← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

مذهب الحنابلة (١). دليل من قال بطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة مطلقًا: الدليل الأول: ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء (٢). وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بغمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حارًا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (٣). الدليل الثاني: أن الميتة إنما تنجست لاحتباس الدم فيها، قال ﷺ : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل (٤).

стр. 2767

ولهذا إذا دبغ الإهاب وهو جزء من الميتة طهر، لما في الدباغ من قطع للدماء والرطوبات النجسة، وما لا نفس له سائلة ليس له دم مسفوح حتى يتنجس بالموت. دليل من قال بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة: الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، وهذا ميتة. وقال تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً) [الأنعام: ١٤٥]. وهذا عام يشمل كل ميتة، سواءً كان له نفس سائلة أم لا. وأجيب: بأنكم لا تأخذون بعموم هذا اللفظ، فهذا شعر الميتة إذا جز حال الحياة لا تقولون بنجاسته، وهو جزء من الميتة، وهذا جلد الميتة يطهره الدباغ، وهو جزء من الميتة، فكونه يخرج من هذا العموم الذباب ونحوه مما لا دم له ليس بمستنكر، فيكون قد خص من هذا العموم ما لا دم له، كما خص غيره من الجلود إذا دبغت ونحوها. الدليل الثاني: (١٠٨٧ - ٥٨) من السنة، ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة، أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها فقال: ألقوها وما حولها وكلوه (١). وجه الاستدلال: أنه تنجس ما حول الفأرة حين ماتت، وهذا دليل على نجاسة الميتة، وهو عام في

стр. 2768

كل ميتة، ولا يخرج منه شيء إلا بدليل. قال ابن حزم: «العجب من تفريق أبي حنيفة ومالك بين ما لا دم له يموت في الماء وفي المائعات، وبين ما له دم يموت فيها، وهذا فرق لم يأت به قط قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قياس ولا معقول، والعجب من تحديدهم ذلك بما له دم، وبالعيان ندري أن البرغوث له دم والذباب له دم. فإن قالوا: أردنا ما له دم سائل، قيل: وهذا زائد في العجب ومن أين لكم هذا التقسيم بين الدماء في الميتات؟ وأنتم مجمعون معنا ومع جميع أهل الإسلام على أن كل ميتة فهي حرام، وبذلك جاء القرآن، والبرغوث الميت والذباب الميت والعقرب الميت والخنفساء الميت حرام بلا خلاف من أحد، فمن أين وقع لكم هذا التفريق بين أصناف الميتات المحرمات؟ فقال بعضهم: قد أجمع المسلمون على أكل الباقلاء المطبوخ وفيه الدقش الميت، وعلى أكل العسل وفيه النحل الميت وعلى أكل الخل وفيه الدود الميت، وعلى أكل الجبن والتين كذلك، وقد أمر رسول الله ﷺ بمقل الذباب في الطعام. قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إن كان الإجماع صح بذلك كما ادعيتم، وكان في الحديث المذكور دليل على جواز أكل الطعام يموت فيه الذباب كما زعمتم، فإن وجه العمل في ذلك أحد وجهين: إما أن تقتصروا على ما صح به الإجماع من ذلك وجاء به الخبر خاصة. ويكون ما عدا ذلك بخلافه، إذ أصلكم أن ما لاقى الطاهرات من الأنجاس فإنه ينجسها، وما خرج عن أصله عندكم فإنكم لا ترون القياس عليه سائغا أو تقيسوا على الذباب كل طائر، وعلى الدقش كل حيوان ذي أرجل، وعلى الدود كل منساب. ومن أين وقع لكم أن تقيسوا على ذلك ما لا دم له؟ فأخطأتم مرتين: إحداهما: أن الذباب له دم، والثانية: اقتصاركم بالقياس على ما لا دم له، دون أن تقيسوا على الذباب كل ذي جناحين أو كل ذي روح. فإن قالوا: قسنا ما عدا

