← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

الدليل الثاني: أن الأجسام الصقيلة ليس فيها مسام فلا تدخلها النجاسة، فإذا مسحت رجعت كما كانت قبل إصابتها للنجاسة، وهذا هو المطلوب في الطهارة. الدليل الثالث: أن النجاسة عين خبيثة، فمتى زالت فقد زال حكمها. • دليل من قال: لا بد من غسلها: يرى أصحاب هذا القول أن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق، وقد نوقشت أدلته مع بيان الجواب عليها في بحث مستقل تحت عنوان: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ فارجع إليه غير مأمور. * * *

стр. 3117

الفرع الثاني في الاستجمار بالحجارة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • استعمال الحجارة منه ما هو تعبدي كرمي الجمار، فلا يجزئ غيره، ومنها ما هو معلل كالاستجمار، ولهذا عدي إلى كل طاهر منق غير مضر ولا محترم. • لو كان الحجر متعينًا لكان تعليل الروثة بأنها ليست بحجر أولى من ردها بعلة أنها ركس. [م-٥٦١] اختلف العلماء في جواز الاستجمار بالحجارة: فقيل: يجوز الاستجمار بالحجارة، ولو مع وجود الماء والقدرة عليه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)، مع أن الحجر قد لا ينقي المحل، فلا بد أن يبقى به أثر لا يزيله إلا

стр. 3118

الماء، وهذا من تيسير الشريعة، ومن التخفيف الذي وضعه الله عن عباده، خاصة أن الإنسان قد يحتاج إلى قضاء حاجته في مكان لا يوجد فيه ماء، فكان من سعة الله على عباده أن يسر لهم إزالتها بأي مزيل من أحجار ونحوها. وقيل: لا يجوز الاستجمار بالحجارة إلا لمن عدم الماء، وادَّعى أن العمل بالاستجمار قد ترك العمل به، اختاره ابن حبيب من المالكية (١). وقد سبق ذكرنا أدلة كل قول، ومناقشتها وتبين أن الراجح منها جواز استعمال الحجارة في إزالة النجاسة، بل تجوز بكل مزيل، سواءً كان مائعًا أو جامدًا، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا (٢). * * *

стр. 3119

الفرع الثالث المسح هل يطهر حقيقة أو حكمًا مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • هل إطلاق النجس على المعفو عنه مجاز شرعي تغليبًا لحكم جنسه عليه؟ أو أن إطلاق النجس على المعفو عنه حقيقة؛ لأنه يمنع لولا العذر، نظير الرخصة (١). [م-٥٦٢] معلوم أن الاستجمار -وهو إزالة للنجاسة بالمسح- يبقى بعده أثر لا يزيله إلا الماء، فهل الاستجمار والحالة هذه مطهر، أو أن المحل يبقى نجسًا معفوًا عنه، في هذا اختلف العلماء. فقيل: طهارة الاستجمار طهارة حكمية، أي يبيح للمسلم فعل الصلاة، وليس رافعًا للنجاسة، فالمحل نجس معفو عنه. وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنفية (٤)، الحنابلة (٥).

стр. 3120

وقيل: الاستجمار طهارته طهارة حقيقية، وهو القول الثاني في مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢). وقد ذكرت أدلة المسألة في المجلد السابع، في مسألة: الأثر المتبقي بعد الاستجمار فارجع إليه إن شئت. * * *

стр. 3121

الفرع الرابع وجوب تكرار المسح في إزالة النجاسة [م-٥٦٣] علمنا عند الكلام على كيفية التطهير بالماء: خلاف العلماء في وجوب العدد في إزالة النجاسة، وفي هذه المسألة نبحث وجوب العدد في التطهير بالمسح، فقد اختلف العلماء في وجوب العدد في إزالة النجاسة بالحجارة، فقيل: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء، فكيف حصل أجزأ، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢). وقيل: لا بد من ثلاثة أحجار، فأكثر، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)،

стр. 3122

واختيار ابن حزم (١). وقد ذكرت أدلة كل قول مع بيان الراجح منها في المجلد السابع فأغنى ذلك عن إعادته هنا (٢). * * *

стр. 3123

المبحث الثاني في التطهير بالدلك مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه. • الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الماء. • النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها. • الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟ وعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (١). [م-٥٦٤] اختلف العلماء في التطهير بالدلك إلى أقوال: القول الأول: مذهب الحنفية: ذهب الحنفية إلى أن الدلك مطهر للنعل والخفاف خاصة، فلا يطهر بالدلك

