لو قال قائل: لنفرض أن الماء المتنجس بالملاقاة قلة واحدة، فأضفت إليها قلة أخرى، حتى أصبح الماء قلتين، فهل يطهر؟
أكثر الأصحاب على أنه لا يطهر، وهو المشهور من المذهب، وحكى بعضهم وجهًا بالتطهير، وصوبه صاحب الإنصاف.
وإن كانت نجاسة الماء القليل أو الكثير بالتغير ففي هذه الحالة تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، ثم تنظر هل زال التغير أم بقي؟ فإن زال فقد طهر، وإن لم يزل فإنك تضيف إليه حتى يذهب تغيره.
أما إذا أضفت إليه دون القلتين فإن الماء يكون نجسًا، حتى ولو زال تغيره، وهذا هو المذهب.
وقيل: يكون طهورًا حتى على قواعد المذهب، أو القائلين بالنجاسة ولو لم يتغير، قالوا: لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا كانت واردة عليه وهنا قد ورد الماء على النجاسة.
ولو قلنا بنجاسة الماء هنا لقلنا بنجاسة الماء إذا صب على ثوب نجس، إلا أن يكون قلتين، ولما كان الدلو مطهرًا لبول الأعرابي، لأنه بالتأكيد ليس قلتين ولا حتى قلة، بل إن هذا أولى من تطهير الخمر القليل الذي استحال إلى خل فطهر.
وهذه الطريقة في تطهير الماء عند الحنابلة ﵏ إذا كان تنجيس الماء بالتغير، سواءً كان قليلًا أم كثيرًا، ما لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة، فإن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة وكانت النجاسة لم تغير الماء، وكان لا يشق نزحه، فإن تطهيره بإضافة ما يشق نزحه، فيطهر بذلك.
وإن كانت نجاسة الماء بالتغير، فإنه يضيف إليه ما يشق نزحه، بشرط زوال التغير، فإن زالت فقد طهر، وإلا فيضيف إليه حتى يزول أثر النجاسة (١).
стр. 3152
وهذا التفريق بين نجاسة بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين غيرها من النجاسات من المسائل التي انفرد بها المذهب الحنبلي.
تلخص لنا مما سبق: أن التطهير بالإضافة عند العلماء يشترط له شروط:
الشرط الأول: أن يكون الماء المضاف طهورًا، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجسًا إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة .
الشرط الثاني: أن يكون المضاف كثيرًا -قلتان فأكثر- وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية .
الشرط الثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة، وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم؛ لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين .
والراجح أن الماء إذا زال تغيره بإضافة ماء عليه طهر، سواءً كان المضاف قليلًا أم كثيرًا، وسواءً كان طهورًا أم نجسًا، ما دام أنه قد زال تغيره بعد الإضافة؛ لأن الحكم عليه بالنجاسة إنما كان من أجل تغيره بالنجاسة، وقد زال، فيرجع إلى أصله، وهو أن الماء طهور.
وقد ذكرنا أن المجمع الفقهي الإسلامي رجح طهارة مياه المجاري إذا عولجت وذهب تغيرها بالنجاسة، وهذا أوان الوفاء بما وعدنا به من نقل نص القرار، يقول القرار:
صدر قرار من مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة في مكة المكرمة يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ منه: «وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل: وهي الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثر في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون عدول موثوق
стр. 3153
بصدقهم وأمانتهم، قرر المجمع ما يأتي:
أن ماء المجاري إذا نقي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه، صار طهورًا، يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به، بناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه، والله أعلم». اهـ
* * *
стр. 3154
الفرع الرابع أن يزول تغير الماء بإضافة تراب أو طين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• التراب أحد الطهورين يرفع الحدث بشرطه ويزيل الخبث، وهل يطهر الماء النجس؟ قولان للتردد، هل التراب مزيل أو ساتر؟ (١).
[م-٥٧١] اختلف العلماء في حكم الماء النجس يضاف إليه التراب أو الطين فيزول تغيره، هل يطهر بذلك؟
فقيل: يطهر بشرط أن لا يتغير الماء بالتراب والطين، وهذا مذهب المالكية (٢)،
стр. 3155
وعليه أكثر الشافعية (١).
وقيل: إذا زالت النجاسة طهر مطلقًا، سواءً كان الماء كدرًا بما ألقي فيه، أو كان صافيًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، واختاره ابن عقيل من الحنابلة (٣).
وقيل: لا يطهر مطلقًا، أي سواءً تكدر بما ألقي فيه أم لا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).
• دليل من قال: إن الماء يطهر بإضافة التراب مطلقًا:
الدليل الأول:
قال: إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وإذا كنا حكمنا له بالنجاسة لأنه متغير بها، فنحكم له بالطهارة إذا زالت هذه النجاسة.
الدليل الثاني:
إن النجاسة تزال بأي مزيل كان، سواءً عن طريق إضافة ماء أو نزحه أو إضافة تراب أو غيره، ولا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وقد قدمنا قرار مجمع الفقه الإسلامي أن المعالجة الكيمائية عن طريق التقطير والترشيح والتعقيم مطهر للماء النجس إذا زال تغيره بالنجاسة.
الدليل الثالث:
أن التراب أحد الطهورين، فهو يطهر النعل كما تقدم، ويطهر ذيل المرأة، ويطهر الأواني من ولوغ الكلاب بإضافته إلى الماء، ويطهر التراب أيضًا مكان البول والغائط،
стр. 3156
بل إن التراب خاصة يرفع الحدث عند فقد الماء، كما يرفع الخبث، فإذا زال تغير الماء النجس بسبب التراب فقد طهر.