стр. 2769

ذلك على حديث الفأر في السمن. قيل لهم: ومن أين لكم عموم القياس على ذلك الخبر؟ فهلا قستم على الفأر كل ذي ذنب طويل، أو كل حشرة من غير السباع وهذا ما لا انفصال لهم منه أصلًا، والعجب كله من حكمهم: أن ما كان له دم سائل فهو النجس، فيقال لهم: فأي فرق بين تحريم الله تعالى الميتة وبين تحريم الله تعالى الدم؟ فمن أين جعلتم النجاسة للدم دون الميتة؟ وأغرب ذلك أن الميتة لا دم لها بعد الموت فظهر فساد قولهم بكل وجه» (١). • والجواب على ما أثاره ابن حزم، أن يقال: أولًا: ليس كل دم حرام، وإنما النص جاء في الدم المسفوح، فقال تعالى: (أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً). ثانيًا: (١٠٨٨ - ٥٩) لا شك أن تحريم الميتة كان من أسبابها انحباس الدم، ولذلك روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن جده أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مدى فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس الظفر والسن أما الظفر فمدى الحبشة وأما السن فعظم (٢). فقوله: ما أنهر الدم، دليل على أن انحباس الدم وعدم إنهاره مؤثر في حل الذبيحة. ثالثًا: جاء في حديث ابن عباس في مسلم: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (٣). فالإهاب لما كان متصلًا برطوبة النجاسة ودمها كان نجسًا، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا، فما بالك بالحيوان الذي ليس فيه دم أصلًا. وقد ذكر ابن تيمية أن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة، ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فلا ينجس والذي

стр. 2770

يوضح هذا أكثر أن الله حرم علينا الدم المسفوح، قال : (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]. وعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينهما إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، ثم قال: ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (١). دليل من قال: يعطى حكم ما تولد منه: نظر الحنابلة إلى أصله، فإن تولد من نجس فهو نجس حيًا وميتًا، وإن تولد من طاهر فهو طاهر حيًا وميتًا، فالفرع له حكم أصله، ولا تأثير للاستحالة، ولا حكم للموت في نجاسته أو طهارته. وسبق ذكر دليلهم ومناقشته عند الكلام على طهارة ما لا نفس له سائلة، في حال الحياة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله. والراجح: أن ما لا نفس له سائلة طاهر حيًا وميتًا مطلقًا، سواءً تولد من طاهر أو من نجس، وسواءً مات فيما تولد منه أو في غيره، والله أعلم. * * *

стр. 2771

المبحث الثالث في طهارة الحيوان البحري مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • موت الحيوان حتف أنفه علة في نجاسته إلا ثلاثة: ميتة الآدمي، وميتة البحر، وما لا نفس له سائلة. • إذا مات الحيوان حتف أنفه، فإن كان بحريًّا فهو حلال خلافًا لأبي حنفية، وإن كان بريًّا ليس له نفس سائلة، فهو طاهر خلافًا للشافعي، وإن كان بريًّا ذا نفس سائلة فهو نجس بالاتفاق. [م-٤٨٤] اختلف العلماء في ميتة البحر: فقيل: ميتة البحر طاهرة، ولا يباح منها إلا السمك خاصة بشرط أن يموت بسبب ظاهر، كانحسار الماء أو نبذه له، أو ضرب صياد ونحو ذلك، فإن مات حتف أنفه بغير سبب ظاهر وطفا، فأكله مكروه، وهذا مذهب الحنفية (١).

стр. 2772

وقيل: إن مات في البحر ما لا نفس له سائلة فهو طاهر، وإن مات ما له نفس سائلة فهو نجس، وهذا منسوب إلى أبي يوسف من الحنفية (١). وقيل: يباح جميع ميتات البحر، مما لا يعيش إلا في الماء، وهذا مذهب الجمهور، إلا أن بعضهم استثنى كلب وإنسان وخنزير الماء (٢). وقيل: إن ميتة البحر نجسة مطلقًا، سواءً مات في البر أو في البحر، اختاره ابن نافع من المالكية (٣). وقيل: ما مات في البحر فهو طاهر، وما مات في البر فهو نجس، وهذا اختيار ابن قاسم من المالكية (٤). فمذهب الحنفية أضيق المذاهب فيما يتعلق بالأكل، ومن أوسع المذاهب فيما يتعلق بالطهارة. • دليل الحنفية على اقتصار الإباحة على ميتة السمك خاصة: الدليل الأول: جاء النص من كتاب الله بتحريم الميتة مطلقًا في قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ

стр. 2773

عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) [النحل: ١١٥]. واستثني الحديث من الميتات ميتة السمك والجراد، فدل على أن ميتة غير السمك والجراد ليست حلالًا. (١٠٨٩ - ٦٠) فقد روى أحمد (١) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال. [سبق تخريجه] (٢). الدليل الثاني: استدلوا بعموم قوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]. وجه الاستدلال: بأن ميتة البحر فيما عدا السمك تعافه الطباع السليمة، وما عافته فهو خبيث. • وأجيب: بأن الحكم على الشيء بأنه خبيث يحتاج إلى حكم شرعي، وليس مرد ذلك إلى الطباع، ولا يوجد دليل شرعي يقضي بأن ميتة ما سوى السمك من الخبائث، بل يوجد دليل على أنها من الطيبات، كما سأذكره في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (١٠٩٠ - ٦١) ما رواه أحمد، من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان قال: ذكر طبيب الدواء عند رسول الله ﷺ ، وذكر

стр. 2774

الضفدع تكون في الدواء، فنهى رسول الله ﷺ عن قتلها (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حرم قتل الضفدع، وهو يستلزم تحريم أكلها، وهذا حيوان غير السمك.

стр. 2775

• وأجيب: بأن الضفدع ليس من حيوان البحر خاصة، بل هو يعيش في البحر كما يعيش في الماء، وعليه فالحديث ليس في محل النزاع. • وأما الدليل على أن السمك الطافي الذي مات حتف أنفه حرام: (١٠٩١ - ٦٢) فهو ما رواه أبو داود من طريق يحيى بن سليم الطائفي، قال: حدثنا إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه (١). [ضعيف، والصواب وقفه على جابر] (٢).

стр. 2776

• دليل من قال: يباح حيوان البحر كله: الدليل الأول: قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) [المائدة: ٩٦]. قال ابن عباس: طعامه ميتته (١).

стр. 2777

• وأجيب: بأن المقصود من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) هو فعل الصيد، وهو الاصطياد؛ لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد؛ لأنه مفعول فعل الصيد، وقوله: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا المراد منه الاصطياد من المحرم، لا أكل الصيد؛ لأن ذلك مباح للمحرم إذا لم يصطده بنفسه ولا غيره بأمره، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم (١). ورد هذا الجواب: بأن إباحة الاصطياد يلزم منها إباحة الصيد، ولا يلزم من إباحة الصيد إباحة الاصطياد. الدليل الثاني: (١٠٩٢ - ٦٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن صفوان ابن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (٢). [صحيح وسبق تخريجه] (٣). فقوله: (الحل ميتته) يشمل جميع ميتات البحر سواءً كان سَمَكًا أو غيره. الدليل الثالث: (١٠٩٣ - ٦٤) ما رواه البخاري من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: غزونا جيش الخبط، وأُمِّر أبو عبيدة،

стр. 2778

فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه، فمر الراكب تحته، فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: قال أبو عبيدة: كلوا، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: كلوا رزقًا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم فأكله (١). • وأجاب الحنفية عنه بجوابين: الأول: أن الحوت نوع من السمك. الثاني: أن أكل ذلك الميت كان في حال ضرورة ومخمصة، وهي حال تباح فيها أكل الميتة مطلقًا. • ورد عليهم: أن الرسول ﷺ قال: كلوا رزقًا أخرجه الله، فقوله: (كلوا) تعبير عن المستقبل، ثم إن الرسول ﷺ أكل منه، وهو في المدينة، وليس في حال الضرورة والمخمصة. وهذا القول هو الراجح. * * *

стр. 2779

المبحث الرابع في الجلالة الفرع الأول في تعريف الجلالة [م-٤٨٥] اختلف أهل العلم في تعريف الجلالة على أقوال: فقيل: ما كان علفها النجاسة، ولم يخلط بغيره، وأنتن لحمها من ذلك. قال السرخسي: «تفسير الجلالة التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط، فيتغير لحمها، ويكون لحمها منتنًا، فحرم الأكل؛ لأنه من الخبائث، والعمل عليها لتأذي الناس بنتنها، وأما ما يخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه لا يظهر أثر ذلك من لحمه، فلا بأس بأكله، والعمل عليه، حتى ذكر في النوادر: لو أن جديًّا غذي بلبن خنزير فلا بأس بأكله؛ لأنه لم يتغير لحمه، وما غذي به صار مستهلكًا، ولم يبق له أثر، وعلى هذا نقول: لا بأس بأكل الدجاجة، وإن كانت تقع على الجيف؛ لأنها تخلط، ولا يتغير لحمها ولا ينتن» (١). وقيل: الجلالة ما كان أغلب علفها النجاسة، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)،

