← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وإذا كان في العظم دسم فإن حكمه حكم الجلد واللحم. وإذا انفصل العظم من الحيوان في حياته، أو كان من حيوان غير مذكى كما لو كان من ميتة، سواءً أكان من مأكول اللحم أم من غيره فقد اختلف العلماء في طهارته على النحو التالي: فقيل: طاهر، وهو مذهب الحنفية، ورجحه ابن تيمية (١) إلا أن الحنفية يستثنون أمرين: الأول: عظم الخنزير. الثاني: ما أبين من الحي فهو عندهم كميتته، فيحكمون بنجاسة السن والأذن وغيرهما في حق غير صاحبها، أما في حق صاحبها فطاهرة (٢). وقيل: إن العظم له حكم ميتته، فما كانت ميتته طاهرة فعظمه طاهر، وما كانت ميتته نجسة فعظمه نجس، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 2802

وقيل: لا يجوز بيع العظام، ويجوز الانتفاع بها، وهو اختيار ابن حزم (١). وقال بعضهم: إن العظام نجسة، تطهر بالدباغ، ودباغها غليها، اختاره بعض المالكية (٢). وسبب اختلافهم في عظام الميتة، اختلافهم في نجاسة الميتة هل هو بسبب احتقان الدم فيها، ولذلك الحيوان الذي لا دم له لا ينجس بالموت، فكذلك العظام من باب أولى؛ لأنه لا دم فيها، وهذا جلد الميتة إذا دبغ وانقطعت عنه الرطوبة النجسة أصبح طاهرًا، فالعظام من باب أولى؛ إذ لا رطوبة فيها أصلًا، أو أن الموت هو سبب النجاسة، والعظام جزء من الميتة فتنجس بالموت؟ وهل النمو والتغذية في هذه العظام من خصائص الحياة الحيوانية، فيدخله الموت، أو أن الموت خاص في الحس والحركة المستقلة، وليس في العظام شيء من ذلك، وبالتالي لا يلحقها الموت؟ وقد سبق ذكر هذه المسألة بأدلتها في بحث مستقل، ورجحت طهارة عظام الميتة مما أغنى عن إعادته في هذا الكتاب (٣). * * *

стр. 2803

الفرع الرابع في عصب الحيوان مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل جزء من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لا ينجس بالموت، كالعصب والعظم، والشعر، والظلف، والقرن. • تنجيس الميتة تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وتارة يكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك، يجمع ذلك قوله ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل. • ليس الموت فحسب هو علة النجاسة في الميتة لوجوده في السمك والجراد وهما طاهران، بل لما فيهما من الرطوبات السيالة والدماء النجسة. • ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فالعصب مثله أو أولى. • جلد الميتة إذا قطعت عنه الرطوبات النجسة بالدباغ طهر فالعصب طاهر منها بأصل الخلقة أو نجاسته عن مجاورة. [م-٤٩٢] العصب إما أن ينفصل من الحيوان في حال الحياة، أو بعد مفارقته للحياة.

стр. 2804

فإن انفصل من الحيوان في حال الحياة فإن كان من حيوان ميتته طاهرة كان طاهرًا بالاتفاق كما لو انفصل من سمك، وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند الحديث على حكم ما أبين من الحيوان حال الحياة. وكذا لو انفصل العصب من حيوان مأكول بعد تذكيته التذكية الشرعية. [م-٤٩٣] وإن انفصل من حيوان حال الحياة، وكانت ميتته نجسة، أو انفصل من حيوان بعد أن مات حتف أنفه، فهل يعطى العصب حكم ميتته فيكون نجسًا، أو يكون طاهرًا باعتبار أن العصب لا دم فيه فينجس بالموت؟ اختلف العلماء في هذه المسألة. فقيل: العصب طاهر، إلا من الخنزير فإنه نجس، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: العصب نجس، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول في مذهب الحنفية (٥). • دليل الحنفية على طهارة عصب الميتة: الدليل الأول: قالوا: إن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، ولذلك كان ما لا نفس

