من أصحابنا وغيرهم ... إلخ كلامه ﵀ (١).
قال الشوكاني: «واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي» (٢).
• مستند الإجماع على نجاسة دم الحيض:
استند الإجماع إلى أدلة كثيرة، نسوق منها ما يلي:
الدليل الأول:
(١١٣٣ - ١٠٤) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت:
أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (٣).
قال الحافظ ﵀: (تحته): أي تحكه. كذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه.
(ثم تقرصه): أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه.
(وتنضحه) قال الخطابي: أي تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: (تقرصه بالماء). وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته. فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي (٤).
стр. 2872
قلت: النضح يأتي في اللغة بمعنى الغسل، كما يأتي بمعنى الرش.
قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (١).
(١١٣٤ - ١٠٥) قلت: الحديث قد رواه مسلم من طريق الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال:
كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (٢).
قال السيوطي في شرحه للحديث ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (٣).
وقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلًا، قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها (٤).
الدليل الثاني:
(١١٣٥ - ١٠٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٥).
стр. 2873
وجه الاستدلال من الحديث:
قوله: (فاغسلي عنك الدم) أمر، والأصل فيه الوجوب إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة هنا.
الدليل الثالث:
(١١٣٦ - ١٠٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت:
كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه (١).
الدليل الرابع:
(١١٣٧ - ١٠٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدي بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت:
سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع (٢) واغسليه بالماء والند والسدر.
стр. 2874
[صحيح] (١).
قال السندي: حكيه بضلع بكسر معجمة وفتح لام: أي بعود وفي الأصل واحد أضلاع الحيوان أريد به العود لشبهه به، وقد تسكن اللام تخفيفًا. قال الخطابي: وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه، اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر، وزيادة السدر للمبالغة، وإلا فالماء يكفي، وذكر الماء لأنه المعتاد ولا يلزم منه أن غيره من المائعات لا تجزى كيف ولو كان لبيان اللازم لوجب السدر أيضًا، ولا قائل به (٢).
الدليل الخامس:
(١١٣٨ - ١٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله ﷺ يصلي، فأشارت إلى رسول الله ﷺ بثوب، وفيه دم فأشار إليها رسول الله ﷺ وهو في الصلاة اغسليه، فغسلت موضع الدم ثم أخذ رسول الله ﷺ ذلك الثوب فصلى فيه (٣).
[ضعيف] (٤).
* * *
стр. 2875
المبحث الثاني في نجاسة دم الإنسان من عرق ونحوه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• دم الآدمي طاهر تبعًا لذاته كالسمك، وإنما حرم أكل الآدمي لحرمته، لا لنجاسته.
• كل حيوان لا ينجس بالموت فدمه طاهر كالسمك، ومنه الآدمي.
• حرم الله جماع الحائض ونكاح الدبر لوجود النجاسة في المحل، وأباح جماع المستحاضة، فدل على طهارة دمها.
• كل دم يخرج من فرج المرأة، ويمنع من الصلاة والجماع، فهو نجس، عكسه دم الاستحاضة، وقد علل بأنه دم عرق، فليلحق به كل دم عرق.
• كل دم لا يمنع الصلاة، والصيام، والجماع، والاعتكاف في المسجد فهو دم طاهر والاستنجاء منه مستحب.
• لم يمنع صاحب الجرح النازف من النزول في المسجد، ولو كان الدم نجسًا لوجب تنزيه المسجد.
• هل المعتبر في التنجيس المخرج، فكل ما خرج من السبيل فهو نجس، ومنه دم الاستحاضة، أو المعتبر الخارج، ولا تأثير للمخرج، حيث يخرج منه الطاهر كالريح والمني، ويخرج منه النجس كالبول والمذي، وهذا هو الصحيح.
стр. 2876
[م-٥٠٦] اختلف العلماء في نجاسة الدم:
فقيل: إنه نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)، إلا أنهم يرون العفو عن يسيره، على خلاف بينهم في مقدار اليسير:
فقيل: المرجع في تقدير القليل والكثير إلى العرف، فما اعتبره الناس كثيرًا فهو كثير، وما عده الناس قليلًا فهو قليل، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: القليل: ما دون الدرهم، والكثير ما زاد عنه، وحقيقة الدرهم عند الحنفية هو الدرهم المالي (٤)، وعند المالكية الدرهم البغلي (٥).
