وقيل: يحرم ويجزئ، وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: يحرم ولا يجزئ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣).
• تعليل الكراهة أو المنع:
قالوا: إن الكتب الشرعية يجب احترامها، لما فيه من علم محترم، وإزالة النجاسة بها إهانة لها، وهذا منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية تعتبر من المال، فلها قيمة شرعًا، وإزالة النجاسة بها إفساد لهذا المال، وإفساد الأموال منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية لا تخلو من أسماء الله ، ومن أحاديث شريفة يجب توقيرها، ولا يجوز إهانتها.
وقياسًا على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم، فإذا كان زاد الأبدان منهيًا عنه، فكذلك زاد الأرواح من العلوم الشرعية.
والكراهة التي عند الحنفية لا يبعد أن تكون كراهة تحريم، لا كراهة تنزيه، والله أعلم.
* * *
стр. 3047
المبحث الثاني في إزالة النجاسة بالأطعمة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث تنبيه على النهي عن الاستنجاء بكل ما هو محترم من طعام، أو كتب شرعية، أو مال له قيمة.
[م-٥٤٦] نهي رسول الله ﷺ عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام الجن وطعام دوابهم، فالنهي عن طعام الإنس وطعام دوابهم من باب أولى، والاستنجاء نوع من إزالة النجاسة عن البدن.
وكما أنه إذا نهي عن الاستنجاء بها نهي عن التبول عليها من باب أولى.
(١٢٠٣ - ١٧٤) فقد روى مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال:
سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا
стр. 3048
هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (١).
ولهذا ذهب الأئمة الأربعة (٢)
إلى تحريم الاستنجاء بالطعام.
وإذا خالف واستنجى أجزأه إذا حصل الإنقاء عند الحنفية والمالكية.
وقيل: لا يجزئ في مذهب الشافعية والحنابلة.
ومثل طعام الآدمي طعام البهيمة فلا يستنجي به (٣).
стр. 3049
ولأن الاستنجاء بالطعام مناف لشكر النعمة وتعظيمها، وعدم امتهانها، وقد ينتفع بها حيوان، أو طير، أو غيرهما من دواب الأرض.
وأجاز بعض الفقهاء إزالة النجاسة ببعض الأطعمة إذا اضطر إلى ذلك كما لو لم يكن هناك ماء، أو كان الماء لا يكفي في تطهير المحل المتنجس.
(١٢٠٤ - ١٧٥) واستدل لذلك بما ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت،
عن امرأة من بني غفار، قالت: أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله. قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ، ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، فكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك، وخذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. الحديث (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال: استعمال الملح في إزالة دم الحيض، والملح مطعوم.
قال الخطابي تعليقًا على هذا الحديث: «فيه من الفقه أنه استعمل الملح في غسل الثياب وتنقيته من الدم، والملح مطعوم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان ثوبًا من إبريسم يفسده الصابون، وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه، ويجوز على هذا التدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بدقيق الباقلى والبطيخ ونحو ذلك من الأشياء التي لها قوة الجلاء.
وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: «دخلت الحمام بمصر، فرأيت الشافعي
стр. 3050
يتدلك بالنخالة» (١).
وأجاز الحنفية (٢) وهو قول في مذهب الحنابلة (٣)، إزالة النجاسة بالخل، والخل قد قال فيه الرسول ﷺ : نعم الإدام الخل (٤).
وقال النووي: «اتفق أصحابنا على تحريم الاستنجاء بجميع المطعومات كالخبز واللحم والعظم وغيرها، وأما الثمار والفواكه فقسمها الماوردي تقسيمًا حسنًا، فقال: منها ما يؤكل رطبًا لا يابسًا، كاليقطين فلا يجوز الاستنجاء به رطبًا، ويجوز يابسًا إذا كان مزيلًا.
ومنها ما يؤكل رطبًا ويابسًا وهو أقسام:
أحدها: مأكول الظاهر والباطن، كالتين والتفاح والسفرجل وغيرها، فلا يجوز الاستنجاء بشيء منه رطبًا ولا يابسًا.
