اسم الله، ويقطع، ويأكل (١).
[صحيح].
الدليل الرابع:
(١١٦٢ - ١٣٣) ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جحش، عن معاوية بن قرة،
عن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن فقال: لا بأس به ضع السكين واذكر اسم الله وكل (٢).
[ضعيف] (٣).
الدليل الخامس:
(١١٦٣ - ١٣٤) روى الترمذي، قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان،
عن سلمان، قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه (٤).
[ضعيف مرفوعًا، والمعروف أنه موقوف على سلمان] (٥).
وكونه موقوفًا، لا يعني أنه لا يستدل به. فهذا عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والحسن بن علي، وسلمان كلهم يرون طهارة الأنفحة، فإذا لم نجد في السنة المرفوعة حكمًا فإنا لا نتجاوز ما اختاره الصحابة ﵃، فسبيلهم سبيل المؤمنين.
قال ابن تيمية في الفتاوى: ويدل لذلك أن سلمان الفارسي كان هو نائب عمر ابن الخطاب على المدائن، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام. وقد ثبت عنه أنه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه» (١). اهـ
стр. 2945
الدليل السادس:
(١١٦٤ - ١٣٥) روى أبو داود، قال: حدثنا يحيى بن موسى البلخي، قال: ثنا إبراهيم بن عيينة، عن عمرو بن منصور، عن الشعبي، عن ابن عمر قال: أتى النبي ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكين، فسمى وقطع (١).
[انفرد إبراهيم بن عيينة بوصله، والراجح فيه الإرسال] (٢).
стр. 2946
الدليل السابع:
(١١٦٥ - ١٣٦) روى علي بن الجعد في مسنده، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت امرأة يقال لها: تملك،
تحدث عن أم سلمة، أنها سئلت عنه -يعني الجبن- فقالت: كلوا، واذكروا اسم الله عليه (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثامن:
(١١٦٦ - ١٣٧) ما رواه البيهقي من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه،
عن أبي بكر بن المنكدر، قال: سألت امرأة منا عائشة عن أكل الجبن، فقالت عائشة: إن لم تأكليه، فأعطنيه آكل (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 2947
• دليل من قال بالنجاسة:
الدليل الأول:
كل دليل ساقوه على نجاسة لبن الميتة فإنهم يسوقونه دليلًا هنا، بجامع أن كلًا منهما سائل في وعاء نجس، فيتنجس به، أو لأن الله حرم الميتة، وهذا منها، وقد سبق الجواب عن ذلك في الحديث عن حكم لبن الميتة.
الدليل الثاني:
(١١٦٧ - ١٣٨) ما رواه البيهقي من طريق سفيان الثوري، حدثني إبراهيم العقيلي، حدثني عمي ثور بن قدامة، قال:
جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ أن لا تأكلوا من الجبن إلا ما صنع أهل الكتاب (١).
[إسناده فيه لين، وقد ثبت عن عمر خلافه بسند صحيح] (٢).
стр. 2948
الدليل الثالث:
(١١٦٨ - ١٣٩) ما رواه البيهقي من طريق شعبة وسفيان، عن منصور، عن عبيد بن أبي الجعد، عن قيس بن سكن، قال:
قال عبد الله هو ابن مسعود ﵁: كلوا الجبن ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب (١).
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٢).
стр. 2949
الدليل الرابع:
(١١٦٩ - ١٤٠) ما رواه البيهقي من طريق علي بن عباس، حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة،
عن علي البارقي، أنه سأل ابن عمر عن الجبن، فقال: كل ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب (١).
[حسن] (٢).
وكون ابن عمر وابن مسعود ﵃ لا يأكلون إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب ذلك لأن السخال والعجول تذبح لتؤخذ منها الإنفحة التي يصلح بها الجبن، فإذا كانت من ذبائح أهل الأوثان أو المجوس لم تحل ذبيحتهم، فكان الصحابيان ﵄ لا يريان طهارة الإنفحة من الميتة إذا جاءت من قبل أناس لا تحل ذبيحتهم.