стр. 2780

وقول في مذهب الشافعية (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢). وقال الكاساني من الحنفية: يكره أكل لحوم الإبل الجلالة، وهي التي الأغلب من أكلها النجاسة (٣). وقيل: الجلالة: ما ظهر فيها أثر النجاسة من ريح ونتن، وهو قول في مذهب الحنفية (٤)، ومذهب الشافعية (٥). وهذا القول هو أقرب الأقوال؛ لأن النجاسة إذا لم يظهر لها أثر، وقد استحالت إلى مادة أخرى، فإن الاستحالة مؤثرة، فتعطى حكم ما استحالت إليه، إلا أنه في الحالة التي يظهر فيها أثر للنجاسة فإن هذا دليل على التغير بالنجاسة، فإذا كان الماء

стр. 2781

الذي خلق طهورًا، ويدفع النجاسة عن غيره فإذا تغير بالنجاسة حكمنا له بالنجاسة، فما بالك بغير الماء، والله أعلم. * * *

стр. 2782

الفرع الثاني في حكم لحم الجلالة وركوبها وشرب لبنها مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • النجاسة في مقرها الباطن لا حكم لها. • انقلاب الأعيان له تأثير في الأحكام على الصحيح • استحالة الطيب إلى خبيث تجعله خبيثًا، فكذا استحالة الخبيث إلى طاهر تجعله طاهرًا. • تغير الصفات دليل على تغير الذات. [م-٤٨٦] اختلف أهل العلم على أقوال، فقيل: يكره كراهة تنزيه، وهو مذهب الحنفية (١)، والصحيح من قولي الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).

стр. 2783

وقيل: لا بأس بذلك، وهو مذهب المالكية (١)، وإليه ذهب الحسن البصري (٢). وقيل: يحرم، وهو قول في مذهب الشافعي (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥). • دليل من قال بالكراهة أو التحريم: الدليل الأول: (١٠٩٤ - ٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدنهثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبن شاة الجلالة، وعن المجثمة، وعن الشرب من في السقاء (٦). [صحيح] (٧).

стр. 2784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2785

الدليل الثاني: (١٠٩٥ - ٦٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا سهل بن بكار حدثنا وهيب عن ابن طاووس عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحمها (١). [رواه وهيب عن ابن طاووس، فوصله، ورواه معمر عن ابن طاووس معضلًا، وهو المحفوظ] (٢).

стр. 2786

الدليل الثالث: (١٠٩٦ - ٦٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن أبي سريج، أخبرني عبد الله ابن جهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها (١). [حسن وعمرو بن أبي قيس قد توبع في أيوب] (٢).

стр. 2787

الدليل الرابع: (١٠٩٧ - ٦٨) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، حدثنا مغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة أن يؤكل لحمها، أو يشرب لبنها (١). [حسن إن شاء الله] (٢).

стр. 2788

• دليل من قال: لا بأس بالجلالة ركوبًا وحلبًا ولحمًا: الدليل الأول: إذا اعتبرنا أن الاستحالة مؤثرة في تحول العين النجسة إلى طاهر، كالخمرة تتحول إلى خل ونحوها، فكذلك هذه النجاسة التي أكلتها الدابة قد تحولت إلى عين طاهرة، فلا يبقى لها حكم، والله أعلم. الدليل الثاني: أن النجاسة في مقرها لا حكم لها، فهذا البول والغائط من الإنسان ما دام في جوفه لا يحكم لمن يحمله بالنجاسة، فكذلك النجاسة التي أكلتها هذه الدابة لا يحكم لها بالنجاسة ما دامت في معدنها، وبالتالي لا يمكن أن تتنجس الدابة الطاهرة بعذرة في جوفها. الدليل الثالث: تنجس الدابة لما تحمل في معدتها من نجاسة إنما هو تنجس بالمجاورة، والماء إذا تروح بريح نجسة حكمنا له بالطهارة كما حكي ذلك إجماعًا (١)، فكذلك تنجس الدابة إنما هو عن مجاورة النجاسة، فلا يحكم لها بالنجاسة. الدليل الرابع: قالوا: إن المسلم قد يبتلى بشرب الخمر، والكافر يشربه ويأكل الخنزير، ولا يكون ظاهرهما نجسًا؛ إذ لو تنجسا ما طهرهما الاغتسال، ويلزم من قولهم: إن الجلالة نجسة أن تكون نجسة قبل أكل النجاسة؛ لأنها متولدة من المني، والمني من الدم، والدم عندهم نجس. الدليل الخامس: استدل بعضهم بقوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ

стр. 2789

إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]. ولم تذكر الجلالة، وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن ما نهى عنه رسول الله ﷺ حكمه حكم ما نهى عنه الله ، وقد تكون الآية خرجت على سبب فيما كان يحرمه أهل الجاهلية مما حكاه الله عنهم، وقد حرم الله أيضًا المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وحرم الرسول ﷺ كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وهو زيادة على قوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) [الأنعام: ١٤٥]. • الراجح من الخلاف: بعض أدلة المالكية فيه قوة، ولكن لا مجال للنظر وفي المسألة أثر صحيح، خاصة حديث ابن عباس فإن رجاله رجال الصحيح، لكن يقال: قوة أدلة المالكية تجعل الباحث يحمل الأحاديث على الكراهة بدلا من حملها على التحريم، فنقول: يكره أكل لحوم الجلالة ما دامت النجاسة لها أثر في لحمها ونتنها؛ لأن النهي من الشارع مشترك بين التحريم والكراهة، والأصل فيه التحريم إلا لقرينة، ومن القرائن أن يكون النهي من أجل الآداب لا من أجل العبادة، والطعام له أثر على الإنسان والحيوان، فإن الإنسان إذا أكل بعض الأكل وجد ريحه في عرقه كالحلبة والثوم، فما بالك إذا أنتن من أكل النجاسة، وكذلك الدابة تأكل الطعام الطيب فيظهر في لبنها، ويخلط لها الأكل الرديء فيظهر أيضًا في جودة لبنها، ومع ذلك لا يمكن أن يقال: إن لبن الحيوان نجس إذا ظهر فيه ريح النجاسة، لكن الكراهة لها وجه قوي جدًّا. [م-٤٨٧] ومتى يحل أكل الجلالة؟ يحل أكلها إذا ذهب عنها ريح النجاسة، وبعضهم لم يقيده بمدة معينة، وإنما علقه على ذهاب النتن والقذر. وبعضهم قدره بثلاثة أيام، وقد روي في ذلك أثر صحيح عن ابن عمر

стр. 2790

رضي الله عنهما. (١٠٩٨ - ٦٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن ميمون، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا (١). [صحيح] (٢).

стр. 2791

وهذا أحسن ما ورد في حبس الجلالة. وقال في بدائع الصنائع: «والأفضل أن تحبس الدجاج حتى يذهب ما في بطنها من النجاسة (لما روي أن رسول الله ﷺ كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله) وذلك على طريق التنزه وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عليهما الرحمة أنها تحبس ثلاثة أيام كأنه ذهب إلى ذلك للخبر ولما ذكرنا أن ما في جوفها من النجاسة يزول في هذه المدة ظاهرًا أوغالبًا (١). وقال الحافظ: وأخرج البيهقي بسند فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعا أنها لا تؤكل حتى تعلف أربعين يومًا. وبعضهم حرمها مطلقًا إذا تغذت على النجاسة، ولو علفت بعد ذلك بالحلال، كابن حزم ﵀، قال: ولا يحل أكل لحوم الجلالة، ولا شرب ألبانها، ولا ما تصرف منها؛ لأنه منها وبعضها، ولا يحل ركوبها (٢). ثم قال: روينا عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثًا حتى يطيب بطنها. قال أبو محمد: هذا لا يلزم لأنه إن كان حبسها من أجل ما في قانصتها مما أكلت فالذي