стр. 2805

له سائلة، إذا مات لم ينجس؛ لأنه لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فالعصب ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العصب ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركًا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العصب الذي ليس فيه دم سائل أصلًا؟! (١). الدليل الثاني: هذه الأشياء ليست بميتة، فليست داخلة في عموم تحريم الميتة؛ لأن الميتة من الحيوان في عرف الشارع اسم لما زالت حياته، ولا حياة في هذه الأشياء، وما لا تحله الحياة لا يحله الموت. فإن قيل: إنها داخلة في الميتة؛ لأن العصب تحس وتتألم. قيل لهم: أنتم لم تأخذوا في عموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس عند جماهير العلماء، مع أنه ميتة (٢). الدليل الثالث: أن طهارة العصب أولى من طهارة الجلد بالدباغ، فهذا الجلد جزء من الميتة، وفيه الدم كسائر أجزائها، والنبي ﷺ جعل الدباغ طهارة له؛ لأن الدباغ ينشف رطوبته، فدل على أن سبب التنجس هو الرطوبات، والعصب ليس فيه رطوبة سائلة، فهو أولى بالطهارة من الجلد (٣). الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، وفيه، قال رسول الله ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها (٤)، وقد سبق الحديث بتمامه.

стр. 2806

فهذا دليل على جواز الانتفاع بعصب الميتة، ولا يلزم من تحريم أكل الميتة نجاستها، فالأكل شيء، والنجاسة شيء آخر، فلا تلازم بينهما. وقد يقال: ولا يلزم من جواز الانتفاع بعصب الميتة طهارته، فباب الانتفاع أوسع من باب الطهارة، فهذا الكلب نجس، ويجوز الانتفاع به بالصيد والحراسة ونحوهما. • دليل الجمهور على نجاسة العصب: الدليل الأول: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، والعصب جزء من الميتة. الدليل الثاني: (١١٠٠ - ٧١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب النبي ﷺ ، وأنا غلام، أن لا تنتفعوا بإهاب ميتة، ولا عصب (١). [رجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن عكيم لم يثبت له سماع من النبي ﷺ ، فهو مرسل، وقد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا] (٢).

стр. 2807

• الراجح: بعد استعراض أدلة الفريقين يتبين لي أن العصب طاهر، وأن تحريم الأكل لا يلزم منه النجاسة، وأنه يجوز الانتفاع به، شأنه شأن العظم والظفر والقرن والحافر ونحوها، والله أعلم. * * *

стр. 2808

الفرع الخامس في جلد الميتة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • قال النبي ﷺ : أيما إهاب دبغ فقط طهر. [م-٤٩٤] اختلف العلماء في جلد الميتة، هل هو نجس أو متنجس يمكن أن يطهر بالدباغ ونحوه، وهل يباح الانتفاع به قبل الدبغ أو بعده؟ فأقول: اختلف العلماء على قولين: فقيل: إن جلد الميتة نجس، وليس متنجسًا، وعلى هذا لا يمكن أن يطهره الدباغ، وقبل الدبغ لا ينتفع بالجلد مطلقًا، وهو مذهب مالك (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).

стр. 2809

وأما بعد الدبغ فيباح استعماله في يابس عندهما، وفي الماء عند المالكية (١). وقيل: إن جلد الميتة متنجس، وليس بنجس، وعلى هذا يمكن أن يطهره الدباغ على خلاف بينهم في عين الجلود التي يطهرها الدباغ. فقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود، إلا جلد الإنسان والخنزير، وهو مذهب الحنفية (٢). وقيل: الدباغ يطهر جميع جلود الميتة بما في ذلك جلود ما لا يؤكل لحمه، إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، وهو مذهب الشافعية (٣). وقيل: الدباغ لا يطهر إلا ما تحله الذكاة، وهو رواية عن مالك (٤)، واختاره أبو ثور (٥)، ورجحه بعض الحنابلة كالمجد وابن رزين وابن عبد القوي (٦)، وابن تيمية (٧).

стр. 2810

وقيل: الدباغ يطهر كل حيوان طاهر في الحياة، وهو رواية عن أحمد، واختارها بعض أصحابه، وهو رواية ثانية عن ابن تيمية (١). وقيل: الدباغ يطهر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير، وهو مذهب الظاهرية (٢). فتلخص لنا من هذا الخلاف ما يلي: قيل: الدباغ لا يطهر مطلقًا. وقيل: يطهر مطلقًا. وقيل: يطهر جميع الجلود إلا الكلب والخنزير والإنسان. وقيل: يطهر ما تحله الذكاة. وقيل: يطهر ما كان طاهرًا في الحياة، وإن كان محرمًا أكله كالهرة ونحوها. وأما الانتفاع بالجلود، فقيل: يباح الانتفاع بالجلود مطلقا، سواءً دبغت أم لا (٣). وقيل: يباح الانتفاع بها بشرط الدبغ. وقيل: يباح الانتفاع بها في يابس، وقيل: في يابس وماء. وقد ذكرت أدلة كل قول في هذه المسألة في المجلد الأول من كتاب الآنية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد. * * *