وقيل: كل شخص بحسبه، فما فحش بنفسه فهو كثير، والقليل: ما لم يفحش،
стр. 2877
فيكون التقدير راجعًا إلى الشخص نفسه، وهذا هو الأصل المروي عن أبي حنيفة (١)، ونص عليه الإمام أحمد (٢).
وفيه أقوال أخرى في تقدير القليل والكثير لا دليل عليها، سنتعرض لها إن شاء الله تعالى في باب العفو عن النجاسات.
وقيل: دم العرق من الإنسان طاهر، وقد أخذوه من قول الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم (٣).
واختاره بعض المتكلمين (٤)، ورحجه الشوكاني، وشيخنا ابن عثيمين، والألباني (٥).
• دليل من قال بنجاسة الدم المسفوح:
الدليل الأول:
الإجماع على نجاسة دم الآدمي حكاه جماعة منهم الإمام أحمد وابن عبد البر كما في التمهيد، والنووي في المجموع وغيرهم.
قال أحمد لما سئل عن الدم: الدم والقيح عندك سواءً؟ قال: «الدم لم يختلف الناس
стр. 2878
فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه» (١).
وقال ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع: «واتفقوا على أن الكثير من أي دم كان حاشا دم السمك، وما لا يسيل دمه نجس» (٢).
قال النووي: «والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين، إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين، أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع ... ». إلخ كلامه ﵀ (٣).
وقال القرطبي: «اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس» (٤).
وقال ابن حجر: «والدم نجس اتفاقًا» (٥).
الدليل الثاني:
قوله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [الأنعام: ١٥٥].
• وأجيب:
أولًا: تحريم الأكل لا يستلزم النجاسة، لأن الآية نصت على تحريم الأكل بقوله: على طاعم يطعمه.
ثانيًا: الرجس، قد يراد به النجاسة المعنوية، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣].
стр. 2879
وقال تعالى عن المنافقين: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ) [التوبة: ٩٥].
الدليل الثالث:
(١١٣٩ - ١١٠) ما رواه البخاري في صحيحه، من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة،
عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه وتصلي فيه، ورواه مسلم (١).
فهذا صريح في نجاسة دم الحيض، وسائر الدماء قياس عليه.
الدليل الرابع:
(١١٤٠ - ١١١) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي، ورواه مسلم (٢).
فقوله: (فاغسلي عنك الدم) فيه الأمر بغسله، ولو لم يكن نجسًا لم يجب غسله.
• وأجيب:
بأن الغسل بمثابة الاستنجاء من الدم الذي حكم له بأنه حيض حال إقباله وإدباره، فلم يتوجه الأمر بغسل دم الاستحاضة، والله أعلم.
• أدلة من قال: إن الدم طاهر:
الدليل الأول:
أن الصحابة أهل جهاد، والمجاهدون تكثر فيهم الجراح، فيصيب الدم
стр. 2880
أجسامهم وثيابهم، ولم يأت أمر من الشارع صحيح صريح بوجوب غسله، فعلم من ذلك طهارته.
الدليل الثاني:
أن الشهيد يدفن بدمه، ولا يغسل، ولو كان نجسًا لوجب غسله، وقولهم: إن العلة أنه يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، أو قولهم: إنه أثر عبادة كل ذلك ليس كافيًا في ترك النجاسة على بدن المسلم، فالدم يوم القيامة ليس هو الدم الذي يدفن على ثيابه، لأن الله ينشئه نشأة أخرى، وأثر العبادة لا يجعلنا نترك الميت متضمخًا بالنجاسة، وإذا ثبتت طهارة دم الشهيد فغيره قياس عليه.
