ودم السمك يَبْيَضَّ، ولأن طبع الدم حار، وطبع الماء بارد، فلو كان للسمك دم لم يدم سكونه في الماء (١).
• دليل من قال بنجاسته:
الدليل الأول:
قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) [المائدة: ٣]، وهذا عام في كل دم، ومنه دم السمك.
الدليل الثاني:
قالوا: إن دم السمك داخل في عموم قوله تعالى: (َوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].
الدليل الثالث:
من جهة القياس، أن دم السمك دم سائل، فوجب أن يكون نجسًا كسائر الدماء.
• وأجيب:
بأن الاستدلال بالعام أو المطلق غير صحيح؛ لأن الخاص مقدم على العام، وقد دل الدليل على جواز أكل ميتة السمك، مع أن الدم منحبس فيها، وقد أجاز الشافعية أكل السمك الميت، فكيف يكون الدم طاهرًا إذا كان محبوسًا في ميتته، ويكون نجسًا إذا خرج منها؟ فهذا دليل على ضعف قولهم.
* * *
стр. 2907
الفصل الرابع
في طهارة القيء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل قيء من الحيوان فإنه تبع لذاته طهارة ونجاسة، فما كان من حيوان طاهر كالإنسان، والحمار، والبغل، والهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس كالكلب، والخنزير ونحوهما فهو نجس؛ لاختلاطه بالنجاسة.
وقيل:
• القيء من الحيوان تبع لبوله، فإن كان بوله نجسًا كان نجسًا، وإن كان من حيوان بوله طاهر فهو طاهر.
[م-٥١٣] إذا خرج القيء إلى الفم، ففيه أقوال:
فقيل: نجس مطلقًا، تغير أو لم يتغير، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمعتمد عند
стр. 2908
الشافعية (١).
وعبر ابن حزم بالتحريم، بدلًا من النجاسة، فقال: القيء حرام يجب اجتنابه من كل مسلم وكافر (٢).
وقيل: طاهر مطلقًا، تغير أو لم يتغير، وهو قول الشوكاني (٣).
وقيل: إن خرج غير متغير فهو طاهر، وإن تغير ولو بحموضة فهو نجس، ولو لم يشبه أوصاف العذرة، وهذا اختيار الحسن من الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وقول في مذهب الشافعية (٦).
стр. 2909
وقيل: لا ينجس القيء إلا إذا أشبه أحد أوصاف العذرة، اختاره من المالكية
ابن رشد، والقاضي عياض (١).
وقيل: قيء ما يؤكل لحمه طاهر، وأما غيره فنجس مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (٢).
هذا مجمل الخلاف في مسألة القيء.
• دليل من قال بنجاسته مطلقًا:
الدليل الأول:
(١١٥٢ - ١٢٣) ما رواه أبو يعلى من طريق ثابت بن حماد أبي زيد، حدثنا علي ابن زيد، عن سعيد بن المسيب،
عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
الدليل الثاني:
أنه طعام مستخبث مستقذر لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه، فكان نجسًا كالبول.
• وأجيب:
بأن الاستقذار الشرعي دليل على النجاسة، ولا يوجد هنا، وأما استقذار الطبائع
стр. 2910
فلا يكفي للتنجيس، فإن الناس قد يستقذرون أشياء كثيرة، وهي طاهرة كالبصاق والنخامة ونحوهما.
الدليل الثاني:
قالوا: إن القيء ينقض الوضوء، وهذا دليل على نجاسته كالبول والغائط.
والدليل على أن فيه الوضوء،
(١١٥٣ - ١٢٤) ما رواه البيهقي في الخلافيات، من طريق سهل بن عفان السجزي، حدثنا الجارود بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : يعاد الوضوء من إقطار البول، والدم السائل، والقيء، ومن دسعة يملأ بها الفم، والنوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، ومن خروج الدم (١).
[ضعيف] (٢).
(١١٥٤ - ١٢٥) ومنها ما رواه الدارقطني من طريق سوار بن مصعب، عن زيد ابن علي، عن أبيه،
عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : القلس حدث (٣).
قال الدارقطني: سوار متروك، ولم يروه عن زيد غيره.
(١١٥٥ - ١٢٦) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا هشام، عن
стр. 2911
يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن معدان أو معدان،
عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ ، قاء، فأفطر قال: فلقيت ثوبان في مسجد رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك فقال: أنا صببت لرسول الله ﷺ وضوءه.
[حسن، قال أحمد: جوده حسين المعلم] (١).
(١١٥٦ - ١٢٧) ومنها ما رواه ابن ماجه، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم (٢).
[ضعيف] (٣).
