← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

المبحث الثالث في سؤر سباع البهائم والطير مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الخلاف في طهارة سباع البهائم والطير يرجع إلى الخلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان: هل علة الطهارة فيه هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي حتى الكلب والخنزير، أو أن علة الطهارة هي إباحة الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما شق التحرز منه كالهر. [م-٥٣٢] اختلف العلماء في سؤر سباع البهائم والطير، فقيل: سؤر سباع الطير طاهر، وسؤر سباع البهائم نجس، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: سؤرهما طاهر، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣).

стр. 2977

وقيل: سؤرهما نجس، وهو مذهب الحنابلة (١). وهذا الخلاف راجع إلى الخلاف في أعيانها هل هي طاهرة أم نجسة، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة مستقلة، إلا أن هنا كلامًا يزاد على ما ذكر، وهو وجه التفريق عند الحنفية بين سباع الطير، وبين سباع البهائم، مع أن ذواتها نجسة عندهم، قالوا في وجه التفريق: إن القياس نجاسة سؤرها على نجاسة لحمها، ولكن ترك هذا القياس للاستحسان، وذلك أن سباع الطير تشرب بمنقارها، وهو عظم جاف، بخلاف سباع البهائم التي تشرب بلسانها، والذي يكون فيه رطوبة من لعابها، وهو نجس، وسباع الطير تنقض من علو لتشرب من الأواني، وفي الحكم بتنجيس آسارها حرج شديد، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، والله أعلم. • الراجح: قد سبق فيما مضى ترجيح أن أعيان السباع نجسة، ولكن هذا لا يكفي للحكم بنجاسة سؤرها؛ لأن نجاسة سؤرها مبني على مسألة أخرى، وهي إذا وقعت نجاسة في الماء، فهل ينجس بمجرد وقوع النجاسة، أو يشترط للحكم بالنجاسة أن يتغير أحد أوصاف الماء: طعمه أو لونه أو ريحه؟ فالعلماء متفقون على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فإنه طهور، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن الهمام من الحنفية (٢)، وابن رشد، من المالكية (٣)،

стр. 2978

وابن المنذر من الشافعية (١)، وعبد الرحمن بن قدامة من الحنابلة (٢). وطوائف من العلماء، منهم: الطبري (٣)، وابن حزم (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن قدامة (٦)، وابن دقيق العيد (٧)، والزركشي (٨)، وابن رجب (٩)، والعراقي في طرح التثريب (١٠)، وابن عبد الهادي (١١)، والشوكاني (١٢)، وغيرهم. واتفقوا كذلك على أن الماء إذا تغير بالنجاسة فإنه ينجس مطلقًا كثيرًا كان أو قليلًا. وممن نقل الإجماع على ذلك الطحاوي (١٣)، وابن نجيم (١٤) من الحنفية. وأبو الوليد ابن رشد من المالكية (١٥).

стр. 2979

وقال الشافعي ﵀: وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه، أو لونه، كان نجسًا، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا (١)، ونقله النووي أيضًا (٢). وقال ابن تيمية: إذا وقع في الماء نجاسة، فغيرته، تنجس اتفاقًا (٣). وقد نقل الإجماع طوائف من العلماء منهم: ابن عبد البر (٤)، وأبو العباس بن سريج (٥)، وابن جرير الطبري (٦)، وابن المنذر (٧)، وابن حبان (٨)، والقاضي عياض (٩)، وابن القطان الفاسي (١٠)، وابن دقيق العيد (١١)،

стр. 2980

وابن الفاكهاني (١)، وابن الملقن (٢)، وابن مفلح (٣)، وغيرهم (٤). ومن النظر: أن الله حرم استعمال النجاسة، والماء المتغير بالنجاسة إذا استعمل فقد استعملت النجاسة، لظهور أثرها في الماء من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم. واختلفوا في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره: فالجمهور على أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة فإن الماء ينجس مطلقًا، تغير الماء أو لم يتغير، على خلاف بينهم في حد الماء الكثير والقليل. وذهب مالك في رواية المدنيين عنه (٥)، وراية عن أحمد (٦) إلى أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة، وهو الراجح، وقد ذكرت أدلة المسألة ومناقشتها في في المجلد الأول، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد. فالراجح أن الماء القليل إذا شربت منه السباع، ولم يتغير بهذا اللعاب، ولم يظهر للعاب أثر بالماء فإنه طهور. * * *

стр. 2981

المبحث الرابع في سؤر الخنزير مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الخلاف في طهارة سؤر الخنزير راجع إلى الخلاف في طهارة ذاته. • الخلاف في طهارة ذات الخنزير يرجع إلى الاختلاف في علة الطهارة والنجاسة في الحيوان: هل علة الطهارة هي الحياة، فلا نجاسة في حيوان حي حتى الكلب والخنزير، أو أن علة الطهارة هي إباحة الأكل، فكل حيوان محرم الأكل فهو نجس إلا ما شق التحرز منه كالهر، الراجح الثاني. [م-٥٣٣] اختلف العلماء في سؤر الخنزير، فقيل: نجس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)،