الدليل الثالث:
أن الرسول لم ينزه المسجد من أن يجلس فيه الجريح والمستحاضة، وهما أصحاب جرح ينزف، وهذا مظنة تلويث المسجد بالدم، فلو كان نجسًا لجاء الأمر بالنهي عن دخول المسجد، كما منعت الحائض، بل منع من هو أقل من هذا مما يؤذي، كما منع من دخول المسجد من أكل كراثًا أو بصلًا، مع الإجماع على طهارتهما، ونهي عن النخامة في المسجد لاستقذارها، ولو كانت طاهرة.
(١١٤١ - ١١٢) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق هشام، عن أبيه،
عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا فمات فيها، ورواه مسلم بنحوه (١).
(١١٤٢ - ١١٣) وروى البخاري من طريق خالد، عن عكرمة،
عن عائشة أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه، وهي مستحاضة ترى الدم،
стр. 2881
فربما وضعت الطست تحتها من الدم، وزعم أن عائشة رأت ماء العصفر فقالت: كأن هذا شيء كانت فلانة تجده (١).
وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم:
إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ (٢).
فإذا كان القذر لا يصلح للمسجد، وأقر الرسول ﷺ المكلوم والمستحاضة في دخول المسجد مع أن الدم منهما قد ينزف، لم يكن هذا من المستخبث شرعًا.
الدليل الرابع:
جواز وطء المستحاضة ودمها ينزل، فلو كان الدم نجسًا لحرم الجماع كما حرم حال الحيض في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢] وحرم نكاح الدبر للعلة نفسها، فدم الاستحاضة ليس أذى، فلا يمنع من الجماع، ولا من التلطخ به.
ولا يعترض عليه بالمذي، أو برطوبة فرج المرأة، فإنه لو منع الجماع بسبب ذلك لحرم الوطء، فإن كل فحل يمذي، ومع ذلك فالمذي يخرج بعد الفراغ من الجماع، وانكسار الشهوة.
الدليل الخامس:
أن الآدمي ميتته طاهرة على الصحيح، فيكون دمه طاهرًا كالسمك.
والعلة في نجاسة الميتة إما انحباس الدم فيها، وإما فقد الأهلية من المذكي، يجمع ذلك قوله ﷺ : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل.
فلما كان انحباس الدم في بدن الميت الآدمي لا ينجسه، لم يكن نجسًا، ولو أبين
стр. 2882
عضو من الآدمي، لكان طاهرًا وإن كان فيه دم؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته، ولو كان دمه نجسًا، لكان العضو نجسًا، أو متنجسًا.
الدليل السادس:
(١١٤٣ - ١١٤) ما رواه أحمد، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر،
عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلًا، وجاء زوجها وكان غائبا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد ﷺ ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلًا، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. قال: فكونوا بفم الشعب، قال: وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم عاد له بثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به، فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله ألا أهببتني؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعت، فأريتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (١).
стр. 2883
[الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن] (١).
الدليل الخامس: من الآثار
(١١٤٤ - ١١٥) ما رواه ابن أبي شيبة، ومن طريقه أخرجه البيهقي، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن التيمي،
عن بكر، قال: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دمه، فحكه بين أصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ (٢).
стр. 2884
[صحيح].
(١١٤٥ - ١١٦) ومنها ما رواه عبد الرزاق (١)، وابن المنذر (٢)، من طريق الثوري وابن عيينة،
عن عطاء بن السائب، قال: رأيت عبد الله بن أبي أوفى بصق دمًا ثم صلى، ولم يتوضأ.
[حسن] (٣).
وعطاء لا يضر اختلاطه؛ لأن الراوي عنه الثوري، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه.
(١١٤٦ - ١١٧) ومنها ما رواه عبد الرزاق (٤)، ومن طريقه ابن المنذر (٥)، من طريق جعفر بن رقان،
عن ميمون بن مهران قال: رأيت أبا هريرة ﵁ أدخل أصبعه في أنفه، فخرج فيها دم، ففته بأصبعه، ثم صلى ولم يتوضأ.
والراجح فيه أن إسناده منقطع، فقد رواه ابن أبي شيبة (٦)، من طريق شعبة، عن غيلان بن جامع، عن ميمون بن مهران قال: أنبأني من رأى أبا هريرة فذكره.
