← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

قال ابن حبان في صحيحه: لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل ﷺ على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله ﷺ : إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب (١). وقال ابن حبان في موضع آخر من صحيحه: قوله ﷺ : فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله ﷺ : فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين (٢). وقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، يعني: طبيعته هكذا، فهي

стр. 2837

لا تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث. ولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته. وعلى كل حال فليس في نهيه عن الصلاة في معاطن الإبل دليل على نجاسة بولها وروثها. الدليل التاسع: (١١١٧ - ٨٨) ما رواه أبو يعلى، من طريق ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (١). [ضعيف جدًّا] (٢). فقوله: (إنما تغسل ثوبك من البول) مطلق، فيشمل كل بول. والحديث ضعيف، فلا داعي للجواب عنه، ولو صح لم يسلم لهم الاستدلال به، كما قدمناه في حديث ابن عباس (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول). • دليل الحنفية في التفريق بين ما يذرق في الهواء وبين غيره: الحنفية ذهبوا إلى ما ذهب إليه الشافعية في نجاسة الأبوال كلها من الحيوان، إلا أنهم خالفوهم في بعض الطيور، فقسموا الطيور إلى قسمين:

стр. 2838

طير يذرق في الهواء كالعصافير والحمام فذرقه طاهر. وطير لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط، فذرقه نجس. واستدلوا بطهارة ما يذرق في الهواء بوجود الحَمَام في المسجد الحرام، مع الأمر بتطهير المساجد من البول والقذر: قال تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦]. (١١١٨ - ٨٩) وروى مسلم في صحيحه من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عم إسحق، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ (١). ولأن فضلات ما يطير في الهواء لا رائحة له، بخلاف ذرق الدجاج ونحوها مما لا يطير فإنه منتن. ولأن الذي يذرق في الهواء يشق التحرز منه، فلا يمكن صيانة الثياب عنه، فيكون طاهرًا دفعًا للحرج والمشقة. • دليل داود على طهارة الأبوال كلها عدا بول الآدمي: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة، ولا نعدل عنه إلا بدليل من نص أو إجماع، ولا يوجد ما يدل على نجاسة الأبوال، فتبقى طاهرة. • ونوزع في هذا: أما الأصل فصحيح، وأما دعوى أنه لا يوجد دليل على نجاسة بعض الأبوال

стр. 2839

فغير مسلم، بل هناك أدلة كثيرة تدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، منها ما ذكرنا في قوله عن الروث: إنها ركس. الدليل الثالث: (١١١٩ - ٩٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبان، عن أنس، قال: لا بأس ببول ذات الكرش (١). [ضعيف جدًّا] (٢). • الراجح من الخلاف: القول بطهارة بول ما يؤكل لحمه هو أقوى الأقوال، وأوسطها، بين قول من يرى طهارة جميع الأبوال عدا بول الآدمي، وقول من يرى نجاسة كل الأبوال. ولا يمكن أن يباح لحمه، ثم يكون بوله نجسًا. ولا يمكن أن يكون الكلب والخنزير أطهر بولًا من الإنسان، وأن يكون ريق الكلب نجسًا، وبوله طاهرًا، وبوله أخبث من ريقه، لذا أجد مذهب المالكية والحنابلة أقوى الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم. * * *

стр. 2840

الفرع الثاني في بول وروث الحيوان غير المأكول مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • بول الحيوان وروثه تبع للحمه، فما كان منها محرمًا فهو نجس، وما كان منها مباحًا فهو طاهر إلا ما شق التحرز منه فهو عفو. [م-٤٩٩] اختلف العلماء في بول وروث الحيوان غير المأكول عدا الآدمي، فقيل: نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وقيل: طاهر، وهو مذهب داود الظاهري (٢)، والشعبي (٣)، والبخاري (٤)،