стр. 3124

البدن مطلقًا، ولا يطهر الثوب بالدلك إلا في المني خاصة، ويشترطون أن تكون النجاسة لها جرم، فإن كانت بولًا لم يطهرها الدلك، ولا بد من الغسل، وهل يشترط في الجرم أن يكون جافًا؟ فيه قولان: أحدهما قول أبي حنيفة حيث ذهب إلى اشتراط أن يكون جرم النجاسة جافًا، فإن كان رطبًا تعين الغسل. وذهب أبو يوسف إلى عدم اشتراط الجفاف (١). القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى التفريق بين ذيل المرأة والنعل، فإذا أصاب الذيل نجاسة فإنه لا يطهرها إلا الماء، وحمل حديث أم سلمة على القشب اليابس يعلق بالثوب ثم ينظفه ما بعده، وليس هذا من باب تطهير النجاسة، وإنما هو من باب التنظيف (٢). وأما في النعل والخفاف فإن الدلك يطهر النعل من أرواث الدواب وأبوالها فقط يابسة كانت أو رطبة، فإن كانت النجاسة من غير أرواث الدواب وأبوالها، فإنه لا

стр. 3125

يعفى عنه، ولا بد من غسله (١). وهل الدلك في هذه الحالة مطهر أو يقال: إنه معفو عنه للمشقة، رجح ابن جزي الأول، ورجح خليل في مختصره وشراحه الثاني (٢). القول الثالث: مذهب الشافعية: يجب غسل ذيل المرأة وأسفل الخف مطلقًا، وهو قول الشافعي في الجديد (٣)،

стр. 3126

والمشهور من مذهب الحنابلة (١).

стр. 3127

وفي القديم للشافعي: التفريق بين ذيل المرأة والخف، فيغسل الأول ويعفى عن نجاسة تصيب أسف النعل بعد دلكها وهي يابسة (١). فتلخص لنا من هذا الخلاف أقوال: الأول: أن الدلك يطهر مطلقًا، في الرطب واليابس، في نعل المرأة وفي ذيلها. الثاني: أن الدلك لا يطهر مطلقًا. الثالث: أن الدلك يطهر النجاسة الجافة دون الرطبة. الرابع: أن الدلك يطهر الخف والنعل فقط دون ذيل المرأة. وبعض هذه الأقوال ذكرناها في الحاشية، ولم نذكرها في المتن؛ لأنها أقوال في بعض المذاهب ليست مشهورة، فلينتبه لهذا. وأما أدلة هذه المسألة فهي ترجع إلى مسألة بحثناها في فصل مستقل: وهي: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو أن النجاسة تزال بأي مزيل كان؟ فمن رأى أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء المطلق منع إزالة النجاسة بالدلك، وأجاب عن حديث ذيل المرأة بما نقله ابن عبد البر في التمهيد، بأن المقصود به النجاسة اليابسة التي تعلق بالثوب، وهي نجاسة لا تتعدى، فالفرك يسقط النجاسة، والمحل لم يتنجس أصلًا، وقد نقلنا كلامه عند عرض الأقوال. واعترض على هذا التفسير: بأن القشب اليابس لا يعلق بالثوب، وأي شيء يبقى حتى يقول ﷺ : يطهره ما بعده. وأجيب: بأن القشب قد يكون له غبار يعلق بالثوب، فإذا مر على ما بعده طهره (٢).

стр. 3128

أو يقال: المراد يطهره الطهارة اللغوية، وليست الطهارة الشرعية (١). وهذا الجواب ليس بسديد؛ لأن غبار النجاسة ليس بنجس، ولم يقم دليل على أن الغبار منه ما هو طاهر ومنه ما هو نجس. وأما حمل اللفظ على الطهارة اللغوية: أي النظافة، فالطهارة إذا جاءت من الشارع فهي على حقيقتها الشرعية، فالأصل في كلام الشارع حمله على الحقيقة الشرعية حتى يمنع من ذلك مانع، ولم يوجد مانع يمنع من ذلك. ومن أجاز إزالة النجاسة بأي مزيل قالع للنجاسة أجاز إزالة النجاسة بالدلك. ومن اشترط أن تكون النجاسة يابسة: رأى أن هناك إجماعًا أن النجاسة الرطبة على الخف لا يكفي في تطهيرها الدلك، كما نقله النووي عن الخطابي ونقلناه عن النووي (٢)، والحقيقة أن المسألة ليس فيها إجماع، والأحاديث مطلقة، تشمل الرطب واليابس، بل إن الحديث نص في الرطب. (١٢٣٧ - ٢٠٨) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعنى ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس

стр. 3129

بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى قال: فهذه بهذه (١). [صحيح] (٢). ومن قيد النجاسة بأن تكون في أرواث الدواب وأبوالها خاصة نظر إلى أن هذا النوع من النجاسة يشق الاحتراز منه، ويكثر في الطرقات فعفي عنها، وخفف في طهارتها بخلاف غيرها من النجاسات. وما سبق ترجيحه هناك بأن النجاسة أيًا كانت تزال بأي مزيل فهو الراجح هنا، والله أعلم. * * *

стр. 3130

المبحث الثالث التطهير بالجفاف مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأمر بإزالة النجاسة بالماء دليل على الاجتزاء به، لا حصر الإجزاء فيه. • الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الماء. • النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها. [م-٥٦٥] إذا أصابت النجاسة أرضًا، فتركت حتى جفت، إما بفعل الشمس أو بفعل الريح أو بغيرهما، فذهبت عين النجاسة ولونها وريحها، فهل هذا كاف في طهارتها، أو لا بد من غسل النجاسة؟ فقيل: إن الجفاف يطهر الأرض في حق الصلاة فقط، ولا يجوز التيمم بها، وهذا مذهب الحنفية (١).

стр. 3131

وقيل: لا تطهر الأرض بالجفاف، بل لا بد من غسلها، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختيار زفر من الحنفية (٤). وقيل: الجفاف مطهر مطلقًا، في حق الصلاة وفي حق التيمم وفي حق غيرهما، وهو رواية عن أحمد، نصرها ابن تيمية (٥). • دليل من قال: إن النجاسة يطهرها الجفاف: الدليل الأول: (١٢٣٨ - ٢٠٩) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٦). استدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف،

стр. 3132

لقوله «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك الدليل الثاني: أن المطلوب زوال النجاسة، فإذا زالت فقد زال حكمها، والجفاف خاصة في البلاد الحارة يذهب بالنجاسة لونًا وطعمًا وريحًا، وهذا هو عين المطلوب. الدليل الثالث: (١٢٣٩ - ٢١٠) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل الأزرق، عن ابن الحنفية، قال: إذا جفت الأرض فقد زكت (١). [في إسناده إسماعيل بن سلمان الأزرق ضعيف] (٢). • ويجاب: بأن محمد بن الحنفية من التابعين، فيحتج له، ولا يحتج به.

стр. 3133

• دليل من قال: إن الجفاف غير مطهر: أدلة أصحاب هذا القول هي أدلتهم على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء الطهور، وقد سبق ذكر أدلتهم والجواب عليها في مسألة: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ فانظرها مشكورًا هناك. فالراجح أن الجفاف مطهر بشرط أن يذهب معه أثر النجاسة. * * *

стр. 3134

المبحث الرابع التطهير بالاستحالة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • استحالة النجاسة إلى عين طاهرة بمنزلة إزالتها. [م-٥٦٦] قد تتحول العين النجسة إلى عين أخرى، سواءً بفعل آدمي، أو بمرور الوقت، أو بغيرهما (١)، فإذا تغيرت هذه العين النجسة إلى عين طاهرة فهل ننظر إلى

стр. 3135

أصلها فنحكم لها بالنجاسة، أو ننظر إلى حالها الحادث، فنحكم لها بالطهارة؟. هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، بعد اتفاقهم على طهارة الخمر إذا انقلب خلًا بنفسه على القول بنجاسة الخمر. واتفاقهم على طهارة الدم المنقلب إلى مسك، على القول بنجاسة الدم. فقيل: إن الاستحالة مطهرة، وهو مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، واختيار ابن حزم (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤). وقيل: لا تأثير للاستحالة، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • دليل من قال: إن الاستحالة مطهرة: الدليل الأول: القياس على الخمرة تنقلب خلًا بذاتها، فقد أجمع العلماء على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها حَلَّت وجاز تناولها بالإجماع، فكذلك سائر المحرمات والنجاسات إذا انقلبت إلى عين مباحة صار لها حكم المباحات. قال ابن تيمية: «إذا انقلبت الخمر خلا بغير قصد آدمي فإنها طاهرة حلال باتفاق الأئمة» (٧).