ولا يخفى قوة هذا التعليل في تطهير التراب للنجاسة الواقعة في الماء وغيره.
• دليل من قال: إن التراب لا يطهر مطلقًا:
هذا القول يرى أن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق، وقد تقدمت أدلته كاملة والجواب عنها في بحث: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، وترجح هناك أن النجاسة تزال بأي مزيل كان.
• دليل من اشترط ألا يتكدر الماء بالتراب:
إذا تكدر الماء بالتراب لا نستطيع أن نجزم بأن النجاسة قد زالت، فقد تكون استترت بسبب التكدر، ولو كان الماء صافيًا لأمكن الجزم ببقاء النجاسة أو زوالها، وما دام أننا لا نستطيع أن نجزم بذهاب النجاسة، فالأصل بقاء النجاسة، استصحابًا للحال، والله أعلم.
• الراجح من الأقوال:
هو القول بأن إضافة التراب تطهر مطلقًا بشرط زوال النجاسة، وكما عُلِّلَ سابقًا: بأن بقاء النجاسة سبب في الحكم للماء بالنجاسة، وذهابها بأي طريقة كانت سبب بالحكم له بالطهارة، وأن النجاسة تزال بأي مزيل كان، والله أعلم.
* * *
стр. 3157
الفرع الخامس أن يزول تغير الماء بالنزح
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي، وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.
• حكم الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه، استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه (١).
• الحكم بنجاسة الشيء مشروط باتصافه بأعراض النجاسة.
• الماء لا ينجس إلا بالتغير على الصحيح، وإذا زال تغيره فقد طهر.
[م-٥٧٢] اختلف العلماء في تطهير الماء عن طريق نزح النجاسة أو نزح بعض الماء حتى يزول التغير، فهل مثل هذا النزح يطهر الماء أو لا؟
فالحنفية يفرقون بين هذه المسألة وبين المسائل التي قبلها؛ وذلك لأن النزح غالبًا ما يكون لماء البئر، ومسائل البئر عندهم على خلاف القياس، بينما الجمهور يطردون
стр. 3158
قواعدهم السابقة بين الماء الكثير والماء القليل، وحين كان التفصيل في مذهب الحنفية متشعبًا أحببت أن أفصل كل مذهب وأدلته قبل الانتقال إلى القول الثاني، وهكذا.
القول الأول: مذهب الحنفية:
يختلف الحكم عند الحنفية باختلاف البئر، وباختلاف حجم الحيوان، وهل أخرج الحيوان من البئر ميتًا أو حيًا، فيمكن لنا تقسيم البئر إلى أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يكون البئر ليس معينًا -أي ليس في داخلها عين تنبع- والحيوان قد مات في البئر أو وقع فيه ميتًا، وكان الحيوان لم ينتفخ ولم يتفسخ، فالحكم على النحو التالي:
الأول: أن يكون الحيوان بحجم الفأرة والعصفور، فينزح منه عشرون دلوًا.
ويستدلون لذلك بما يروى عن أنس أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر، وأخرجت من ساعتها ينزح منها عشرون دلوًا.
[ولم أقف عليه] (١).
الثاني: أن يكون الحيوان بحجم الدجاجة والسنور، فينزح منها أربعون دلوًا إلى خمسين.
(١٢٤٥ - ٢١٦) ويستدلون لذلك بما يروى عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: في الدجاجة إذا ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلوًا.
[ولم أقف عليه] (٢).
стр. 3159
الثالث: أن تكون النجاسة بحجم الشاة، أو تكون آدميًا، أو كلبًا، فإنه ينزح ماء البئر كله.
ويستدلون بأدلة منها:
الدليل الأول:
(١٢٤٦ - ٢١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن منصور،
عن عطاء أن حبشيًا وقع في زمزم، فمات، قال: فأمر ابن الزبير أن ينزف ماء زمزم، قال: فجعل الماء لا ينقطع، قال: فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، قال: فقال ابن الزبير: حسبكم (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الثاني:
(١٢٤٧ - ٢١٨) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،
عن ابن عباس أن زنجيًا وقع في ماء زمزم، فأنزل إليه رجلًا فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء، ثم قال للذي في البئر: ضع دلوك من قبل العين التي تلي البيت أو الركن؛ فإنها من عيون الجنة (٣).
[قتادة لم يسمع من ابن عباس] (٤).
الدليل الثالث:
(١٢٤٨ - ٢١٩) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق جابر، عن أبي الطفيل، قال: وقع غلام في ماء زمزم، فنزفت أي نزح ماؤها (٥).
стр. 3160
[ضعيف جدًّا] (١).
الحالة الثانية:
أن يكون البئر ليس مَعِينًا، والنجاسة لا جرم لها، كالبول وكالدابة تتفسخ بعد سقوطها، فهذا يجب نزح البئر كله.
الحالة الثالثة:
أن يخرج الحيوان حيًا، وليس ميتًا، فينظر:
فإن كان الحيوان خنزيرًا فإن البئر تنزح كلها قولًا واحدًا في مذهب الحنفية.
وإن كان الحيوان كلبًا، ففيه خلاف مبني على اختلافهم في نجاسة عين الكلب، وقد تقدم تحرير مذهبهم.
وإن كان الحيوان غيرهما، فإن النزح يتوقف على حكم سؤره، فإن كان سؤره نجسًا كالسباع، فإن البئر تنزح كلها، وإن كان سؤره مكروهًا استحب النزح، ويلحق به ما كان سؤره مشكوكًا فيه.