стр. 2982

وقول في مذهب المالكية (١). وقيل: طاهر، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢). والخلاف في سؤر الخنزير راجع إلى الخلاف في ذاته، هل هو طاهر أو نجس، وقد ذكرنا أدلة كل قول في مسألة مستقلة، إلا أن نجاسة عينه لا يلزم منها نجاسة سؤره؛ لأن نجاسة سؤره مبني على مسألة أخرى، وهي إذا وقعت نجاسة في الماء، فهل ينجس بمجرد وقوع النجاسة، أو يشترط للحكم بالنجاسة أن يتغير أحد أوصاف الماء: طعمه أو لونه أو ريحه؟ وقد بحثت هذا الخلاف في المجلد الأول من كتاب المياه فانظره، وعليه فالراجح أنه إن ظهر أثر للعاب في الماء كان السؤر نجسًا، وإن لم يكن له أثر، فالماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها، لا يمكن أن يحكم بنجاسته إلا إذا ظهر أثر النجاسة من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم. * * *

стр. 2983

المبحث الخامس في سؤر الكلب مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • نجاسة الإناء بولوغ الكلب دليل على نجاسة لسانه، وإذا كان لسان الكلب نجسًا لم يكن هناك فرق بين اللسان وبين سائر أعضائه. • علة الطهارة والنجاسة في الحيوان مركبة، ومتنوعة: • فكل حيوان مات حتف أنفه فهو نجس إجماعًا إلا ميتة الآدمي، والبحر، وما لا نفس له سائلة. • والتذكية من أهلها مطهرة إجماعًا لكل ما يؤكل من الحيوان البري، واختلف في تذكية ما لا يؤكل. • كل حيوان محرم الأكل فهو نجس على الصحيح إلا أن يشق التحرز منه كالهر. وقيل: كل حيوان طاهر في الحياة حتى الكلب والخنزير. [م-٥٣٤] اختلف العلماء في سؤر الكلب. فقيل: نجس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)،

стр. 2984

والحنابلة (١). وقيل: سؤره طاهر، وهو مذهب المالكية (٢). • دليل الجمهور: الدليل الأول: (١١٧٧ - ١٤٨) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب (٣). ورواه من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وجعله طهارة لهذا الإناء، كما أمر بإراقة سؤره، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير. • دليل المالكية على طهارة سؤره: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤].

стр. 2985

وجه الاستدلال: أباح الله الأكل مما أمسكت الكلاب، ولم يأمرنا بغسل المكان الذي أمسكته معه، مع أنه لا يخلو من التلوث بريق الكلب، ولو كان نجسًا لأمرنا بغسله، ولنقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم غسله. الدليل الثاني: (١١٧٨ - ١٤٩) ما رواه البخاري في صحيحه: قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (١). وقد أجبنا عن هذه الأدلة في ذكر الخلاف في عين الكلب، هل عينه طاهرة أم نجسة، فارجع إليه إن شئت. • الجواب عن حديث الولوغ. فيمكن أن يجاب بأحد جوابين. الجواب الأول: أن زيادة «فليرقه» زيادة شاذة (٢). ومع الحكم بشذوذ «فليرقه»، فإن المعنى يقتضي تنجس الماء ولو لم يتغير، لأن الرسول ﷺ أمر بغسل الإناء، وجعل ذلك طهارة للإناء. فقوله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب.

стр. 2986

ومعلوم أن نجاسة الإناء إنما جاءت من نجاسة الماء؛ لأن الولوغ إنما وقع على الماء، فتنجس الإناء لنجاسة الماء؛ ولأن النجاسة لو كانت للإناء وحده لأمر الرسول ﷺ أن يغسل من الإناء جهة الولوغ فقط، فلما أمر بغسل الإناء كله، علم أن النجاسة إنما سرت عن طريق الماء المتنجس. فإن قال قائل: إذًا كيف حكمتم على الأمر بالإراقة بالشذوذ؟ فالجواب: لا يلزم من الحكم بنجاسة الماء الحكم بوجوب إراقته؛ لأن الماء إذا تنجس لا يكون نجس العين، إذ يمكن تطهيره، وإذا أمكن تطهيره أمكن الانتفاع به بخلاف ما إذا أوجبنا إراقته. الجواب الثاني: لا يعني ذلك إذا حكمنا بنجاسة الماء أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها التتريب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ. على أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم. فالراجح أن سؤر الكلب نجس، خاصة إذا وقع الولوغ في الآنية؛ لأن الحديث إنما جاء نصًّا في الآنية: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، وأما إذا ولغ في البرك والمستنقعات الكبيرة فإن ذلك لا يضر الماء؛ لأن الماء في هذه الحال كثير، وقد كانت مياه المسلمين في الفلاة يردها السباع والكلاب، ولم ينقل أنهم كانوا يجتنبون ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 2987

الباب الرابع في الجمادات الفصل الأول في طهارة الخمر مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في الأعيان الطهارة. • الحكم بنجاسة الشيء مشروط باتصافه بأعراض النجاسة. • إراقة الخمرة في سكك المدينة دليل على طهارتها. [م-٥٣٥] اختلف العلماء في الخمرة، هل هي طاهرة أم نجسة؟. فقيل: إنها نجسة نجاسة حسية، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)، واختيار ابن حزم (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣).

стр. 2988

وقيل: الخمرة طاهرة، وإليه ذهب ربيعة الرأي (١)، والمزني من أصحاب الشافعي (٢)، وداود الظاهري (٣)، ورجحه الشوكاني، والصنعاني (٤). • دليل من قال: إن الخمر نجسة: الدليل الأول: قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى وصف الخمر بأنها رجس، والرجس في عرف الشرع هو النجس نجاسة عينية. • وأجيب: بأن الرجس في الآية لا يراد به النجاسة الحسية، لما يأتي: أولًا: أن الله قرن الخمر بالميسر، والأنصاب، والأزلام، وإذا كانت هذه الأشياء ليست نجسة نجاسة حسية، فكذلك الخمرة (٥).

