثالث: (١٠٧٥ - ٤٦) ما رواه الدارقطني من طريق أيوب بن خالد الحراني، حدثنا محمد بن علوان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فسار ليلًا، فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ : يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور (١). [ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 2744

الدليل الرابع: (١٠٧٦ - ٤٧) ما رواه الشافعي في الأم عن إبراهيم بن محمد. ورواه عن سعيد بن سالم عن ابن أبي حبيبة أو أبي حبيبة (شك الربيع)، كلاهما (إبراهيم وابن أبي حبيبة) عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر، قال: قيل لرسول الله ﷺ أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: وبما أفضلت السباع كلها (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2745

الدليل الخامس: (١٠٧٧ - ٤٨) ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور (١)، ومن طريقه ابن المنذر (٢)، عن ابن أبي عدي، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه، قال: قلت لأبي هريرة: أرأيت السؤر في الحوض يصدر عنها الإبل، فتردها السباع وتلغ فيها الكلاب ويشرب منها الحمار، هل أتطهر منه؟ فقال: لا يحرم الماء شيء. [صحيح موقوف]. وجه الاستدلال: طهارة سؤرها دليل على طهارة عينها.

стр. 2746

• وأجيب: الحديث ليس في مسألتنا، بل يتحدث عن تأثير النجاسة تقع في الماء الكثير هل تضره أم لا؟ ولم يقل أبو هريرة: إن هذه الأشياء طاهرة، وإنما قال: لا يحرم الماء شيء. بل إن السؤال دليل على أنها نجسة، وإنما لم تؤثر في الماء لكثرته، ولعدم تغيره بها، والاستدلال بها على طهارتها كالاستدلال به على طهارة الميتة والكلاب والحيضة حين سئل رسول الله ﷺ عن بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء، فإذا كان الحديث لا يدل على طهارة هذه الأشياء الواقعة في بئر بضاعة، فلا يدل أثر أبي هريرة على طهارة سؤر السباع، والله أعلم. الدليل السادس: أن السباع كالأسد والصقر ونحوها حيوانات يجوز بيعها والانتفاع بها من غير ضرورة، فكانت طاهرًا كالشاة (١). • وأجيب: أن اشتراط الطهارة في المبيع شرط مختلف فيه بين الفقهاء بعد اتفاقهم على تحريم بيع الميتة، واختلفوا في العلة هل هي النجاسة، فيحرم بيع كل نجس؟ أو لأن الميتة ليست مالًا، وما يجوز بيعه يشترط أن يكون مالًا، فهذا القرد والحمار يجيز الحنابلة بيعه مع أنه نجس عندهم، فليس كل ما جاز بيعه حكمنا بطهارته. الراجح والله أعلم: نجاسة هذه الحيوانات إلا ما كان يشق التحرز منها فهو طاهر لعلة التطواف، بصرف النظر عن حجمه، وهل هو أكبر من الهر خلقة أو مثله أو دونه؟ والله أعلم. * * *

стр. 2747

المبحث الثاني في الحيوان البري المأكول الفرع الأول في طهارة المأكول الحي أو المذكى مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل حيوان مأكول اللحم فهو طاهر في الحياة، وكذا إن فارقته الحياة بذكاة شرعية. [م-٤٧٩] الحيوان مأكول اللحم، إما أن يكون حيًا، أو فارقته الحياة عن طريق التذكية الشرعية، فهذا القسم من الحيوان طاهر بالإجماع. قال ابن حزم: «وكل ما يؤكل لحمه فلا خلاف فيه أنه طاهر، قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، فكل حلال طيب، والطيب لا يكون نجسًا بل هو طاهر» (١).

стр. 2748

وقال ابن قدامة: «ما يؤكل لحمه فهو طاهر بلا خلاف» (١). وقال الشيرازي: «إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شيء من أجزائه ... وإن ذبح حيوان لا يؤكل نجس بذبحه كما ينجس بموته؛ لأنه ذبح لا يبيح أكل اللحم فنجس به كما ينجس بالموت كذبح المجوسي» (٢). * * *

стр. 2749

الفرع الثاني في نجاسة الحيوان البري بالموت المسألة الأولى في نجاسة الحيوان البري بالموت مما له نفس سائلة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إذا مات الحيوان فإما أن يموت حتف أنفه، أو بذكاة، فإن مات بالذكاة، فهو طاهر بالاتفاق إن كان مباح الأكل، ومختلف في طهارته إن كان محرم الأكل، وإن مات حتف أنفه، فإن كان بحريًّا فهو حلال خلافًا لأبي حنفية، وإن كان بريًا ليس له نفس سائلة، فهو طاهر خلافًا للشافعي، وإن كان بريًا ذا نفس سائلة فهو نجس بالاتفاق. [م-٤٨٠] أجمع العلماء على نجاسة الحيوان البري الذي له نفس سائلة إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة، أو كانت التذكية غير معتبرة شرعًا (١). ويستثنى من ذلك ميتة الآدمي فإنه طاهر على الصحيح.