والقول بأن هذه الآثار كان الدم فيها يسيرًا فعفي عنه، هي في الحقيقة دعوى في محل النزاع، فلا فرق بين قليل الدم وكثيره في النجاسة، كما لا فرق بين قليل البول
стр. 2885
وكثيره في الحدث.
(١١٤٧ - ١١٨) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة من طريق خالد ومنصور، عن
ابن سيرين، عن يحيى بن الجزار،
أن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم، قال: فلم يعد الصلاة.
[صحيح] (١).
هذا فيما يتعلق بالخلاف في طهارة الدم، وظاهر الأدلة تدل على طهارته، وهو مقتضى القياس على طهارة ميتته، وطهارة ما أبين من الآدمي، وما حكي من إجماع إن كان محفوظًا فهو حجة، ولا اعتراض، ويجب التسليم، وإلا حمل الإجماع على أنه قول عامة العلماء، أو حمل الإجماع على دم الحيض، والله أعلم.
* * *
стр. 2886
المبحث الثالث في دم الشهيد
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• طهارة دم الشهيد فرع عن طهارة دم كل حيوان طاهر.
[م-٥٠٧] اختلف الفقهاء في دم الشهيد إذا لم ينفصل عن صاحبه،
فقيل بطهارته، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: إنه نجس، وهو مذهب المالكية (٣)،
والشافعية (٤)، وقول في مذهب
стр. 2887
الحنابلة (١).
• دليل من قال بطهارته:
الدليل الأول:
(١١٤٨ - ١١٩) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن
عبد الرحمن بن كعب بن مالك،
عن جابر قال: قال النبي ﷺ : ادفنوهم في دمائهم يعني يوم أحد ولم يغسلهم (٢).
وجه الاستدلال:
أنه لو كان الدم نجسًا لأمر بإزالته عن بدن الميت، فلما أمر بدفنهم بدمائهم دل ذلك على طهارته.
قلت: هذا دليل على طهارة الدم مطلقًا، دم الشهيد وغيره سواءً؛ لأن الحكم بالنجاسة هو حكم وضعي، أكثر من كونه حكمًا تكليفيًا، فلو كان الدم نجسًا لكان نجسًا على الشهيد وعلى غيره، فالخبيث لا يمكن أن يكون طيبًا إلا إذا تغيرت عينه باستحالة ونحوها، فلما لم يأمر بغسلها دل على طهارة دم الإنسان مطلقًا.
الدليل الثاني:
(١١٤٩ - ١٢٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة، واللون لون الدم، والريح ريح المسك. وأخرجه مسلم بنحوه (٣).
стр. 2888
وجه الاستدلال:
حيث شبه لون ريح دم الشهيد بريح المسك، والمسك طاهر، فالدم إذًا على الشهيد طاهر أيضًا.
• وأجيب:
بأن هذا الحكم يوم القيامة، وأحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والدم الذي رائحته ريح المسك ليس هو الدم الذي على الميت، فهو دم آخر، فقد جاء في رواية مسلم إلا جاء يوم القيامة، وجرحه يثعب، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
نعم يؤخذ من الحديث فضل المطعون في سبيل الله.
• دليل من قال بنجاسته:
الدليل الأول:
كل الأدلة التي استدللنا بها على نجاسة الدم تصلح دليلًا على نجاسة دم الشهيد؛ لأنه من جنسه، وقد ذكرتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها.
ولأنه دم مسفوح، فيكون نجسًا كسائر الدماء، وعدم غسله من الشهيد لا لكونه طاهرًا، وإنما عدم غسله للنص، ولأنه أثر ناتج عن عبادة، وأثر العبادة له فضل، كما جاء في خلوف فم الصائم ونحوه.
(١١٥٠ - ١٢١) فقد روى البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن
ابن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. والحديث في مسلم (١).
стр. 2889
• الراجح:
سبق أن رجحنا طهارة دم الإنسان مطلقًا إلا دم الحيض، وعدم غسل دم الشهيد دليل على صحة هذا الاختيار، لا أنه مستثنى كما رأى بعض الفقهاء ﵏ جميعًا؛ إذ أن دم الشهيد في الدنيا كسائر الدماء من حيث الحكم، وإنما يفارق غيره من الدماء يوم القيامة فقط، والله أعلم.