стр. 2811

الباب الثاني في فضلات الحيوان الفصل الأول في البول والغائط والروث المبحث الأول في بول الآدمي وعذرته الفرع الأول في بول الصبي والجارية مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل بول من الآدمي فهو نجس حتى بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وإنما التخفيف في كيفية تطهيره، لا في طهارته. • ليس كل ما ثبت التخفيف في طهارته كان طاهرًا، فالأمر بنضح بول الصبي دليل على نجاسته. • ما ثبت للغائط من حكم ثبت للبول، فبول من لا يأكل الطعام نجس قياسًا على غائطه، وروث ما يؤكل لحمه طاهر فكذلك بوله، وأما كيفية تطهير النجاسات فليست واحدة، فتطهير نجاسة الكلب مختلفة عن نجاسة غيره (١).

стр. 2812

• ما استثني من النجاسات بتطهير خاص لا يقاس عليه غيره، كتطهير بول الصبي، لا يقاس عليه بول ذكور صغار البهائم النجسة، كما لا يقاس في صفة تطهير الإناء من ولوغ الخنزير على صفة تطهير الإناء من ولوغ الكلب. [م-٤٩٥] اختلف العلماء هل بول الصبي الذي لم يأكل الطعام طاهر أو نجس؟ فقيل: نجس، وهو قول العامة (١). وقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري (٢)، واختاره بعض الحنابلة (٣)، ونصره الشوكاني (٤). وأما الاختلاف في كيفية تطهيره فسوف يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب كيفية إزالة النجاسة. • دليل من قال بطهارته: الدليل الأول: (١١٠١ - ٧٢) ما رواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله ابن عتبة، عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله. ورواه مسلم أيضًا (٥).

стр. 2813

الدليل الثاني: (١١٠٢ - ٧٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم، فأتي بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه ولم يغسله. ورواه مسلم (١). فهذان الحديثان دليلان على أنه يكفي في بول الصبي النضح، وأن الغسل غير واجب لقوله في الحديث: ولم يغسله. وهذا النضح خاص في بول الصبي، وأما الجارية فيجب غسله، (١١٠٣ - ٧٤) لما رواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى ابن الوليد، حدثني محل بن خليفة، حدثني أبو السمح، قال: كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به، فأتي بحسن أو حسين ﵄، فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام (٢). [حسن] (٣). فأخذوا من الاكتفاء بنضح بول الصبي أن بوله طاهر، إذ لو كان نجسًا لوجب غسله كبول الجارية، بل وكغيره من النجاسات. والصحيح أنه نجس، فالأمر بنضحه وبإتباع الماء إياه دليل على نجاسته، ولو كان البول طاهرًا لم يكن هناك حاجة إلى تطهيره؛ إذ الطاهر لا يطهر.

стр. 2814

قال القرطبي في «المفهم»: والعجب ممن يستدل برش بول الصبي، أو بالأمر بنضحه على طهارته، وليس فيه ما يدل على ذلك؛ وغاية دلالته على التخفيف في نوع طهارته، إذ قد رخص في نضحه ورشه وعفا عن غسله تخفيفًا خص هذا التخفيف الذكر دون الأنثى لملازمتهم حمل الذكران لفرط فرحهم بهم لمحبتهم لهم -والله أعلم- (١). ولو أخذنا بقاعدة، أن كل ما ثبت التخفيف في طهارته كان طاهرًا لقلنا: بطهارة النعل الذي تصيبه النجاسة، فإن طهارته الدلك بالتراب، ومع ذلك هو نجس قبل الدلك، ولا يجب غسل النعل منها. ولقلنا بطهارة ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة، فإن تطهيره بأن يمر على مكان طاهر، فيطهره ما بعده، ولا يجب غسله، وهو نجس قبل أن يمر على مكان طاهر، وهكذا، فليس التخفيف في طهارة بعض الأماكن دليلًا على طهارتها، بل هي نجسة، وإن خفف الشارع في تطهيرها، وهذا هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 2815