على خلاف بينهم في القدر المستحب نزحه، فمن قائل باستحباب نزح البئر كلها، ومنهم من قدره بعدد من الدلاء.
وأما الحيوانات التي سؤرها ليس بنجس، فإن كان عليها نجاسة حقيقية نزح البئر كله، وأما إن كان الحيوان ليس بنجس فلا ينزح البئر، إلا أنه يستحب أن ينزح من وقوع البقر والغنم؛ لعدم خلو أفخاذها وأرجلها من النجاسة.
الحالة الرابعة:
أن يكون البئر معِينًا، كلما نزح منها دلو جاء مكانه آخر، فإذا وقعت فيه نجاسة فقد اختلفوا في مقدار ما ينزح منه.
стр. 3161
فقيل: ينزح منها مائتا دلو، وهو رواية عن محمد بن الحسن.
وقيل: ينزح منها مائة دلو، وهو رواية عن أبي حنيفة.
وقيل: ينزح منها حتى يغلبهم الماء، ولم يقدِّر حدًّا للغلبة.
وأجيب عن هذا بعدة أجوبة.
الجواب الأول:
هناك من يضعف قصة وقوع الزنجي في بئر زمزم، وإلى هذا ذهب الشافعي وسفيان بن عيينة ﵀ والنووي وغيرهم.
فقد روى البيهقي بإسناده عن سفيان قوله: أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أر أحدًا صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا: إنه مات في زمزم، وما سمعت أحدًا يقول: ينزح زمزم (١).
قال النووي: فهذا سفيان كبير أهل مكة، قد لقي خلائق من أصحاب ابن عباس وسمعهم، فكيف يتوهم بعد هذا صحة هذه القضية التي من شأنها إذا وقعت أن تشيع في الناس لاسيما أهل مكة، ولاسيما أصحاب ابن عباس وحاضروها؟ وكيف يصل هذا إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة؟ (٢).
وقال أيضًا: إن هذا الذي زعموه باطل لا أصل له، قال الشافعي: لقيت جماعة من شيوخ مكة فسألتهم عن هذا، فقالوا: ما سمعنا هذا (٣).
• ورد هذا:
بأنه لا يلزم من عدم سماع سفيان لهذا الخبر عدم وقوعه، ثم إن الراوي مثبت، وسفيان نافٍ، والمثبت مقدَّم على النافي، خاصة إذا كان النافي لم يشهد الأمر الذي
стр. 3162
نفاه، ولم يعاصره، ولا يشترط لقبول الحديث أن يكون راويه من أهل مكة، وقد انتشر الصحابة في الأمصار، فما يبعد أن ينفرد أهل الكوفة أو غيرهم عن مدني أو مكي، والله أعلم.
الجواب الثاني:
هذه الآثار إن صحت فهي موقوفة على صحابي، وفعل الصحابي حجة إذا لم يخالف المرفوع، وهنا قد خالف السنة المرفوعة،
(١٢٤٩ - ٢٢٠) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الوليد ابن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج-.
عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء (١).
[صحيح بشواهده] (٢)
(١٢٥٠ - ٢٢١) وروى أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «الماء لا ينجسه شيء» (٣).
[سبق تخريجه] (٤).
الجواب الثالث:
أن فعل ابن عباس بالأمر بنزح البئر على التسليم بصحته عنه معارض بما صح
стр. 3163
عن ابن عباس نفسه،
(١٢٥١ - ٢٢٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء،
عن ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا (١).
وهذا نص صريح بأن الموت لا ينجس المؤمن، وإذا كان كذلك لم يكن سقوطه في البئر سببًا في تنجيس البئر.
الجواب الرابع:
ربما نزح البئر لسبب آخر غير وقوع الجثة في البئر، فإنه يبعد أن يسقط أحد في بئر ويسلم من الجروح، فقد يكون دمه غلب على الماء، فغير لون الماء وطعمه، ومعلوم أن الدم يحرم شربه، فنزحت من أجل ذلك.
(١٢٥٢ - ٢٢٣) ويؤيد ذلك ما رواه البخاري، من طريق ابن شهاب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس،
عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (٢).
فإذا كان هذا في الفأرة الميتة وهي بلا شك نجسة، وفي إناء السمن، وهو إناء صغير ليس كالبئر، والسمن ليس كالماء في دفعه للنجاسة، ومع ذلك لم ينجس السمن كله، فما بالك بالبئر والذي غالبًا ما يكون الماء فيه كثيرًا، ومع الآدمي وهو على الصحيح عين طاهرة.
الجواب الخامس:
أنكم تقولون بنزح البئر مطلقًا، تغير الماء أو لم يتغير، مع أن الماء الكثير إذا وقعت
стр. 3164
فيه نجاسة ولم تغيره فهو ماء طهور بالإجماع، فما الحاجة إلى نزحه، وبئر زمزم من الماء الكثير، وليس من الماء القليل.
وقد نقل الحنفية عن محمد قوله: «اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من أسفله، ويؤخذ من أعلاه، فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه، كحوض الحمام إذا كان يصب فيه من جانب، ويغترف فيه من جانب آخر فإنه لا ينجس بإدخال اليد النجسة فيه، ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء، ولا نخالف السلف؟ فتركنا القياس الظاهر بالخبر والأثر» (١).