والثاني: ما يؤكل ظاهره دون باطنه، كالخوخ والمشمش وكل ذي نوى فلا يجوز بظاهره، ويجوز بنواه المنفصل.
والثالث: ما له قشر ومأكوله في جوفه كالرمان، فلا يجوز الاستنجاء بلبه، وأما قشره فله أحوال:
أحدها: لا يؤكل رطبا ولا يابسًا كالرمان، فيجوز الاستنجاء بالقشر، وكذا لو استنجى برمانة فيها حبها جاز إذا كانت مزيلة.
والثاني: يؤكل قشره رطبًا ويابسًا كالبطيخ، فلا يجوز رطبًا ولا يابسًا.
стр. 3051
والثالث: يؤكل رطبًا لا يابسًا كاللوز والباقلاء، فيجوز بقشره يابسًا لا رطبًا.
ثم قال: وقال البغوي: إن استنجى بما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز اليابس كره وأجزأه، فإن انفصل القشر جاز الاستنجاء به بلا كراهة، والله أعلم (١).
والصحيح أن إزالة النجاسة بالأطعمة إن كان مع وجود الماء، واستوى الماء وغيره في النظافة، فأقل أحواله أن يكون مكروهًا، والقول بالتحريم وجيه جدًّا؛ لأن في ذلك إفسادًا للطعام وامتهانًا له، وقد يأكله حيوان أو دواب الأرض، وليس هذا الصنيع من شكر النعمة، فإن احتاج له في زيادة تنظيف أو قلع لون النجاسة أو نحوها، أو كان الماء غير متوفر، فإنه والله أعلم قد يباح في ذلك قدر الحاجة، قال ابن تيمية: لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة (٢).
* * *
стр. 3052
المبحث الثالث في إزالة النجاسة بالعظام والروث
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• النهي عن الشيء لذاته يقتضي فساد المنهي عنه، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه.
وبعبارة أخرى:
• كل منهي عنه له جهتان: أحدهما مأمور به، وهو الاستنجاء، والأخرى منهي عنه كونه في عظم أو روث، فإذا نفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد.
• الحكم بالنجاسة معلل، فإذا زالت بأي مزيل زال حكمها.
[م-٥٤٧] منع الشافعية (١)، والحنابلة (٢) الاستنجاء بالعظام والروث وهو نوع من إزالة النجاسة عن البدن، واختاره ابن حزم من الظاهرية (٣).
стр. 3053
وقيل: يستنجي بهما، وهو اختيار أشهب من المالكية (١).
وقيل: لا يستنجي بهما، وإن خالف وأزال النجاسة أجزأه، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وابن تيمية من الحنابلة (٤).
(١٢٠٥ - ١٧٦) والصحيح أنه لا يجوز الاستنجاء بالعظم والروث لما رواه البخاري، من طريق أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه
أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٥).
(١٢٠٦ - ١٧٧) ولما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،
عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من
стр. 3054
طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (١).
فإن كان العظم والروث طاهرين، فعلة النهي أنهما طعام إخواننا من الجن، وطعام دوابهم.
وإن كان العظم والروث نجسين، فالعلة ماذكره رسول الله ﷺ : فألقى الروثة وقال: هذا ركس (٢).
فقوله ﷺ : (هذا ركس): أي نجس. وقد سبق الكلام على أدلة الأقوال في المسألة في (الطهارة بالاستنجاء والاستجمار) فأغنى عن إعادته كاملًا هنا.
* * *
стр. 3055
الباب السادس في كيفية إزالة النجاسة
الفصل الأول في إزالة النجاسة بالماء
المبحث الأول في مشروعية إزالة النجاسة بالماء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.
• بذل المال في مقابل المنفعة لا يعد إتلافًا.
• إذا صح بذل الماء لتطهير الثوب صح بذله لتطهير البدن بل هو أولى.