الفرع الثاني ذكر العلة التي أوجبت التفريق بين بول الغلام والجارية مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لم تكشف النصوص الشرعية علة في التفريق بين بول الجارية والغلام. • ما استثني من الأشياء مما لا يفهم معناه لا يقاس عليه. • طريقة التطهير متلاقاة من الشرع، كغسل بول الجارية دون الغلام، ووجوب الغسل من المني والحيض دون البول والمذي، وإيجاب أربعة شهداء في الزنا دون القتل، ومثله كثير. • العلة المستنبطة بالاجتهاد ليست بمنزلة العلة المنصوصة؛ لأن الاجتهاد يخطئ ويصيب. • طلب العلة ينبغي أن يكون مقصورًا على ما يفيد من تعدي الحكم إلى غيره مما يلحقه القياس. [م-٤٩٦] من المقطوع به أن الشارع لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين

стр. 2816

متفرقين، فإذا فرَّق الشارع بين متشابهين فإن هناك علة أوجبت مثل ذلك، وقد تعلم العلة، وقد لا تعلم، والعقول قاصرة عن إدراك علل جميع الأحكام، فالله حكيم، ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة، وإن كان طلب العلة ينبغي أن يكون مقصورًا على ما يفيد من تعدي الحكم إلى غيره مما يلحقه القياس، وإلا فالتسليم للنص الشرعي هو طريق المؤمنين: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) [الأحزاب: ٣٦]. (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [النور: ٥١]. ولا يعارض المؤمن النص بعقله فيهلك، ويكون حاله كحال إبليس الذي قال معترضًا على أمر ربه: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [ص: ٧٦]. وقد اختلف العلماء في تلمس تلك العلة، فمنهم من أرجع ذلك إلى طبيعة بول الأنثى، وأنه يختلف عن بول الذكر فيرى بعضهم أن بول الأنثى أنتن رائحة وأثقل من بول الذكر، ولذلك أمر بغسله دون بول الغلام. (١١٠٤ - ٧٥) ومما يدخل في هذا ما ذكره أبو الحسن بن سلمة قال: حدثنا أحمد ابن موسى بن معقل، حدثنا أبو اليمان المصري قال: سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ : يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، والماءان جميعًا واحد؟ قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقنتَ؟ قال: قلت: لا، قال: إن الله تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال: نفعك اللَّه به.

стр. 2817

رواه أبو الحسن بن سلمة في زوائده على ابن ماجه، كما في «سنن ابن ماجه» (١). • وقد يناقش: بأن هذا الفرق ليس خاصًّا بالصبي، وإنما يصدق حتى في حق الرجل، ولا فرق بينه وبين بول الأنثى. ومنهم من أرجع ذلك إلى طريقة خروج البول فبول الغلام يخرج بقوة فينتشر فيشق غسله، ولذلك تسومح فيه، أما بول الأنثى فيكون مجتمعًا فيسهل غسله. ومنهم من أرجع ذلك إلى أن نفوس الناس تميل إلى الغلمان، فتحمله أكثر من غيره، فيكثر منهم التبول، ويشق عليهم غسله. والأخيران قريبان؛ لأن العلة فيهما المشقة، وهي معتبرة شرعًا في تخفيف النجاسة، بل وفي العفو عنها كليًا، كما سيأتي أمثلة ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على النجاسة المعفو عنها. والذي أميل إليه أن هذه المسألة مستثناة، وغير معقولة المعنى فلا يقاس عليها غيرها، كما خصت نجاسة الكلب بالتطهير بالتسبيع والتتريب. * * *

стр. 2818

الفرع الثالث في البول والغائط من الآدمي الكبير مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل بول من الآدمي فهو نجس حتى بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وإنما التخفيف في كيفية تطهيره، لا في طهارته. • كل بول من حيوان محرم الأكل فهو نجس، سواءً كان التحريم لحرمته كالآدمي، أو لنجاسته كالسباع إلا ما يشق التحرز منه. [م-٤٩٧] أجمع المسلمون على نجاسة بول وغائط الآدمي الكبير، ونقل الإجماع خلق من أهل العلم. قال الطحاوي: «فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كل قد أجمع على أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة ... » (١). اهـ وقال العيني: «بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد» (٢).