فيقال: هل تركتم قول ابن عباس لقول الرسول ﷺ في بئر بضاعة، وما دمتم أنكم قد صرحتم بأن قولكم هذا خلاف القياس، فهل يوجد في الشرع شيء خلاف القياس، أو أن أحكام الشريعة مطردة منتظمة، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
وقد تركت أقوالًا وتفريعات وتفاصيل لا طائل من ذكرها، وهي أقوال مرجوحة، وأخشى أن نفسد على القارئ فهمه لهذه الأقوال مع تداخلها، وكثرة تفريعاتها، وهي أقوال ضعيفة جدًّا مخالفة للسنة المرفوعة عن النبي ﷺ كما أسلفنا، والله أعلم.
القول الثاني: مذهب المالكية في التطهير بالنزح:
في المذهب المالكي قولان في الماء إذا زال تغيره بالنزح،
فقيل: يعود طهورًا؛ وإنما زال حكم النجاسة لزوال عينها.
وقيل: يستمر نجسًا، ووجهه: أن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق (٢).
стр. 3165
القول الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة:
أن الماء إذا نزح منه وزالت النجاسة وبقي بعد النزح قلتين فأكثر غير متغير فإنه يطهر، ولم يشترطوا مقدارًا للنزح، وإنما ينزح منه حتى يزول تغيره بالنجاسة، ويبقى بعد النزح ماء كثير.
فإن بقي بعد النزح ماء قليل دون القلتين لم يطهر بالنزح؛ لأن الماء القليل عندهم ينجس ولو لم يتغير، وقد سبق ذكر أدلة هذه المسألة في الماء الراكد تقع فيه نجاسة ولم تغيره (١).
ويضيف المتقدمون من الحنابلة تفصيلًا آخر، وهو إن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة فلا بد أن يبقى بعد النزح ماء يشق نزحه، وهو غير متغير بالنجاسة، وأما المتأخرون من الحنابلة فلا يفرقون بين نجاسة بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين غيرها من النجاسات.
الراجح من أقوال أهل العلم:
الراجح أن الماء ينجس بالتغير ويطهر بزوال ذلك، فإذا زالت النجاسة، فلم يبق لها أثر من طعم أو لون أو رائحة فقد طهر الماء، والله أعلم.
* * *
стр. 3166
المبحث الثاني في تطهير المائعات سوى الماء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• حكم الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه، استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه.
• انتقال المائع من الطهورية إلى النجاسة حسي، وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة بالاستحالة على الصحيح (١).
وقيل:
• كل مائع سوى الماء لا يدفع النجاسة عن غيره، فلا يدفعها عن نفسه.
• المخالط إذا استهلك هل يكون معدومًا، أو يبقى حكمه ويعد موجودًا، وإنما
стр. 3167
خفي عن الحس فقط؟ (١).
• الماء له قوة الدفع عن نفسه، لخاصية تركيبه، ولطافته، ورقته، بما لا يشاركه فيه سائر المائعات.
[م-٥٧٣] إذا وقعت نجاسة في شيء جامد فإنه يكفي في تطهيره أن يلقي النجاسة وما حولها، ويكون الباقي طاهرًا لعدم تعدي النجاسة إلى باقيه.
وأما إذا وقعت نجاسة في مائع غير الماء كالزيت والخل واللبن، فمتى نحكم له بالنجاسة؟ وهل يمكن تطهيره؟
اختلف الفقهاء في ذلك،
стр. 3168
فقيل: إذا خالطت النجاسة مائعًا غير الماء فإنه يتنجس بملاقاة النجاسة، من غير فرق بين القليل والكثير، وبين المتغير وغير المتغير، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: حكمه حكم الماء، لا تنجس منه القلتان فما فوق إلا بالتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة.
وقيل: بالتفرقة بين المائع المائي كالخل ونحوه، وغيره، فالمائع الذي يشبه الماء حكمه حكم الماء، وغير الماء كالزيوت والأدهان فتنجس بملاقاة النجاسة، قل أو كثر، تغير أم لم يتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: المائعات إذا وقعت فيها نجاسة لا تنجس إلا إذا تغير طعمها أو لونها أو ريحها بسبب النجاسة، إلا السمن الذائب تقع فيه الفأرة، فإنه يتنجس مطلقًا، سواءً ماتت فيه، أو خرجت وهي حية، وهذا اختيار ابن حزم (٦).
стр. 3169
هذه الأقوال في حكم المائع إذا خالطته نجاسة، وأما خلافهم في إمكان تطهير ذلك المائع الذي وقعت فيه نجاسة،
فقيل: إنه يمكن تطهير جميع المائعات إذا وقعت فيها نجاسة، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره ابن القاسم وابن العربي من المالكية (٢)، وابن سريج من الشافعية (٣).
وقيل: لا يطهر البتة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
وقيل: يمكن تطهير الزيت، ولا يمكن تطهير غيره من المائعات، وذلك لأن الماء لا يخالط الزيت، بخلاف غيره، وهو قول في مذهب المالكية (٧)، والحنابلة (٨).
وقد ذكرت أدلة هذه الأقوال في المجلد الأول، تحت عنوان: في المائع غير الماء تخالطه النجاسة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 3170
الفصل الخامس
في كيفية تطهير الأرض المتنجسة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.
• إزالة النجاسة عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها ليس بالمزيل، بل بالإزالة.
[م-٥٧٤] اختلف الفقهاء في كيفية تطهير الأرض المتنجسة،
فقيل: إن كانت الأرض رخوة، فيصب عليها الماء حتى يتخللها، ويكون تخلله قائمًا مقام العصر.
وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت مستوية فتطهيرها يكون بحفر جزء منها، ونقل ترابه، ولا ينفعها الغسل، وإن كانت غير مستوية، فيحفر في أسفلها حفرة، ويصب الماء عليها حتى يستقر في الحفيرة ثلاث مرات، وهذا هو مذهب الحنفية ﵏ (١).
وقيل: الاكتفاء بصب الماء على الأرض مطلقًا، وهو مذهب المالكية (٢).
стр. 3171
وقيل: إن كانت النجاسة لها جرم مختلط بأجزاء الأرض، فلا بد من إزالة التراب الذي اختلطت به النجاسة، وإن كانت النجاسة لا جرم لها كالبول مثلًا فيكفي مكاثرة الأرض المتنجسة بالماء حتى يغمرها، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
• دليل من قال بوجوب حفر الأرض:
الدليل الأول:
(١٢٥٣ - ٢٢٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير -يعني: ابن حازم- قال: سمعت عبد الملك -يعني: ابن عمير- يحدث عن عبد الله ابن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة - يعني: قصة بول الأعرابي في المسجد- قال فيه: وقال: يعني النبي ﷺ : خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء (٣).
قال أبو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ .
[ضعيف، وزيادة خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه زيادة منكرة، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٤).
قال الحافظ ابن حجر: «واحتجوا فيه - يعني الحنفية - بحديث جاء من ثلاث طرق، أحدها موصول عن ابن مسعود، أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف. قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان، أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل، والآخر من طريق سعيد بن منصور، ومن طريق طاووس، ورواتهما ثقات، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سمى لا يسمي إلا ثقة، وذلك مفقود في المرسلين المذكورين على ما هو ظاهر من سنديهما، والله أعلم» (١). اهـ
والراجح: أنه لا يحتج بهما في كل حال، حتى على فرض أن يقوي بعضهما بعضًا، فإننا نحكم بشذوذها؛ لأن الحديث في الصحيحين وفي غيرهما من رواية الثقات، لم يذكروا إلا مجرد صب الماء على البول، ولم يذكروا الحفر، ولو كان الحفر ثابتًا لنقل لأهميته.
«ولو كان نقل التراب واجبًا في التطهير لاكتفي به، فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة تعود إلى المقصود، وهو تطهير الأرض» (٢).
• دليل من قال: يكفي صب الماء على الأرض حتى يذهب بالنجاسة .
(١٢٥٤ - ٢٢٥) ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
أن أبا هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه، وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم
стр. 3174
تبعثوا معسرين (١).
(١٢٥٥ - ٢٢٦) وروى مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحق بن أبي طلحة،
حدثني أنس بن مالك -وهو عم إسحق- قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه. ورواه البخاري دون قوله: إن هذه المساجد .... إلخ (٢).
ولم ينقل عن النبي ﷺ في حديث صحيح أنه نقل التراب، أو أنه نقل غسالة الماء،
الدليل الثاني:
من النظر قالوا: إذا غلب الماء على النجاسة ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها، ولا تضره ممازجته لها إذا غلب عليها، سواءً كان الماء قليلًا أم كثيرًا، فقد جعل الله الماء طهورًا، وأنزله علينا ليطهرنا به، وقال الرسول ﷺ : «الماء لا ينجسه شيء» يعني: إلا ما غلب عليه من النجاسة فغيره، ومعلوم أنه لا يطهر نجاسة حتى يمازجها، فإن غلب عليها ولم يظهر فيه شيء منها، فالحكم له، وإن غلبته النجاسة فالحكم لها إذا ظهر في الماء شيء منها (٣).
وقد أجمع العلماء على طهارة الخمر، إذا صارت خلًا من غير صانع، لاستهلاك
стр. 3175
ما كان يخامر العقل منها بطريان التحليل عليه، فلأن تطهر النجاسة، ويزول حكمها باستهلاك الماء لها أولى وأحرى (١).
الراجح من أقوال أهل العلم:
أن حفر الأرض ليس بواجب، وأنه يكفي صب الماء على النجاسة حتى تتحلل، وتستهلك في الماء، ويغلب عليها، ويذهب عينها وطعمها ولونها وريحها، وأن غسالة النجاسة طاهرة، وقد ذكرنا حكم غسالة النجاسة في حكم مستقل.
* * *
стр. 3176
الفصل السادس في كيفية تطهير بعض النجاسات المخصوصة
المبحث الأول في كيفية التطهير من ولوغ الكلب
الفرع الأول في عدد الغسلات من نجاسة الكلب
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• التكرار في غسل النجاسة راجع: إما إلى تغليظ النجاسة كنجاسة الكلب، أو إلى ضعف المطهر، كالاستجمار.
[م-٥٧٥] سبق لنا الخلاف في عين الكلب، وهل هو حيوان طاهر أو نجس، وذكرنا قولين في المسألة:
стр. 3177
أحدهما: أن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة (١)، ومذهب المالكية (٢)، وقول الزهري (٣)، واختاره داود الظاهري (٤).
والثاني: أن الكلب نجس العين مطلقًا، معلمًا كان أو غير معلم، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٥)، والمعتمد في مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
وقد ذكرنا أدلة الفريقين، ورجحنا أن الكلب عينه نجسة.
وقد اختلف القائلون بنجاسة الكلب، في كيفية تطهير الأواني من ولوغه،
فقيل: يجب غسل النجاسة ثلاث مرات، من غير فرق بين نجاسة الكلب وبين غيره من النجاسات غير المرئية (٨).