• الماء أنزله الله طاهرًا مطهرًا، وبذله في ذلك موافق لمقصد الشارع قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً)، وقال: (لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ).
[م-٥٤٨] يجوز إزالة النجاسة بالماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة في ذهابهم إلى
стр. 3056
مشروعية الاستنجاء بالماء (١).
ولا أعلم أحدًا منع من إزالة النجاسة بالماء إلا ما ورد عن بعض السلف من النهي عن الاستنجاء بالماء، والاكتفاء عنه بالاستجمار بالحجارة. وهو مرجوح (٢).
стр. 3057
• دليل من قال: يجوز إزالة النجاسة بالماء:
الدليل الأول:
(١٢٠٧ - ١٧٨) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء، قالت:
جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (١).
الدليل الثاني:
(١٢٠٨ - ١٧٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت،
عن أنس بن مالك، أن أعرابيًا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصب عليه، ورواه مسلم (٢).
الدليل الثالث:
(١٢٠٩ - ١٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد ابن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،
سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (٣).
стр. 3058
• دليل من قال: لا يستنجي بالماء:
ذكرت أدلتهم في الطهارة بالاستنجاء والاستجمار، في مسألة: الاستنجاء بالماء، وأجبت عنها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
* * *
стр. 3059
المبحث الثاني في تعين الماء لإزالة النجاسة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.
• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الماء.
• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.
• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟
وعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (١).
[م-٥٤٩] اختلف العلماء هل يتعين الماء في إزالة النجاسة؟
فقيل: لا تزال النجاسة إلا بالماء الطهور.
стр. 3060
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ومحمد وزفر من الحنفية (٤).
وقيل: النجاسة لا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وهو المشهور من مذهب الحنفية (٥)، واختيار ابن تيمية (٦).
وقيل: إن نص الشارع على تطهيره بالماء كنجاسة دم الحيض والمذي لم يجز العدول إلى غيره.
وإن نص الشارع على غير الماء كطهارة النعلين، فيجوز الاقتصار عليه.
стр. 3061
ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره بالتطهير.
وإن كان الشارع لم ينص على مادة التطهير، وجب الاقتصار على الماء فقط. وهذا القول اختيار الشوكاني ﵀ (١).
وسبب الاختلاف بين الفقهاء: اختلافهم في فهم الأدلة الواردة في هذا الباب، فقد أرشد الرسول ﷺ إلى تطهير دم الحيض وبول الأعرابي والمذي والكلب يلغ في الإناء وآنية أهل الكتاب إذا لم يوجد غيرها ونحو ذلك إلى تطهيرها بالماء في أحاديث صحيحة، وكل هذه الأحاديث قد ذكرت في مسائل سابقة متفرقة، فأخذ منها الجمهور أن النجاسة لا تزال إلا بالماء.
وقاس عليه الحنفية كل مائع مزيل للنجاسة.
وورد الاستجمار بالحجارة، وهي إزالة للنجاسة بغير الماء، كما ثبت طهارة النعل بدلكها بالتراب، وذيل المرأة يمر بالمكان النجس يطهره ما بعده من التراب الطهور، والهرة تأكل الفأرة يطهره ريقها، والخمر يتخلل فيطهر بنفسه بدون أن يضاف إليه ماء طهور، والمسلم يشرب الخمر فيطهر الريق فمه على القول بنجاسة الخمرة، فأخذ منها بعض العلماء جواز إزالة النجاسة بكل مزيل، سواءً كان مائعًا أو جامدًا.
وأجاب الجمهور عن الاستجمار بالحجارة بأنه خاص في موضعه لعموم البلوى فيه، فإذا تجاوز الخارج موضع العادة تعين الماء عند الجمهور (٢)، وتعين المائع المزيل عند الحنفية (٣)، ولا يوجد دليل على أن إزالة النجاسة بالأحجار خاص بالاستجمار،
стр. 3062
والقياس يقتضي جواز إزالة النجاسة بالحجارة في أي موضع على البدن.