стр. 2750

وشذَّ الشوكاني فذهب إلى طهارة الميتة، ولا أعلم أحدًا سبقه إلى هذا القول (١). • دليل الجمهور على نجاسة الميتة: الدليل الأول: قوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]. وقد رد الشوكاني هذا الاستدلال بقوله: إن الضمير راجع إلى أقرب مذكور، وهو لحم الخنزير، لإفراد الضمير بقوله: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (٢). وهذا الجواب ضعيف، وقد يُجاب بجواب أقوى من هذا بأن يقال: إن الآية سيقت لبيان تحريم الأكل، بقوله: (عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) ولا نزاع في تحريم أكل الميتة. وأما القول: بأنه رجس، فالرجس هو الشيء المستقذر، وليس نصًّا في النجاسة. وهذا يقال لو كان هذا هو الدليل الوحيد في نجاسة الميتة، ويكفي في نجاسته ما حكي من إجماع على نجاستها. الدليل الثاني: (١٠٧٨ - ٤٩) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله

стр. 2751

لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه. ورواه مسلم (١). فالعلة في تحريم بيع الميتة عند جمهور الفقهاء: هو كونها نجسة، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: إن العلة كونها ليست مالًا. الدليل الثالث: (١٠٧٩ - ٥٠) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (٢). فإذا كان الجلد قبل الدبغ نجسًا كان ذلك دليلًا على نجاسة لحم الميتة؛ وذلك لأن نجاسة الجلد إنما هو لاتصاله بشحم ولحم الميتة، فإذا دبغ قطع منه ما تعلق به من شحم ولحم ورطوبة، فبقي لحم الميتة نجسًا لعدم إمكان دبغه، قال ابن تيمية: فالميتة ثلاثة أقسام: «منها ما هو طاهر مطلقًا، كالشعر إذا جز، سواءً جز في حال الحياة، أو بعد الموت. ومنها ما لا يطهر بحال كاللحم، والدم المسفوح. ومنه ما يحكم بنجاسته ما دام متصلًا برطوبة النجاسة ودمها، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا. ونجاسة الجلد قبل الدباغ كنجاسة الثوب، فإذا دبغ قطعت عنه النجاسة» (٣).

стр. 2752

الدليل الرابع: الإجماع، قال ابن رشد: «وأما أنواع النجاسات فإن العلماء قد اتفقوا في أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي ... » (١). وقال ابن قدامة: «لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحدًا خالف فيه» (٢). وقال النووي بعد حكمه بطهارة ميتة السمك والجراد: «وأما باقي الميتات فنجسة، ودليلها الإجماع» (٣). وقال ابن حزم: «واتفقوا أن لحم الميتة وشحمها، وودكها، وعضروفها، ومخها، وأن لحم الخنزير وشحمه ... حرام كله، وكل ذلك نجس» (٤). كما حكى الإجماع ابن الرفعة من الشافعية (٥). • دليل الشوكاني على طهارة الميتة: الدليل الأول: الأصل في الأعيان الطهارة، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح. • ويجاب: بأن هذا أصل عظيم، وهو مسلم، ولكننا لا نسلم أن الميتة لم يأت فيها دليل على النجاسة، بل وردت أدلة من الأثر ومن النظر على نجاستها كما سبق، والله أعلم.