стр. 3178
وقيل: يندب غسل الإناء تعبدًا من ولوغ الكلب سبع مرات، ولا يستحب التتريب، كما يندب إراقة الماء الذي في الإناء دون الأحواض ولا يجب، ولا يراق الطعام الذي ولغ فيه الكلب، وهذا مذهب المالكية، وإنما قالوا: إن غسله تعبدي لأنهم يرون طهارة عين الكلب (١).
وقول الحنفية والمالكية أنه يغسل بدون إضافة التراب.
وقيل: يجب غسل الإناء سبع مرات، إحداهن بالتراب، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٢).
وقيل: يجب غسله ثمان مرات، إحداهن بالتراب، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
• دليل الحنفية على وجوب الغسل ثلاث مرات:
الدليل الأول:
(١٢٥٦ - ٢٢٧) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا إسماعيل
стр. 3179
ابن إسحاق، قال ثنا أبو نعيم: قال ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة،
في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر قال: يغسل ثلاث مرات (١).
[المحفوظ من حديث أبي هريرة الأمر بغسله سبعًا] (٢).
قال الطحاوي: «لما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاثة يطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه وقد روى عن النبي ﷺ ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته» (٣).
• والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الصحابي لا يتعمد مخالفة ما روى، ولكن قد يخالفه خطأ، وليس بمعصوم، فقد ينسى ما روى، وقد يظن من عام أنه خاص، أو من مطلق أنه مقيد، أو العكس.
الوجه الثاني: ليس عندنا أن فعل أبي هريرة كان متأخرًا عن حديث الأمر بغسل الإناء سبعًا حتى يمكن أن نجزم بالنسخ،
الوجه الثالث: فعل الصحابي لا ينسخ الحديث المرفوع؛ لأن الوحي معصوم بخلاف فعل الصحابي.
الوجه الرابع: قد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: يغسل سبع مرات موقوفًا عليه، وهذا أصح إسنادًا، فلماذا يأخذ الحنفية برواية الثلاث، ولا يأخذون برواية السبع، مع أنه اجتمع في رواية السبع قوة الإسناد، وقوة المتن، وموافقة الموقوف للمرفوع، فهي
стр. 3180
أولى من رواية الأخذ بالثلاث.
(١٢٥٧ - ٢٢٨) فقد روى ابن المنذر من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن
ابن سيرين، عن أبي هريرة،
قال: إذا ولغ الكلب فاغسلوه سبع مرات، أولاهن بالتراب (١).
[إسناده صحيح، بل قال ابن حجر: إسناده من أصح الأسانيد].
قال الحافظ: «ثبت أنه أفتى -يعني أبا هريرة- بالغسل سبعًا. ورواية من روى عنه موافقة فتياه أرجح ممن روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد. وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن
أبي سليمان، عن عطاء عنه. وهو دون الأولى في القوة بكثير ... الخ «(٢).
• وأما الدليل على عدم التتريب:
أولًا: أن أكثر الرواة الذين رووا الحديث عن أبي هريرة لم يذكروا التراب، وهم خلق كثير، وانفرد بذكرها ابن سيرين رحمه الله تعالى عن أبي هريرة، وقد تجنب
стр. 3181
البخاري في صحيحه الرواية التي فيها ذكر التراب للاختلاف في ذكرها، فلعله لا يرى صحة هذه اللفظة.
قال البيهقي: «لم يروه ثقة غير ابن سيرين عن أبي هريرة، يعني بذكر التراب» (١).
ثانيًا: الاضطراب في ذكرها، فبعض الروايات تقول: «أولاهن» وبعضها «أخراهن» وبعضها: «إحداهن» وبعضها: السابعة، وبعضها الثامنة، فهذا الاضطراب يوجب طرح هذه اللفظة، فيكون اجتمع في هذه اللفظة علتان: التفرد والاضطراب، وهما من علل الحديث.
قال القرطبي: «هذه الزيادة مضطربة، ولهذا لم يأخذ بها مالك، ولا أحد من أصحابه» (٢).
• والجواب عن هذا:
أولًا: قد يقال: ابن سيرين إمام في الحفظ، وله عناية في الألفاظ، وكون مثله
стр. 3182
ينفرد بلفظة فهو دليل على كونها محفوظة، وقد رواها مسلم في صحيحه.
وهذا القول لا يشفي؛ لأن الإمام قد يخطئ وليس بمعصوم.
ثانيًا: قد يقال أيضًا: إن ابن سيرين لم ينفرد بها، فقد تابعه فيها غيره،
فقد رواه الدارقطني (١) من طريق خالد بن يحيى الهلالي (٢)، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ويونس عن الحسن، عن أبي هريرة. فقال فيه: الأولى بالتراب (٣).
كما أخرجه النسائي من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، وفيه ذكر التراب (٤).
إلا أن هذا الطريق في النفس منه شيء،
أولًا: انفرد به معاذ بن هشام، وهو صدوق ربما وهم، ولم يتابع في هذا الإسناد، ولذلك قال البيهقي في سننه: «هذا حديث غريب إن حفظه معاذ بن هشام، عن أبيه فهو حسن؛ لأن التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين، عن أبي هريرة، وإنما رواه غير هشام عن قتادة، عن ابن سيرين كما تقدم».اهـ
ثانيًا: أن سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد وسعيد بن بشير والحكم بن
عبد الملك رووا الحديث عن قتادة، فقالوا: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وخالفوا
стр. 3183
معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة (١)، فرجعت رواية قتادة والله أعلم إلى رواية
ابن سيرين (٢)، خاصة أن الراوي عن ابن أبي عروبة عبدة بن سليمان، وهو من أصحاب سعيد القدماء، وكذلك أبان بن يزيد، وقد أشار البيهقي إلى هذا فيما نقلناه عنه قبل قليل.