وهناك آثار عن بعض الصحابة في الوضوء من القيء والقلس ذكرناها في كتاب الوضوء، فارجع إليها إن شئت.
وجه الشاهد من هذه الأحاديث:
أن الخارج من البدن من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا إذا كان نجسًا، فحين توضأ من القيء، كان ذلك دليلًا على نجاسته.
• وأجيب:
بأن القيء مختلف في نقضه للوضوء، وقد سبق بيان القول الراجح فيه في كتاب الوضوء، وعلى التسليم بأنه ينقض الوضوء، فهل ثبت أنه لا ينقض الوضوء إلا الشيء النجس، فهذه الريح تنقض الوضوء إجماعًا، وهي طاهرة.
وأما الجواب عن حديث ثوبان، وقوله ﵁: أنا صببت عليه وضوءه،
стр. 2912
فمن وجهين:
الأول: أن الوضوء مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، أقصى ما يدل عليه الفعل إذا كان على وجه التعبد أن يكون ذلك مستحبًا، ولذلك لما تيمم الرسول ﷺ لرد السلام لم يقل أحد بوجوب التيمم لرد السلام.
الثاني: أن الوضوء قد يكون بعد القيء من أجل النظافة، وإزالة القذر الذي يبقى في الفم، أو في البدن وربما في الأنف، لا من أجل كون القيء ناقضًا للوضوء، فلا نستطيع أن نحكم على من تطهر بموجب الكتاب والسنة أن نحكم عليه بفساد عبادته إلا بدليل صريح على أن عبادته أصبحت باطلة، فما صح بموجب الكتاب والسنة لا يبطل إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له من الصحابة.
• دليل من قال بطهارته مطلقًا:
الدليل الأول:
الأصل في الأشياء الطهارة، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل شرعي صحيح، وحديث عمار لا تقوم به حجة، وهو ضعيف جدًّا، كما سبق بيانه عند تخريج الحديث.
الدليل الثاني:
أن هذا القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، فلو كان نجسًا لقامت الحاجة إلى بيانه بدليل صحيح صريح، لأننا نعلم أن كل حكم شرعي تحتاج إليه الأمة، ويكثر وقوعه وتكراره لا بد أن تأتي فيه الأدلة صحيحة صريحة بما تقوم به الحجة على الخلق، ويحفظ به الشرع عن رب العالمين، فلا يمكن أن يكون القيء نجسًا، وهو لا تكاد تسلم أم من التلوث به، ثم مع ذلك لا يأتي في نجاسته إلا حديث ضعيف جدًّا، فهذا مما يجعل الباحث يجزم بطهارته.
стр. 2913
• دليل من قال: ينجس إن تغير وإلا فطاهر:
اعتبر الطعام عينًا طاهرة تغير بنجاسة، وكل شيء طاهر تغير بشيء نجس، تنجس حكمًا، وإن لم يتغير وخرج على هيئة الطعام، فالطعام ما زال طاهرًا حيث لم يتغير بالنجاسة.
• ويجاب عنه:
بأن تغير الطعام إنما هو بسائل المعدة، والتي تسهله للهضم، وهذا السائل ليس بنجس حتى يحكم عليه بالنجاسة إذا غير أوصاف الطعام، فالصحيح أن الطعام طاهر، تغير بشيء طاهر، فلا يخرجه عن حكمه.
• دليل من قال: ينجس إن أشبه العذرة وإلا فطاهر:
هذا القول يختلف عن القول الذي قبله، لأن القول الذي قبله يرى أن الطعام طاهر تغير بنجس فتنجس.
وهذا القول يعتبر الطعام نفسه نجسًا، لأنه استحال إلى ما يشبه العذرة، والاستحالة لها حكمها، فكما أن الخبيث إذا استحال إلى طاهر أصبح طاهرًا كما في الخمرة تتحول إلى خل، فكذلك الطيب إذا استحال إلى خبيث أخذ حكم الخبيث، كالطعام يتحول إلى عذرة.
• دليل من قال: ينجس إن كان من حيوان لا يؤكل لحمه:
رأى أن القيء من الحيوان المأكول لا يمكن أن يكون أخبث من بوله، فإذا كان من حيوان بوله طاهر، كان طاهرًا، وإن كان من حيوان ذاته نجس، أُعْطِي حكم بول هذا الحيوان.
• الراجح:
الذي أطمئن له أن قيء الحيوان ليس تبعًا لبوله، وإنما هو تبع لذاته، فإن كان من حيوان طاهر كالإنسان والحمار والبغل والهر فهو طاهر، وإن كان من حيوان نجس
стр. 2914
كالكلب، والخنزير ونحوهما فهو نجس؛ لاختلاطه بالنجاسة، فإن ريق الكلب نجس، فما بالك بسائل معدته، وبناء على ذلك يكون القول بنجاسة القيء مطلقًا قول ضعيف، وذلك لعدم الدليل المعتمد على نجاسته، فيبقى طاهرًا على الأصل، والله أعلم.