كما حملوا تطهير النعل بالدلك على نجاسة يابسة لا تتعدى، فإذا دلكها بالتراب سقطت وأما المحل فلم يتنجس أصلًا، وبعضهم يرى أن النعل نجس نجاسة معفوًا عنها تخفيفًا من الشارع، وسيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله تعالى، ومثله ذيل المرأة.
وقد بحثت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية وترجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل فقد زال حكمها، فأغنى عن إعادته هنا (١).
* * *
стр. 3063
المبحث الثالث تكرار الغسل في إزالة النجاسة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.
• لم يرد التكرار في غسل النجاسة إلا في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، وفي الاستجمار ثلاثًا إذا أنقى بما دونها.
• التكرار في غسل النجاسة راجع إما إلى تغليظ النجاسة كنجاسة الكلب، وإما إلى ضعف المطهر كالاستجمار بالحجارة.
[م-٥٥٠] اختلف العلماء في وجوب تكرار غسل النجاسة بالماء،
فقيل: إن كانت النجاسة مرئية كالدم يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها، وإن كانت غير مرئية وجب غسلها ثلاثًا، وذلك مثل نجاسة ولوغ الكلب ونحوها، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يجب العدد في غسل النجاسات مطلقًا ما عدا الكلب، وهو مذهب
стр. 3064
مالك (١)، والشافعية، إلا أن الشافعية ألحقوا الخنزير بالكلب (٢).
وسوف يأتي الخلاف في كيفية التطهير من نجاسة الكلب والخنزير إن شاء الله تعالى.
وقيل: يجب غسل جميع النجاسات سبعًا، إلا نجاسة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، والنجاسة التي على الأرض، وهو مذهب الحنابلة (٣).
• سبب اختلاف الفقهاء في وجوب العدد:
أن العدد ورد في غسل بعض النجاسات كغسل نجاسة الكلب، حيث ورد غسلها سبعًا، كما ورد العدد في غسل اليدين من القيام من نوم الليل، وفهم منه بعض العلماء أن الغسل إنما هو لمظنة النجاسة، فقالوا: إذا كان العدد ورد في النجاسة المظنونة، فكيف بالنجاسة المتيقنة، كما ورد العدد في الاستجمار بالحجارة، فأخذ منه الحنابلة الأمر بغسل النجاسات سبعًا، وأخذ الحنفية الأمر بغسلها ثلاثًا في النجاسة غير المرئية، وورد في غسل دم الحيض بدون عدد، فأخذ منه العلماء أن النجاسة تزال بدون عدد، ويكفي فيه غسلة تذهب بعين النجاسة، وهذا هو الراجح، وأنه يكفي في غسل النجاسات غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فإن لم تذهب كرر ذلك حتى تذهب. والله أعلم.
وقد ذكرت أدلة كل قول ومناقشتها في كتاب الحيض والنفاس في مسألة في وجوب تكرار الغسل من دم الحيض، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد، وقد ترجح لي أن النجاسة لا يشترط في إزالتها عدد معين، وإنما يغسلها حتى تذهب عينها، فإذا ذهبت فقد زال حكمها، إلا في طهارة الكلب فيجب غسلها سبعًا أولاهن بالتراب، وفي الاستجمار بالحجارة لا بد من ثلاثة أحجار مع الإنقاء والله أعلم.
* * *
стр. 3065
المبحث الرابع في بقاء لون أو رائحة النجاسة بعد التطهير
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• بقاء طعم النجاسة يدل على بقاء جزء منها.
• لون النجاسة وريحها إذا شق إزالتها عفي عنها.
[م-٥٥١] إذا غسل المحل المتنجس، فإن بقي طعم النجاسة فهو ما زال نجسًا بلا خلاف،
حكاه النووي في المجموع (١)، وعلل ذلك: بأن بقاء الطعم يدل على بقاء جزء من النجاسة.
وحكى صاحب الإنصاف خلافًا للحنابلة في الطعم (٢).
وإن بقي اللون أو الرائحة أو هما معًا فقد اختلف العلماء.