стр. 2753

الدليل الثاني: (١٠٨٠ - ٥١) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها، ورواه مسلم (١). فقوله: (إنما حرم أكلها) دليل على أنه لا يحرم من الميتة إلا الأكل. • وأجيب: بأن هذا الحديث دليل على جواز الانتفاع بالنجاسات على وجه لا يتعدى، وليس فيه دليل على الطهارة، ولو أخذنا بظاهر الحصر لقلنا بجواز بيع الميتة، وقد جاء حديث جابر المتفق عليه في النهي عن بيع الميتة، وهو غير الأكل، وبالتالي ليس في الحديث دليل على طهارة أو نجاسة الميتة. • الراجح من الخلاف: أن الميتة نجسة، ولم أقف على قول لأحد قال بطهارة الميتة قبل الشوكاني، وقد حكي الإجماع على نجاستها، وعلى تحريم أكلها، والله أعلم. * * *

стр. 2754

المسألة الثانية في الحيوان البري الذي لا نفس له سائلة المطلب الأول المقصود من قول الفقهاء لا نفس له سائلة [م-٤٨١] اختلف العلماء في المقصود من قولهم لا نفس له سائلة، هل يعني ذلك أنه لا دم له مطلقًا، أو له دم ولكنه لا يسيل: فقيل: المعتبر السيلان، لا عدم أصل الدم. جاء في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: «قوله: (لا دم له) أي سائل، فالمعتبر عدم السيلان لا عدم أصل الدم، حتى لو مات في الماء حيوان له دم جامد غير سائل لا ينجسه» (١). وقال العمراني: «الحيوان الذي لا نفس له سائلة إذا ذبح لم يسل دمه عن موضعه» (٢). ولم يقل: لا دم له. وجاء في المصباح المنير: «النفس: وهو الدم، ومنه قولهم: «لا نفس له سائلة:

стр. 2755

أي: لا دم له يجري، وسمي الدم نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا» (١). (١٠٨١ - ٥٢) روى البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن زينب بنت أم سلمة حدثته، أن أم سلمة حدثتها، قالت: بينا أنا مع النبي مضطجعة في خميصة إذ حِضْتُ، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال: أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. ورواه مسلم (٢). قال في الفتح: قال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النفس وهو الدم (٣). قال ابن عبد البر: قوله: «(نفست) لعلك أصبت بالدم، يعني الحيضة، والنفس: الدم. ألا ترى إلى قول إبراهيم النخعي، وهو عربي فصيح، كل ما لا نفس له سائلة يموت في الماء لا يفسده. يعني: دمًا سائلًا» (٤). وقالت المالكية: إن المقصود بقولنا لا نفس له سائلة: أي لا دم له، فإن وجد فيه دم، فإن كان ذاتيًّا فلا يدخل في حكم ما لا دم له سائل، وإن كان الدم منقولًا أي طارئًا كالقمل والبعوض، فإن يصدق عليه أنه لا دم له، لأننا نقول: لا دم له، ولا نقول: لا دم فيه. قال الصاوي في الشرح الصغير: «قوله: (ما لا دم له) هو معنى قول غيره: (لا نفس له سائلة): أي لا دم ذاتي له، بل إن وجد فيه دم يكون منقولًا، ويحكم

стр. 2756

بنجاسة الدم فقط، فلذلك قال: (لا دم له) ولم يقل: (لا دم فيه)» (١). (النفس): هو الدم، فما لا نفس له سائلة: أي لا دم له يجري. وقيل: ما ليس فيه عظم. (١٠٨٢ - ٥٣) روى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، في الجعل والزنبور وأشباهه إذا سقط في الماء أو وقع في الطعام والشراب: قال يؤكل ويشرب ويتوضأ منه وما يكون في الماء مما ليس فيه عظم فلا بأس به (٢). ومذهب الحنفية أصح من حيث اللغة والشرع. * * *

стр. 2757

المطلب الثاني في طهارة ما لا نفس له سائلة وهو حي مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل حيوان لا دم له، أو له دم لا يسيل فهو طاهر بالاتفاق إن كان حيًا، وطاهر على الصحيح إن كان ميتًا خلافًا للشافعي، والأصل فيه حديث غمس الذباب. • نجاسة الميتة تارة تكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك، يجمع ذلك قوله ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، بخلاف ما لا دم له، فلا ينحبس فيه ما يقتضي تنجيسه. [م-٤٨٢] اختلف العلماء في طهارة الحيوان الذي لا دم له يجري، فقيل: طاهر مطلقًا، سواءً تولد من طاهر أو من نجس، وهذا هو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).