стр. 2792

في القانصة لا يحل أكله جملة؛ لأنه رجيع، وإن كان من أجل استحالة المحرمات التي أكلت فلا يستحيل لحمها في ثلاثة أيام، ولا في ثلاثة أشهر بل قد صار ما تغذت به من ذلك لحما من لحمها، ولو حرم من ذلك لحرم من الثمار والزرع ما ينبت على الزبل - وهذا خطأ. وقد قدمنا أن الحرام إذا استحالت صفاته واسمه بطل حكمه الذي علق على ذلك الاسم وبالله تعالى التوفيق (١). فكأن ابن حزم لا يرى علة في تحريم الجلالة إلا الاتباع فقط، وهو لا يرى الاستدلال بقول الصحابي ﵁، وهي مسألة خلافية، والجمهور على الاستدلال به، وأقل أحواله أن يكون من المرجحات إذا لم يخالف ولم يعارض نصًّا. فعلى هذا يكون القول الراجح أن الجلالة يكره أكل لحمها ما دام النتن قد ظهر في لحمها، فإذا ذهب النتن جاز أكلها، والثلاثة أيام غالبًا ما يكون كافيًا في إزالة النتن منها إذا حبست وعلفت طعامًا طيبًا، والله أعلم. * * *

стр. 2793

المبحث الخامس في الأجزاء المنفصلة من الحيوان الفرع الأول في الشحم واللحم إذا انفصلا من الحيوان وهو حي مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل ما يقطع من البهيمة وهي حية مما فيه حياة حيوانية فهو كميتته طهارة ونجاسة. [م-٤٨٨] إذا انفصل من الحيوان عضو حال الحياة فما حكم هذا المنفصل؟ هل يعتبر طاهرًا أو نجسًا؟ إذا انفصل من الحيوان يد أو رجل، أو شحم، أو لحم، أو كرش أو أمعاء ونحوها بلا تذكية شرعية، فإن هذه الأشياء إذا انفصلت من الحي فلها حكم ميتته، فإن كانت ميتته طاهرة إجماعًا كانت هذه الأجزاء طاهرة إجماعًا، وإن كانت ميتته نجسة اتفاقًا كانت منه نجسة كذلك، وإن كانت ميتته مختلفًا فيها كان الخلاف في أجزائها كذلك، فمن رجح طهارة ميتته حكم بطهارتها، ومن رجح نجاسة ميتته رجح نجاستها، وهكذا.

стр. 2794

فالسمك والجراد مجمع على طهارة ميتتهما، فالعضو المبان منهما حال الحياة طاهر. وساق النووي خلافًا في العضو المبان من السمك مع الاتفاق على طهارة ميتته (١). وما أجمع على نجاسة ميتته مما له نفس سائلة غير الآدمي والسمك كالإبل والغنم والبقر فإن العضو المبان منها نجس، وحكي الإجماع على نجاسته (٢). قال النووي: «العضو المنفصل من حيوان حي - كألية الشاة وسنام البعير وذنب البقرة والأذن واليد وغير ذلك- نجس بالإجماع» (٣). وما اختلف في نجاسة ميتته - كالآدمي وما لا نفس له سائلة - فما انفصل منه حال الحياة يكون على الخلاف (٤).

стр. 2795

وقد سبق الحديث عن الخلاف في طهارة ميتة الآدمي، فليرجع إليه. • ومستند الإجماع في ذلك. (١٠٩٩ - ٧٠) ما رواه أحمد من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ : ما قطع من البهيمة وهي حية، فهي ميتة (١). [الراجح أنه مرسل] (٢) * * *

стр. 2796

الفرع الثاني في شعر الحيوان وريشه ووبره مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في الأشياء الطهارة. • كل جزء من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لا ينجس بالموت، كالشعر والصوف، والظلف والقرن. • الشعر حياته نباتيه، وليست حيوانية، فلا ينجس من البهيمة حية أو ميتة. • إذا كان جلد الميتة إذا قطعت الرطوبات النجسة بالدباغ طهر، فالشعر لا رطوبة فيه أصلًا، فهو باق على طهارته. • علة نجاسة الميتة ليس موتها فحسب، لأنه موجود في السمك والجراد، بل لاحتباس الدماء النجسة فيها، ولهذا لا ينجس بالموت ما لا نفس له سائلة. • ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، وإن كانت حياته حيوانية، فالشعر والوبر والصوف مثله، أو أولى. [م-٤٨٩] إذا جُزَّ الشعر والوبر من حيوان طاهر، وهو حي، فإنه طاهر