стр. 2841

رحمهم الله جميعًا. • دليل من قال بنجاسة البول والروث: الدليل الأول: قالوا: إن لحم هذا الحيوان خبيث، فكذلك بوله (١). الدليل الثاني: إذا كان الحيوان الطاهر الحلال الأكل إذا أكل العذرة حبس كما في الجلالة، فما بالك بحيوان قد خبث لحمه بنفسه، وليس عن طريق أكل العذرة المستحيلة إلى شيء آخر، ألا يكون نجسًا من باب أولى. الدليل الثالث: إذا كان ريق الكلب نجسًا، ويغسل منه الإناء سبعًا، فما بالك ببوله الذي هو أخبث وأنتن من ريقه، وقد سبقت هذه الأحاديث في نجاسة الكلب. الدليل الرابع: (١١١٢٠ - ٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢). [صحيح إن شاء الله، وسبق تخريجه] (٣). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قضى بهذا الحديث الصحيح أن الماء الكثير لا يتأثر بسؤر السباع

стр. 2842

والدواب، ومفهومه أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر السباع والدواب، وإذا كان هذا في سؤرها: أي بقية شرابها، فما بالك ببولها وروثها، فإنه أشد خبثًا ونتنًا من ريقها. الدليل الخامس: (١١٢١ - ٩٢) ما رواه مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها: أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: لما علل طهارة الهرة بأنها من الطوافين علينا، علم أن المقتضي لنجاستها قائم، وهو كونها محرمة، لكن عارضه مشقة التحرز منها، فطهرت لذلك دفعًا للحرج، ومعنى ذلك أن الهرة لو لم تكن طوافة علينا لكان سؤرها نجسًا، وإذا كان هذا في سؤرها، فما بالك في بولها، فإنه أشد نجاسة من سؤرها. الدليل السادس: قد ثبت عندنا أن الروث نوعان: روث ما يؤكل لحمه، وهذا طاهر، لأدلة كثيرة ذكرناها في مسألة (بول مأكول اللحم)، وروث نجس، وهو روث ما لا يؤكل لحمه،

стр. 2843

(١١٢٢ - ٩٣) لما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). • دليل من قال بالطهارة: الدليل الأول: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي نص من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا نص ولا إجماع في تنجيس غير بول الآدمي. • وأجيب: قد قدمنا الأدلة على نجاسة سؤر الكلب، وعلى نجاسة سؤر الهرة لولا علة التطواف، وقدمنا أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر الدواب والسباع، مع أن ريقها أطهر من بولها، وكل هذه الأدلة صحيحة ظاهرة في نجاسة بول هذه الحيوانات، والله أعلم. الدليل الثاني: (١١٢٣ - ٩٤) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٢).

стр. 2844

• وأجيب: بأن بوله لن يكون أطهر من ريقه، وقد حكمنا على ريقه بالنجاسة كما في الحديث المتفق على صحته في غسل الإناء من ولوغ الكلب، ولكن عدم تطهير المكان من بول الكلب إما لكون الشمس حارة في بلاد الحجاز، فكانت تطهر الأرض بالاستحالة، فإذا أذهبت الشمس النجاسة لونًا وطعمًا وريحًا فقد طهر المكان، وربما كان مرور الكلاب ليس في موضع مصلى المسلمين، بل في مؤخرة المسجد، فكان الأمر لا يتطلب المبادرة إلى تطهيره بالماء، بل يترك حتى تطهره الشمس. وقد يقال: إن هذا الأمر كان في أول الإسلام، خاصة أن في بعض ألفاظه أن ابن عمر كان شابًّا عزبًا، وكان ينام في مسجد رسول الله ﷺ ، وقد تزوج ابن عمر في حياته ﷺ كما في قصة طلاق ابن عمر للمرأة الحائض في عهد النبي ﷺ ، والحديث في الصحيحين. الدليل الثالث: (١١٢٤ - ٩٥) روى البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، قال البخاري: صلى أبو موسى في دار البريد والسرقين والبرية إلى جنبه فقال هاهنا وثم سواءً (١).