стр. 2758

قال النووي: «وأما الحيوانات، فطاهرة، إلا الكلب، والخنزير، وما تولد من أحدهما. ولنا وجه شاذ، أن الدود المتولد من الميتة نجس العين، كولد الكلب، وهذا الوجه غلط، والصواب: الجزم بطهارته» (١). وقال الدردير في الشرح الصغير: «كل حي، ولو كلبًا أو خنزيرًا طاهر» (٢). وقال الخرشي: «الحيوان الذي لا دم له كالعقرب والذباب والخنافس وبنات وردان والجراد والدود والنمل وما في معناها، وهو مراد أهل المذهب بما لا نفس له سائلة طاهر» (٣). وقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر، وإن تولد من نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه شاذ عند الشافعية (٤). • دليل من قال بطهارة ما لا نفس له سائلة مطلقًا: الدليل الأول: الأصل في الحيوان الحي الطهارة، ولا يحكم بنجاسة حيوان حي إلا بدليل، ولا يوجد دليل على نجاسة الحيوان الذي لا دم له سائل. الدليل الثاني: قوله تعالى عن النحل: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) [النحل: ٦٩].

стр. 2759

قال الجصاص: فيه بيان طهارة العسل ومعلوم أنه لا يخلو من النحل الميت وفراخه فيه، وحكم الله تعالى مع ذلك بطهارته فأخبر عما فيه من الشفاء للناس، فدل ذلك على أن ما لا دم له لا يفسد ما يموت فيه (١). وإذا كانت ميتته طاهرة، كان في حال حياته طاهرًا من باب أولى. الدليل الثالث: (١٠٨٣ - ٥٤) ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (٢). وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، (١٠٨٤ - ٥٥) رواه أحمد ﵀ من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد ابن خالد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه (٣). [حسن] (٤).

стр. 2760

وجه الاستدلال: قال ابن القيم: أمر النبي ﷺ بمقله: وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حارًّا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (١). وإذا كان لا ينجس بالموت، لم ينجس في الحياة من باب أولى. الدليل الرابع: أن هذه الحيوانات مما يشق الاحتراز منها، فلو حكمنا بنجاستها لوقع الناس في الحرج؛ لأنه يتعذر صون الأواني عنها، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].

стр. 2761

الدليل الخامس: (١٠٨٥ - ٥٦) ما رواه الدارقطني، من طريق بقية، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن بشر بن منصور، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ : يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه، فهو حلال أكله وشربه ووضوءه. قال الدارقطني: لم يروه غير بقية، عن سعيد الزبيدي، وهو ضعيف (١). الدليل السادس: (١٠٨٦ - ٥٧) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن منبوذ، عن أمه، أنها كانت تسافر مع ميمونة زوج النبي ﷺ ، قالت: فكنا نأتي الغدير فيه الجعلان أمواتًا، فنأخذ منه الماء. يعني: فيشربونه (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 2762

الدليل السابع: أن الميتة إنما تنجست لاحتباس الدم فيها، ولذلك إذا دبغ الإهاب وهو جزء من الميتة طهر، لما في الدباغ من قطع للدماء والرطوبات النجسة، وما لا نفس له سائلة ليس له دم مسفوح، فيكون طاهر حيًا وميتًا. • دليل من قال: بنجاسة ما لا نفس له سائلة إذا كان متولدًا من نجس: الدليل الأول: أن ما استحال من النجاسة فهو نجس؛ لأن الفرع له حكم أصله، وما تولد من نجس فهو نجس، ولأن النجس غير المتنجس، فالنجس عينه نجسة، وما كانت عينه نجسة لا يمكن أن ينقلب إلى عين طاهرة، فإذا احترقت النجاسة وصارت رمادًا، أو وقع الخنزير في الملاحة، وصار ملحًا، أو تكثف البخار المتصاعد من ماء نجس، فتحول إلى رطوبة، فإن كل هذا لا يحول الأعيان النجسة إلى طاهرة، فكذلك إذا تولد ما لا نفس له سائلة من النجاسات صارت عينه نجسة. • ونوقش هذا: الصحيح أن الاستحالة مؤثرة، فالاستحالة تقلب الطيب إلى خبيث، كالغذاء ينقلب إلى عذرة، وتقلب الخبيث إلى طيب، كاللبن من دم الحيض، وعلى القول

стр. 2763

بنجاسة الخمر فإنها إذا انقلبت خلًا بنفسها حكمتم بطهارتها وهكذا. قال ابن حزم: «وإذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادًا أو ترابًا، فكل ذلك طاهر، ويتيمم بذلك التراب، برهان ذلك أن الأحكام إنما هي على ما حكم الله تعالى بها فيه مما يقع عليه ذلك الاسم الذي به خاطبنا الله ، فإذا سقط ذلك الاسم فقد سقط ذلك الحكم، وأنه غير الذي حكم الله تعالى فيه. والعذرة غير التراب وغير الرماد، وكذلك الخمر غير الخل، والإنسان غير الدم الذي منه خلق، والميتة غير التراب» (١). • الراجح: الراجح قول من قال بطهارة ما لا دم له سائل. * * *