стр. 2950
الدليل الخامس:
(١١٧٠ - ١٤١) ما رواه البيهقي من طريق أبان بن أبي عياش،
عن أنس، قال: كنا نأكل الجبن على عهد رسول الله ﷺ وبعده لا نسأل عنه، وكان أنس لا يأكل إلا ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
• دليل من فرق بين الجامد والمائع:
لعلهم رأوا أن المائع قد يتأثر بمخالطته النجاسة، التي هي كرش الميتة، بخلاف الجامد فإن النجاسة لا تمازجه، وبالتالي يحافظ على طهارته، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف.
كما رجحنا طهارة لبن الميتة، فإننا نرجح هنا طهارة الإنفحة للسبب نفسه، ويكفي أن الحل هو قول عامة الصحابة، وقد ضعف ابن تيمية ما نقل عن بعض الصحابة من التحريم، وقال: والأظهر أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهر؛ وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز (٣).
وحتى على القول بنجاسة الإنفحة، فإنها مستهلكة في الجبن، ولا يظهر لها طعم أو لون أو رائحة، فإن الكمية اليسيرة من الإنفحة تستخدم في كميات كبيرة من الجبن، والشيء إذا استهلك في الأعيان الطاهرة، ولم يظهر له أثر من طعم أو لون أو رائحة لم يكن له حكم، ولو خالط الأعيان الطاهرة، والله أعلم.
* * *
стр. 2951
الفصل التاسع
في القيح والصديد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الأشياء الطهارة.
• القيح والصديد تبع للذات نجاسة وطهارة.
• خبث الرائحة لا يعني النجاسة، فالطعام واللحم قد يلحقه نتن وفساد مع طهارته.
[م-٥٢٢] القيح والصديد نجس إذا كان من حيوان نجس في الحياة، أو كان نجسًا ميتًا، وخرجت منه في هذه الحالة.
وإن خرج القيح والصديد من حيوان حال طهارته، فهل تكون هذه الأشياء طاهرة بناء على طهارة الحيوان، أو تكون نجسة؟
هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم.
стр. 2952
فقيل: إنها نجسة، وهو رأي الأئمة الأربعة (١).
وقيل: إنها طاهرة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢)، رجحه ابن حزم (٣)، واختاره الشوكاني (٤).
• دليل الجمهور على نجاسة القيح والصديد:
الدليل الأول:
كل دليل استدل به على نجاسة الدم فهو دليل على نجاسة القيح والصديد باعتبار أن أصلهما دمان استحالا إلى نتن وفساد، فيكون لهما حكم أصلهما.
• ونوقش هذا الدليل من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن الدم طاهر على الصحيح، وإذا كان الأصل طاهرًا كان الفرع طاهرًا كذلك.
الوجه الثاني:
أن القيح والصديد ليسا بمنزلة الدم حتى عند القائلين بالنجاسة، قال
ابن قدامة: القيح والصديد كالدم فيما ذكرناه، وأسهل وأخف منه حكمًا عند أبي
عبد الله لوقوع الاختلاف فيه، فإنه روي عن ابن عمر والحسن أنهم لم يروا القيح والصديد كالدم، وقال أبو مجلز في الصديد لا شيء فيه، إنما ذكر الله الدم المسفوح (٥).
стр. 2953
الوجه الثالث:
القول بأنهما استحالا إلى نتن وفساد غير كاف للحكم بالنجاسة، فهذا الطعام واللحم إذا ترك قد يلحقه نتن وفساد، ولا يحكم عليه بالنجاسة.
الدليل الثاني:
الإجماع على نجاسة القيح والصديد، قال النووي: «القيح نجس بلا خلاف، وكذا ماء القروح المتغير نجس بالاتفاق» (١).
والخلاف محفوظ كما قدمنا في عرض الأقوال في طهارة القيح، وأنه قول في مذهب الحنابلة، رجحه ابن حزم.