стр. 2989

ثانيًا: أن الرجس هنا وصف بقوله: (من عمل الشيطان) فهو رجس عملي، أي معنوي، وليس رجسًا حسيًّا، ولذلك قال القرطبي: من عمل الشيطان: أي بحمله وتزيينه. ثالثًا: الرجس في كلام الشارع أكثر ما جاء في النجاسة المعنوية، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣]، وقال تعالى: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) [يونس: ١٠٠]، وقال تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: ١٢٥]، وقال سبحانه: (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) [الأعراف: ٧١]، وقال سبحانه: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]، وقال سبحانه: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ) [التوبة: ٩٥]، وقال: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠]. فإذا كان الأكثر في كلام الشارع إطلاق الرجس على النجاسة المعنوية، كما مر معنا في الآيات السابقة، والميسر والأنصاب والأزلام يراد بها النجاسة المعنوية، والخبر هنا إخبار عن الأربعة الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فالقول بأن الرجس في الخمر وحده فقط دليل على النجاسة الحسية، وعلى غيره مما قرن معه يراد به النجاسة المعنوية فيه نوع تحكم لا دليل عليه. ولذلك لم ير النووي -وهو ممن يرى نجاسة الخمر- في الآية نصًا على نجاسة الخمر، حيث يقول ﵀: «ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لأن الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة» (١). (١١٧٩ - ١٥٠) رابعًا: ساق ابن جرير الطبري من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة،

стр. 2990

عن ابن عباس قوله: رجس من عمل الشيطان، يقول: سخط (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: (١١٨٠ - ١٥١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إني بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: دعوها ما وجدتم منها بدًّا، فإذا لم تجدوا منها بدًا فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا. قال: وأحسبنه قال: واشربوا (٣). [أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين، وليس فيه زيادة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير] (٤). • وأجيب عن هذا بثلاثة أجوبة: الجواب الأول: أن هذا الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر هذه الزيادة. الجواب الثاني: لو كانت العلة النجاسة لأمر بغسلها مباشرة، فالنهي عن استعمالها مع وجود غيرها مطلق، سواءً تيقنا طهارتها أم لا، والأصل في النهي المنع، لكن لما قال : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) [المائدة: ٥]، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم وأوانيهم، وأكل النبي ﷺ طعام أهل الكتاب في أحاديث صحيحة، فدل على أن الغسل من باب الاحتياط والاستحباب.

стр. 2991

الجواب الثالث: أننا لو تنزلنا وقلنا بوجوب غسل الأواني، فإن غسل الأواني من أثر الخمر ليس فيه دليل على النجاسة؛ وإنما لكون الخمر والخنزير يحرم تناولهما، فخشية الوقوع في المحرم أمر بغسل الأواني منهما. الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) [الإنسان: ٢١]. وجه الاستدلال: قال الشنقيطي: «وصفه شراب أهل الجنة بأنه طهور، يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح الله تعالى بها خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله تعالى: (لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) [الصافات: ٤٧]، وقوله تعالى: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ) [الواقعة: ١٩]، بخلاف خمر الدنيا، ففيها غول يغتال العقول، وأهلها يصدعون أي يلحقهم الصداع (١). • وأجيب بأجوبة منها: الأول: أن قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) [الإنسان: ٢١]، لا يوجد نص بأن المقصود به خمر الآخرة، وإنما هو شراب مخصوص يشربه المؤمنون، فيطهرهم من الذنوب وعن خسائس الصفات، كالغل والحسد، فجاءوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (٢). ثانيًا: على التسليم بأن المراد به في قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) [الإنسان: ٢١] أن المراد به خمر الآخرة، فإن هذا لا يعني أن خمر الدنيا نجس، فلو أخذنا بالمفهوم -على ضعفه- فإنه يعني أن خمر الدنيا ليست بطهور، وما كان غير طهور لا يعني أنه نجس، بل قد يعني كونه طاهرًا، ومعلوم أن الطهور غير الطاهر.

стр. 2992

الدليل الرابع: قالوا: إن الخمر عين يحرم تناولها من غير ضرر فيها، فأشبهت الدم، يعني في النجاسة (١). ورده النووي بقوله: «هذا لا دلالة فيه لوجهين: أحدهما: أنه منتقض بالمني والمخاط وغيرهما -يعني أنه يحرم تناولهما من غير ضرر فيهما، وهما طاهران-. والثاني: أن العلة في منع تناولهما مختلفة فلا يصح القياس؛ لأن المنع من الدم لكونه مستخبثًا، والمنع من الخمر لكونها سببا للعداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت به الآية الكريمة .... » (٢). قلت: والعجب كيف يقال: إنه لا ضرر فيه، مع أن العقل والنقل دالان على أضرار الخمر، وأي ضرر أكبر من كونه يصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، هذا مع ما يقع بسببه من العداوة والبغضاء بين المسلمين، فضلًا عما قد يؤول إليه الأمر من مضاره التي لا تحصى، فقد يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل والمال والعيال، وخسارة الدنيا والآخرة، كما هو معلوم، نسأل الله العافية. هذه أضراره الدينية، وأضراره البدنية قد تكلم فيه الأطباء، بما لا مجال لذكره هنا. الدليل الخامس: أن الخمرة نجسة تغليظًا وزجرًا عنها، قياسًا على الكلب، نقله النووي عن الغزالي، واستحسنه (٣).