* * *
стр. 2915
الفصل الخامس
في طهارة القلس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل قلس من الحيوان فإنه تبع لذاته طهارة ونجاسة، فما كان من حيوان طاهر كالإنسان، والحمار، والبغل، والهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس كالكلب، والخنزير ونحوهما فهو نجس؛ لاختلاطه بالنجاسة.
وقيل:
• القلس من الحيوان تبع لبوله، فإن كان بوله نجسًا كان نجسًا، وإن كان من حيوان بوله طاهر فهو طاهر.
[م-٥١٤] اختلف العلماء في القلس، هل هو طاهر أم نجس.
فقيل: إن القلس نجس، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
стр. 2916
وقيل: القلس حكمه حكم القيء في التفصيل، وهذا مذهب المالكية (١).
وقيل: القلس طاهر مطلقًا، اختاره ابن رشد من المالكية (٢).
وقيل: القلس تبع لذات صاحبه، فإن كان من حيوان طاهر، فهو طاهر، وإن كان من نجس، فهو نجس، وهذا اختيار ابن حزم (٣).
والأدلة في القلس هي الأدلة نفسها المذكورة في حكم القيء سواءً بسواءٍ، فارجع إليها إن شئت.
وما رجح هناك فهو الراجح هنا، وهو أن القلس من الحيوان الطاهر طاهر، ومن الحيوان النجس نجس تبعًا لذاته، وللأدلة والتعليلات ذاتها؛ لأن القلس قيء أو فرع عنه، وبالتالي فإنه يأخذ حكمه تمامًا، والله أعلم.
* * *
стр. 2917
الفصل السادس
في طهارة رطوبة الفرج
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الأشياء الطهارة.
• كل حيوان بوله طاهر، فرطوبة فرجه طاهرة من باب أولى.
• كل حيوان نجس الذات فرطوبة فرجه نجسة؛ لاختلاطها بالنجاسة.
• بقي النظر في الحيوان الطاهر إذا كان بوله نجسًا، فهل يقال: رطوبة الفرج تبع لذاته، وذاته طاهرة، أو يقال: رطوبة الفرج تبع لبوله، وبوله نجس، فهي نجسة، والصحيح الأول؛ لأن ذلك هو الأصل حتى يقوم دليل على النجاسة.
• لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة، لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته، وكونها تفرك المني بعد تلوثها برطوبة فرج المرأة دليل على طهارتها.
[م-٥١٥] اختلف العلماء في رطوبة فرج الحيوان:
فإن كانت رطوبة الفرج من حيوان نجس، فهي نجسة تبعًا لذات الحيوان.
وإن كانت رطوبة الفرج من حيوان طاهر، فهي قسمان:
стр. 2918
أن تكون الرطوبة من ظاهر الفرج، فهي طاهرة.
وقد نقل الإجماع على طهارتها ابن عابدين في حاشيته، فقال: وأما رطوبة الفرج الخارج، فطاهرة اتفاقًا (١).
وقال أيضًا: «مطلب في رطوبة الفرج، قوله: (الفرج): أي الداخل، أما الخارج فرطوبته طاهرة اتفاقًا (٢).
ولأن رطوبة الفرج الظاهرة بمنزلة رطوبة الأنف والفم والعرق الخارج من البدن.
وإن كانت من باطن الفرج ففيها خلاف بين أهل العلم،
فقيل: إن رطوبة الفرج طاهرة، وهو مذهب أبي حنيفة (٣)، وقول في مذهب الشافعية، رجحه النووي وغيره (٤)،
والمشهور من مذهب الحنابلة (٥)، رحجه
ابن قدامة (٦).
وقيل: إن رطوبة الفرج نجسة، اختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية (٧)، وقول
стр. 2919
في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: إن رطوبة الفرج إن كانت من مباح الأكل فطاهرة، وإن كانت من غيره كالآدمي فنجسة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣).
وقيل: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس، وإلا فطاهر، اختاره القاضي من الحنابلة (٤).
• دليل من قال بطهارة رطوبة الفرج:
الدليل الأول:
عدم الدليل المقتضي للنجاسة، والأصل في الأشياء الطهارة، ولو كانت رطوبة الفرج نجسة لنقل إلينا تحرز الرسول ﷺ من إصابة الرطوبة لثيابه، ولنقل إلينا غسله ما أصابه منها، ولجاء الأمر من النبي ﷺ لأمته بالتحرز منها، والتطهر منها إذا لحق الثوب شيء من ذلك، فلما لم يأت شيء من هذا علم أن الرطوبة طاهرة.