стр. 3136

• واعترض عليه: بأن هذا خاص بالخمرة، وذلك لأن نجاستها كانت عن طريق الاستحالة، فتكون طهارتها عن طريق الاستحالة، وأما غيرها من النجاسات فإنها نجسة العين ابتداء بدون استحالة. • ورد عليهم: لا نسلم أن سائر النجاسات نجاستها ابتداء بدون استحالة، فهذا البول والغائط نجاسته عن طريق استحالة الطعام الطيب إلى خبيث، ومع ذلك تمنعون طهارته بالاستحالة، فما الفرق؟ وهذا الدم تقولون بنجاسته، وهو مستحيل من الطعام أيضًا، وهذا المني طاهر عند المالكية والحنابلة، وهو مستحيل من الدم النجس عند الأئمة الأربعة. الدليل الثاني: إذا كان الطعام الطيب إذا استحال إلى شيء خبيث كالبول والغائط أصبح له حكم البول والغائط من النجاسة، فكذلك الشيء النجس إذا استحال إلى طيب أعطي له حكم الطيب من الحل والطهارة. قال ابن حزم: «ومن خالف هذا لزمه أن يحرم اللبن؛ لأنه دم استحال لبنا، وأن يحرم التمر والزرع المسقي بالعذرة والبول، ولزمه أن يبيح العذرة والبول، لأنهما طعام وماء حلالان، استحالا إلى اسم منصوص على تحريم المسمى به» (١). ومعلوم أنه إذا استحال الشيء بالشيء حتى لا يرى له ظهور يحكم له بالعدم، وعلى هذا فلو وقعت قطرة من لبن امرأة في ماء، فاستهلكت فيه، وشربه الرضيع

стр. 3137

خمس رضعات فأكثر، لم تنتشر الحرمة، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة، لم يجلد بشربه، وهكذا، والاستهلاك بالشيء نوع من الاستحالة، ومع ذلك لم يعتبر الأصل بل اعتبر الحال. والفرق بين الأعيان الطاهرة والأعيان النجسة وجود صفات فيها، فإذا وجدت في الأعيان حكم لها بالطهارة أو بالنجاسة، فإذا لم توجد هذه الصفات التي تجعلنا نحكم للشيء بالنجاسة لم نحكم له بذلك. الدليل الثالث: (١٢٤٠ - ٢١١) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، قال: حدثني حمزة ابن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (١). فهذا النوع من الطهارة، وهو ذهاب النجاسة عن طريق الشمس والريح استحالة للنجاسة بانقلابها إلى عين طاهرة. الدليل الرابع: (١٢٤١ - ٢١٢) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل الأزرق، عن ابن الحنفية، قال: إذا جفت الأرض فقد زكت (٢). [ضعيف، وهو قول تابعي لا حجة فيه]. الدليل الخامس: قالو: إن المسلم قد يبتلى بشرب الخمر، والكافر يشربه ويأكل الخنزير، ولا يكون ظاهرهما نجسًا؛ إذ لو تنجسا ما طهرهما الاغتسال، ويلزم من قولهم: إن الاستحالة

стр. 3138

مؤثرة أن تكون الحيوانات نجسة؛ لأنها متولدة من المني، والمني من الدم، والدم عندهم نجس. • دليل من قال: إن الاستحالة غير مطهرة: الدليل الأول: (١٢٤٢ - ٢١٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبن شاة الجلالة، وعن المجثمة، وعن الشرب من في السقاء (١). [صحيح] (٢). • وأجيب بعدة أجوبة: الجواب الأول: بأننا إذا عرفنا الجلالة على القول الصحيح بأنها: هي الدابة التي ظهر فيها أثر النجاسة من ريح ونتن، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)، ومذهب الشافعية (٤).