стр. 2993

• وأجيب: بأن هذا الدليل ليس من أدلة الشرع المتفق عليها ولا المختلف فيها، والكلب ليست نجاسته من باب الزجر والتغليظ، ولو قلنا: بأن الزجر والتغليظ سبب في النجاسة لنجسنا كثيرًا من المحرمات مما لم يقل أحد بنجاستها، كنجاسة التماثيل والأصنام، لكونها من أشد المحرمات. الدليل السادس: إن النصوص الشرعية حرمت وجوه الانتفاع بالخمر، فأمرت بإراقتها، ومنعت من التداوي بها، وحرمت بيعها، ومنع من تخليلها، وكل هذه الأمور جاءت فيها نصوص صحيحة صريحة، فلو كانت طاهرة العين لأبيح التداوي بها أو الانتفاع بأي وجه من الوجوه، وكل هذا دليل على نجاستها. وإليك النصوص الشرعية التي تؤكد هذه الأحكام. (١١٨١ - ١٥٢) منها ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء ابن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه. ورواه مسلم (١). (١١٨٢ - ١٥٣) ومنها، ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن ابن وعلة رجل من أهل مصر،

стр. 2994

أنه سأل عبد الله بن عباس عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: إن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر؟ فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله قد حرمها؟ قال: لا، فسار إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها. فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها. قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها (١). (١١٨٣ - ١٥٤) ومنها ما رواه البخاري من طريق ثابت، عن أنس ﵁: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة. الحديث، والحديث رواه مسلم (٢). (١١٨٤ - ١٥٥) ومنها: ما روه مسلم من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء (٣). (١١٨٥ - ١٥٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن، عن سفيان، عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلًا؟ فقال: لا (٤). • وأجيب: تحريم بيعها لا يلزم منه نجاستها، فقد قرن تحريم بيع الخمر بتحريم بيع الأصنام،

стр. 2995

والأصنام ليست نجسة، فالنهي عن بيع الخمر جاء معللًا في الحديث: إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، ولم يقل: إن الله إذا حرم شيئًا اقتضى نجاسته، وسائر وجوه الانتفاع بها محرم لا لنجاستها، ولأن هناك أشياء نجسة، ولا يحرم الانتفاع بها، ولذلك جاء في الحديث: أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، قال: لا. هو حرام. أي البيع، فجواز الانتفاع بشحوم الميتة لا يسوغ صحة البيع، ولو كانت النجاسة دليلًا على تحريم الانتفاع بها ما جاز الاستصباح بشحوم الميتة وطلي السفن بها ودهن الجلود وغير ذلك من وجوه الانتفاع. وهذا الكلب نجس، ويباح الانتفاع به في صيد وحراسة ونحوهما. • دليل من قال: إن الخمر طاهرة: الدليل الأول: النجاسة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولم يرد في الشرع نص يقتضي النجاسة الحسية للخمر، والأصل في الأشياء الطهارة، والخمر طاهرة قبل تحريمها، فكذلك بعد تحريمها، والتحريم وحده لا يقتضي النجاسة، ألا ترى إلى السم، فإنه محرم الأكل، ومع ذلك ليس بنجس، وهي مصنوعة من أشياء طاهرة كالعنب ونحوه، وكونه يتخمر ويشتد ويغلي فهذا لا يقتضي النجاسة، فإن اللحم قد ينتن وتتغير رائحته، ومع ذلك لا يقال عنه: إنه نجس. الدليل الثاني: (١١٨٦ - ١٥٧) ما رواه البخاري من طريق ثابت، عن أنس ﵁، قال: أمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. الحديث، والحديث رواه مسلم (١).

стр. 2996

وحديث ابن عباس في مسلم في قصة الرجل الذي أهدى إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فأخبره رسول الله ﷺ بتحريمها، فأراقها بين يدي رسول الله ﷺ حتى ذهب ما فيها. وسبق ذكره بتمامه. وجه الاستدلال: لو كان الصحابة يعتقدون نجاستها لتحروا لإراقتها أماكن النجاسات، ولنهاهم رسول الله ﷺ عن إراقتها في الشوارع كما نهاهم عن التخلي في الطريق والظل. (١١٨٧ - ١٥٨) فقد روى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين قالوا وما اللعانان يا رسول الله قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم (١). • وأجيب عن هذا الاستدلال: قال القرطبي: «إن الصحابة أراقوا هذا؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، وقالت عائشة ﵂ إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، وأيضًا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة واسعة، ولم يكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطرق كلها، وإنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك، والله أعلم» (٢).