стр. 2764

المطلب الثالث في طهارة ميتة ما لا نفس له سائلة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل حيوان لا دم له، أو له دم لا يسيل فهو طاهر بالاتفاق إن كان حيًا، وطاهر على الصحيح إن كان ميتًا خلافًا للشافعي، والأصل فيه حديث غمس الذباب. • نجاسة الميتة تارة تكون لاحتقان الدم فيها، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك، يجمع ذلك قوله ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، بخلاف ما لا دم له، فلا ينحبس فيه ما يقتضي تنجيسه. [م-٤٨٣] تكلمت في المسألة السابقة عن خلاف العلماء في طهارة الحيوان إذا لم يكن له نفس سائلة حال الحياة، فإذا مات مثل هذا الحيوان، فهل ينجس بالموت علمًا أنه ليس له دم، أو يكون حكمه ميتًا كحكمه حيًا؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: طاهر مطلقًا، سواءً تولد من الطاهرات، أو تولد من غيرها، وسواءً مات فيما تولد منه، أو مات في غيره، وسواءً كان مأكولًا كدود الفاكهة، أو غير مأكول كالصراصير ونحوها.

стр. 2765

وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: نجسة مطلقًا، لكن إن تولد من شيء طاهر، ومات فيما تولد منه، لم ينجسه، كدود التمر والتين والجبن يموت فيها، وإن أخرج ومات في غيره، نجَّسه، وهو مذهب الشافعية (٥). قال النووي: «لا فرق في الحكم بنجاسة هذا الحيوان بين ما تولد من الطعام، كدود الخل، والتفاح، وما يتولد منه، كالذباب، والخنفساء، لكن يختلفان في تنجيس ما ماتا فيه، وفي جواز أكله، فإن غير المتولد، لا يحل أكله، وفي المتولد أوجه. الأصح: يحل أكله مع ما تولد منه، ولا يحل منفردًا» (٦). وفي أسنى المطالب: «فميتة دود نحو خل، وتفاح نجسة لكن لا تنجسه؛ لعسر الاحتراز عنها ويجوز أكله معه لعسر تمييزه بخلاف أكله منفردا، وأكله مع ما لم يتولد منه» (٧). وقيل: إن تولد من شيء طاهر، فهو طاهر مطلقًا، سواءً مات فيما تولد منه أم لا، وإن تولد من شيء نجس، كصراصير الكنف، فهو نجس، وهذا هو المشهور من

стр. 2766

مذهب الحنابلة (١). دليل من قال بطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة مطلقًا: الدليل الأول: ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (٢). وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بغمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حارًا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (٣). الدليل الثاني: أن الميتة إنما تنجست لاحتباس الدم فيها، قال ﷺ : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل (٤).

стр. 2767

ولهذا إذا دبغ الإهاب وهو جزء من الميتة طهر، لما في الدباغ من قطع للدماء والرطوبات النجسة، وما لا نفس له سائلة ليس له دم مسفوح حتى يتنجس بالموت. دليل من قال بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة: الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، وهذا ميتة. وقال تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً) [الأنعام: ١٤٥]. وهذا عام يشمل كل ميتة، سواءً كان له نفس سائلة أم لا. وأجيب: بأنكم لا تأخذون بعموم هذا اللفظ، فهذا شعر الميتة إذا جز حال الحياة لا تقولون بنجاسته، وهو جزء من الميتة، وهذا جلد الميتة يطهره الدباغ، وهو جزء من الميتة، فكونه يخرج من هذا العموم الذباب ونحوه مما لا دم له ليس بمستنكر، فيكون قد خص من هذا العموم ما لا دم له، كما خص غيره من الجلود إذا دبغت ونحوها. الدليل الثاني: (١٠٨٧ - ٥٨) من السنة، ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة، أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها فقال: ألقوها وما حولها وكلوه (١). وجه الاستدلال: أنه تنجس ما حول الفأرة حين ماتت، وهذا دليل على نجاسة الميتة، وهو عام في