الدليل الثاني:
قال ابن مفلح الصغير: كانت عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ، وإنما
стр. 2920
كان من جماع؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون (١)، وهو يصيب الرطوبة، ولأنه لو حكمنا بنجاستها لحكمنا بنجاسة منيها؛ لكونه يلاقي رطوبته بخروجه منه» (٢).
وقال ابن قدامة: لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته (٣).
الدليل الثالث:
القول بنجاسة رطوبة فرج المرأة فيه حرج شديد، لأن في التحرز منه مشقة كبيرة، أكثر من المشقة في التحرز من ولوغ الهرة ونحوها، فلو كانت الرطوبة نجسة العين لخفف ذلك من أجل المشقة، فكيف والأدلة على نجاستها ليست صريحة في الباب.
• دليل من قال: رطوبة الفرج نجسة:
الدليل الأول:
(١١٥٧ - ١٢٨) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب،
قال أخبرني: أبي بن كعب، أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل. قال: يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي. ورواه مسلم بنحوه (٤).
قال ابن حجر:
قوله: «(يغسل ما مس المرأة منه) أي يغسل الرجل العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها» (٥).
стр. 2921
الدليل الثاني:
(١١٥٨ - ١٢٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد أخبره،
أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ قلت: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره.
قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك عليًا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك (١).
وجه الاستدلال:
قال النووي: هذان الحديثان (يعني: حديث أبي بن كعب وعثمان) في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل. وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ، وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج.
• واعترض على هذا التوجيه بجوابين:
الأول: قالوا: إن غسل الذكر من الجماع مستحب، وليس بواجب.
الثاني: قالوا: إن الوضوء، وغسل الذكر عند الإكسال منسوخان بأحاديث إيجاب الغسل (٢)، فالحكم الشرعي الأول في أول الإسلام كان في الإيلاج واجبان: الوضوء، وغسل الذكر.
والحكم المتأخر: هو إيحاب غسل البدن، فنسخ الحكم الأول برمته، واستقر الحكم الثاني.
والحقيقة أن كلام النووي عندي أقوى، وعند التأمل ليس فيه نسخ للحكم
стр. 2922
الأول، بل زيادة عليه.
فمن وجب عليه غسل بدنه كله فقد غسل في ذلك ذكره ضمنًا من باب أولى، فلم ينسخ الحكم بغسل العضو.
ومن وجب عليه الغسل دخل في ذلك الوضوء، فالوضوء وغسل الذكر دخلا تبعًا لوجوب الغسل.
لكن لفظ مسلم (يغسل ما أصابه من المرأة) ولفظ البخاري (يغسل ما مس المرأةَ منه).
فالمغسول في اللفظ الأول يختلف عن المغسول في اللفظ الثاني، فالمغسول في قوله: (يغسل ما أصابه من المرأة) هو رطوبة فرج المرأة، سواءً على العضو أو على البدن أو عليهما.
والمغسول في لفظ البخاري (يغسل ما مس المرأة منه) هو ذكره؛ لأنه هو الذي مس المرأة منه.
فإن أخذنا بلفظ البخاري، وهو غسل الذكر فلم ينسخ؛ لأنه داخل في وجوب غسل البدن.
وإن أخذنا لفظ مسلم (يغسل ما أصابه من المرأة) فهل نسخ هذا الحكم أم لا؟ الأولى والله أعلم حمل لفظ مسلم على لفظ البخاري، وأن المقصود من اللفظين غسل الذكر، لا سيما أنه ورد في الصحيحين اللفظ الصريح في ذلك، قال: (في الرجل يأتي أهله ثم لا ينزل، قال: يغسل ذكره ويتوضأ).
الدليل الثالث:
أن هذه الرطوبة في الفرج، ولا يخلق منها الولد، فأشبهت المذي (١).
стр. 2923
• وأجيب:
بأنه ليس كل شيء في الفرج لا يخلق منه الولد فهو يشبه المذي، لأن الفرج يطلق على القبل والدبر كما هو معلوم، ومع ذلك هذه الريح في الفرج، ولا يخلق منها الولد، وهي طاهرة.
الدليل الرابع:
قالوا: إنه عرق متولد من مكان النجاسة (١).
• اعترض عليه:
بأننا لا نسلم أن فرجها نجس؛ لأنه لو كان نجسا لحكمنا بنجاسة منيها لخروجه من الفرج.