стр. 2997

• ويمكن أن يتعقب هذا: أولًا: قولهم إن الخمر كانت يسيرة، وجرت في مواضع يسيرة، ويمكن التحرز منها. هذا خلاف الحديث السابق، من قول الصحابي: حتى جرت في سكك المدينة، فظاهره أنها جرت في جميع سكك المدينة، وأقل ما يدل عليه أنها جرت في غالب سكك المدينة. ثانيًا: قوله: يمكن التحرز منها، فإن التحرز من بول الإنسان في الطريق أهون من التحرز من الخمرة التي جرت في غالب سكك المدينة، ومع ذلك لم يكن هذا مبررًا لأن يؤذن في التبول في الطريق. ثالثًا: قوله: إن نقل الخمر خارج المدينة يلحقهم مشقة كبيرة، فهل كانت المدينة كبيرة جدًّا؟ بحيث يلحقهم تلك المشقة، وهذا الفعل لن يتكرر، بل إن المشقة تلحقهم في تحري البول خارج المدينة أكثر من نقل الخمر مرة واحدة والتخلص منها؛ لأن البول قد يفاجئ الإنسان وهو في الطريق، ويتكرر في اليوم عدة مرات، ومع ذلك لا يؤذن له بالبول في طريق الناس، مع كون البول يسيرًا، ويمكن التحرز منه. رابعًا: قوله: إن في إراقتها في طرق المدينة فائدة من كونه يشتهر ليشيع العمل، فيقال: ألا يشيع العلم حتى تراق في طرق المدينة، ألا تحصل هذه الفائدة لو أريقت في الأماكن التي لا تطرق من جوانب الطريق، والأماكن الخالية في المدينة، مع نزول آيات القرآن في تحريمها، وشدة عناية الصحابة بقراءة كتاب الله وتعلم ما فيه. الدليل الثالث: لم يأت نص من السنة بغسل الأواني من أثر الخمر، فالرجل الذي أهدى للرسول ﷺ راوية خمر لم يأمره النبي ﷺ بتطهير راويته منها، بل اكتفى بإراقتها فقط. وقد كان المسلمون قبل تحريم الخمر تكون في أوانيهم، وربما أصابت شيئًا من

стр. 2998

أبدانهم وثيابهم، فلما نزل تحريمها وأراقوها لم ينقل أن أحدًا منهم غسل شيئًا من ذلك من بدنه أو من ثيابه أو من آنيته، ولو كانت نجسة لفعلوا ولأمرهم النبي ﷺ بذلك. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الفريقين، أرى أن القول بالطهارة أقوى من حيث الأثر ومن حيث النظر، والقول بالنجاسة وإن كان قول الأكثر إلا أن هذا غير كاف في الحكم بالنجاسة، ويكفي القائلين بالطهارة الجواب عن أدلة القائلين بالنجاسة، فإن الأصل في الأعيان الطهارة، ومن ذهب إلى طهارة عين فإنه لا يطالب بالدليل، بل يكفيه الدليل السلبي، وهو عدم وجود دليل على النجاسة، وإنما يطالب بالجواب عن أدلة القائلين بالنجاسة، وقد فعلوا، فكيف إذا كان القائلون بطهارة الخمر معهم دليل إيجابي على طهارته. ثم إن أصل تكوين الخمرة مواد طاهرة، فكيف تنجست، وهي لم تؤكل ولم تشرب، غاية ما في الأمر أنها تغيرت، وهذا لا يقتضي نجاستها، والله أعلم. * * *

стр. 2999

الفصل الثاني في حكم الطيب الموجود فيه كحول مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الحكم بنجاسة شيء مشروط باتصافه بأعراض النجاسة. • الأصل في الأعيان الطهارة. • إراقة الخمرة في سكك المدينة بلا تحفظ دليل على طهارتها. • الكحول المستخدم في العطور وغيرها لا يستخرج من الخمر أبدًا، وإنما يصنع بطرق كيماوية منها تحويل غاز الإيثان إلى الكحول الإيثيلي أو الإيثانول كما يسمى علميًا. • الحشيشة طاهرة مع أن نسبة الكحول الموجودة فيها أكثر من العطور. [م-٥٣٦] اختلف العلماء في طهارة الكحول: فقيل: نجس، وهو اختيار الشنقيطي رحمه الله تعالى (١). وقيل: طاهر. وهو يلزم كل من قال بطهارة الخمر، وقد سبق بيان من قال بهذا

стр. 3000

القول في مسألة مستقلة. • دليل من قال بالنجاسة: الدليل الأول: هذه العطور ثبت أنها مسكرة، ويشربها بعض الفقراء بديلًا عن الخمر، أو في المواضع التي يمنع فيها بيع الخمر، وإذا كانت مسكرة، كانت خمرًا بمقتضى النص النبوي. (١١٨٨ - ١٥٩) فقد روى مسلم في صحيحه، من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات، وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة (١). فقوله (كل مسكر) من ألفاظ العموم، فيشمل كل مسكر، سواءً كان من العطور أو عصير العنب أو غيرهما. (١١٨٩ - ١٦٠) وروى البخاري في صحيحه من طريق أبي حيان، عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر: ما خامر العقل (٢). فقوله ﵁: (الخمر ما خامر العقل)، دليل على أنه ليس خاصًّا بنوع معين، وإذا ثبت الإسكار في الطيب، ثبت له حكم الخمر، وذلك في: تحريم بيعها وشرائها، كما في حديث: (إن الله حرم بيع الخمر .... ). الحديث متفق عليه، وسبق تخريجه في حكم الخمر.

стр. 3001

وتحريم الانتفاع بها بأي وجه من الوجوه، ومن ذلك تحريم تخليلها، كما جاء في الحديث الصحيح، وتحريم التداوي بها، ووجب إراقتها. وكل هذه الأحكام ثبتت في أحاديث في الصحيحين، أو في أحدهما وقد ذكرناها في الخلاف في بيع الخمر، فالخمر لا يعتبر مالًا حتى يمكن أن يصح بيعه وشراؤه، ووجب التخلص منه. الدليل الثاني: إن الله قال في الخمر: (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠] وهو أبلغ من النهي عن شربه، واستعماله في الأبدان والثياب مخالف للأمر الرباني. الدليل الثالث: كل دليل استدل به على نجاسة الخمر، يستدل به هنا على نجاسة هذه العطور. • دليل من قال بطهارة العطور ونحوها: الدليل الأول: كل دليل سيق على طهارة الخمر يساق هنا، وقد ذكرتها على وجه التفصيل في حكم الخمر فارجع إليها إن شئت. الدليل الثاني: أكثر القائلين بنجاسة الخمر يرى طهارة الحشيشة، مع أن نسبة الكحول الموجودة فيها ربما أكثر من العطور، وكونه صلبًا أو سائلًا لا يكفي لاختلاف الحكم، ولا يغير في حقيقته شيئًا. الدليل الثالث: الكحول يتكون في كثير من المأكولات، وجميع ما نخمره مثل الخمير والخبز والكعك والبسكويت ... بل إن الكحول يتكون داخل أمعائنا بفعل البكتريا، فهذا دليل أن الكحول ليس نجسًا.