* * *
стр. 2890
المبحث الرابع في دم الحيوان الذي لا نفس له سائلة
[م-٥٠٨] تكلمت في مسألة سابقة عن طهارة الحيوان الذي لا دم له يجري، كالبق والبعوض والخنفس ونحوها، وهذا فيما يتعلق بحكم عينه، وأما حكم دمه، فقد اختلف العلماء فيه طهارة الدم إذا كان من حيوان لا نفس له سائلة، على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن دمه طاهر تبعًا لذاته، وهو المعتمد في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (١).
وقد ذكرت الأدلة على طهارة عينه في مسألة مستقلة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وأقوى دليل في الباب: ما رواه البخاري، من طريق عتبة بن مسلم مولى بني تيم، عن عبيد بن حنين مولى بني زريق،
стр. 2891
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم: أمر النبي ﷺ بمقله: وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حارًّا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنملة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا في ما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجس لانتفاء علته (٢).
القول الثاني:
أن ذاته طاهرة، ودمه نجس؛ لأن الدم الذي فيه ليس دمه وإنما هو منقول من غيره، كالقمل والبعوض ونحوهما، ويعفى عن قليله، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة، واختاره أبو يوسف من الحنفية، ورجحه ابن حزم (٣).
قال الصاوي في الشرح الصغير: «قوله: (ما لا دم له) هو معنى قول غيره: (لا نفس له سائلة): أي لا دم ذاتي له، بل إن وجد فيه دم يكون منقولًا، ويحكم بنجاسة
стр. 2892
الدم فقط، فلذلك قال: (لا دم له) ولم يقل: (لا دم فيه)» (١).
فقوله: (إن وجد فيه دم يكون منقولًا) يقصد أن دم البعوض والقمل منقول من الإنسان، وليس دمًا ذاتيًا للحشرة، فينجس الدم دون الحيوان، والله أعلم.
وجه هذا القول:
أما طهارة ذاته؛ فلأن ذاته لا دم لها، فكل ما كان لا دم له فإن ميتته طاهرة، والدم الذي فيه ليس دمًا ذاتيًا.
وأما نجاسة الدم الذي فيه؛ فلأنه دم منقول من حيوان دمه نجس، فصار الدم نجسًا.
القول الثالث:
أن ذاته نجسة، ودمه نجس، ويعفى عنه في الثياب والبدن، ولو كان كثيرًا ما لم يكن بفعله، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢).
قال النووي: «وأما دم القمل والبراغيث والقراد والبق ونحوها مما ليس له نفس سائلة فنجسة عندنا كغيرها من الدماء، لكن يعفى عنها في الثوب والبدن للحاجة» (٣).
وقال أيضًا: «أما دم القمل والبراغيث والبق والقردان وغيرها مما لا نفس له سائلة فهو نجس عندنا .... واتفق أصحابنا على أنه يعفى عن قليله، وفي كثيره وجهان مشهوران أحدهما قاله الإصطخري لا يعفى عنه، وأصحهما باتفاق الأصحاب يعفى عنه» (٤).
стр. 2893
وجه القول بالعفو:
أما كون ذاته نجسة؛ فلأنه داخل في عموم الميتة.
وأما وجه العفو عن دمه، فلأن ذلك مما تعم به البلوى، ويشق الاحتراز منه، ولهذا فرقنا بين ما كان من فعله، فلا يعفى عن كثيره، وما كان من غير فعله فيعفى عنه مطلقًا.
ونوقش:
بأن تحريم الميتة كان من أسبابها انحباس الدم فيها،
ولذلك روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة،
عن جده أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مدى فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس الظفر والسن أما الظفر فمدى الحبشة وأما السن فعظم.
فقوله: (ما أنهر الدم)، دليل على أن انحباس الدم وعدم إنهاره مؤثر في حل الذبيحة.
وجاء في حديث ابن عباس في مسلم: إذا دبغ الإهاب فقد طهر (١).
فالإهاب حين كان متصلًا برطوبة النجاسة ودمها كان نجسًا، فإذا دبغ قطعت عنه هذه النجاسات، فأصبح طاهرًا، فما بالك بالحيوان الذي ليس فيه دم أصلًا.