стр. 2845

وجه الاستدلال: أن أبا موسى صلى على السرقين في دار البريد، وكانت تربط فيها الدواب ذوات الحوافر من خيل وبغال وحمير، ولو كان نجسًا لما صلى عليه. • وأجيب: أولًا: أن هذه الدواب التي ترد إلى البريد طاهرة، لأنها إما خيل وإبل فأكلها حلال، فكذلك بولها، وإما بغال وحمر فهي طاهرة لمشقة التحرز منها كما قدمنا بحثه في مسألة مستقلة. ثانيًا: قد يكون أبو موسى صلى بحائل. وهذا الاحتمال الأصل عدمه، ثم ظاهر اللفظ يأباه بقوله: صَلَّى على سرقين، ظاهره أنه مباشر له. ثالثًا: على فرض أن يكون صلى على سرجين نجس، فهو فعل صاحبي قد خالفه غيره من الصحابة كابن عمر وغيره فلا يكون حجة، وقد قدمنا أدلة مرفوعة على نجاسة هذه الأبوال، وإنما يصار إلى الاستدلال برأي الصحابي بشرطين: الأول: ألا يخالف نصًا من كتاب أو سنة مرفوعة.

стр. 2846

الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة، فإن خالفه غيره ذهبنا إلى الترجيح بينهما بحسب ما تقتضيه الأدلة والقواعد الشرعية. رابعًا: قال بعضهم: لعل أبا موسى كان لا يرى الطهارة من النجاسة شرطًا أو واجبًا في صحة الصلاة، وهو قول في مذهب المالكية. • الترجيح: الراجح والله أعلم بالصواب، مذهب القائلين بنجاسة أبوال البهائم الحية غير المأكولة، ألا أن يشق التحرز منها، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من الاعتراضات القادحة. * * *

стр. 2847

الفصل الثاني في المني والمذي والودي من الحيوان المبحث الأول في المني الخارج من الإنسان الفرع الأول في طهارة مني بني آدم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل الفضلات المتولدة من أصل طاهر فحكمها حكم أصلها، كالمني، والبيض، واللبن، والعرق، والعفو عن غسل المني آية طهارته. • كل مني من الحيوان فهو تبع للحمه حتى بني آدم، ولحمه إنما حرم لحرمته، لا لنجاسته. • لم يأت أمر بالتطهر من المني، كما جاء الأمر بالتطهر من البول، والمذي، ودم الحيض وغيرها، وما ورد من غسل وفرك موقوف على عائشة، وهو لا يدل على الجوب. • لا تأثير للمخرج في طهارة أو نجاسة، فيخرج منه البول والمذي والودي، وهي أشياء نجسة، ويخرج منه الريح وهي طاهرة، وكذا المني ورطوبة فرج المرأة على الصحيح. • ليس كل ما ينقض الطهارة فهو نجس كالريح والمني.

стр. 2848

[م-٥٠٠] اختلف العلماء في مني الإنسان هل هو طاهر أم نجس، فقيل: المني نجس، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: المني طاهر، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، ورجحه