стр. 3002

وإذا علمنا أن الكحول المستخدم من الكولونيا وغيرها لا يستخرج من الخمر أبدًا ... ، وإنما يصنع بطرق كيماوية منها تحويل غاز الإيثان إلى الكحول الإيثيلي أو الإيثانول كما يسمى علميًا، فإنه ليس نجسًا، بل طهور لأنه مصنوع من مواد ليست نجسة (١). الدليل الرابع: على فرض أن الكحول نجس، فالتلبس بالنجاسة ليس حرامًا إلا إذا كان يريد فعل عبادة يشترط لفعلها الطهارة، ولذلك صرح الشافعية بأن الاستجمار لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو الصلاة (٢)، وقاسوا إزالة النجاسة على بقية شروط الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة وجب الاستنجاء وجوبًا موسعًا بسعة الوقت، ومضيقًا بضيقه كبقية الشروط (٣). (١١٩٠ - ١٦١) ولما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، قال: حدثني حمزة ابن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٤). وقد استدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله: «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك

стр. 3003

الدليل الخامس: الطيب يغاير الخمر؛ لأن الطيب في أصله وضع للتطيب به لا للسكر، والخمر إنما وضع للسكر، فحرم بيعه وشراؤه، وإخراج الطيب عن أصله الذي وضع له لفعل شواذ من الناس لا يقتضي القول بتحريم بيعه مطلقًا، لكن من اشتراه ليسكر به حرم منه هذا الفعل، كشراء العنب لمن يريد عصره خمرًا، والقول بتحريم بيع العطور يلزم منه القول بتحريم زراعة العنب وبيعه مطلقًا، ولا قائل به، وهكذا يلزم منه تحريم سائر الأشياء المباحة التي قد تستعمل فيما حرم الله. الدليل السادس: الكحول سائل، سرعان ما يتطاير ويتحول إلى غاز (بخار)، وهذا البخار يعتبر طاهرًا ولو كان أصله نجسًا، كما أن الخمر إذا تحول إلى خل أصبح طاهرًا عندكم. • الراجح من الخلاف: بعد استعراض أدلة الفريقين يتبين لي طهارة الكحول كما سبق ترجيح طهارة الخمرة في المسألة التي قبل هذه، ولكن مع ذلك إذا ثبت أن الكثير من هذه الأطياب مسكرة، فينبغي للمسلم أن يجتنبها تحقيقًا لقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠]، والله أعلم. * * *

стр. 3004

الفصل الثالث في الحشيشة المسكرة [م-٥٣٧] تقدم لنا الخلاف في حكم الخمر، وقد عرفنا أن علة النجاسة عند القائلين بها كونه مسكرًا مائعًا، وبقي لنا حكم الحشيشة المسكرة، وهي ذات جامدة، فهل تكون نجسة أو يحكم لها بالطهارة، في ذلك خلاف: فقيل: إن الحشيشة طاهرة، وهو مذهب الحنفية (١)، المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة، قال في غاية المطلب: وهو المشهور (٤). وقيل: نجسة، اختاره بعض الشافعية (٥)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٦)، اختاره

стр. 3005

ابن تيمية (١)، قال في الإنصاف: نجسة على الصحيح (٢). وقيل: نجسة إن أميعت، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). • دليل من قال طاهرة: الدليل الأول: ما سبق وذكر في طهارة الخمر، فكل دليل سقناه على طهارة الخمر فهو دليل يساق هنا على طهارة الحشيشة، بل هي أولى بالطهارة من الخمر. الدليل الثاني: الإجماع، فقد حكى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرحه لفروع ابن الحاجب الإجماع على أنها ليست نجسة. وكذلك نقل الإجماع القرافي في القواعد (٤). • دليل من قال بالنجاسة: قال: إن علة النجاسة في الخمر هي الإسكار، وهي موجودة في الحشيشة، فيكون الحكم واحدًا لا فرق بين الخمر والحشيشة، وعليه فكل دليل ذكر في نجاسة الخمر يصلح أن يكون دليلًا على نجاسة الحشيشة. • دليل من قال: إن ميعت نجست: رأى هذا أن الخمر نجاسته مركبة من أمرين: ١ - كونه مسكرًا. ٢ - وكونه مائعًا، فإذا فقد واحدة من هذين حكم بطهارته، والحشيشة وإن

стр. 3006

كانت مسكرة، إلا أنها جامدة، والجامد عنده سبب في الطهارة. وكونه جامدًا أو سائلًا ليس علة في الطهارة ولا في النجاسة، فإن الطاهرات والنجاسات منها الجامد ومنها السائل، وهذا القول أضعف الأقوال. • الراجح من الخلاف: سبق أن رجحنا طهارة الخمر، والحشيشة مختلف فيها هل هي مسكرة أو مخدرة، على قولين لأهل العلم، فمن رأى أنها مخدرة لم ير نجاستها، ومن قال: إنها مسكرة، اختلف في نجاستها، والقائلون بالنجاسة ألحقوها بالخمرة، وقد ذكرت الخلاف في نجاسة الخمرة، وبيان القول الراجح في المسألة التي قبل هذه، والله أعلم. * * *