• دليل من قال بطهارتها إن كانت من مباحة الأكل:
قاس رطوبة فرجها على بولها، فإذا كان بول ما يؤكل لحمه طاهرًا -كما قدمنا في مسألة مستقلة- فرطوبة فرجها تأخذ حكمه، إلا المتغذي على النجاسة فهو في حكم الجلالة عنده، والجلالة بولها نجس عندهم، وقد نوقشت في مسألة مستقلة، أو كان ذلك بعد الحيض، فإنه يتنجس بدم الحيض.
• دليل من قال: ما أصاب منه في حال الجماع فنجس:
لأن حال الجماع مظنة تلوثه بالمذي، فيتنجس لمخالطته النجاسة.
والراجح: القول بالطهارة من الحيوان الطاهر، لأنه بمنزلة العرق، خاصة من الإنسان ومن الحيوان حلال الأكل، أما الأول فلعدم الدليل المقتضي للنجاسة كما قدمنا، وأما الثاني فلأن بوله طاهر على الصحيح، فكذلك رطوبة فرجه من باب أولى، ولأن من قال بالنجاسة ليس له دليل يعتمد عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2924
الفصل السابع في اللبن
المبحث الأول في طهارة لبن الآدمي الحي
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لبن الحيوان تبع لذاته طهارة ونجاسة.
• كل الفضلات المتولدة من أصل طاهر فحكمها حكم أصلها، كالمني، والبيض، واللبن، والعرق.
[م-٥١٦] إن كان لبن المرأة من امرأة مسلمة حال الحياة فهو طاهر بالإجماع، لأن ما جاز تناوله كان ذلك دليلًا على طهارته.
وإن كان من امرأة كافرة كان الخلاف فيه مبنيًا على طهارة الكافر، فمن رأى أن الكافر طاهر، كان لبن المرأة الكافرة طاهرًا، ومن رأى أنه نجس، كان لبن المرأة نجسًا، تبعًا لعينه كرأي ابن حزم (١)، وقد تقدم الخلاف في عين الكافر، هل هو طاهر أم نجس؟ ورجحنا طهارة عينه، وأن نجاسته نجاسة معنوية.
стр. 2925
المبحث الثاني في طهارة لبن الآدمي الميت
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل ما كان مباحًا أخذه من الحيوان، وهو حي، لا ينجس بالموت، كاللبن والإنفحة، والشعر، والصوف والوبر، عكسه اللحم والشحم.
[م-٥١٧] اختلف العلماء في لبن المرأة الميتة،
فقيل: إنه نجس، وهو قول في مذهب المالكية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: لبنها طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٣)، والمذهب عند الشافعية (٤).
стр. 2926
وسوف تأتي أدلة هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب أحكام الميتة (١).
• دليل من قال: إن لبن المرأة الميتة نجس:
هذا القول مبني على قول ضعيف، وهو أن الآدمي ينجس بالموت، وإذا نجس الظرف تنجس المظروف، وإذا لم تصح المقدمة لم تصح النتيجة، فالصحيح أن الآدمي طاهر حيًا وميتًا، وهي مسألة خلافية، سبق بحثها ورجحت طهارة الآدمي الميت مطلقًا مسلمًا كان أو كافرًا فارجع إليها إن شئت، وعلى فرض التسليم بنجاسة الميت فإن اللبن لا تدخله الحياة، فلا يحله الموت، ونجاسة الظرف لا تعني نجاسة اللبن حتى يتغير بالنجاسة، والله أعلم.
* * *
стр. 2927
المبحث الثالث في لبن البهيمة المأكولة حال الحياة أو بعد التذكية الشرعية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لبن الحيوان تبع لذاته طهارة ونجاسة.
وقيل:
• لبن الحيوان تبع للحمه إلا الآدمي فإنه طاهر، ولحمه حرام؛ لأن تحريمه لحرمته لا لنجاسته.
[م-٥١٨] لا خلاف بين العلماء في طهارة لبنها.
قال النووي: «الألبان أربعة أقسام: أحدها: لبن مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم والخيل والظباء وغيرها من الصيود وغيرها، وهذا طاهر بنص القرآن والأحاديث الصحيحة والإجماع» (١).
فأما القرآن فلقوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦].
стр. 2928
قال الكاساني: «خرجت الآية مخرج الامتنان، والمنة في موضع النعمة تدل على الطهارة» (١).
(١١٥٩ - ١٣٠) وقد روى البخاري، من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال ابن المسيب:
قال أبو هريرة: أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن. قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك (٢).
قال الشيرازي: «إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شيء من أجزائه، ويجوز الانتفاع بجلده وشعره وعظمه ما لم يكن عليها نجاسة؛ لأنه جزء طاهر من حيوان طاهر مأكول، فجاز الانتفاع به بعد الذكاة كاللحم».