• دليل من قال بطهارة القيح والصديد:
الدليل الأول:
الأصل في الأعيان الطهارة، ولا نحكم بنجاسة شيء حتى يقوم دليل من الشرع صحيح صريح على النجاسة، ولا يوجد دليل على نجاسة القيح والصديد.
الدليل الثاني:
إذا كان الحيوان طاهرًا، كان بعضه طاهرًا كذلك، ومنه القيح والصديد،
• الراجح من الخلاف:
القول بطهارة القيح والصديد هو الراجح؛ لعدم وجود دليل صحيح يقتضي نجاسة هذه الأشياء، فتبقى على الأصل، وهو الطهارة حتى يثبت الدليل على نجاستها، والله أعلم.
* * *
стр. 2954
الفصل العاشر في بيض الحيوان
المبحث الأول في بيض مأكول اللحم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• البيض تبع لأصله، فما كان من حيوان طاهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس فهو نجس.
• البيض ليس جزءًا من الحيوان فينجس بعدم الذكاة، وإنما هو مودع فيه، فأشبه الولد إذ اخرج حيًا من الميتة.
• كل ما كان مباحًا أخذه من الحيوان وهو حي لا ينجس بالموت، كالبيض واللبن، والإنفحة، والشعر، والصوف، والوبر، عكسه اللحم والشحم.
[م-٥٢٣] إن خرج البيض من حيوان مأكول في حال حياته، أو بعد التذكية الشرعية، أو بعد موته، وهو مما لا يحتاج إلى التذكية كالسمك، فبيضه طاهر مأكول
стр. 2955
إجماعًا، إلا إذا فسد، وسوف يأتي معنى الفساد في البيض في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.
نقل الإجماع على ذلك النووي رحمه الله تعالى، حيث قال: «البيض من مأكول اللحم طاهر بالإجماع» (١).
[م-٥٢٤] وإذا انفصلت البيضة من حيوان مأكول بعد موته دون تذكية شرعية، وهو مما يحتاج إلى التذكية، وكانت البيضة لم تتغير، فاختلف العلماء فيها:
فقيل: إنها طاهرة مطلقًا، سواءً صلب قشرها أم لا، وهو مذهب الحنفية (٢)، واختاره بعض الشافعية (٣)، وابن عقيل من الحنابلة (٤).
وقيل: إنها نجسة مطلقًا سواءً صلب قشرها أم لا، وهذا مذهب المالكية (٥).
وقيل: إن صلب قشرها فهي طاهرة، وإلا كانت نجسة، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، واختاره ابن حزم (٨).
стр. 2956
• دليل من قال بالطهارة مطلقًا:
الدليل الأول:
أن البيض لا تحله الحياة، فلا ينجس بموت الحيوان، مثله مثل لبن الميتة وقد قدمت أن الراجح طهارته، ومثله مثل الإنفحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن الراجح طهارتها، فكذلك البيضة.
الدليل الثاني:
أن البيض هذا لو أخذ، واستخرج منه فرخه، كان الحيوان طاهرًا إجماعًا، فهذا دليل على طهارة البيض.
الدليل الثالث:
أن البيض هو الأصل الذي يخلق منه الحيوان، وهو طاهر، فكذا أصله.
الدليل الرابع:
أن البيض محمي بغشاء رقيق، وهذا الغشاء بمثابة الجلد، يمنع من تسرب النجاسة إلى البيض.
الدليل الخامس:
أن البيضة تؤخذ من الطائر حال حياته، وهي طاهرة إجماعًا كما قدمنا، فلو كانت جزءًا منه كان لها حكم ميتته، لحديث ما أبين من حي فهو كميتته (١).
• دليل من قال بالنجاسة مطلقًا:
أن البيضة جزء من الميتة، والميتة نجسة، فكذلك بيضها.