стр. 3066
فقيل: لا يضر بقاء أحدهما أو بقاؤهما معًا إذا شق إزالتهما، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: إن بقي اللون والرائحة معًا فإن المحل لم يطهر، وأما إن بقي أحدهما وشقت إزالته فلا يضر، وهذا هو القول المعتمد عند الشافعية (٤).
وقيل: يعفى عن اللون دون الريح، اختاره بعض الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
• دليل من قال: لا يضر بقاء اللون والرائحة معًا:
الدليل الأول:
(١٢١٠ - ١٨١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا موسى بن داود الضبي، حدثنا
ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة،
عن أبي هريرة، أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ في حج أو عمرة فقالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره (٧).
стр. 3067
[ضعيف، فيه ابن لهيعة، وقد اضطرب في إسناده] (١).
الدليل الثاني:
أن الله أمر بتطهير النجاسات بالماء وحده، كما في غسل دم الحيض، ومعلوم أن الماء وحده ليس من شأنه إزالة أثر النجاسة، فلو كانت إزالة الأثر مشترطة لأرشد الشارع إلى مطهر آخر، كما أرشد في تطهير ولوغ الكلب إلى التراب مثلًا.
стр. 3068
الدليل الثالث:
(١٢١١ - ١٨٢) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:
قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها (١).
وجه الاستدلال:
أن الريق وحده لا يمكن أن يذهب بلون النجاسة، ولا يقطع رائحتها، وهذا دليل على أن ذهاب اللون والرائحة ليس بشرط، خاصة إذا كان يتعسر إزالتهما.
الدليل الرابع:
(١٢١٢ - ١٨٣) ما رواه البيهقي من طريق شعبة، عن يزيد الرشك،
عن معاذة، قالت: سألت عائشة ﵂ عن الدم يكون في الثوب، فأغسله، فلا يذهب أثره، فقالت: الماء طهور.
[صحيح] (٢).
стр. 3069
الدليل الخامس:
أن في اشتراط ذهاب اللون والرائحة فيه كلفة ومشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة.
الدليل السادس:
أن اللون والرائحة عرض، وليس عينًا، وبالتالي لا يضر بقاؤهما مع تعسر إزالتهما.
стр. 3070
الدليل السابع:
إذا باشر المستنجي الاستنجاء بيده فإنه مهما غسل يده فإنه يبقى فيها شيء من رائحة النجاسة، ولو كانت إزالة رائحة النجاسة شرطًا لأوجب الشارع على المستنجي إزالة هذه الرائحة من يده، أو عدم مباشرة إزالتها بيده، ومع ذلك كان الصحابة يستنجون بالماء، ويباشرون ذلك بأيديهم، ولم يكن هناك مطهرات معطرة تذهب برائحة النجاسة، ولم يأت في الشرع ما يوجب ذلك، فدل على أن بقاء رائحة النجاسة ليس مؤثرًا في طهارة المحل.
• دليل من قال: يشترط إزالة اللون والرائحة:
قالوا: ما دام أن لون النجاسة أو رائحتها باقية فهذا دليل على وجودها، وإذا كانت النجاسة موجودة فالمحل نجس؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
• وأجيب:
لا نسلم أن النجاسة موجودة مع بقاء اللون؛ لأن اللون كما قلنا عرض، فهذا الحناء يوجد لونه على البدن أو على الشعر ولا يمنع وصول الماء، ولو كان الحناء موجودًا لمنع وصول الماء، وعلى التسليم بأنه موجود فإنه معفو عنه، للمشقة في إزالته، ولا يكلف الله نفسًا إلى وسعها.
• دليل من فرق بين الرائحة واللون:
قالوا: إنما قلنا يعفى عن اللون دون الريح؛ لأن المشقة في إزالة اللون ظاهرة، والمشقة مرفوعة، بخلاف الريح فلا يشق إزالتها.