قال النووي في شرح هذه العبارة: «هذا الذي ذكره متفق عليه، وقوله: (من حيوان مأكول) احتراز من أجزاء غير المأكول، فإنه لا يجوز الانتفاع بها بمجرد الذكاة» (٣).
قلت: ومن ذلك اللبن، فإنه طاهر بعد التذكية، كما أنه طاهر قبلها. والله أعلم.
* * *
стр. 2929
المبحث الرابع في لبن الميتة إذا كانت من حيوان مأكول
• مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
كل ما يؤخذ من البهيمة مما لا تحله الحياة الحيوانية لم ينجس بالموت، كاللبن، والشعر، والريش، والوبر.
• كل ما كان مباحًا أخذه من الحيوان، وهو حي، لا ينجس بالموت، كاللبن والإنفحة، والشعر، والصوف والوبر، عكسه اللحم والشحم.
[م-٥١٩] اختلف أهل العلم في لبن الميتة إذا كان من حيوان مأكول:
فقيل: إنه طاهر، وهذا قول أبي حنيفة (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، واختيار داود الظاهري (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤).
стр. 2930
وقيل: نجس، اختاره أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
• دليل من قال بالطهارة:
الدليل الأول:
قال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦].
وجه الاستدلال:
فالآية عامة في سائر الألبان، ومن قيده في حال الحياة فعليه الدليل.
• ويناقش:
بأن الامتنان إنما هو في شرب ألبان الأنعام في حال الحياة، وهو المعروف عند الناس لا في الصور النادرة والتي قد لا يحتاج إليها.
الدليل الثاني:
قالوا: اللبن لا يجوز أن يلحقه حكم الموت؛ لأنه لا حياة فيه. ويدل عليه أنه يؤخذ منها وهي حية فيؤكل، فلو كان مما يلحقه حكم الموت لم يحل إلا بذكاة الأصل، كسائر أعضاء الشاة.
стр. 2931
وهذا معنى قول السرخسي: «لو كان اللبن يتنجس بالموت لتنجس بالحلب أيضا (يعني: ولو كان من بهيمة حية) فإن ما أبين من الحي ميت، فإذا جاز أن يحلب اللبن، فيشرب عرفنا أنه لا حياة فيه، فلا يتنجس بالموت، ولا بنجاسة وعائه؛ لأنه في معدنه، ولا يعطى الشيء في معدنه حكم النجاسة» (١).
وسبق لي بحث (حكم ما أبين من الحيوان، وهو حي).
الدليل الثالث:
قياس لبن الميتة على أنفحتها، فإذا كانت الأنفحة طاهرة، وهي مأخوذة من وعاء نجس، فكذلك اللبن طاهر، ولو أخذ من وعاء نجس.
قال ابن تيمية: «الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر؛ فإنه من نقل بعض الحجازيين، وفيه نظر، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا؛ فإن المجوس كانوا ببلادهم، ولم يكونوا بأرض الحجاز» (٢).
وفي طهارة الأنفحة خلاف، وسوف تناقش الآثار الواردة في طهارة الأنفحة في فصل مستقل - إن شاء الله تعالى - فانظره في بابه.
• دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣].
وهذا عام في جميع أجزاء الميتة، ومنه لبنها.
• وأجيب:
بأن اللبن ليس جزءًا من الميتة، وقد تبين أنه إذا انفصل عنها في حال الحياة جاز
стр. 2932
شربه إجماعًا، ولو كان جزءًا منها لأعطي حكم ميتته، ثم إن أجزاء الميتة ليست على درجة واحدة، فمنه الشعر والوبر والصوف، فهذا طاهر على الصحيح.
ومنه الجلد، فهذا يطهر بالدباغ.
ومنه اللحم فهذا محرم الأكل، وحكي الإجماع على نجاسته.
الدليل الثاني:
أنه لبن طاهر في ذاته، ولكنه تنجس لنجاسة الوعاء، فهو بمنزلة لبن طاهر صب في قصعة نجسة.
قال ابن تيمية: واللبن والإنفحة لم يموتا، وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء نجس، فالتنجس مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجسًا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسًا (١).
• وأجيب:
قال أبو بكر الجصاص: إن قيل: ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس وبين ما إذا كان في ضرع الميتة؟
قيل: الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ما جاوره بما حدث فيه خلقة. والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل لذلك، فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه.
ودليل آخر، وهو قوله: (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦]، فهذا إخبار بخروجه من بين فرث ودم، وهما نجسان مع الحكم بطهارته، ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه؛ لأنه موضع الخلقة، كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب
стр. 2933
تنجيسه» (١).
وقال مثله ابن تيمية، قال: هذا القول مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاء نجسًا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسًا.