• وأجيب:
بأن البيض ليس جزءًا من الميتة، بل هو منفصل عنها، وعلى التسليم فليس كل
стр. 2957
أجزاء الميتة نجسة، فهذا الشعر من الميتة طاهر، ولا ينجس بالموت، وكذلك عظم الميتة على الصحيح وقرنها، وكذلك جلدها إذا دبغ، وهذا الأشياء تتكون منها الميتة، فما بالك بالبيض الذي هو بمنزلة الجنين من الميتة لا ينجس بنجاسة الأم، فلو خرج الجنين من الميتة حيًا كان طاهرًا، فكذلك البيضة إذا خرجت ولم تكن فاسدة فهي طاهرة، والله أعلم.
• دليل من قال: إن صلب قشرها فهي طاهرة وإلا فهي نجسة:
قالوا: إذا تصلب قشر البيضة منع من تسرب النجاسة إليها، بخلاف غير المتصلب، فإنه لا يمنع من التأثر بالنجاسة.
• وأجيب:
على التسليم بهذا، فإننا نعرف أن النجاسة قد تسربت إليها أو لم تتسرب بالفساد، فإذا خرجت البيضة غير فاسدة جزمنا أن النجاسة لم تتسرب إليها، إذ لو تسربت إليها لم تبق البيضة على حالتها لم تتغير، بل لو تسرب إليها سائل طاهر لغير البيضة، فكيف إذا تسرب إليها شيء نجس؟.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة يظهر أن القول بطهارة البيضة أرجح من حيث قوة الاستدلال، والحكم بالنجاسة يحتاج إلى دليل صحيح سالم من المعارضة، والله أعلم.
* * *
стр. 2958
المبحث الثاني في بيض غير مأكول اللحم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• بيض الحيوان تبع لذاته، فما كان من حيوان طاهر فهو طاهر، وما كان من حيوان نجس فهو نجس.
• البيض النجس هل يشمل النجاسة باطن البيض وظاهره، أو الباطن فقط، وأما الظاهر فكله طاهر؟
[م-٥٢٥] اختلف العلماء في البيض غير مأكول اللحم،
فقيل: إنه طاهر، وهو مذهب المالكية (١)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: إنه نجس، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب
стр. 2959
الحنابلة (١).
وقيل: إن بيضه تبع لأصله، فإن كان أصله طاهرًا كان بيضه طاهرًا، وإن كان أصله نجسًا كان بيضه كذلك (٢).
• دليل من قال بالطهارة:
الأصل في الأعيان الطهارة، ولا يوجد دليل يقضي بالنجاسة، وفرق بين الطهارة وبين إباحة الأكل، فليس كل محرم الأكل يكون نجسًا، وإن كان كل نجس فهو محرم الأكل، ومن ادعى نجاسة شيء فعليه الدليل.
• دليل من قال بالنجاسة:
قال: ما دام أن لحمه محرم الأكل، فكذلك ما نتج منه، كاللبن والبيض ونحوهما، وتحريم الأكل من غير ضرر أو تكريم دليل على النجاسة.
• دليل من قال: إن البيض تبع لأصله:
هذا القول قاس البيض على الحيوان، فإن كانت من حيوان نجس، كان بيضه نجسًا، وإن كانت من حيوان طاهر كان بيضه طاهرًا قياسًا على أصله.
والذي يبدو أن القول بقياس البيض على أصله قول فيه قوة، جريًا على قاعدة: التابع تابع، ولأن البيض مستخلص من الحيوان، فهو جزء منه، فيكون حكمه تبعًا لأصله، والله أعلم.
* * *
стр. 2960
المبحث الثالث في البيض الفاسد
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• تغير الطاهر بالنتن لا يصيره نجسًا، وإن كان مستقذرًا كالطعام واللحم، وإن ثبت الضرر في تناوله حرم، وإن كان طاهرًا.
[م-٥٢٦] البيض تارة يتغير بعفن، وتارة يصير دمًا.
فإن تغير بعفن، فقيل: إنه طاهر، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: نجس، وهو مذهب المالكية (٢).
وإن تغير بأن صارت البيضة دمًا.
стр. 2961
فقيل: إنها نجسة، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: إنها طاهرة، إذا قال أهل المعرفة: إنها صالحة للتخلق، وهذا مذهب الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣).