стр. 2849

ابن حزم (١)، وابن تيمية (٢). وسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة اختلافهم في تفسير ما ثبت عن رسول الله ﷺ في هذا من غسل المني رطبًا، وفركه يابسًا. فأخذ الحنابلة والشافعية من الاكتفاء بفركه يابسًا دليلًا على طهارته، إذ لو كان نجسًا لوجب غسله خاصة أن المني سائل ثخين، ويتشرب جزء منه الثوب، ولو كان المني نجسًا لجاء الأمر من الرسول ﷺ بغسله، خاصة أن البلوى فيه شديدة في الأبدان والثياب والفرش وغيرها، فلما لم يأمرهم ﷺ بغسل ما أصابهم، وكان الثابت عنه مجرد فعل، وأفعال الرسول ﷺ المجردة لا تدل على الوجوب بل تدل على الاستحباب، علم أن المني طاهر. وأخذ الحنفية من فركه يابسًا وغسله رطبًا دليلًا على نجاسته، فإن النجاسة قد تزول بالفرك كما تطهر النعلين بدلكهما في التراب، وذيل المرأة بمروره بتراب طاهر بعده، وهكذا. ورجح المالكية أحاديث الغسل على أحاديث الفرك، ولم يروا أن النجاسة تزال بالفرك، بل لا بد من غسلها بالماء. وقد ذكرت أدلة الأقوال في كتاب أحكام الخلاء، في حكم الاستنجاء من المني، ولله الحمد، وقد رجحت هنا القول بطهارة المني، ويكفي حجة لهذا القول أن الشارع لم يأت منه أمر بغسله، ولو كان نجسًا لجاء الأمر بغسله، والتوقي منه كما جاء الأمر بالاستتار من البول، وغسل دم الحيض، وغسل المذي، وغيرها من سائر النجاسات، ولا مع من قال بنجاسته إلا مجرد أن عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ ،

стр. 2850

وتفركه إذا كان يابسًا، ولو كان الفاعل هو النبي ﷺ لم يكن ذلك حجة على نجاسة المني؛ لأن أفعال النبي ﷺ المجردة لا تقتضي الوجوب، والله أعلم. * * *

стр. 2851

الفرع الثاني في المني الخارج بعد الاستجمار [م-٥٠١] إذا خرج المني، وقد سبقه استجمار، فاختلف العلماء القائلون بطهارة المني هل يبقى المني طاهرًا أم يتنجس؛ لاختلاطه بأثر البول المتبقي بعد الاستجمار؟ فقيل: يتنجس، وإليه ذهب الشافعية (١). وقيل: لا يؤثر ذلك، ويبقى المني طاهرًا، وهو مذهب الحنابلة (٢). • دليل من قال بنجاسته: هذا القول مركب من مقدمة ونتيجة. المقدمة: أن الاستجمار لا يطهر المحل، وإنما يخفف النجاسة، فأثر النجاسة الباقية على المحل معفو عنها. النتيجة: إذا اختلط أثر البول بالمني الخارج تنجس المني، ولو كان الالتقاء في الباطن لم يضر، أما في الخارج فإنه يُنَجِس المني. وحتى القائلون بنجاسة المني كالحنفية يرون أن طهارته بالفرك إذا كان يابسًا،

стр. 2852

فإذا سبقه استجمار تعين الماء في تطهيره، ولا يجزئ الفرك، ولو كان يابسًا للعلة نفسها. وقال في الدر المختار: ويطهر مني يابس بفرك إن طهر رأس حشفة كأن كان مستنجيًا بماء (١). اهـ قال ابن عابدين في حاشيته شرحًا لهذا النص: «قوله: (إن طهر رأس حشفة) قيل: هو مقيد أيضًا بما إذا لم يسبقه مذي، فإن سبقه فلا يطهر إلا بالغسل. وعن هذا قال شمس الأئمة الحلواني: مسألة المني مشكلة؛ لأن كل فحل يمذي ثم يمني إلا أن يقال: إنه مغلوب بالمني، مستهلك فيه، فيجعل تبعًا. وهذا ظاهر، فإنه إذا كان كل فحل كذلك، وقد طهره الشرع بالفرك يابسًا يلزم أنه اعتبر مستهلكًا للضرورة، بخلاف ما إذا بال فلم يستنج حتى أمنى لعدم الملجئ. ثم قال: وقوله: (كأن كان مستنجيًا بماء): أي بعد البول، واحترز عن الاستنجاء بالحجر؛ لأنه مقلل للنجاسة لا قالع لها» (٢). وعليه فمذهب الحنفية يكفي فرك المني من رأس الحشفة بشرط أن يكون قد استنجى بماء، فإن كان استنجاؤه بحجر، فيجب غسل المني. والله أعلم. والعجيب: أن الحنفية لا يرون الاستنجاء واجبًا إذا لم يتجاوز الخارج موضعه المعتاد، فكيف أوجبوا غسل المني من رأس الحشفة إذا كان قد استجمر! • دليل الحنابلة: أن غالب الصحابة كانوا يستجمرون بالحجارة، حتى إن بعضهم أنكر استعمال الماء في إزالة النجاسة، وقد قدمنا ذلك في كتاب الاستنجاء، ومع ذلك لم يأمرهم الرسول ﷺ بغسل المني، ولو كان غسله واجبًا لبينه ﷺ لأمته. كما أن الصحيح أن الاستجمار مطهر، وأما أثر الاستنجاء،