стр. 3139

ففي الحالة التي يظهر فيها أثر للنجاسة دليل على تغير الطاهر بالنجاسة، فإذا كان الماء الذي خلق طهورًا، ومنه تطهر الأعيان النجسة إذا تغير بالنجاسة حكمنا له بالنجاسة، فما بالك بغير الماء، فلا يكون في هذا دليل على أن الاستحالة غير مؤثرة، فإذا أكل الحيوان النجاسة ولم يظهر فيه نتنها نحكم لها بالطهارة؛ لأن النجاسة استحالت واستهلكت في العين الطاهرة، كما حكمنا للماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره بأنه طهور. الجواب الثاني: (١٢٤٣ - ٢١٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو ابن ميمون، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا (١). [إسناده صحيح] (٢). وهذا أحسن ما ورد في حبس الجلالة، فهذا دليل على أن الجلالة التي نهي عنها لتناولها النجاسة قد طهرت بالاستحالة، وذلك بحبسها فلما زال أثر النتن عن لحمها أصبحت طاهرة حلالًا بدون غسل النجاسة، وإنما عن طريق الاستحالة أيضًا. الجواب الثالث: قيل: إن النهي للكراهة، وهو ما سبق ترجيحه في الخلاف في حكم الجلالة. الجواب الرابع: قيل: إن تحريم الأكل لا يعني النجاسة، فليس كل محرم نجسًا. وهذا الجواب

стр. 3140

لعله من أضعفها، فإن النهي إنما هو بسبب النجاسة لا غير. الدليل الثاني: (١٢٤٤ - ٢١٥) ما رواه البخاري من طريق همام، أخبرنا إسحاق، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابيًا يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ بادر إلى صب الماء على النجاسة، ولو كانت الاستحالة تطهره أو تطهره الشمس أو الريح أو الجفاف لتركه ﵊، ولما أمر بصب الماء عليه. • ويجاب عن هذا: بأن حديث الأعرابي مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، نعم فيه دليل على استحباب المبادرة إلى إزالة النجاسة؛ لأن الماء معلوم بأنه أسرع في إزالة النجاسة من الاستحالة؛ لأن الاستحالة ربما احتاجت إلى وقت طويل كي تتحول فيه النجاسة إلى عين طاهرة؛ ولأن بقاع المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى، وأطهرها، فيجب أن تكون هذه البقاع أطهر ما يكون وعلى أتم الاستعداد لأداء العبادة فيها بين لحظة وأخرى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، فالماء هو أسرع وسيلة في تطهير النجاسة وإزالتها، فمن أجل ذلك بادر بصب الماء عليها، وهذا لا يعني عدم زوال النجاسة بالجفاف، والله أعلم. • الراجح من أقوال أهل العلم: الراجح أن الاستحالة مؤثرة سواءً في انقلاب العين الطاهرة إلى نجسة أو العكس.

стр. 3141

قال ابن القيم: على هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس؛ فإنها نجاسة لوصف الخبث، فإذا زال الموجِب زال الموجَب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها، بل وأصل الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، وقد نَبَشَ النبي ﷺ قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب، وقد أخبر الله عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة، ثم حبست وعلفت بالطاهرات حَّلَ لبنها ولحمها، وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس، ثم سقيت بالطاهر حَلَّت؛ لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب، وعكس هذا أن الطيِّب إذا استحال إلى خبيث صار نجسًا، كالماء والطعام إذا استحال بولًا وعذرة، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثًا، ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبًا؟ والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه (١). وقال ابن تيمية: «ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة، فإن نفس النجس لم يطهر بل استحال، وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس، وإن كان مستحيلًا منه، والمادة واحدة، كما أن الماء ليس هو الزرع والهواء والحب، وتراب المقبرة ليس هو الميت، والإنسان ليس هو المني، والله تعالى يخلق أجسام العالم بعضها من بعض، ويحيل بعضها إلى بعض، وهي تبدل مع الحقائق، ليس هذا هذا» (٢). * * *

стр. 3142

الفصل الرابع في كيفية تطهير المائع المتنجس المبحث الأول في كيفية تطهير الماء المتنجس الفرع الأول الماء المتغير بالنجاسة متنجس وليس نجسًا مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الماء المتغير بالنجاسة متنجس، وليس نجسًا. [م-٥٦٧] اختلف العلماء في كيفية تطهير الماء، وقبل أن أذكر خلافهم ينبغي أن نعلم هل الماء نجس أو متنجس؟ الصحيح أن الماء متنجس، فهو كالثوب النجس؛ لأنه يطهر غيره فنفسه من باب أولى، وهذا مذهب الجمهور، كما سيأتي التفصيل عنهم في كيفية تطهير الماء المتنجس، وهو اختيار ابن تيمية (١)، وصوبه في الإنصاف (٢). وقيل: نجاسته عينية.