стр. 2819

وقال ابن رشد: «وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة، ثم ذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه» (١). وقال ابن جزي: «وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا» (٢). وقال أيضًا: «النجاسات المجمع عليها في المذاهب، ثم ذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه» (٣). وقال النووي: «وأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيها ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم» (٤). وقال العراقي: «فيه نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع من العلماء إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس للحديث الصحيح، فنضحه ولم يغسله، وهو مردود بالإجماع فقد حكى بعض أصحابنا الإجماع أيضا في نجاسة بول الصبي» (٥). وقال ابن المنذر: أجمعوا على إثبات نجاسة البول (٦). ونقل الإجماع كذلك في كتابه العظيم الأوسط (٧). وقال الزركشي: «نجس بلا نزاع، وهو البول والغائط» (٨). وقال الصنعاني في سبل السلام: والحديث فيه دلالة على نجاسة بول الآدمي،

стр. 2820

وهو إجماع (١). وقال الشوكاني: واستدل بحديث الباب على نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه (٢). وانظر للاستزادة كتاب إجماعات ابن عبد البر في العبادات (٣). * * *

стр. 2821

المبحث الثاني في بول وروث الحيوان الفرع الأول في بول وروث الحيوان المأكول مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في الأشياء الطهارة. • كل بول أو روث من حيوان مباح الأكل فهو طاهر على الصحيح، لتجويزه ﷺ الصلاة في مرابض الغنم وإذنه في شرب أبوال الإبل. وقيل: • كل الأبوال نجسة من مأكول اللحم وغيره، لقوله: كان لا يستتر من البول. [م-٤٩٨] اختلف العلماء في بول الحيوان المأكول وروثه، فقيل: هو طاهر مطلقًا، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢).

стр. 2822

وقيل: نجس مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: إن بول الحيوان نجس، وأما بول الطير، فإن كان يذرق في الهواء كالعصافير والحمام والخفافيش فهو طاهر، وإن كان لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فهو نجس. وهذا مذهب الحنفية (٣). وقيل: بطهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي، وهو مذهب داود الظاهري (٤). • دليل من قال بالطهارة: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل من القرآن، أو من السنة، أو من الإجماع على نجاستها، ومن ادعى النجاسة فعليه الدليل، خاصة ونحن نعلم أن الصحابة كانوا أصحاب إبل وغنم فالحاجة داعية إلى بيان حكمها لو كانت نجسة، وليست البلوى في ولوغ الكلب في الأواني أكثر من البلوى في أبوال المواشي وروثها، فلما لم يأت بيان بأنها نجسة علم أنها طاهرة. قال ابن تيمية ﵀: «وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر، لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة» (٥). الدليل الثاني: (١١٠٥ - ٧٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال:

стр. 2823

إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أذن في الصلاة في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلو من البول والروث، فدل على طهارتها. الدليل الثالث: (١١٠٦ - ٧٧) ما رواه البخاري، حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ابن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. الحديث والحديث رواه مسلم (١). وجه الاستدلال: كون النبي ﷺ أمرهم بالشرب من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها. وهذا نص صريح في محل النزاع. الدليل الرابع: (١١٠٧ - ٧٨) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. ورواه مسلم (٢).

стр. 2824

وجه الاستدلال: إدخال البعير المسجد، والطواف عليه دليل على طهارة بوله، حيث لا يؤمن بول البعير في أثناء الطواف، ولو كان نجسًا لم يعرض النبي ﷺ المسجد للنجاسة. الدليل الخامس: (١١٠٨ - ٧٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بالروث؛ لأنه علف دواب إخواننا من الجن، ومعلوم أنه إنما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم، فلو كان البعر في نفسه نجسًا لم يكن الاستنجاء به ينجسه، ولم يكن هناك فرق بين البعر والمستنجى به، ثم إن البعر لو كان نجسًا لم يصلح أن يكون علفًا لقوم مؤمنين، فإنها تصير بذلك جلالة، ولو جاز أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ورجيع الدواب، فلا فرق حينئذ، وكونه

стр. 2825

شَرَطَ في طعام الجن طهارة العظم، بقوله: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فكذلك لا بد أن يَشْرِط في علف دوابهم نحو ذلك من الطهارة (١). الدليل السادس: (١١٠٩ - ٨٠) ما رواه ابن خزيمة في صحيحه، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع لنا فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلمت، ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر (٢). [صحيح] (٣).