стр. 2853

فقيل: نجس، معفو عن يسيره. وقيل: طاهر (١). وحكي الإجماع على أنه معفو عنه. قال ابن قدامة: «وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع: أحدها: محل الاستنجاء، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه. واختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، ولو كان نجسًا لنجسه ... وقال أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس» (٢). أي نجس معفو عنه. وقال البهوتي: «وأثر الاستجمار نجس؛ لأنه بقية الخارج من السبيل، يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه (٣). وقد ذكرنا الأدلة على أن الاستجمار مطهر على الصحيح في كتاب الاستنجاء. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الفريقين نرى أن ما ذهب إليه الحنابلة من أن المني طاهر، ولو اختلط في أثر الاستجمار أقوى حجة، والله أعلم. * * *

стр. 2854

الفرع الثالث في طهارة ماء المرأة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل. [م-٥٠٢] اختلف العلماء القائلون بطهارة مني الرجل، اختلفوا في حكم مني المرأة. فقيل: إن ماءها طاهر كالرجل، وهو الراجح في مذهب الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). والأدلة على طهارته هي الأدلة على طهارة مني الرجل وقد سبق ذكرها. وقيل: إن ماءها نجس، وهو قول في مذهب الشافعية والحنابلة (٣).

стр. 2855

واستدلوا بأدلة القائلين بأن مني الرجل نجس، وسبق ذكر ذلك؛ ولأن رطوبة فرجها نجسة، فكذلك ماؤها. والصواب الأول، وسوف يأتي الكلام على رطوبة فرج المرأة، ولو قدر أن رطوبة فرج المرأة نجسة فإن اختلاط الماء في الباطن لا يضر. * * *

стр. 2856

المبحث الثاني في مني الحيوان مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل مني من الحيوان فهو تبع للحمه حتى بني آدم، ولحمه إنما حرم لحرمته، لا لنجاسته. [م-٥٠٣] اختلف العلماء في مني الحيوان، فقيل: نجس مطلقًا من غير فرق بين مأكوله وغير مأكوله، وهو مذهب الحنفية، والقول المعتمد في مذهب المالكية (١)، وقول للشافعية (٢). وقيل: طاهر إلا مني الكلب والخنزير أو ما تفرع من أحدهما، وهو الأصح عند الشافعية (٣).

стр. 2857

وقيل: إن كان من مأكول اللحم فهو طاهر، وإن كان من محرم الأكل فهو نجس. وهذا قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية (١)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٢). • دليل من قال بنجاسة مني الحيوان مطلقًا: الدليل الأول: كل دليل استدلوا به على نجاسة مني الآدمي استدلوا به على نجاسة مني الحيوان، وقد سبقت أدلة الحنفية والمالكية على نجاسة مني الآدمي في مسألة مستقلة. الدليل الثاني: أن هذا المني نجس لأنه يجري مجرى البول. وقد أجبت على هذا الدليل في مسألة مني الآدمي. الدليل الثالث: أن أصل المني دم، والدم نجس، فيكون نجسًا تبعًا لأصله. وقد أجيب عن قولهم هذا في الأدلة السابقة. • دليل من قال بطهارة مني كل حيوان عدا الكلب والخنزير: لما كان مذهب الشافعية طهارة كل حيوان عدا الكلب والخنزير جعلوا منيه تبعًا لبدنه، فما كان من حيوان طاهر عندهم كان منيه كذلك، وما كان من حيوان نجس عندهم كان منيه نجسًا. والشافعية لم يجعلوا حكم المني حكم البول؛ لأنهم يقولون بنجاسة البول مطلقًا