والحقيقة لو أن هذا القول عكس الحكم لكان ربما يكون له وجه؛ لأن اللون دليل على بقاء النجاسة بخلاف الريح، والفقهاء دائمًا يخففون مسألة الريح، ولذلك قالوا لو تروح الماء بنجاسة مجاورة فهو طهور، بخلاف ما لو تغير لونه من النجاسة
стр. 3071
فإنه نجس، وهذا دليل على التفريق بين اللون والرائحة، وأن اللون أشد تأثيرًا من الرائحة، والله أعلم.
• القول الراجح:
بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن قول الجمهور أقوى من حيث الدلالة، وأن اللون والرائحة إذا شق إزالتهما فإن ذلك لا يؤثر على طهارة المحل، والله أعلم.
* * *
стр. 3072
المبحث الخامس في إضافة مطهر مع الماء لإزالة اللون أو الرائحة
[م-٥٥٢] اختلف العلماء في إزالة اللون أو الرائحة بإضافة مطهر مع الماء:
فقيل: لا يجب الاستعانة بغير الماء، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: يستحب، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقال ابن مفلح: يتوجه احتمال أنه يجب، وكلام أحمد يحتمله (٣).
واختاره بعض الحنابلة في التراب (٤).
• دليل من قال لا يجب الاستعانة بغير الماء:
الدليل الأول:
الأدلة التي سيقت في المسألة التي قبل هذه، من كون اللون والرائحة لا تجب
стр. 3073
إزالتهما مع المشقة.
الدليل الثاني:
أن النصوص أرشدت إلى غسل النجاسة بالماء، وبعض النجاسات كدم الحيض لا يزيل الماء لون النجاسة، فلو كانت الإزالة واجبة لأرشد الشارع إلى مطهر آخر، فلما اكتفى بالماء علم أن إضافة غير الماء ليس بواجب.
الدليل الثالث:
أرشد الشارع إلى إضافة التراب في تطهير ولوغ الكلب، ولم يرشد إلى ذلك في طهارة دم الحيض، مع كون الدم له لون يلصق بالثياب، بخلاف ريق الكلب، فلو كانت الإضافة واجبة في سائر النجاسات لأرشد إليها الشارع كما أرشد إليها في طهارة ولوغ الكلب، وما كان ربك نسيًا.
• دليل من استحب إضافة مطهر أخر إلى الماء لإزالة لون النجاسة:
الدليل الأول:
(١٢١٣ - ١٨٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء، والند، والسدر.
[صحيح] (١).
وإنما لم نقل: إن الأمر للوجوب؛ لأنه قد ورد حديث أسماء الاقتصار على الماء، وهو متفق عليه.
стр. 3074
الدليل الثاني:
(١٢١٤ - ١٨٥) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت،
عن امرأة من بني غفار -وقد سماها لي- قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار، فقلنا له: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا -وهو يسير إلى خيبر- فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية حديثة، فأردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ، ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، فكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي، ورأى الدم، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك، وخذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. الحديث (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 3075
الدليل الثالث:
(١٢١٥ - ١٨٦) ما رواه أبو داود، من طريق عبد الوارث، حدثتني أم الحسن يعني جدة أبي بكر العدوي،
عن معاذة قالت: سألت عائشة ﵂ عن الحائض يصيب ثوبها الدم، قالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا (١).
[ضعيف، وزيادة (كنت أحيض ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا) زيادة منكرة، تفردت بها أم الحسن، وفيها جهالة، والحديث ثابت عن معاذة من طرق أخرى دون هذه الزيادة] (٢).
• دليل من قال بوجوب إضافة شيء إلى الماء إذا أمكن إزالة لون النجاسة:
هذا القول لم يثبت عندي، وإنما ساقه ابن مفلح احتمالًا، فإن ثبت فلعل دليله، أنه مبني على وجوب إزالة لون النجاسة مع إمكان ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والله أعلم.
стр. 3076
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول الوسط، وهو استحباب إزالة اللون بمادة أخرى إذا لم يذهب بالماء أقوى، لقوة أدلته وتعليلاته، ويكفي أنه مذهب لأم المؤمنين ﵂ عائشة الصديقة بنت الصديق، والله أعلم.