стр. 2826

وجه الاستدلال: قال ابن خزيمة: لو كان ماء الفرث إذا عصر نجسًا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده، فينجس بعض بدنه، وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء فجائز إحياء للنفس بشرب ماء نجس؛ إذ الله قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك. والميتة والدم ولحم الخنزير نجس محرم على المستغني عنه، مباح للمضطر إليه لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه، فأما أن يجعل ماء نجسا على بعض بدنه، والعلم محيط أنه إن لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك، ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نجس من بدنه بذلك الماء، فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله (١). الدليل السابع: كان الحَبُّ في عهد الصحابة ومن بعدهم يداس في البيادر عن طريق الدواب، ولا بد أن يصيب الحبوب شيء من أبوالها وأرواثها، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن صحابته، ولا عن غيرهم أنهم كانوا يغسلون الحب بعد الفراغ من دياسها، فلو كانت نجسة لوجب غسلها، ولنقل الأمر بذلك من النبي ﷺ ، فلما لم يأمر بغسلها علم أن أبوالها طاهرة. قال ابن تيمية حاكيًا عن عهد الصحابة: «فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع، ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب، ونتيقن أنه لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أيامًا ويطول دياسها له، فهذه كلها مقدمات يقينية» (٢).

стр. 2827

الدليل الثامن: إجماع المسلمين على اتخاذ الحَمَام في المسجد الحرام من غير نكير، فهذا دليل على طهارتها؛ خاصة أن الله قد أمر بتطهير المسجد بقوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦]. الدليل التاسع: (١١١٠ - ٨١) ما رواه الدارقطني في سننه، من طريق سوار بن مصعب، عن مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : لا بأس ببول ما أكل لحمه (١). [ضعيف جدًّا] (٢). • دليل من قال بالنجاسة: الدليل الأول: (١١١١ - ٨٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن

стр. 2828

الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول. الحديث والحديث رواه مسلم بنحوه (١). وجه الاستدلال: قوله: «لا يستتر من البول» فـ (أل) في البول عام لجميع الأبوال، سواءً جعلنا أل للجنس أو للاستغراق. وعلى فرض الاختصاص ببول الإنسان فإن سائر الأبوال تلحق به قياسًا. قال الخطابي: «في الحديث دلالة على أن الأبوال كلها نجسة مجتنبة من مأكول اللحم وغير مأكوله، لورود اللفظ به مطلقًا على سبيل العموم» (٢). • وأجيب: بأن اللام في كلمة (البول) للعهد الذهني، أي بول نفسه، وقد نص أهل المعرفة باللسان أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود، فإن كان هناك شيء معهود لم يحمل على الجنس، والدليل على أن المقصود به بوله هو عدة أدلة: الأول: ما جاء في الصحيحين في رواية أخرى للحديث (أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله). الثاني أن الحديث قد رواه ابن أبي شيبة حدثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس بلفظ: لا يستبرئ من بوله (٣).

стр. 2829

ورواه النسائي من طريق منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس (١). والاستبراء: طلب البراءة من البول، وهو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه: أي يبينه عنهما كما يبرأ من الدين والمرض، والاستبراء استنقاء الذكر عن البول (٢). الدليل الثاني: (١١١٢ - ٨٣) ما رواه عبد بن حميد، قال: خبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : إن عامة عذاب القبر في البول فتنزهوا من البول (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 2830

الدليل الثالث: (١١١٣ - ٨٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: أكثر عذاب القبر من البول (١). [رجاله ثقات، ورجح أبو حاتم الرازي والدارقطني وقفه، وهو مما لا يدرك بالرأي] (٢).

стр. 2831

وجه الاستدلال: استنزهوا من البول عام في كل بول، وكما قلنا في توجيه حديث ابن عباس نقوله هنا. الجواب عن هذا الاستدلال: أولًا: الأحاديث ضعيفة، وهذا الحكم يريحنا من الجواب عنها. ثانيًا: أن المقصود به بول الإنسان، كما قدمنا في حديث ابن عباس. ثالثًا: أن البول الذي يصيب الإنسان، ويكون عامة عذاب القبر منه إنما هو بوله هو، وهو الذي يتعرض له في كل يوم، بل ربما في اليوم عدة مرات، وأما بول غيره فيندر أن يصيب أحدًا من الناس، فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدًا من الناس، فتعين حمله على بول نفسه، والله أعلم. الدليل الرابع: (١١١٤ - ٨٥) ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ

стр. 2832

الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). فإن قيل: ليس في الحديث دليل على النجاسة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من ترك الاستنجاء بالعظم والمحترمات كونها نجسة. فالجواب: أن الاعتماد على نجاستها ليس لترك الاستنجاء فيها، ولكن لقول النبي ﷺ : إنها ركس. والركس له معنيان: أحدهما: الركس بمعنى الرجيع. والمعنى الآخر: الركس: بمعنى النجس. ولا ينبغي أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأن الروث رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي إلى الحمل عليه خلو الكلام من الفائدة، فوجب حمله على ما ذكرنا بأن معنى الركس: النجس. • وأجيب: بأن النهي عن الاستنجاء بالروث مركب من علتين، تنزل كل علة على محل: فالروث إن كان نجسًا فإنه لا يستنجى به؛ لأنه نجس، ونحن لا نقول: إن كل روث طاهر. وعليه يحمل كلام الرسول ﷺ بقوله: إنها ركس. وإن كان الروث طاهرًا كما هو الحال هنا، فإنه لا يستنجى به؛ لا لأنه لا يطهر، ولكن لأنه طعام دواب إخواننا من الجن كما جاء في الحديث، وذكرناه في أدلة القول الأول. الدليل الخامس: قال تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧].

стр. 2833

ومعلوم أن الطباع الكريمة تستخبثه، وتحريم الشيء لا لكرامته واحترامه تنجيس له شرعًا. • وتعقب: أولًا: الحكم على الشيء بأن هذا طيب أو خبيث ليس مرده إلى الطباع، وإنما مرده إلى الشرع؛ لأن الطباع قد تستقبح ما هو طيب، وتستطيب ما هو خبيث، والشرع عندنا لم يحكم على هذا بأنه خبيث، بدليل أنه أذن في شرب أبوال الإبل، والصلاة في مرابض الغنم، وهي لا تخلو من بولها وروثها. ثم إن كراهة الشيء طبعًا لا تقتضي نجاسته، فهذه النخامة مستقذرة طبعًا، وهي طاهرة. ثانيًا: قوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، فكل ما هو محرم، فهو خبيث، وليس كل محرم نجسًا، فالخبث والنجاسة غير متلازمتين، قال تعالى عن المال الردئ (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ) [البقرة: ٢٦٧]، والخبث هنا في الشيء الطاهر. وقال تعالى: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) [إبراهيم: ٢٤]، والكلام ليس فيه ما هو نجس بالمعنى الاصطلاحي. الدليل السادس: القياس على بول الآدمي ورجيعه، فإذا كان بول الآدمي نجسًا بالإجماع فكذلك بول الحيوان بجامع أن كلًا منهما قد استحال إلى فساد ونتن. • وأجيب: بأن هذا قياس مع الفارق، حيث أذن الشارع في شرب أبوال الإبل دون بول الآدمي، وأذن بالصلاة في مرابض الغنم، ولم يأذن في الصلاة في موضع فيها بول آدمي أو رجيعه، وقياس بول ما يؤكل لحمه على بول ما لا يؤكل قياس مع الفارق، وهو

стр. 2834

قياس مصادم للنص فلا عبرة به. الدليل السابع: القياس على نجاسة القيء بجامع أن كلًا منهما قد استحال إلى نتن وفساد في الباطن. • وأجيب: لا نسلم لكم بنجاسة القيء، ولا يوجد دليل على نجاسته، وإذا لم يسلم لكم الأصل لم يسلم لكم الفرع، وسوف يعقد إن شاء الله تعالى فصل خاص في حكم القيء. الدليل الثامن: نهى النبي ﷺ عن الصلاة في معاطن الإبل، وهذا يدل على نجاستها. وقد ذكر نص الحديث في أدلة القول الأول. • وأجيب: أولًا: بأنه لو كان النهي عن الصلاة في معاطن الإبل من أجل النجاسة ما صلى عليها رسول الله ﷺ ، وقد كان يصلي النافلة على بعيره. (١١١٥ - ٨٦) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن سعيد بن يسار، أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فقال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح، فنزلت، فأوترت، فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله. قال: فإن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير (١).