стр. 3143

قال ابن مفلح في الفروع: وهو ظاهر كلام الأصحاب، وتعقبه المرداوي في تصحيح الفروع (١). وفي قوله: إنها عينيه نظر، لأن الحنابلة قالوا: النجاسة العينية لا يمكن تطهيرها، وهذا يمكن تطهيره (٢). وقيل: نجاسته نجاسة مجاورة سريعة الإزالة، ولهذا يجوز بيعه (٣). وقد ذهب أهل العلم في عصرنا كالمجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلام إلى تطهير مياه المجاري إذا عولجت بالطرق الحديثة، وزال تغيرها بالنجاسة عن طريق الترشيح والتقطير، وتحولت بذلك إلى مياه عذبة، فلا مانع من استعمالها في الشرب وغيره، وسوف أنقل لكم نص قرار المجمع عند الكلام على كلام أهل العلم في كيفية تطهير المتنجس، وممكن أن نقسم لكم الكلام في تطهير الماء المتنجس إلى فروع. * * *

стр. 3144

الفرع الثاني أن يزول تغير الماء الكثير بنفسه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل ماء كثير زال تغيره بنفسه فقد عاد طهورًا. • النجس يطهر بالاستحالة، فالمتنجس أولى أن يطهر بزوال أثر النجاسة. • انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي، وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح. • حكم الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه (١). • ما دفع النجاسة عن غيره دفعها عن نفسه من باب أولى. [م-٥٦٨] إذا زال تغير الماء بنفسه فإما أن يكون كثيرًا وإما أن يكون قليلًا، على

стр. 3145

خلاف بين أهل العلم في حد القليل والكثير (١).

стр. 3146

فإن كان كثيرًا وزال تغيره بنفسه، فقيل: إن الماء يتحول إلى طهور، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: إنه نجس، وهو قول في مذهب المالكية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: إنه طاهر، وهو قول في مذهب الحنابلة (٦). • دليل من قال: إن الماء يتحول إلى طهور: الدليل الأول: قالوا: إن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل التغير بالنجاسة، وقد زالت النجاسة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. الدليل الثاني: إذا كان الخمر إذا تحول بنفسه إلى خل أصبح طاهرًا، فكذلك الماء من باب أولى؛

стр. 3147

لأن الماء أصلًا خلق طهورًا مطهرًا، بخلاف الخمر. • دليل من قال: إنه نجس: الدليل الأول: قالوا: الأصل في إزالة النجاسة هو الماء المطلق (الماء الطهور) وهذا ما لم يحصل هنا، فيبقى نجسًا، ولو زال تغيره بالنجاسة. الدليل الثاني: إذا زال تغير الماء النجس فإنما طهر عن طريق الاستحالة، والاستحالة عندنا غير مطهرة. وقد سبق بحث مستقل في طهارة الأعيان النجسة بالاستحالة، مع ذكر حجج الفريقين، فارجع إليها غير مأمور. • دليل من قال: يكون الماء طاهرًا غير مطهر: قالوا: لا يكون مثل هذا الماء طهورًا، وقد زالت به النجاسة، ولا يكون نجسًا، وهو ماء كثير غير متغير، قاسوه على الماء القليل إذا كان آخر غسلة زالت بها النجاسة عندهم، فإنه عندهم يكون طاهرًا غير مطهر. وقد ترجح في بحث سابق أن الماء قسمان: طهور ونجس، ولا يوجد قسم من المياه يكون طاهرًا غير مطهر (١). الراجح: أن الماء إذا زال تغيره بنفسه فإنه يكون طاهرًا مطهرًا، وإنما حكم عليه بالنجاسة لتغيره بها، وقد زال عنه هذا الوصف، فرجع إلى أصله. [م-٥٦٩] هذا خلاف أهل العلم في الماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه، وهل يختلف الحكم إذا كان الماء المتغير بنفسه قليلًا؟ الجواب: اختلف أهل العلم في الماء النجس القليل إذا زال تغيره بنفسه:

стр. 3148

فقيل: إذا وقعت في الأواني أو في الحوض الصغير نجاسة، فلهم في تطهير الماء بشرط زوال تغيره إن وجد ثلاثة أقوال: فقيل: إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه طهر، وإن قل إذا كان الخروج حال دخول الماء فيه؛ لأنه بمنزلة الجاري. وقيل: لا يطهر إلا بخروج ما فيه. وقيل: لا يطهر إلا بخروج ثلاثة أمثال ما كان فيه من الماء، وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة، وهذا مذهب الحنفية (١). • تعليل الحنفية: أن الماء النجس إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه، وكان خروج الماء حال دخول الماء الجديد فيه؛ أصبح بمنزلة الماء الجاري، والماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير. وقيل: إنه لا يمكن أن يطهر بنفسه، وهو قليل، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). لأن الماء القليل عند الشافعية والحنابلة ينجس مطلقًا إذا لاقى النجاسة ولو لم يتغير، فزوال النجاسة إنما هو شرط في تطهير الماء الكثير، وأما الماء القليل فإنه ينجس بمجرد ملاقاته للنجاسة. وقد ذكرنا أدلة الجمهور على أن الماء القليل ينجس بمجرد ملاقاته النجاسة، ولو لم يتغير وذلك في المجلد الأول، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد. * * *

стр. 3149

الفرع الثالث أن يزول تغير الماء بإضافة ماء آخر عليه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • ورود الماء الطهور على الماء النجس للتطهير بمنزلة ورود الماء الطهور على الأعيان المتنجسة للتطهير. [م-٥٧٠] إذا زال تغير الماء النجس بإضافة ماء آخر، فهل يطهر؟ اختلف العلماء في ذلك، القول الأول: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن الماء يطهر مطلقًا بإضافة ماء آخر عليه، ولا يشترط أن يكون الماء المضاف قلتين، وإنما يشترط أن يزول تغيره بنفسه، وأن يكون الماء المضاف ماء مطلقًا: أي ليس ماء نجسًا، ولا ماء طاهرًا غير مطهر. وهذا مذهب المالكية (١). القول الثاني: مذهب الشافعية: قالوا: إن كان الماء قلتين فأكثر فإنه يطهر بإضافة ماء آخر عليه، سواءً كان المضاف

стр. 3150

طاهرًا أم نجسًا، قليلًا أم كثيرًا، صب عليه الماء أو نبع فيه، فإذا زال تغيره طهر. وإن كان الماء دون القلتين فيكون تطهيره بأن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه حتى يبلغ قلتين، حتى ولو كان المضاف نجسًا، ما دام أنه إذا بلغ الماء قلتين فقد زال تغيره، فإنه يطهر. وأما إذا أضيف إليه ماء دون القلتين، ففيه وجهان عندهم: الوجه الأول: يكون طاهرًا غير مطهر. لماذا كان طاهرًا، وقد لاقى النجاسة، وهو قليل؟ قالوا: لأن الماء القليل إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، أما إذا ورد الماء على النجاسة كما هو الحال هنا فلا ينجس. ولماذا إذًا لا يكون طهورًا؟ قالوا: لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة. الوجه الثاني: قالوا لا يطهر، لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة، فيبقى نجسًا (١). القول الثالث: مذهب الحنابلة. أن يكون الماء دون القلتين، وفي هذه الحال إما أن تكون نجاسته بالتغير، أو بالملاقاة ولو لم يتغير. فيشترط لتطهير الماء المتنجس بالملاقاة شرط واحد، هو أن تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، وبالتالي يصبح طهورًا فإن أضفت إليه دون القلتين لم يطهر. التعليل: لأن الماء القليل لا يدفع النجاسة عن نفسه، فكيف يدفعها عن غيره؟ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (٢).

стр. 3151

لو قال قائل: لنفرض أن الماء المتنجس بالملاقاة قلة واحدة، فأضفت إليها قلة أخرى، حتى أصبح الماء قلتين، فهل يطهر؟ أكثر الأصحاب على أنه لا يطهر، وهو المشهور من المذهب، وحكى بعضهم وجهًا بالتطهير، وصوبه صاحب الإنصاف. وإن كانت نجاسة الماء القليل أو الكثير بالتغير ففي هذه الحالة تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، ثم تنظر هل زال التغير أم بقي؟ فإن زال فقد طهر، وإن لم يزل فإنك تضيف إليه حتى يذهب تغيره. أما إذا أضفت إليه دون القلتين فإن الماء يكون نجسًا، حتى ولو زال تغيره، وهذا هو المذهب. وقيل: يكون طهورًا حتى على قواعد المذهب، أو القائلين بالنجاسة ولو لم يتغير، قالوا: لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا كانت واردة عليه وهنا قد ورد الماء على النجاسة. ولو قلنا بنجاسة الماء هنا لقلنا بنجاسة الماء إذا صب على ثوب نجس، إلا أن يكون قلتين، ولما كان الدلو مطهرًا لبول الأعرابي، لأنه بالتأكيد ليس قلتين ولا حتى قلة، بل إن هذا أولى من تطهير الخمر القليل الذي استحال إلى خل فطهر. وهذه الطريقة في تطهير الماء عند الحنابلة ﵏ إذا كان تنجيس الماء بالتغير، سواءً كان قليلًا أم كثيرًا، ما لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة، فإن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة وكانت النجاسة لم تغير الماء، وكان لا يشق نزحه، فإن تطهيره بإضافة ما يشق نزحه، فيطهر بذلك. وإن كانت نجاسة الماء بالتغير، فإنه يضيف إليه ما يشق نزحه، بشرط زوال التغير، فإن زالت فقد طهر، وإلا فيضيف إليه حتى يزول أثر النجاسة (١).