* * *
стр. 3077
المبحث السادس في اشتراط عصر الثياب النجسة عند غسل النجاسة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• غسالة النجاسة ما دامت على المحل فهي ليست نجسة فلا موجب لإخراجها بالعصر، وكذلك إذا انفصلت غير متغيره على الراجح.
[م-٥٥٣] اختلف العلماء في اشتراط العصر في الأشياء التي تتشرب النجاسة كالثياب ونحوها،
فقيل: يشترط العصر، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: لا يشترط عصرها، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، واختيار أبي
стр. 3078
يوسف من الحنفية (١).
• دليل من قال يشترط العصر:
الدليل الأول:
(١٢١٦ - ١٨٧) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء، قالت:
جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (ثم تقرصه) قال ابن حجر: أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه (٣).
• وأجيب:
بأن الحت والقرص ليس واجبًا، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث ذلك في مسألة مستقلة.
الدليل الثاني:
قالوا: إن الثياب تتشرب النجاسة، ومرور الماء على الثياب دون عصرها
стр. 3079
لا يستخرج أجزاء النجاسة من الثوب، ولهذا اشترطنا العصر في الثياب.
الدليل الثالث:
أن غسالة النجاسة نجسة، وإذا كانت نجسة كان وجودها في الثوب سببًا في بقائه نجسًا، فيجب إخراجها من الثوب حتى يمكن الحكم له بالطهارة.
• دليل من قال: لا يشترط العصر:
الدليل الأول:
(١٢١٧ - ١٨٨) ما رواه البخاري من طريق همام، أخبرنا إسحاق،
عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابيًا يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
معلوم أن الأرض تتشرب النجاسة، ومع ذلك اكتفى بصب الماء عليها، فإن قيل: إن الأرض لا يمكن عصرها. قيل: يمكن نقل غسالة النجاسة، بل يمكن حفر الأرض المتنجسة قبل تطهيرها، فلما لم يأمر بنقل غسالة النجاسة مع إمكانه علم أن المحل طهر بمجرد صب الماء عليه، فدل على أن عصر الثوب لإخراج غسالة النجاسة ليس شرطًا في الطهارة، والتفريق بين الأرض والثياب تفريق بغير دليل، بل قياس الثياب على الأرض هو الفقه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(١٢١٨ - ١٨٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا
стр. 3080
بماء، فأتبعه إياه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أتبع البول الماء، ولم يعصر الثوب.
الدليل الثالث:
الأصل عدم وجوب العصر، ولم يأت في الشرع ما يرشد إلى عصر الثياب حين غسلها، ولو كان العصر واجبًا لجاء الأمر به، كما جاء في حت الدم وقرصه بالماء، ومن غسل ثوبه حتى ذهبت عين النجاسة وطعمها وريحها فقد طهر الثوب، وفعل ما أمر به.
الدليل الرابع:
لم يقم دليل على أن غسالة النجاسة نجسة، وإذا انفصل الماء عن المحل ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن إخراج الغسالة إخراجًا للنجاسة حتى يجب إخراجه بالعصر، وسوف تبحث غسالة النجاسة في بحث مستقل من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وهذا القول هو الراجح.
* * *
стр. 3081
المبحث السابع في حكم الحت والقرص
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• النجاسة عين خبيثة، متى زالت أو أزيلت فقد زال حكمها.
[م-٥٥٤] اختلف العلماء في حكم الحت والقرص،
فقيل: يستحب، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: يجب إن لم تذهب النجاسة بدونهما، ولم يتضرر المحل بهما، وهو قول في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
• دليل من قال بالاستحباب:
(١٢١٩ - ١٩٠) ما رواه البخاري، من طريق مالك عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت:
стр. 3082
سألت امرأة رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل فيه.
وفي رواية: قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (١).