стр. 2835

ثانيًا: يقابل النهي هذا بإذنه في الصلاة في مرابض الغنم، فيقال: إن العلة ليست النجاسة، ولو كانت العلة هي النجاسة لم يكن هناك فرق بين بول الإبل والغنم، ولكن العلة شيء آخر: فقيل: إن الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية عنا. وقيل: إنه يخشى إنْ صلى في مباركها أن تأوي إلى هذه المبارك، وهو يصلي، فتشوش عليه صلاته؛ لأنها كبيرة الجسم، ولأن من طبعها النفار المفضي إلى تشويش قلب المصلي، ولذلك ورد في الحديث أن الإبل خلقت من الشياطين. (١١١٦ - ٨٧) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (١). [صحيح] (٢).

стр. 2836

قال ابن حبان في صحيحه: لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل ﷺ على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله ﷺ : إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب (١). وقال ابن حبان في موضع آخر من صحيحه: قوله ﷺ : فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله ﷺ : فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين (٢). وقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، يعني: طبيعته هكذا، فهي

стр. 2837

لا تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث. ولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته. وعلى كل حال فليس في نهيه عن الصلاة في معاطن الإبل دليل على نجاسة بولها وروثها. الدليل التاسع: (١١١٧ - ٨٨) ما رواه أبو يعلى، من طريق ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (١). [ضعيف جدًّا] (٢). فقوله: (إنما تغسل ثوبك من البول) مطلق، فيشمل كل بول. والحديث ضعيف، فلا داعي للجواب عنه، ولو صح لم يسلم لهم الاستدلال به، كما قدمناه في حديث ابن عباس (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول). • دليل الحنفية في التفريق بين ما يذرق في الهواء وبين غيره: الحنفية ذهبوا إلى ما ذهب إليه الشافعية في نجاسة الأبوال كلها من الحيوان، إلا أنهم خالفوهم في بعض الطيور، فقسموا الطيور إلى قسمين:

стр. 2838

طير يذرق في الهواء كالعصافير والحمام فذرقه طاهر. وطير لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط، فذرقه نجس. واستدلوا بطهارة ما يذرق في الهواء بوجود الحَمَام في المسجد الحرام، مع الأمر بتطهير المساجد من البول والقذر: قال تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦]. (١١١٨ - ٨٩) وروى مسلم في صحيحه من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عم إسحق، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ (١). ولأن فضلات ما يطير في الهواء لا رائحة له، بخلاف ذرق الدجاج ونحوها مما لا يطير فإنه منتن. ولأن الذي يذرق في الهواء يشق التحرز منه، فلا يمكن صيانة الثياب عنه، فيكون طاهرًا دفعًا للحرج والمشقة. • دليل داود على طهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا نعدل عنه إلا بدليل من نص أو إجماع، ولا يوجد ما يدل على نجاسة الأبوال، فتبقى طاهرة. • ونوزع في هذا: أما الأصل فصحيح، وأما دعوى أنه لا يوجد دليل على نجاسة بعض الأبوال

стр. 2839

فغير مسلم، بل هناك أدلة كثيرة تدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، منها ما ذكرنا في قوله عن الروث: إنها ركس. الدليل الثالث: (١١١٩ - ٩٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبان، عن أنس، قال: لا بأس ببول ذات الكرش (١). [ضعيف جدًّا] (٢). • الراجح من الخلاف: القول بطهارة بول ما يؤكل لحمه هو أقوى الأقوال، وأوسطها، بين قول من يرى طهارة جميع الأبوال عدا بول الآدمي، وقول من يرى نجاسة كل الأبوال. ولا يمكن أن يباح لحمه، ثم يكون بوله نجسًا. ولا يمكن أن يكون الكلب والخنزير أطهر بولًا من الإنسان، وأن يكون ريق الكلب نجسًا، وبوله طاهرًا، وبوله أخبث من ريقه، لذا أجد مذهب المالكية والحنابلة أقوى الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم. * * *

стр. 2840

الفرع الثاني في بول وروث الحيوان غير المأكول مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • بول الحيوان وروثه تبع للحمه، فما كان منها محرمًا فهو نجس، وما كان منها مباحًا فهو طاهر إلا ما شق التحرز منه فهو عفو. [م-٤٩٩] اختلف العلماء في بول وروث الحيوان غير المأكول عدا الآدمي، فقيل: نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري (٢)، والشعبي (٣)، والبخاري (٤)،
следующие страницы →