стр. 2768

كل ميتة، ولا يخرج منه شيء إلا بدليل. قال ابن حزم: «العجب من تفريق أبي حنيفة ومالك بين ما لا دم له يموت في الماء وفي المائعات، وبين ما له دم يموت فيها، وهذا فرق لم يأت به قط قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قياس ولا معقول، والعجب من تحديدهم ذلك بما له دم، وبالعيان ندري أن البرغوث له دم والذباب له دم. فإن قالوا: أردنا ما له دم سائل، قيل: وهذا زائد في العجب ومن أين لكم هذا التقسيم بين الدماء في الميتات؟ وأنتم مجمعون معنا ومع جميع أهل الإسلام على أن كل ميتة فهي حرام، وبذلك جاء القرآن، والبرغوث الميت والذباب الميت والعقرب الميت والخنفساء الميت حرام بلا خلاف من أحد، فمن أين وقع لكم هذا التفريق بين أصناف الميتات المحرمات؟ فقال بعضهم: قد أجمع المسلمون على أكل الباقلاء المطبوخ وفيه الدقش الميت، وعلى أكل العسل وفيه النحل الميت وعلى أكل الخل وفيه الدود الميت، وعلى أكل الجبن والتين كذلك، وقد أمر رسول الله ﷺ بمقل الذباب في الطعام. قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إن كان الإجماع صح بذلك كما ادعيتم، وكان في الحديث المذكور دليل على جواز أكل الطعام يموت فيه الذباب كما زعمتم، فإن وجه العمل في ذلك أحد وجهين: إما أن تقتصروا على ما صح به الإجماع من ذلك وجاء به الخبر خاصة. ويكون ما عدا ذلك بخلافه، إذ أصلكم أن ما لاقى الطاهرات من الأنجاس فإنه ينجسها، وما خرج عن أصله عندكم فإنكم لا ترون القياس عليه سائغا أو تقيسوا على الذباب كل طائر، وعلى الدقش كل حيوان ذي أرجل، وعلى الدود كل منساب. ومن أين وقع لكم أن تقيسوا على ذلك ما لا دم له؟ فأخطأتم مرتين: إحداهما: أن الذباب له دم، والثانية: اقتصاركم بالقياس على ما لا دم له، دون أن تقيسوا على الذباب كل ذي جناحين أو كل ذي روح. فإن قالوا: قسنا ما عدا

стр. 2769

ذلك على حديث الفأر في السمن. قيل لهم: ومن أين لكم عموم القياس على ذلك الخبر؟ فهلا قستم على الفأر كل ذي ذنب طويل، أو كل حشرة من غير السباع وهذا ما لا انفصال لهم منه أصلًا، والعجب كله من حكمهم: أن ما كان له دم سائل فهو النجس، فيقال لهم: فأي فرق بين تحريم الله تعالى الميتة وبين تحريم الله تعالى الدم؟ فمن أين جعلتم النجاسة للدم دون الميتة؟ وأغرب ذلك أن الميتة لا دم لها بعد الموت فظهر فساد قولهم بكل وجه» (١). • والجواب على ما أثاره ابن حزم، أن يقال: أولًا: ليس كل دم حرام، وإنما النص جاء في الدم المسفوح، فقال تعالى: (أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً). ثانيًا: (١٠٨٨ - ٥٩) لا شك أن تحريم الميتة كان من أسبابها انحباس الدم، ولذلك روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن جده أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مدى فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس الظفر والسن أما الظفر فمدى الحبشة وأما السن فعظم (٢). فقوله: ما أنهر الدم، دليل على أن انحباس الدم وعدم إنهاره مؤثر في حل الذبيحة. ثالثًا: جاء في حديث ابن عباس في مسلم: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (٣). فالإهاب لما كان متصلًا برطوبة النجاسة ودمها كان نجسًا، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا، فما بالك بالحيوان الذي ليس فيه دم أصلًا. وقد ذكر ابن تيمية أن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة، ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فلا ينجس والذي

стр. 2770

يوضح هذا أكثر أن الله حرم علينا الدم المسفوح، قال : (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]. وعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينهما إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، ثم قال: ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (١). دليل من قال: يعطى حكم ما تولد منه: نظر الحنابلة إلى أصله، فإن تولد من نجس فهو نجس حيًا وميتًا، وإن تولد من طاهر فهو طاهر حيًا وميتًا، فالفرع له حكم أصله، ولا تأثير للاستحالة، ولا حكم للموت في نجاسته أو طهارته. وسبق ذكر دليلهم ومناقشته عند الكلام على طهارة ما لا نفس له سائلة، في حال الحياة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله. والراجح: أن ما لا نفس له سائلة طاهر حيًا وميتًا مطلقًا، سواءً تولد من طاهر أو من نجس، وسواءً مات فيما تولد منه أو في غيره، والله أعلم. * * *
следующие страницы →