стр. 2858

من كل حيوان وطير، وإنما جعلوا العبرة لبدن الحيوان. • دليل من فرق بين مني الحيوان المأكول وغير المأكول: الدليل الأول: قالوا: إن الحيوان المأكول بوله طاهر فكذلك منيه. لكن يشكل على هذا أنهم حكموا على بول الآدمي بالنجاسة، وحكموا على منيه بأنه طاهر، فإن كان المني تبعًا للبول فلماذا قالوا بطهارة مني الآدمي. الدليل الثاني: القياس على لبن الحيوان، فمادام أن لبن الحيوان المأكول طاهر، فكذلك منيه. الذي يظهر لي أن المني تبعًا لحكم الحيوان، فإذا كان الحيوان طاهرًا في الحياة فإن منيه طاهر؛ لأن المني فضلة كسائر فضلاته، فإذا حكمنا بالطهارة لعرق الحيوان وريقه فكذلك منيه لا يخرج عن سائر فضلاته. وإن حكمنا لعرقه وريقه بالنجاسة كان منيه أولى بهذا الحكم. ولأن كل حيوان منيه أصل له، فإذا كان طاهرًا حال حياته، فيلزم أن يكون منيه كذلك، والله أعلم. وقد سبق لنا طهارة كل حيوان حلال الأكل، ونجاسة كل حيوان محرم الأكل كالكلب والخنزير إلا أن يشق التحرز منه. والله أعلم. * * *

стр. 2859

المبحث الثالث في نجاسة المذي الفرع الأول في نجاسة مذي الإنسان مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • المذي تبع للبول، فما كان بوله نجسًا كان مذيه نجسًا، وما كان بوله طاهرًا كان مذيه طاهرًا. • يوجب المذي ما يوجبه البول من نقض الطهارة، ووجوب التطهر منه. • ما دار بين أصلين يلحق بالأشبه منهما، فالمذي متردد بين البول والمني، فمن قوى شبهه بالبول حكم بنجاسته، وعلله بأنه خارج من الفرج، ولا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، ومن قوى شبهه بالمني حكم بطهارته وعلله بأنه خارج بسبب الشهوة ويخرج أمامها، والنصوص تؤيد الشبه الأول. [م-٥٠٤] اختلف أهل العلم في نجاسة المذي، فقيل: نجس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب

стр. 2860

الحنابلة (١). وقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (٢). • دليل من قال: إن المذي نجس . الدليل الأول: (١١٢٥ - ٩٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن منذر بن يعلى -ويكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية، عن علي قال كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ، ورواه البخاري بنحوه (٣). الدليل الثاني: (١١٢٦ - ٩٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، فكنت أكثر الاغتسال منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: إنما يجزئك منه الوضوء. فقلت: كيف بما يصيب ثوبي؟ فقال يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتمسح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصاب (٤).

стр. 2861

[حسن] (١). الدليل الثالث: (١١٢٧ - ٩٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام ابن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك

стр. 2862

فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2863

الدليل الرابع: (١١٢٨ - ٩٩) ما رواه ابن ماجه، من طريق مصعب بن شيبة، عن أبي حبيب ابن يعلى بن منية، عن ابن عباس أنه أتى أبي بن كعب ومعه عمر، فخرج عليهما، فقال: إني وجدت مذيًا، فغسلت ذكري، وتوضأت، فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟ قال: نعم قال: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم (١). [ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (١١٢٩ - ١٠٠) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال في المذي والودي والمني: من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ (٣).