وقد ذكر ابن تيمية أن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة، ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يكن فيه دم يحتبس فيه، فلا ينجس والذي يوضح هذا أكثر أن الله حرم علينا الدم المسفوح، قال : (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].
стр. 2894
وعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينهما إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، ثم قال: ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (١).
واعترض على هذا:
بأن الأنعام إذا قطعت من أوساطها وخرجت دماؤها أنها نجست بالموت مع انتفاء الدم.
ورد هذا الاعتراض:
بأن الشرع لم يسلطنا على الحيوان إلا بشرط انتفاعنا به وأن نسلك أقرب الطرق في ذلك وأقرب الطرق هو الذكاة في الموضع المخصوص فمن عدل عنه لم يرتب الشرع على فعله أثرا فسوى بين هذه الصورة وبين التي احتقنت فيها الفضلات زجرًا له (٢).
* * *
стр. 2895
المبحث الخامس في علقة الحيوان الطاهر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• علقة الحيوان الطاهر، إن حكمنا عليها بالنظر إلى أصلها فأصلها المني، وهو طاهر، قال تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) وإن حكمنا عليها بالنظر إلى حالها، فهي دم جامد أشبه بدم الكبد والطحال، ولا تشبه دم الحيض السائل.
• الأصل في الأعيان الطهارة، ولا ينجس منها شيء إلا بدليل.
[م-٥٠٩] اختلف العلماء في علقة الحيوان الطاهر:
فقيل: إنها نجسة، وهو مذهب الحنفية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
стр. 2896
وقيل بطهارتها، وهو وجه في مذهب الشافعية وصححه النووي (١)، واختاره بعض الحنابلة (٢).
• دليل من قال بالنجاسة:
القياس على دم الحيض، بجامع أن كلًا منهما دم خارج من الفرج.
• وأجيب:
بأن القياس على دم الحيض قياس مع الفارق، حيث إن الحيض يتعلق به أحكام من ترك الصلاة والصيام، بخلاف العلقة.
• دليل من قال بالطهارة:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل على نجاسة العلقة، والأصل في الأعيان الطهارة.
الدليل الثاني:
أن العلقة أصلها مني، وهو طاهر على الصحيح كما قدمنا.
وإن كان هذا الدليل يمكن مناقشته، بأن المني قد تحول إلى دم، فالعين الثانية صارت غير الأولى.
стр. 2897
الدليل الثالث:
العلقة وإن كانت دمًا، إلا أنها ليست دمًا مسفوحًا، فهي تشبه دم الكبد والطحال ونحوها، فتكون طاهرة.
وهذا القول هو الراجح بناءً على أن الأصل في الأعيان الطهارة.
* * *
стр. 2898
المبحث السادس في دم القلب واللحم والدم الباقي في العروق بعد الذبح من الحيوان المأكول
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• دم القلب واللحم والعروق دم ليس بحرام، وهل هو طاهر لمشقة التحرز، أو هو نجس عفي عنه؛ لأنه يسير؟ قولان.
• حرم الله الدم المسفوح، ودم القلب، واللحم والباقي في العروق، والمسك وفأرته، ليس مسفوحًا.
[م-٥١٠] اختلف العلماء في هذا الدم،
فقيل: طاهر، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣).
стр. 2899
وقيل: نجس، ولكنه معفو عنه، وهو مذهب الشافعية (١).
ولا فرق كبير بين القولين، سواءً قلنا: إنه طاهر أصلًا، أو قلنا: إنه نجس عفي عنه، لأن المحصلة النهائية أنه لا حكم له من حيث وجوب غسله.
• الدليل على طهارة دم العروق:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]، فنصت الآية على تحريم الدم المسفوح، وهذا غير مسفوح.
الدليل الثاني:
الإجماع، قال ابن تيمية: وقد ثبت أنهم يضعون اللحم بالقدر، فيبقى الدم في الماء مخلوطًا، وهذا لا أعلم بين العلماء خلافًا في العفو عنه (٢).