فيقال: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته، لا على نجاسته.
ويقال ثانيًا: إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها، كما في قوله : (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) [النحل: ٦٦]، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه (٢).
الراجح والله أعلم: القول بالطهارة، لكن إن كان فيه أدنى تغير من طعم أو لون أو رائحة خبيثة، فهو نجس، وإن كان باقيًا على خلقته فهو طاهر، وإن قال الأطباء إن مثله يضر بالصحة لتلوثه بالميكروبات والجراثيم حرم تناوله ولو حكمنا بطهارته، لأجل الضرر، لا لأجل تنجيسه، والله أعلم.
* * *
стр. 2934
المبحث الخامس في لبن الحيوان غير المأكول حيًّا وميتًا
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لبن الحيوان تبع لذاته طهارة ونجاسة.
وقيل:
• لبن الحيوان تبع للحمه إلا الآدمي فإنه طاهر، ولحمه حرام؛ لأن تحريمه لحرمته لا لنجاسته.
[م-٥٢٠] اختلف العلماء في لبن الحيوان غير المأكول، سواءً كان في حياته، أو بعد موته على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أنه طاهر مطلقًا حيًا وميتًا، وإن حرم شربه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره محمد بن الحسن (١).
جاء في فتح القدير: «وفي المحيط: ولبن الأتان نجس في ظاهر الرواية. وعن محمد
стр. 2935
أنه طاهر، ولا يؤكل ... وفي فتاوى قاضي خان: وفي طهارة لبن الأتان روايتان» (١).
• وجه القول بالطهارة:
أما طهارة اللبن من الحيوان الحي غير المأكول، فلأن الحيوان طاهر، فاللبن المنفصل من الحيوان طاهر أيضًا.
ولأن اللبن ليس جزءًا من الحيوان، ولو كان جزءًا من الحيوان لكان اللبن المنفصل من الحيوان المأكول له حكم ميتته؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته.
وأما طهارة اللبن من الحيوان غير المأكول، وهو ميت، فلأن اللبن لا تحله الحياة، فلا ينجس بالموت، فإذا كان اللبن قبل الموت طاهرًا كان بعد الموت كذلك، وتحريم تناوله لا يعني نجاسته.
القول الثاني:
أنه نجس مطلقًا، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية، ومذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن حزم (٢).
قال في المحيط البرهاني: «ولبن الأتان نجس في ظاهر الرواية» (٣).
قال الخرشي: «لبن غير الآدمي تابع للحمه، فإن كان الحيوان مباح الأكل فلبنه طاهر .... وإن كان محرم الأكل فلبنه نجس» (٤).
стр. 2936
وإذا كان نجسًا من الحيوان الحي، كان نجسًا من الحيوان الميت.
وقال ابن قدامة: «حكم الألبان حكم اللحمان» (١).
وقال ابن حزم: «وكل ما حرم أكل لحمه فحرام بيعه ولبنه؛ لأنه بعضه، ومنسوب إليه، وبالله تعالى التوفيق، إلا ألبان النساء فهي حلال» (٢).
واستدل أصحاب هذا القول:
بأن اللبن تبع للحم، وليس تبعًا لذات الحيوان، فإذا كان لحمه نجسًا كان لبنه نجسًا.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن هناك فرقًا بين اللحم وبين اللبن، فاللحم إذا انفصل من الحيوان كان له حكم ميتته، فلو قطعت ألية الحيوان المأكول، وهو حي كانت الألية لها حكم الميتة في الطهارة والنجاسة، وفي حل الأكل، بخلاف اللبن فإنه ينفصل من الحيوان المأكول، ولا يعطى حكم ميتته، بل يكون حلالًا، فدل على أن الشريعة فرقت بين حكم اللبن وحكم اللحم.
الوجه الثاني:
أن لحم الميتة نجس بالإجماع، ولو كان من حيوان مأكول، وأما لبن الميتة إذا كان من حيوان مأكول فالصحيح طهارته قياسًا على أنفحتها، ففارق اللبن اللحم.
قال ابن تيمية: «الصحابة لما فتحوا العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر؛ فإنه من نقل بعض الحجازيين، وفيه نظر، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا؛ فإن المجوس كانوا ببلادهم،
стр. 2937
ولم يكونوا بأرض الحجاز» (١).
فإذا لم يعط حكم لبن الميتة حكم لحمها في الحيوان المأكول، لم يعط حكم اللبن حكم اللحم في الحيوان غير المأكول.