стр. 3007

الباب الخامس في حكم الطهارة من النجاسة الفصل الأول في حكم إزالة النجاسة [م-٥٣٨] لما تبين حكم الأعيان النجسة من الإنسان والحيوان والجماد، ومن الحي والميت، ومن المائع والجامد، ناسب معرفة حكم إزالة النجاسة، فأقول: يختلف حكم إزالة النجاسة من مسألة إلى أخرى، فهناك عبادات تصح ولو كان الإنسان متلبسًا بالنجاسة، ف-كون العبد يذكر الله لا يجب لذلك الطهارة من النجاسة، فيمكن للإنسان أن يذكر الله على أي حال من أحواله. (١١٩١ - ١٦٢) وقد روى مسلم من طريق البهي، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (١). وهذه الحائض قد اجتمع في حقها عدم الطهارة من الحدث والخبث، ومع ذلك لم تمنع من ذكر الله.

стр. 3008

قال رسول الله ﷺ لعائشة حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري (١). وقوله: (افعلي ما يفعل الحاج) دخل فيه جميع ما يفعله الحجاج من ذكر الله، فهي تقف بعرفة، وتدعو هناك وتذكر الله، وتقف في المشعر الحرام وتذكر الله هناك، وترمي الجمرات، وتذكر الله بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى، فهي ليست ممنوعة من ذكر الله. (١١٩٢ - ١٦٣) وروى البخاري من طريق عاصم، عن حفصة، عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. وهو في مسلم، دون قوله: ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته (٢). كما أنه يصح وضوء الرجل ولو كانت هناك نجاسة على بدنه، فطهارة الخبث لا علاقة لها بطهارة الحدث، وإنما يكون الإنسان مطلوبًا أن يتخلى عن النجاسة إذا كان يريد أن يؤدي عبادة من شرطها أو من واجبها الطهارة من الخبث كالصلاة، وبالتالي يستطيع المسلم أن يمس المصحف ولو كان بدنه أو ثوبه عليه نجاسة ما دام أنه قد توضأ؛ ويستطيع أن يلبس خفيه؛ لأن الطهارة من الخبث ليست شرطًا في مس المصحف، ولا شرطًا في لبس الخف. وهناك عبادات تجب لها الطهارة من النجاسة قبل التلبس بها وبعض الفقهاء يرى الطهارة شرطًا لصحة العبادة، وذلك في طهارة الثوب والبدن والبقعة في الصلاة، وهذا ما سوف يخصص له فصل مستقل إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 3009

الفصل الثاني في الصلاة مع التلبس بالنجاسة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • وجوب الشيء لا يستلزم الشرطية حتى يستلزم انتفاؤه انتفاء المشروط، كما جاء في طهارة الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. [م-٥٣٩] إذا صلى المصلي، وهو متلبس بالنجاسة، عالمًا بها، قادرًا على إزالتها، فما حكم ذلك، وهل تصح صلاته؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقيل: إن الطهارة من الخبث شرط في صحة الصلاة، ومن صلى، وهو متلبس بالنجاسة، عالمًا بها قادرًا على إزالتها، فصلاته باطلة.

стр. 3010

وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤). وقيل: الطهارة من الخبث سنة، اختاره بعض المالكية (٥). وقيل: إن صلى بالنجاسة ناسيًا أو جاهلًا أو مضطرًا أعاد صلاته في الوقت، وإن صلى عالمًا متعمدًا غير مضطر أعاد أبدًا، وهذا القول هو رواية ابن القاسم، عن مالك ﵀ (٦). وقيل: تجب الطهارة من النجاسة، فإن صلى بالنجاسة عالمًا متعمدًا فصلاته صحيحة مع الإثم، ويعيد ما دام في الوقت وهو قول في مذهب المالكية (٧)، اختاره

стр. 3011

الشوكاني (١). فبهذه الأقوال يتبين لنا أن الأقوال كالتالي. الأول: أن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة على اختلاف بينهم، هل تسقط مع الجهل والنسيان أو لا؟ الثاني: أنها سنة، ويستحب له أن يعيد الصلاة ما دام في الوقت. الثالث: أن الطهارة واجبة للصلاة، وتصح الصلاة بدونها مع الإثم. • دليل من قال: إن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة: الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤]. أمر الله بطهارة الثياب، والمقصود فيه في الصلاة؛ لأن طهارتها خارج الصلاة ليست واجبة إجماعًا. • وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أن المراد بالثياب غير اللباس، وإنما المقصود بالثياب القلب، وتطهيره من