• دليل الجمهور:
أن الدم المسفوح نجس، وهذا منه، ولذلك نص المالكية لو أن الدم مجرد نقطة لم تنجس البيضة؛ لأن النقطة ليس من الدم المسفوح، فيفهم منه: أنه إذا كان أكثر من ذلك كان نجسًا.
• دليل من قال بالطهارة:
قال: إن هذا التغير من جنس اللحم إذا تغيرت رائحته، فلا يحكم له بالنجاسة، ومن جنس الماء إذا تغير بمكثه، وهذا أقرب القولين، والله أعلم.
* * *
стр. 2962
المبحث الرابع سلق البيض بماء نجس
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• إذا سلق البيض بماء نجس، فهل قشر البيض له مسام يمكن أن ينفذ منه الماء النجس فيتنجس، أو لا مسام له فيكون معزولًا بقشره عن الماء، فيكون بمنزلة الماء المسخن بالنجاسة.
[م-٥٢٧] إذا سلق البيض بماء نجس،
فقيل: لا يضره، وهذا مذهب الجمهور (١).
وقيل: لا يحل أكله، وهو مذهب المالكية (٢).
• دليل الجمهور:
قالوا: إذا سلق البيض بالماء النجس، فإنه بمنزلة الماء المسخن بالنجاسة، فإذا
стр. 2963
كان ذلك لا يضر الماء، فكذلك لا يضر البيض.
• دليل المالكية:
أن البيض يتأثر بالماء، ويتعذر تطهيره منه، لسريان الماء النجس في مسامه.
• الراجح من القولين:
ينبني على ما إذا كان لقشرة البيض مسام أو لا، فإن ثبت أن لها مسامًا فلا شك في نجاسة البيض حينئذ، لمخالطة ما بداخلها للنجاسة، وإن لم يثبت لها مسام كما هو الظاهر فليست نجسة، وذلك لأن السائل الذي بداخلها قد تجمد بفعل الحرارة، فلم تصل إليه النجاسة، والله أعلم.
* * *
стр. 2964
الباب الثالث في الآسار
الفصل الأول في سؤر الآدمي
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل ذات طاهر فسؤرها طاهر؛ لأن السؤر متحلب من البدن.
[م-٥٢٨] ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى طهارة سؤر الآدمي مطلقًا، سواءً كان محدثًا أم غير محدث، وسواءً أكان رجلًا أم امرأةً، واستثنى بعضهم سؤر الآدمي حال شرب الخمر، أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه، فلا بأس بسؤره (١).
واشترط ابن حزم في طهارة سؤر الآدمي الكافر عدم ظهور أثر لعاب الكافر
стр. 2965
فيه، فإن ظهر تنجس السؤر؛ لأنه يرى نجاسة بدن الكافر وقد ذكرنا أدلته في مسألة مستقلة.
• الأدلة على طهارة سؤر الآدمي:
الدليل الأول:
عدم الدليل على نجاسة سؤر الآدمي، والأصل في الأشياء الطهارة.
الدليل الثاني:
إذا كان بدن الآدمي طاهرًا، فكذلك سؤره؛ لأن سؤره متحلب من بدنه، وقد تقدم ذكر الأدلة على أن بدن الآدمي طاهر في فصل مستقل.
الدليل الثالث:
(١١٧١ - ١٤٢) ما رواه البخاري، من طريق الزهري، قال:
حدثني أنس بن مالك ﵁، أنها حُلِبَت لرسول الله ﷺ شاةٌ داجن، وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطي رسول الله ﷺ القدح، فشرب منه حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر - وخاف أن يعطيه الأعرابي- أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه ثم قال: الأيمن فالأيمن. ورواه مسلم بنحوه (١).
فإن قيل: هذا سؤر رسول الله ﷺ ، وليس سؤره كسؤر غيره، قيل: إن قوله ﷺ : الأيمن فالأيمن دليل على طهارة السؤر، ولو من غيره ﷺ ، ثم إن الأصل أن الرسول ﷺ كغيره في الطهارة والنجاسة على الصحيح.