القول الثالث:
أن اللبن تبع لذات الحيوان، وليس تبعًا للحمه، فما كان من حيوان طاهر في الحياة والممات كالآدمي، كان طاهرًا فيهما، وما كان من حيوان نجس في الحياة والممات كالكلب والخنزير كان نجسًا فيهما، وإن كان من حيوان طاهر في الحياة فقط، كان اللبن طاهرًا من الحي، نجسًا من الميت. وهذا وجه في مذهب الشافعية (٢).
واستدل أصحاب هذا القول:
قياس اللبن على سؤر الحيوان، فالحيوان الطاهر سؤره طاهر، فكذا لبنه وعرقه، وأما الحيوان النجس فإن سؤره نجس فكذا لبنه.
فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله،
عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة، وما ينوبه من السباع، والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (٣).
[صحيح إن شاء الله، وسبق تخريجه] (٤).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ قضى بهذا الحديث الصحيح أن الماء الكثير لا يتأثر بسؤر السباع
стр. 2938
والدواب، ومفهومه أن الماء القليل قد يتأثر بسؤر السباع والدواب، وإذا كان هذا في سؤرها: أي بقية شرابها، فاللبن مقيس عليه.
وقد روى مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:
أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ علل طهارة الهرة بأنها من الطوافين علينا، فعلم أن المقتضي لنجاستها قائم، لكن عارضه مشقة التحرز منها، فطهرت لذلك دفعًا للحرج، ومعنى ذلك أن الهرة لو لم تكن طوافة علينا لكان سؤرها نجسًا، وإذا كان هذا في سؤرها فاللبن مقيس عليه.
ولعل هذا القول هو أقرب الأقوال، فاللبن تبع للذات، وليس تبعًا للحم.
* * *
стр. 2939
الفصل الثامن
في طهارة إنفحة الميتة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إنفحة الميتة لا تحلها الحياة، فلا تنجس بالموت، فليست جزءًا من الميتة.
• الإنفحة سائل في وعاء نجس، فهو طهور ما لم يتغير.
[م-٥٢١] اختلف العلماء في إنفحة الميتة إذا أخذت من حيوان رضيع،
فقيل: إنها طاهرة، وهو مذهب أبي حنيفة (١)، ورواية في مذهب الحنابلة (٢)، رجحها ابن تيمية (٣).
وقيل: إنها نجسة، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والمشهور من مذهب
стр. 2940
الحنابلة (١).
وقيل: إن كانت جامدة فلا بأس، وإن كانت مائعة فإنها مكروهة، وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢).
• دليل من قال بالطهارة:
الدليل الأول:
كل دليل ساقه الفقهاء على طهارة لبن الميتة فإنه دليل على هذه المسألة، إذ لا فرق بينهما، فكما أن لبن الميتة سائل في وعاء نجس، فكذا الأنفحة.
الدليل الثاني:
(١١٦٠ - ١٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شرحبيل، قال:
ذكرنا الجبن عند عمر فقلنا: إنه يصنع فيه أنافيح الميتة، فقال: سموا عليه، وكلوه.
[وهذا سند في غاية الصحة] (٣).
الدليل الثالث:
(١١٦١ - ١٣٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضيل بن دكين، عن عمرو ابن عثمان،
عن موسى بن طلحة. قال: سمعته يذكر أن طلحة كان يضع السكين ويذكر
стр. 2941
اسم الله، ويقطع، ويأكل (١).
[صحيح].
الدليل الرابع:
(١١٦٢ - ١٣٣) ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جحش، عن معاوية بن قرة،
عن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن فقال: لا بأس به ضع السكين واذكر اسم الله وكل (٢).
[ضعيف] (٣).
الدليل الخامس:
(١١٦٣ - ١٣٤) روى الترمذي، قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان،
عن سلمان، قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه (٤).
[ضعيف مرفوعًا، والمعروف أنه موقوف على سلمان] (٥).
وكونه موقوفًا، لا يعني أنه لا يستدل به. فهذا عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والحسن بن علي، وسلمان كلهم يرون طهارة الأنفحة، فإذا لم نجد في السنة المرفوعة حكمًا فإنا لا نتجاوز ما اختاره الصحابة ﵃، فسبيلهم سبيل المؤمنين.
قال ابن تيمية في الفتاوى: ويدل لذلك أن سلمان الفارسي كان هو نائب عمر ابن الخطاب على المدائن، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام. وقد ثبت عنه أنه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه» (١). اهـ
стр. 2945
الدليل السادس:
(١١٦٤ - ١٣٥) روى أبو داود، قال: حدثنا يحيى بن موسى البلخي، قال: ثنا إبراهيم بن عيينة، عن عمرو بن منصور، عن الشعبي، عن ابن عمر قال: أتى النبي ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكين، فسمى وقطع (١).
[انفرد إبراهيم بن عيينة بوصله، والراجح فيه الإرسال] (٢).