стр. 3012

الشرك، خاصة أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن، فهي قد نزلت قبل الأمر بالصلاة والوضوء. ولو حملنا الآية على طهارة الثياب الظاهرة، فإن الآية فيها الأمر بتطهير الثياب، وهو مطلق، ليس فيه أن ذلك خاص بالصلاة، فهل تقولون بوجوب طهارة الثياب من النجاسة مطلقًا، ولو خارج الصلاة؟ فإن قلتم ذلك، فإن الإجماع منعقد على أنه لا يجب على الإنسان الطهارة من الخبث إلا حال الصلاة (١)، وإن قلتم إن الآية مقيدة بالصلاة فقط، قلنا: لكم، إن الصلاة وقت نزول الآية لم تكن معلومة للرسول ﷺ ، وإنما علمه جبريل كيفية الصلاة بعد أن فرضها الله عليه ليلة الإسراء. وقد جاء في اللغة ما يدل على إطلاق الثياب على غير اللباس: يقال: فلان طاهر الثياب، إذا لم يكن دنس الأخلاق قال امرؤ القيس: ثياب بني عوف طهارى نقية. وقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤]، معناه: وقلبك فطهر، وعليه قول عنترة: فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم أي شككت قلبه. وقيل: معنى وثيابك فطهر: أي نفسك. وقيل: معناه لا تكن غادرًا، فتدنس ثيابك؛ فإن الغادر دنس الثياب. قال ابن سيده: ويقال للغادر: دنس الثياب. وقيل: معناه: وثيابك فقصر؛ فإن تقصير الثياب طهر؛ لأن الثوب إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن تصيبه نجاسة، وقصره يبعده من النجاسة. وقيل معنى قوله: وثيابك فطهر، يقول: عملك فأصلح. وروى عكرمة، عن ابن عباس في قوله : (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤]،

стр. 3013

يقول: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على فجور وكفر، وأنشد قول غيلان: إني بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من خزية أتقنعا (١). واللفظ إذا منع مانع من حمله على ظاهره، وكان للتأويل وجه في اللغة العربية لم يمنع من حمله عليه، فالأصل في لفظ (الثياب) هو إطلاقها على اللباس الظاهر، لكن منع من ذلك ما سبق أن ذكرناه من كون الآية نزلت قبل فرض الصلاة والوضوء. الجواب الثاني: سلمنا أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي، وهو اللباس الظاهر، فإن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب، والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطًا: حكمٌ شرعيٌ وضعيٌ، لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل بدونه نفيًا متوجهًا إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به. فلم يأت من الشارع قوله: لا صلاة إلا بالطهارة من الخبث، أو من لم يتطهر من الخبث فلا صلاة له. أو لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا بالتطهر من الخبث، كما قال في الطهارة من الحدث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٢). وما دام أنه لم يأت ما يفيد الشرطية فلا يصح القول بالشرطية. • ورد هذا الجواب: بأن قولكم: إن الآية نزلت قبل الأمر بالصلاة، وفي هذا دليل على أن المراد القلب، فغير صحيح، لجواز أن يكون النبي ﷺ خص بذلك في أول الإسلام، وفرض عليه دون أمته، ثم ورد الأمر بذلك لأمته.

стр. 3014

وجواب ثان: وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيحتمل أن يكون قد اتبع في الصلاة شرع من قبله من النبيين، فأوجب ذلك اتباعهم، وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت. والذي يرجح أن المراد بالثياب اللباس الظاهر أننا لو حملنا الثياب على ترك المعاصي لكان في سياق الآيات تكرار، فإن قوله: وثيابك فطهر والرجز فاهجر؛ فإن هجر الرجز من معانيه هجر المعاصي، فتكون هذه قرينة على أن المراد بالثياب اللفظ الحقيقي المتبادر إلى الذهن، وهو طهارة اللباس الظاهر. وهذا الكلام جيد، إلا أن التعميم بعد التخصيص، والتخصيص بعد التعميم كلاهما وارد في كتاب الله. فمن الأول قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: ٤]. فإن جبريل من الملائكة، فذكر الله عموم الملائكة بعد تخصيص جبريل بالذكر، وهذا منه. ومثال التخصيص بعد التعميم، قوله تعالى: (مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) [البقرة: ٩٨]. فهنا ذكر الملائكة على سبيل العموم ثم خص بالذكر جبريل وميكال، ومثله قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]، وليس هذا على وجه التكرار، بل لمزيد عناية واهتمام. والقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فنكون مخاطبين بطهارة الثياب من النجاسة، هذا القول بعيد عن الصواب، فإن الصحابة لم ينقل عنهم أنهم كانوا يصلون على طريقة أهل الكتاب، ولم يكلفوا بالصلاة إلا بعد الإسراء، وهل يقول أحد: بأن أول الإسلام كان المسلمون مخاطبين في تعلم ديانة أهل الكتاب أو غيرها من الديانات؛

стр. 3015

لأن شرع من قبلهم شرع لهم، ما دام أنه لم يأت في شرعهم ما ينفيه، وأن الإنسان لو لم يقم بمثل هذا لكان مفرطًا؟ أو نقول: إن الأصل براءة الذمة حتى يأتي الخطاب المكلف من الشارع، كما قال سبحانه: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]، ولم يعمل بقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام: ١٤٦]. وأما قولكم: إنه يجوز أن يكون الرسول قد خص بالتكليف في الطهارة من الثياب وفي الصلاة، فإن كان الأمر من باب التجويز العقلي فهذا جائز، والأصل عدمه، وإن كان من باب الدعوى فأين الدليل على أن الرسول ﷺ قد كلف بالصلاة دون سائر أمته في أول الإسلام؟ والله أعلم. • الدليل الثاني على أن الطهارة شرط لصحة الصلاة: (١١٩٣ - ١٦٤) ما رواه البخاري، من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة، فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصلي فيه (١). وجه الاستدلال: فكونه ﷺ أمر بغسل الثوب من دم الحيض قبل الصلاة فيه، دليل على امتناع الصلاة وعدم صحتها في الثوب المتنجس بدم الحيض، وإذا كان وجود دم الحيض
следующие страницы →