وأصرح منه ما رواه البخاري، قال: حدثني أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد،
стр. 2966
أن أبا هريرة كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق، ومضى، فتبعته فدخل، فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة. قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي ﷺ ، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضعه على يده فنظر إلي، فتبسم، فقال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت.
قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد، فاشرب، فقعدت، فشربت فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. قال: فأرني فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى، وشرب الفضلة (١).
стр. 2967
وجه الشاهد من الحديث:
أن الصحابة ﵃ شرب بعضهم من سؤر بعض، ولو كان سؤر الآدمي نجسًا لم يتناوله، ولم يشرب منه ﷺ .
• وأما الدليل على طهارة سؤر المحدث:
(١١٧٢ - ١٤٣) فهو ما رواه مسلم من طريق المقدام بن شريح عن أبيه،
عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (١).
قال القرطبي: «قولها: (أتعرق العرْق): أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى منها فحسب» (٢).
وأما طهارة سؤر الكافر، فقد أباح الله لنا نكاح نساء أهل الكتاب، ومعاشرة الرجل للمرأة يقتضي منه أن يخالط ريقه ريقها، وأن يمس بدنه بدنها، وكذلك أباح الله لنا طعام أهل الكتاب، وقد ذبحوه في أيديهم، وطبخوه في آنيتهم، فإذا كانت أبدانهم طاهرة فكذلك سؤرهم، وقد سبق في فصل مستقل طهارة أبدان الكفار في أول الكتاب.
* * *
стр. 2968
الفصل الثاني
في طهارة سؤر الحيوان المأكول لحمه
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل بدن طاهر فسؤره طاهر؛ لأن السؤر متحلب من البدن.
[م-٥٢٩] ذهب الأئمة الأربعة إلى طهارة سؤر ما يؤكل لحمه (١).
واستدلوا:
الدليل الأول:
الإجماع، فقد أجمع الفقهاء على طهارة سؤر ما يؤكل لحمه (٢).
الدليل الثاني:
أن لعاب الحيوان متحلب من لحمه، ولحمه طاهر فيكون سؤره طاهرًا أيضًا، لأن ملاقاة الطاهر للطاهر لا توجب تنجيسه.
* * *
стр. 2969
الفصل الثالث
في طهارة سؤر الحيوان غير مأكول اللحم
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، ولم يطردوا القول في الحيوانات غير المأكولة لاختلافهم في طهارتها، وذلك لأن الحيوانات غير المأكولة منها ما هو طاهر في الحياة، ومنها ما هو نجس متفق على نجاسته، ومنها ما هو مختلف في نجاسته، ولذلك سوف نعرض لذكر هذه الحيوانات على سبيل التفصيل، ويمكن لنا أن نقسم الحيوانات غير المأكولة إلى أقسام عدة، منها:
ـ سؤر الهرة.
وسؤر الحمار والبغل.
وسؤر سباع البهائم والطير.
وسؤر الخنزير.
وسؤر الكلب، هذه أهم التقسيمات للحيوانات غير المأكولة.
* * *
стр. 2970
المبحث الأول في سؤر الهرة وما دونها في الخلقة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• طهارة سؤر الهرة فرع عن طهارة عينها، وهو المنصوص، لذا قال: إنها ليست بنجس، وصرح بالعلة: إنها من الطوافين.
[م-٥٣٠] اختلف العلماء في طهارة سؤر الهرة:
فذهب الحنفية إلى أن سؤر الهرة وحشرات البيوت كالفأرة والحية طهور مكروه (١).
وذهب الأئمة الثلاثة إلى طهارة سؤرها بلا كراهة (٢).
стр. 2971
وقيل: يغسل الإناء من ولوغ الهرة، قال به أبو هريرة (١)، وسعيد بن المسيب (٢)، ومحمد بن سيرين (٣)، وعطاء (٤)، وقتادة (٥)، والحسن (٦) ﵃ جميعًا.