كما أن هناك شاهدًا آخر على إضافة التراب إلى الماء من حديث عبد الله بن مغفل،
(١٢٥٨ - ٢٢٩) فقد روى مسلم، من طريق شعبة، عن أبي التياح، سمع مطرف ابن عبد الله يحدث،
عن ابن المغفل قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب (٣).
وأما الجواب عن دعوى الاضطراب، في قوله: (إحداهن أو أولاهن أو أخراهن أو السابعة أو الثامنة أو بالشك ... ) إلخ.
стр. 3184
فالجواب ما ذكره العراقي حيث يقول:
«الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعض الوجوه فالحكم للرواية الراجحة، فلا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث».
وإذا تقرر ذلك فلا شك أن رواية أولاهن أرجح من سائر الروايات؛ فإنه رواها عن محمد بن سيرين ثلاثة:
الأول: هشام بن حسان، قلت: وهو من أثبت أصحاب محمد.
الثاني: حبيب بن الشهيد.
الثالث: أيوب السختياني.
وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام، فتترجح بأمرين:
١ - كثرة الرواة
٢ - تخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض.
وأما رواية أخراهن بالخاء المعجمة، والراء فلا توجد منفردة مسندة في شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن عبد البر ذكر في التمهيد أنه رواها خلاس عن أبي هريرة (١)، كما سيأتي في الوجه الذي يليه إلا أنها رويت مضمومة مع أولاهن كما سيأتي.
وأما رواية السابعة بالتراب فهي وإن كانت بمعناها، فإنه تفرد بها عن محمد بن سيرين قتادة، وانفرد بها أبو داود، وقد اختلف فيها على قتادة فقال إبان عنه هكذا، وهي رواية أبي داود.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة الأولى بالتراب فوافق الجماعة، رواه كذلك الدارقطني في سننه، والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضي ترجيح رواية أولاهن لموافقته للجماعة.
стр. 3185
وأما رواية إحداهن بالحاء المهملة، والدال فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما رواها البزار كما تقدم.
وأما رواية أولاهن أو أخراهن فقد رواها الشافعي، والبيهقي من طريقه بإسناد صحيح، وفيه بحث أذكره، وهو أن قوله: أولاهن أو أخراهن لا تخلو إما أن تكون مجموعة من كلام الشارع، أو هو شك من بعض رواة الحديث؟
فإن كانت مجموعة من كلام النبي ﷺ فهو دال على التخيير بينهما، ويترجح حينئذ ما نص عليه الشافعي ﵀ من التقييد بهما؛ وذلك لأن من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى أو السابعة؛ لأن كلا منهم حفظ مرة فاقتصر عليها، وحفظ هذا الجمع بين الأولى، والأخرى فكان أولى.
وإن كان ذلك شكًا من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما يدل على أن ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع: قول الترمذي في روايته (أولاهن)، أو قال: (أخراهن بالتراب) فهذا يدل على أن بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ تعيين الأولى، ولها شاهد أيضا من رواية خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة كما سيأتي في الوجه الذي يليه. وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا من كون التتريب في المرة الأولى أولى، وذكروا له معنى آخر، وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه، بخلاف ما إذا أخر، فكان هذا أرفق، لكن حمله على الأولوية متقاصر عما دلت عليه الرواية الصحيحة، فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم» (١). اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى.
وقال الصنعاني: «رواية أولاهن أرجح لكثرة رواتها، وبإخراج الشيخين لها، وذلك من وجوه الترجيح عند التعارض» (٢).
стр. 3186
وهذا وهم منه رحمه الله تعالى، فإن البخاري تجنب ذكر التراب في صحيحه، كما أشرت إليه سابقًا.
ومال النووي إلى صحة كل الألفاظ، فقد قال ﵀: قد روى البيهقي وغيره هذه الروايات كلها، وفيه دليل على أن التقيد بالأولى وغيرها ليس للاشتراط، بل المراد: إحداهن، وهو القدر المتيقن من كل الروايات.
وأما قوله في حديث عبد الله بن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب» وفي حديث أبي هريرة (سبعًا إحداهن بالتراب) فاختلف العلماء في الجواب عن هذا الاختلاف،
فقيل: إن رواية أبي هريرة أولى، فتقدم على رواية عبد الله بن مغفل، قال البيهقي في المعرفة: «وإذا صرنا إلى الترجيح بزيادة الحفظ، فقد قال الشافعي ﵀:
أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره» (١).
وسبب آخر في ترجيح رواية أبي هريرة على رواية عبد الله بن مغفل، بكون الإجماع على خلاف رواية ابن مغفل، فإن الأقوال: ليست إلا الغسل ثلاثًا أو سبعًا، ولم يقل أحد بغسل الإناء ثمان مرات.
وأجاب الحافظ عن هذا بقوله:
قال ابن دقيق العيد: «وفي هذا القول نظر؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرماني عنه» (٢).
وقيل: إن رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصًا من مثله، ومن أخذ بحديث عبد الله بن مغفل فقد عمل بحديث أبي هريرة، وليس العكس (٣).