стр. 2797

بالإجماع (١). قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الانتفاع بأشعارها، وأوبارها، وأصوافها جائز؛ إذا أخذ ذلك، وهي حية» (٢). وقال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن جز الصوف عن الشاة، وهي حية حلال» (٣). [م-٤٩٠] وأما إذا جُزَّ الشعر والوبر والصوف من حيوان ميت، فقد اختلف العلماء في ذلك: فقيل: طاهر مطلقًا، سواءً أكان من حيوان طاهر أم نجس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد (٤)، إلا أن الحنفية استثنوا شعر الخنزير فقط. وقيل: الشعر في الطهارة تبع لذات الحيوان، فإن كان الشعر من حيوان طاهر في الحياة ولو كان غير مأكول، فشعره طاهر، وإن كان من حيوان نجس فالشعر تبع له،

стр. 2798

وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: إن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس إلا شعر الآدمي، وهو المشهور مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). وقيل: صوف الميتة وشعرها ووبرها نجس قبل الدباغ طاهر بعده، وهو اختيار ابن حزم (٤). واشترط من قال بطهارته أن يجز جزًا. قال ابن نجيم: «شعر الميتة إنما يكون طاهرًا إذا كان محلوقًا، أو مجزوزًا، وإن كان منتوفًا فهو نجس» (٥). وقال الدردير: «والمقصود بالجز: ما يقابل النتف، فيشمل الحلق والإزالة بالنورة، فلو جزت بعد النتف، فالأصل الذي فيه أجزاء الجلد نجس، والباقي طاهر» (٦). وقد ذكرنا أدلة كل قول في بحث مستقل، في المجلد الأول المياه والآنية، فأغنى عن إعادته هنا. وقد ترجح لي أن رأي الحنفية والمالكية أقوى من حيث الدليل، وأن الشعر لا تدخله الحياة الحيوانية، والحياة النباتية لا تكفي لتنجيسه إذا فارقها، وأنه لا فرق بين شعر الحيوان الطاهر بالحياة والحيوان النجس، ومن استثنى شعر الكلب

стр. 2799

أو الخنزير إن كان في ذلك إجماع فالدليل الإجماع، وإن لم يصح في المسألة إجماع فلا فرق بين شعره وشعر غيره، وبهذا يتبن لنا أن الميتة ثلاثة أقسام: نجس مطلقًا لا يطهر بحال، وهو اللحم والدم. وطاهر مطلقًا، وهو الشعر والوبر والصوف إذا جز جزًا. وطاهر بشرط قطع الرطوبة النجسة العالقة عن طريق الدباغ ونحوه، وهو الجلد. وهناك قول آخر لم أذكره لأنه راجع إلى أحد الأقوال السابقة، وهو أن الشعر طاهر بعد الغسل، وهو مروي عن عطاء، والحسن، والأوزاعي كما ذكر ذلك عنهما ابن قدامة والنووي، وهذا المذهب يرجع إلى قول من قال بطهارة الشعر؛ لأن الشعر والوبر والصوف لو كان نجس العين لما طهره الغسل. والله أعلم. * * *

стр. 2800

الفرع الثالث في طهارة العظم من الحيوان مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل جزء من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لا ينجس بالموت، كالعظم، والشعر والظلف والقرن. • جلد الميتة إذا قطعت عنه الرطوبات النجسة بالدباغ طهر، فالعظم لا رطوبة فيه بأصل الخلقة، فهو باق على طهارته. • ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، فالعظم مثله، أو أولى. [م-٤٩١] عظم الحيوان المأكول اللحم المذكى طاهر إجماعًا، كما أن عظم الآدمي طاهر تبع لذاته على الصحيح، ولكن لا يجوز استعماله ولو من كافر لكرامة المؤمن، وتحريم المثلة في الكافر (١).

стр. 2801

وإذا كان في العظم دسم فإن حكمه حكم الجلد واللحم. وإذا انفصل العظم من الحيوان في حياته، أو كان من حيوان غير مذكى كما لو كان من ميتة، سواءً أكان من مأكول اللحم أم من غيره فقد اختلف العلماء في طهارته على النحو التالي: فقيل: طاهر، وهو مذهب الحنفية، ورجحه ابن تيمية (١) إلا أن الحنفية يستثنون أمرين: الأول: عظم الخنزير. الثاني: ما أبين من الحي فهو عندهم كميتته، فيحكمون بنجاسة السن والأذن وغيرهما في حق غير صاحبها، أما في حق صاحبها فطاهرة (٢). وقيل: إن العظم له حكم ميتته، فما كانت ميتته طاهرة فعظمه طاهر، وما كانت ميتته نجسة فعظمه نجس، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 2802