ومن قال بالعفو عنه، هل كان يرى العفو بسبب كونه دمًا يسيرًا، فلو كان كثيرًا فإنه لا يعفى عنه؟ أو كان يرى العفو لمشقة التحرز، فيكون طاهرًا سواءً كان الدم يسيرًا أم لا؟ محل تأمل.
قال ابن العربي: قال الإمام الحافظ: الصحيح أن الدم إذا كان مفردًا حرم منه
стр. 2900
كل شيء، وإن خالط اللحم جاز؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وإنما حرم الدم بالقصد إليه (١).
وقال في الجوهرة النيرة: «أما الذي يبقى في اللحم بعد الذكاة فهو طاهر، وعن أبي يوسف أنه معفو عنه في الأكل، ولو احمرت منه القدر، وليس بمعفو عنه في الثياب والأبدان؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه في الأكل، ويمكن في غيره» (٢).
والظاهر من التعليلات المذكورة ضمن كلام العلماء المنقول آنفًا: أن الدم المخالط لغيره من اللحم والعروق طاهر لمشقة التحرز منه، وبناء على ذلك يكون طاهرًا قليله وكثيره عند من أطلق، ولم يقيده بقليل ولا كثير كابن العربي ومن نحا نحوه، والله أعلم.
* * *
стр. 2901
المبحث السابع في دم الكبد والطحال
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• حرم الله الدم المسفوح، ودم الكبد والطحال، ليس مسفوحًا.
[م-٥١١] الكبد والطحال من الحيوان الطاهر طاهران بالإجماع، نقل الإجماع النووي وغيره (١).
وقال المرداوي: الكبد والطحال، وهما دمان، ولا خلاف في طهارتهما،
وقد اختلف العلماء في الدم المتحلب من الكبد والطحال.
فقيل: إنه دم طاهر، وإليه ذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤)، والشافعية في أحد الوجهين (٥).
стр. 2902
وقيل: إنه دم نجس، وإليه ذهب الشافعية في القول الراجح عندهم (١).
• دليل الجمهور:
ما رواه أحمد في مسنده من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد ابن أسلم،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال (٢).
[الراجح وقفه على ابن عمر، وقول الصحابي أحل لنا كذا في حكم المرفوع] (٣).
стр. 2903
وإذا كانت الكبد والطحال حلال الأكل، مع أنهما دمان، دل ذلك على طهارتهما؛ إذ لا يؤكل إلا ما كان طاهرًا، فكذلك ما تحلب منهما لا بد أن يكون طاهرًا.
الدليل الثاني:
أن المحرم هو الدم المسفوح، ودم الكبد والطحال ليس مسفوحًا، فيكون طاهرًا.
• دليل الشافعية على النجاسة:
أن الدم المتحلب من الكبد والطحال دم مسفوح، فحقه أن يكون نجسًا، لكن عفا عنه الشرع.
* * *
стр. 2904
المبحث الثامن في دم السمك
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل حيوان ميتته طاهرة، فدمه طاهر كالسمك والآدمي.
[م-٥١٢] اختلف القائلون بنجاسة الدم المسفوح، في حكم دم السمك،
فقيل: إنه طاهر، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وقول في مذهب
стр. 2905
المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: نجس، اختاره أبو يوسف من الحنفية (٣)، وهو قول في مذهب المالكية (٤)، والوجه المعتمد في مذهب الشافعية (٥)، واختيار ابن حزم (٦).
• دليل من قال بطهارته:
(١١٥١ - ١٢٢) حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال.
[سبق تخريجه والراجح وقفه، وله حكم الرفع] (٧).
وجه الاستدلال:
قال أبو بكر الجصاص: لما أباح السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه، وقد تلقى المسلمون هذا الخبر بالقبول في إباحة السمك من غير إراقة دمه، وجب تخصيص الآية (يعني: قوله تعالى: أو دمًا مسفوحًا) في إباحة دم السمك؛ إذ لو كان محظورًا لما حل دون إراقة دمه كالشاة وسائر الحيوان ذوات الدماء، والله أعلم (٨).
الدليل الثاني:
قالوا: إن دم السمك ليس بدم في الحقيقة، وذلك لأن الدم يسود إذا شمس،
стр. 2906
ودم السمك يَبْيَضَّ، ولأن طبع الدم حار، وطبع الماء بارد، فلو كان للسمك دم لم يدم سكونه في الماء (١).