стр. 3152

وهذا التفريق بين نجاسة بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين غيرها من النجاسات من المسائل التي انفرد بها المذهب الحنبلي. تلخص لنا مما سبق: أن التطهير بالإضافة عند العلماء يشترط له شروط: الشرط الأول: أن يكون الماء المضاف طهورًا، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجسًا إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة . الشرط الثاني: أن يكون المضاف كثيرًا -قلتان فأكثر- وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية . الشرط الثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة، وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم؛ لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين . والراجح أن الماء إذا زال تغيره بإضافة ماء عليه طهر، سواءً كان المضاف قليلًا أم كثيرًا، وسواءً كان طهورًا أم نجسًا، ما دام أنه قد زال تغيره بعد الإضافة؛ لأن الحكم عليه بالنجاسة إنما كان من أجل تغيره بالنجاسة، وقد زال، فيرجع إلى أصله، وهو أن الماء طهور. وقد ذكرنا أن المجمع الفقهي الإسلامي رجح طهارة مياه المجاري إذا عولجت وذهب تغيرها بالنجاسة، وهذا أوان الوفاء بما وعدنا به من نقل نص القرار، يقول القرار: صدر قرار من مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة في مكة المكرمة يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ منه: «وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل: وهي الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثر في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون عدول موثوق

стр. 3153

بصدقهم وأمانتهم، قرر المجمع ما يأتي: أن ماء المجاري إذا نقي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه، صار طهورًا، يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به، بناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه، والله أعلم». اهـ * * *

стр. 3154

الفرع الرابع أن يزول تغير الماء بإضافة تراب أو طين مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • التراب أحد الطهورين يرفع الحدث بشرطه ويزيل الخبث، وهل يطهر الماء النجس؟ قولان للتردد، هل التراب مزيل أو ساتر؟ (١). [م-٥٧١] اختلف العلماء في حكم الماء النجس يضاف إليه التراب أو الطين فيزول تغيره، هل يطهر بذلك؟ فقيل: يطهر بشرط أن لا يتغير الماء بالتراب والطين، وهذا مذهب المالكية (٢)،

стр. 3155

وعليه أكثر الشافعية (١). وقيل: إذا زالت النجاسة طهر مطلقًا، سواءً كان الماء كدرًا بما ألقي فيه، أو كان صافيًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، واختاره ابن عقيل من الحنابلة (٣). وقيل: لا يطهر مطلقًا، أي سواءً تكدر بما ألقي فيه أم لا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). • دليل من قال: إن الماء يطهر بإضافة التراب مطلقًا: الدليل الأول: قال: إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وإذا كنا حكمنا له بالنجاسة لأنه متغير بها، فنحكم له بالطهارة إذا زالت هذه النجاسة. الدليل الثاني: إن النجاسة تزال بأي مزيل كان، سواءً عن طريق إضافة ماء أو نزحه أو إضافة تراب أو غيره، ولا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وقد قدمنا قرار مجمع الفقه الإسلامي أن المعالجة الكيمائية عن طريق التقطير والترشيح والتعقيم مطهر للماء النجس إذا زال تغيره بالنجاسة. الدليل الثالث: أن التراب أحد الطهورين، فهو يطهر النعل كما تقدم، ويطهر ذيل المرأة، ويطهر الأواني من ولوغ الكلاب بإضافته إلى الماء، ويطهر التراب أيضًا مكان البول والغائط،
следующие страницы →