• دليل من قال: يكره سؤر الهرة:
يرى الحنفية أن الهرة عينها نجسة، لكن سقطت نجاسة سؤرها لعلة التطواف، وبقيت الكراهة لإمكان التحرز منه.
• دليل من قال بطهارة سؤرها:
(١١٧٣ - ١٤٤) روى مالك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن
стр. 2972
حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها:
أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الثاني:
(١١٧٤ - ١٤٥) ما رواه إسحاق بن راهوية في مسنده (٣)، قال: أخبرنا
عبد العزيز بن محمد، نا داود بن صالح التمار، عن أمه،
عن عائشة أنها قالت في الهرة: إنما هي من الطوافين عليكم، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها.
[ضعيف، واختلف في وقفه ورفعه] (٤).
• دليل من قال: يغسل الإناء من ولوغ الهر:
(١١٧٥ - ١٤٦) ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمد ابن سيرين،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة.
стр. 2973
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة (١).
[المحفوظ أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الهر موقوف على أبي هريرة] (٢).
الدليل الثاني:
(١١٧٦ - ١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الهر سبع (٣).
[ضعيف] (٤).
وإذا كان الهر سبعًا، فإن غسل الإناء منه واجب.
• الراجح:
إذا كنا قد رجحنا طهارة عين الهرة، كما في الكلام على ذوات الحيوان، فإننا نطهر سؤره كذلك، وحديث أبي قتادة نص في الموضوع في المسألتين: في طهارة عينه، وفي طهارة سؤره، حيث قال: إنها ليست بنجس، فنفى النجاسة عن ذاتها وجعله ذلك علة في الوضوء من سؤرها.
* * *
стр. 2974
المبحث الثاني في طهارة سؤر البغل والحمار
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الحيوان الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء منه إلا بدليل.
• كل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا أن يشق التحرز منه، الأصل في ذلك طهارة الهر، وغيره مقيس عليه.
• الخلاف في طهارة البغل والحمار يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان البري:
هل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي، فإذا مات تنجس إلا ما استثني كميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة، أو أن علة النجاسة في الحيوان ترجع إلى تحريم الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما شق التحرز منه كالهر.
• علة الطهارة والنجاسة في الحيوان مركبة، ومتنوعة، فالموت علة في نجاسة كل حيوان إلا ميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة، والتذكية من أهلها علة في طهارة ما يؤكل من الحيوان البري، بخلاف ما لا يؤكل، والحيوان محرم الأكل نجس إلا الآدمي فلحرمته، أو كانت طهارته لمشقة التحرز منه.
стр. 2975
[م-٥٣١] اختلف العلماء في طهارة سؤر الحمار والبغل،
فقيل: مشكوك فيه، وهذا مذهب الحنفية (١)، وبناء عليه يكون استعمال سؤرهما مكروهًا.
وقيل: سؤرهما طاهر، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: نجس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥).
وهذه الأقوال مبنية على اختلاف الفقهاء في ذواتهما، فمن ذهب إلى نجاسة عين الحمار والبغل ذهب إلى نجاسة سؤره، ومن رأى طهارتهما في حال الحياة ذهب إلى طهارة سؤرهما، ومن توقف في أعيانهما كالحنفية لاختلاف الأدلة رأى أن سؤرهما مشكوك فيه، وقد ذكرنا الخلاف وأدلته في ذات الحيوان محرم الأكل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
* * *
стр. 2976
المبحث الثالث في سؤر سباع البهائم والطير
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الخلاف في طهارة سباع البهائم والطير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان:
هل علة الطهارة فيه هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي حتى الكلب والخنزير، أو أن علة الطهارة هي إباحة الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما شق التحرز منه كالهر.
[م-٥٣٢] اختلف العلماء في سؤر سباع البهائم والطير،
فقيل: سؤر سباع الطير طاهر، وسؤر سباع البهائم نجس، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: سؤرهما طاهر، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣).