• دليل من قال بنجاسته:
الدليل الأول:
قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) [المائدة: ٣]، وهذا عام في كل دم، ومنه دم السمك.
الدليل الثاني:
قالوا: إن دم السمك داخل في عموم قوله تعالى: (َوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].
الدليل الثالث:
من جهة القياس، أن دم السمك دم سائل، فوجب أن يكون نجسًا كسائر الدماء.
• وأجيب:
بأن الاستدلال بالعام أو المطلق غير صحيح؛ لأن الخاص مقدم على العام، وقد دل الدليل على جواز أكل ميتة السمك، مع أن الدم منحبس فيها، وقد أجاز الشافعية أكل السمك الميت، فكيف يكون الدم طاهرًا إذا كان محبوسًا في ميتته، ويكون نجسًا إذا خرج منها؟ فهذا دليل على ضعف قولهم.
* * *
стр. 2907
الفصل الرابع
في طهارة القيء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل قيء من الحيوان فإنه تبع لذاته طهارة ونجاسة، فما كان من حيوان طاهر كالإنسان، والحمار، والبغل، والهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس كالكلب، والخنزير ونحوهما فهو نجس؛ لاختلاطه بالنجاسة.
وقيل:
• القيء من الحيوان تبع لبوله، فإن كان بوله نجسًا كان نجسًا، وإن كان من حيوان بوله طاهر فهو طاهر.
[م-٥١٣] إذا خرج القيء إلى الفم، ففيه أقوال:
فقيل: نجس مطلقًا، تغير أو لم يتغير، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمعتمد عند
стр. 2908
الشافعية (١).
وعبر ابن حزم بالتحريم، بدلًا من النجاسة، فقال: القيء حرام يجب اجتنابه من كل مسلم وكافر (٢).
وقيل: طاهر مطلقًا، تغير أو لم يتغير، وهو قول الشوكاني (٣).
وقيل: إن خرج غير متغير فهو طاهر، وإن تغير ولو بحموضة فهو نجس، ولو لم يشبه أوصاف العذرة، وهذا اختيار الحسن من الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وقول في مذهب الشافعية (٦).
стр. 2909
وقيل: لا ينجس القيء إلا إذا أشبه أحد أوصاف العذرة، اختاره من المالكية
ابن رشد، والقاضي عياض (١).
وقيل: قيء ما يؤكل لحمه طاهر، وأما غيره فنجس مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (٢).
هذا مجمل الخلاف في مسألة القيء.
• دليل من قال بنجاسته مطلقًا:
الدليل الأول:
(١١٥٢ - ١٢٣) ما رواه أبو يعلى من طريق ثابت بن حماد أبي زيد، حدثنا علي ابن زيد، عن سعيد بن المسيب،
عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
الدليل الثاني:
أنه طعام مستخبث مستقذر لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه، فكان نجسًا كالبول.
• وأجيب:
بأن الاستقذار الشرعي دليل على النجاسة، ولا يوجد هنا، وأما استقذار الطبائع
стр. 2910
فلا يكفي للتنجيس، فإن الناس قد يستقذرون أشياء كثيرة، وهي طاهرة كالبصاق والنخامة ونحوهما.
الدليل الثاني:
قالوا: إن القيء ينقض الوضوء، وهذا دليل على نجاسته كالبول والغائط.
والدليل على أن فيه الوضوء،
(١١٥٣ - ١٢٤) ما رواه البيهقي في الخلافيات، من طريق سهل بن عفان السجزي، حدثنا الجارود بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : يعاد الوضوء من إقطار البول، والدم السائل، والقيء، ومن دسعة يملأ بها الفم، والنوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، ومن خروج الدم (١).
[ضعيف] (٢).
(١١٥٤ - ١٢٥) ومنها ما رواه الدارقطني من طريق سوار بن مصعب، عن زيد ابن علي، عن أبيه،
عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : القلس حدث (٣).
قال الدارقطني: سوار متروك، ولم يروه عن زيد غيره.
(١١٥٥ - ١٢٦) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا هشام، عن