стр. 2864

[صحيح] (١). الدليل السادس: حكى الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء. قال ابن عبد البر: «وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته» (٢). وقال النووي: «أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي» (٣). وسبق لنا أن الإمام أحمد في رواية عنه يرى أن المذي طاهر. • دليل من قال بطهارته: الدليل الأول: قالوا: إن المذي خارج بسبب الشهوة، فيكون طاهرًا (٤). وكأن هذا القول قاسه على المني، ولو صح القياس لوجب فيه الغسل، فلما لم يجب فيه الغسل علم أن قياسه على المني لا وجه له. الدليل الثاني: (١١٣٠ - ١٠١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب،

стр. 2865

عن عمر، قال: إني لأجد المذي على فخذي ينحدر وأنا على المنبر ما أبالي بذلك (١). [منقطع] (٢) الدليل الثالث: ربما يؤخذ من كونه ورد في بعض الأحاديث النضح في طهارته ربما يفهم بعضهم منه أن ذلك دليل على طهارته، كما قالوه في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، وليس في ذلك ما يدل على طهارته؛ لأنه لو كان طاهرًا لما وجب في حقه النضح، مع أن النضح مختلف فيه، هل المقصود به الغسل، أو مجرد الرش، وهل ذلك على البدن أم في الثياب خاصة، وسوف يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في كيفية تطهير النجاسات في باب مستقل بلغنا الله إياه بمنه وكرمه ورحمته. • الراجح: أن المذي نجس، والخلاف في طهارته خلاف شاذ، والله أعلم. * * *

стр. 2866

الفرع الثاني مذي الحيوان غير الآدمي المذي تبع للبول، فما كان بوله نجسًا كان مذيه نجسًا، وما كان بوله طاهرًا فإن مذيه لن يكون أخبث من بوله، فحكمهما واحد. فالإنسان حين كان بوله نجسًا بالإجماع كان مذيه نجسًا، وكذلك الودي منه. وينبغي أن يكون حكم المذي من الحيوان حكم البول، وقد فصلنا مسألة بول الحيوان في مسألة مستقلة. * * *

стр. 2867

المبحث الرابع في نجاسة الودي مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الودي بمنزلة البول. [م -٨٤٦] اختلف العلماء في حكم الودي، فقيل: الودي نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).

стр. 2868

وقيل: طاهر، وهي رواية عن أحمد (١). • الدليل على نجاسة الودي: الدليل الأول: (١١٣١ - ١٠٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري، عن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، وكانت تحتي بنت رسول الله ﷺ ، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلًا فسأله فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل (٢). [رجاله ثقات إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ] (٣). الدليل الثاني: (١١٣٢ - ١٠٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان،

стр. 2869

عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (١). [صحيح] (٢). • دليل من قال: إن الودي طاهر: قالوا: لا نعلم في الكتاب، ولا في السنة المرفوعة نصًا بأن الودي نجس، وإذا كان كذلك فالأصل طهارته، ولا يكفي في كونه يخرج من مخرج البول حتى يعطى حكمه، فهذا المني يخرج من نفس المخرج، ومع ذلك فهو طاهر، وإذا كان يخرج عقب البول، كان الاستنجاء منه بسبب البول، لا بسببه. قلت: لا شك أن أكثر الأقوال على أن الودي يخرج عقب البول، لكن قال بعض الفقهاء: إن خروج الودي بعد البول غالب لا دائم، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب (٣). * * *

стр. 2870

الفصل الثالث في حكم الدم المبحث الأول في نجاسة دم الحيض مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل دم يخرج من فرج المرأة، ويمنع من الصلاة والجماع، فهو نجس، عكسه دم الاستحاضة. [م-٥٠٥] نقل الإجماع على نجاسة دم الحيض بعض الفقهاء، وإليك النقول عن بعضهم. قال القرافي في الذخيرة في دم الحيض: «وهو نجس إجماعًا» (١). وقال النووي بعد أن ساق حديث أسماء في الأمر بغسل دم الحيض، قال: «والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر» لكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول

стр. 2871

من أصحابنا وغيرهم ... إلخ كلامه ﵀ (١). قال الشوكاني: «واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي» (٢). • مستند الإجماع على نجاسة دم الحيض: استند الإجماع إلى أدلة كثيرة، نسوق منها ما يلي: الدليل الأول: (١١٣٣ - ١٠٤) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (٣). قال الحافظ ﵀: (تحته): أي تحكه. كذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه. (ثم تقرصه): أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه. (وتنضحه) قال الخطابي: أي تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: (تقرصه بالماء). وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته. فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي (٤).

стр. 2872

قلت: النضح يأتي في اللغة بمعنى الغسل، كما يأتي بمعنى الرش. قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (١). (١١٣٤ - ١٠٥) قلت: الحديث قد رواه مسلم من طريق الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (٢). قال السيوطي في شرحه للحديث ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (٣). وقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلًا، قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها (٤). الدليل الثاني: (١١٣٥ - ١٠٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٥).

стр. 2873

وجه الاستدلال من الحديث: قوله: (فاغسلي عنك الدم) أمر، والأصل فيه الوجوب إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة هنا. الدليل الثالث: (١١٣٦ - ١٠٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه (١). الدليل الرابع: (١١٣٧ - ١٠٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدي بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع (٢) واغسليه بالماء والند والسدر.

стр. 2874

[صحيح] (١). قال السندي: حكيه بضلع بكسر معجمة وفتح لام: أي بعود وفي الأصل واحد أضلاع الحيوان أريد به العود لشبهه به، وقد تسكن اللام تخفيفًا. قال الخطابي: وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه، اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر، وزيادة السدر للمبالغة، وإلا فالماء يكفي، وذكر الماء لأنه المعتاد ولا يلزم منه أن غيره من المائعات لا تجزى كيف ولو كان لبيان اللازم لوجب السدر أيضًا، ولا قائل به (٢). الدليل الخامس: (١١٣٨ - ١٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله ﷺ يصلي، فأشارت إلى رسول الله ﷺ بثوب، وفيه دم فأشار إليها رسول الله ﷺ وهو في الصلاة اغسليه، فغسلت موضع الدم ثم أخذ رسول الله ﷺ ذلك الثوب فصلى فيه (٣). [ضعيف] (٤). * * *

стр. 2875

المبحث الثاني في نجاسة دم الإنسان من عرق ونحوه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • دم الآدمي طاهر تبعًا لذاته كالسمك، وإنما حرم أكل الآدمي لحرمته، لا لنجاسته. • كل حيوان لا ينجس بالموت فدمه طاهر كالسمك، ومنه الآدمي. • حرم الله جماع الحائض ونكاح الدبر لوجود النجاسة في المحل، وأباح جماع المستحاضة، فدل على طهارة دمها. • كل دم يخرج من فرج المرأة، ويمنع من الصلاة والجماع، فهو نجس، عكسه دم الاستحاضة، وقد علل بأنه دم عرق، فليلحق به كل دم عرق. • كل دم لا يمنع الصلاة، والصيام، والجماع، والاعتكاف في المسجد فهو دم طاهر والاستنجاء منه مستحب. • لم يمنع صاحب الجرح النازف من النزول في المسجد، ولو كان الدم نجسًا لوجب تنزيه المسجد. • هل المعتبر في التنجيس المخرج، فكل ما خرج من السبيل فهو نجس، ومنه دم الاستحاضة، أو المعتبر الخارج، ولا تأثير للمخرج، حيث يخرج منه الطاهر كالريح والمني، ويخرج منه النجس كالبول والمذي، وهذا هو الصحيح.
следующие страницы →