стр. 2977
وقيل: سؤرهما نجس، وهو مذهب الحنابلة (١).
وهذا الخلاف راجع إلى الخلاف في أعيانها هل هي طاهرة أم نجسة، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة مستقلة، إلا أن هنا كلامًا يزاد على ما ذكر، وهو وجه التفريق عند الحنفية بين سباع الطير، وبين سباع البهائم، مع أن ذواتها نجسة عندهم، قالوا في وجه التفريق:
إن القياس نجاسة سؤرها على نجاسة لحمها، ولكن ترك هذا القياس للاستحسان، وذلك أن سباع الطير تشرب بمنقارها، وهو عظم جاف، بخلاف سباع البهائم التي تشرب بلسانها، والذي يكون فيه رطوبة من لعابها، وهو نجس، وسباع الطير تنقض من علو لتشرب من الأواني، وفي الحكم بتنجيس آسارها حرج شديد، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، والله أعلم.
• الراجح:
قد سبق فيما مضى ترجيح أن أعيان السباع نجسة، ولكن هذا لا يكفي للحكم بنجاسة سؤرها؛ لأن نجاسة سؤرها مبني على مسألة أخرى، وهي إذا وقعت نجاسة في الماء، فهل ينجس بمجرد وقوع النجاسة، أو يشترط للحكم بالنجاسة أن يتغير أحد أوصاف الماء: طعمه أو لونه أو ريحه؟
فالعلماء متفقون على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فإنه طهور،
وقد نقل الإجماع على ذلك ابن الهمام من الحنفية (٢)، وابن رشد، من المالكية (٣)،
стр. 2978
وابن المنذر من الشافعية (١)، وعبد الرحمن بن قدامة من الحنابلة (٢).
وطوائف من العلماء، منهم: الطبري (٣)، وابن حزم (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن قدامة (٦)، وابن دقيق العيد (٧)، والزركشي (٨)، وابن رجب (٩)، والعراقي في طرح التثريب (١٠)، وابن عبد الهادي (١١)، والشوكاني (١٢)، وغيرهم.
واتفقوا كذلك على أن الماء إذا تغير بالنجاسة فإنه ينجس مطلقًا كثيرًا كان أو قليلًا.
وممن نقل الإجماع على ذلك الطحاوي (١٣)، وابن نجيم (١٤) من الحنفية.
وأبو الوليد ابن رشد من المالكية (١٥).
стр. 2979
وقال الشافعي ﵀: وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه، أو لونه، كان نجسًا، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا (١)، ونقله النووي أيضًا (٢).
وقال ابن تيمية: إذا وقع في الماء نجاسة، فغيرته، تنجس اتفاقًا (٣).
وقد نقل الإجماع طوائف من العلماء منهم:
ابن عبد البر (٤)، وأبو العباس بن سريج (٥)، وابن جرير الطبري (٦)، وابن المنذر (٧)، وابن حبان (٨)، والقاضي عياض (٩)، وابن القطان الفاسي (١٠)، وابن دقيق العيد (١١)،
стр. 2980
وابن الفاكهاني (١)، وابن الملقن (٢)، وابن مفلح (٣)، وغيرهم (٤).
ومن النظر: أن الله حرم استعمال النجاسة، والماء المتغير بالنجاسة إذا استعمل فقد استعملت النجاسة، لظهور أثرها في الماء من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم.
واختلفوا في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره:
فالجمهور على أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة فإن الماء ينجس مطلقًا، تغير الماء أو لم يتغير، على خلاف بينهم في حد الماء الكثير والقليل.
وذهب مالك في رواية المدنيين عنه (٥)، وراية عن أحمد (٦) إلى أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة، وهو الراجح، وقد ذكرت أدلة المسألة ومناقشتها في في المجلد الأول، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
فالراجح أن الماء القليل إذا شربت منه السباع، ولم يتغير بهذا اللعاب، ولم يظهر للعاب أثر بالماء فإنه طهور.
* * *