وجه الاستدلال:
بين الرسول في الثوب الذي أصابته نجاسة الدم أنها تحته ثم تدلكه بالماء، ثم تغسله، ثم تصلي فيه، وهذا على وجه الاستحباب؛ لأن غسل الدم كاف في طهارته، ولأن المطلوب إزالة النجاسة، فكيف زالت فقد زال حكمها، ولم يتعين الحت والقرص في إزالتها، فلو غسلت الدم حتى زالت عين النجاسة بدون حت وقرص فقد حصل المطلوب وطهر الثوب.
• دليل من قال بالوجوب:
قوله ﷺ : (فلتقرصه) أمر منه ﷺ ، والأصل في الأمر الوجوب حتى يوجد صارف يصرفه عن ذلك.
والراجح، والله أعلم أن زوال عين النجاسة إن توقف على الحت، ولم يذهب بالغسل فإنه واجب لا لذاته، وإنما لأن إزالة النجاسة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن زال عين النجاسة بمجرد مرور الماء على الثوب فقد حصل المطلوب، والله أعلم.
* * *
стр. 3083
المبحث الثامن في كيفية تطهير المذي
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المذي بمنزلة البول.
• الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه.
[م-٥٥٥] لما كان المذي قد نص على تطهيره بالماء ناسب ذكر كيفية تطهيره في باب كيفية إزالة النجاسة بالماء، وقد اختلف الفقهاء في الطهارة من المذي، هل يتعين الماء، أو تكفي الحجارة؟
فقيل: يتعين الماء وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)،
стр. 3084
على خلاف بينهم هل يجب غسل موضع الحشفة فقط كما هو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ونسبه النووي للجمهور (٣)، ورجحه ابن عبد البر (٤).
أو يجب غسل الذكر كله، وعليه أكثر أصحاب مالك (٥)، وهو رواية عن أحمد (٦).
أو يجب غسل الذكر كله مع الأنثيين، كما هو مذهب الحنابلة، وذكروه من المفردات (٧)، وهو مذهب ابن حزم (٨).
وقيل: يجزئ الاستجمار، وهو قول في مذهب الشافعية (٩).
وقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (١٠).
وسبب اختلاف الفقهاء اختلافهم في الأحاديث الواردة في ذلك:
فمن أوجب غسل الذكر كله، أخذه من حديث علي المتفق عليه، وفيه: «يغسل ذكره ويتوضأ» هذا لفظ مسلم، ورواه البخاري بنحوه (١١).
стр. 3085
فقوله: (يغسل ذكره): حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر.
ومن قال: يغسل موضع الحشفة: قالوا: إن من غسل مخرج المذي من الذكر فقد غسل ذكره، فإيجاب غسل الذكر كله لا دليل عليه من الشرع.
وقد صح عن ابن عباس أنه يقول: تارة: (يغسل ذكره) وتارة يقول: (يغسل حشفته) فدل على أن مراده بقوله: (اغسل ذكرك) أي الحشفة، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره؛ لأنه عربي قح لم تدخل لسانه العجمة، وهو ممن روى عن علي حديث غسل الذكر من المذي، فلو كان يقتضي ذلك غسل الذكر كله لكان ابن عباس أولى بفهم ذلك من غيره.
وقياسًا على البول فإن الإنسان لا يغسل فيه الذكر كله.
ومن رأى أن الاستجمار لا يكفي استدل بقوله في الحديث: (يغسل ذكره) فهذا دليل على أن الاستجمار لا يكفي، قال ابن عبد البر: وليس في أحاديث المذي على كثرتها ذكر الاستجمار (١).
وأما من قال: يغسل أنثييه: فاستدل بحديث علي، ففي رواية منه، قال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ (٢).
وهذه الزيادة لا تثبت عن النبي ﷺ ، وقد ضعفها أحمد في سؤالات أبي داود (٣).
وأما من قال: إن الاستجمار يكفي، فقد قاسه على البول:
وقد عرضت أدلة كل قول، والجواب عنها، فأغنى عن إعادته هنا (٤).
* * *