وقيل: لا يجوز بيع العظام، ويجوز الانتفاع بها، وهو اختيار ابن حزم (١). وقال بعضهم: إن العظام نجسة، تطهر بالدباغ، ودباغها غليها، اختاره بعض المالكية (٢). وسبب اختلافهم في عظام الميتة، اختلافهم في نجاسة الميتة هل هو بسبب احتقان الدم فيها، ولذلك الحيوان الذي لا دم له لا ينجس بالموت، فكذلك العظام من باب أولى؛ لأنه لا دم فيها، وهذا جلد الميتة إذا دبغ وانقطعت عنه الرطوبة النجسة أصبح طاهرًا، فالعظام من باب أولى؛ إذ لا رطوبة فيها أصلًا، أو أن الموت هو سبب النجاسة، والعظام جزء من الميتة فتنجس بالموت؟ وهل النمو والتغذية في هذه العظام من خصائص الحياة الحيوانية، فيدخله الموت، أو أن الموت خاص في الحس والحركة المستقلة، وليس في العظام شيء من ذلك، وبالتالي لا يلحقها الموت؟ وقد سبق ذكر هذه المسألة بأدلتها في بحث مستقل، ورجحت طهارة عظام الميتة مما أغنى عن إعادته في هذا الكتاب (٣). * * *

стр. 2803

الفرع الرابع في عصب الحيوان مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل جزء من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لا ينجس بالموت، كالعصب والعظم، والشعر، والظلف، والقرن. • تنجيس الميتة تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وتارة يكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك، يجمع ذلك قوله ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل. • ليس الموت فحسب هو علة النجاسة في الميتة لوجوده في السمك والجراد وهما طاهران، بل لما فيهما من الرطوبات السيالة والدماء النجسة. • ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فالعصب مثله أو أولى. • جلد الميتة إذا قطعت عنه الرطوبات النجسة بالدباغ طهر فالعصب طاهر منها بأصل الخلقة أو نجاسته عن مجاورة. [م-٤٩٢] العصب إما أن ينفصل من الحيوان في حال الحياة، أو بعد مفارقته للحياة.

стр. 2804

فإن انفصل من الحيوان في حال الحياة فإن كان من حيوان ميتته طاهرة كان طاهرًا بالاتفاق كما لو انفصل من سمك، وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند الحديث على حكم ما أبين من الحيوان حال الحياة. وكذا لو انفصل العصب من حيوان مأكول بعد تذكيته التذكية الشرعية. [م-٤٩٣] وإن انفصل من حيوان حال الحياة، وكانت ميتته نجسة، أو انفصل من حيوان بعد أن مات حتف أنفه، فهل يعطى العصب حكم ميتته فيكون نجسًا، أو يكون طاهرًا باعتبار أن العصب لا دم فيه فينجس بالموت؟ اختلف العلماء في هذه المسألة. فقيل: العصب طاهر، إلا من الخنزير فإنه نجس، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: العصب نجس، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول في مذهب الحنفية (٥). • دليل الحنفية على طهارة عصب الميتة: الدليل الأول: قالوا: إن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، ولذلك كان ما لا نفس

стр. 2805

له سائلة، إذا مات لم ينجس؛ لأنه لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فالعصب ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العصب ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركًا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العصب الذي ليس فيه دم سائل أصلًا؟! (١). الدليل الثاني: هذه الأشياء ليست بميتة، فليست داخلة في عموم تحريم الميتة؛ لأن الميتة من الحيوان في عرف الشارع اسم لما زالت حياته، ولا حياة في هذه الأشياء، وما لا تحله الحياة لا يحله الموت. فإن قيل: إنها داخلة في الميتة؛ لأن العصب تحس وتتألم. قيل لهم: أنتم لم تأخذوا في عموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس عند جماهير العلماء، مع أنه ميتة (٢). الدليل الثالث: أن طهارة العصب أولى من طهارة الجلد بالدباغ، فهذا الجلد جزء من الميتة، وفيه الدم كسائر أجزائها، والنبي ﷺ جعل الدباغ طهارة له؛ لأن الدباغ ينشف رطوبته، فدل على أن سبب التنجس هو الرطوبات، والعصب ليس فيه رطوبة سائلة، فهو أولى بالطهارة من الجلد (٣). الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، وفيه، قال رسول الله ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها (٤)، وقد سبق الحديث بتمامه.
следующие страницы →