стр. 3187
وهناك من يقول: لو أخذنا بالترجيح أصلًا لم نأخذ بالقول بالتراب؛ لأن الرواة الذين رووا الحديث عن أبي هريرة بدون ذكر التراب أكثر عددًا ممن ذكرها، وبعضهم من أخص أصحاب أبي هريرة كالأعرج وأبي صالح السمان وغيرهما.
وهناك من جمع بين الروايتين، فقال: «لما كان التراب جنسًا غير الماء، جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا اثنتين.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: وعفروه الثامنة بالتراب ظاهر في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى» (١).
ومما يرجح كون التراب في الأولى أن الغسل بالتراب لو جعل في الثامنة لاحتاج إلى غسله بالماء بعد ذلك؛ لإزالة التراب، أما على القول بغسل الأولى بالتراب فإن الماء في الغسلات التالية يزيل أثر التراب، ويكون في هذا أدعى لنظافة الإناء، والله أعلم.
• دليل من قال: يستحب غسله سبعًا ولا يجب:
يرى المالكية أن الأمر بغسل الإناء ليس بسبب نجاسة الكلب، فهم يرون أن عينه طاهرة، وهذا ما حملهم على القول باستحباب الغسل سبعًا، لأن الغسل لو كانت العلة فيه النجاسة، لكان المطلوب الإنقاء، وقد يحصل في مرة واحدة.
ولم يوجب المالكية إراقة الماء، لأن الماء عندهم لا ينجس إلا بالتغير، ولم يتغير الماء بسبب ولوغ الكلب، فلماذا يراق عندهم وهم يرون أنه ماء باق على خلقته، وقد سبق ذكر أدلتهم على طهارة الكلب في مسألة مستقلة، والجواب عنها، فالراجح أن الكلب عينه نجسة.
وأما قولهم إن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم،
стр. 3188
لكن لا يعني أننا إذا حكمنا بنجاسة الماء إذا ولغ فيه الكلب أَنْ نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة، ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها الأمر بغسلها سبعًا، مع أن دم الحيض مع الإجماع على نجاسته لم نؤمر بغسله سبعًا، كما في حديث أسماء المتفق عليه، ومنها الأمر بالتتريب، وبالتالي لا يمكن أن يقاس الأخف على الأغلظ.
على أنه قد يقال: لا نسلم عدم تغير الماء من لعاب الكلب؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء، فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة فينجس، والله أعلم.
• دليل من قال بوجوب الغسل سبعًا مع التتريب:
(١٢٥٩ - ٢٣٠) ما رواه مسلم من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب (١).
فقوله ﷺ : (طهور إناء أحدكم) جعل طهارة الإناء متوقفة على الغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، ومن نقص من هذا العدد فلم يحصل للإناء الطهور، ومعنى هذا أنه نجس، والطهارة: هي الطهارة الشرعية: لأننا لا نرجع إلى الحقيقة اللغوية إلا إذا امتنع حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ولم يمنع من ذلك مانع.
وكون الطهارة تتوقف على هذا الفعل دليل أن الأمر ليس تعبديًا، كما قال ذلك المالكية، إذ لو كان تعبديًا لما كان هذا الفعل طهارة للإناء، لأن الطهارة لا تكون إلا من حدث أو نجاسة، والإناء ليس محلًا لطهارة الحدث، فلم يبق إلا طهارة الخبث.
وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والله أعلم.
* * *
стр. 3189
الفرع الثاني في وضع الصابون والأشنان بدلًا من التراب
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• إزالة النجاسة عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة، لا بالمزيل.
[م-٥٧٦] اختلف العلماء القائلون بإضافة التراب إلى الماء في تطهير نجاسة الكلب هل يقوم الأشنان والصابون مقام التراب؟
فقيل: لابد من التراب، ولا يقوم غيره مقامه، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: يقوم الأشنان والصابون وغيرهما من المنظفات مقام التراب، وهو مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: إذا فقد التراب أو كان التراب يفسد المحل كما لو كانت نجاسة الكلب في الثياب ونحوها أجزأ الصابون ونحوه، وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
стр. 3190
• دليل من قال: لا بد من التراب ولا يقوم غيره مقامه:
الدليل الأول:
أن النص إنما ورد في التراب، ولو كان غير التراب يقوم مقامه لذكره الشارع.
وقد يناقش هذا بأن أكثر المنظفات الموجودة اليوم لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ والتي قد يكون فيها من قوة إزالة النجاسة وما شابهها أكثر مما يوجد في التراب.
الدليل الثاني:
القياس على التيمم، فكما أن التيمم لا يكون إلا بالأرض، فكذلك هنا، فالتراب والماء بينهما علاقة في باب الطهارة، فالتراب يرفع الحدث ويزيل الخبث، والماء يرفع الحدث ويزيل الخبث، ولا يرفع الحدث مائع آخر مهما كانت قوته في التطهير.
قال ابن القيم: «وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فلله ما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، وقد عقد الله الإخاء بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا، فجمعهما الله حيث خلق منهما آدم وذريته، وجعل منهما حياة كل حيوان، وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام، وكانا أعم الأشياء وجودًا، وأسهلهما تناولًا ... » إلخ كلامه رحمه الله تعالى (١).
• دليل من قال: يجزئ عن التراب غيره:
الدليل الأول:
قالوا: إن الصابون والأشنان ونحوهما أقوى من التراب في الإزالة، ولما نص على التراب كان هذا تنبيهًا على أن غيره يقوم مقامه مما هو مثله أو أقوى منه.