← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وهذا وهم منه رحمه الله تعالى، فإن البخاري تجنب ذكر التراب في صحيحه، كما أشرت إليه سابقًا. ومال النووي إلى صحة كل الألفاظ، فقد قال ﵀: قد روى البيهقي وغيره هذه الروايات كلها، وفيه دليل على أن التقيد بالأولى وغيرها ليس للاشتراط، بل المراد: إحداهن، وهو القدر المتيقن من كل الروايات. وأما قوله في حديث عبد الله بن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب» وفي حديث أبي هريرة (سبعًا إحداهن بالتراب) فاختلف العلماء في الجواب عن هذا الاختلاف، فقيل: إن رواية أبي هريرة أولى، فتقدم على رواية عبد الله بن مغفل، قال البيهقي في المعرفة: «وإذا صرنا إلى الترجيح بزيادة الحفظ، فقد قال الشافعي ﵀: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره» (١). وسبب آخر في ترجيح رواية أبي هريرة على رواية عبد الله بن مغفل، بكون الإجماع على خلاف رواية ابن مغفل، فإن الأقوال: ليست إلا الغسل ثلاثًا أو سبعًا، ولم يقل أحد بغسل الإناء ثمان مرات. وأجاب الحافظ عن هذا بقوله: قال ابن دقيق العيد: «وفي هذا القول نظر؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرماني عنه» (٢). وقيل: إن رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصًا من مثله، ومن أخذ بحديث عبد الله بن مغفل فقد عمل بحديث أبي هريرة، وليس العكس (٣).

стр. 3187

وهناك من يقول: لو أخذنا بالترجيح أصلًا لم نأخذ بالقول بالتراب؛ لأن الرواة الذين رووا الحديث عن أبي هريرة بدون ذكر التراب أكثر عددًا ممن ذكرها، وبعضهم من أخص أصحاب أبي هريرة كالأعرج وأبي صالح السمان وغيرهما. وهناك من جمع بين الروايتين، فقال: «لما كان التراب جنسًا غير الماء، جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا اثنتين. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: وعفروه الثامنة بالتراب ظاهر في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى» (١). ومما يرجح كون التراب في الأولى أن الغسل بالتراب لو جعل في الثامنة لاحتاج إلى غسله بالماء بعد ذلك؛ لإزالة التراب، أما على القول بغسل الأولى بالتراب فإن الماء في الغسلات التالية يزيل أثر التراب، ويكون في هذا أدعى لنظافة الإناء، والله أعلم. • دليل من قال: يستحب غسله سبعًا ولا يجب: يرى المالكية أن الأمر بغسل الإناء ليس بسبب نجاسة الكلب، فهم يرون أن عينه طاهرة، وهذا ما حملهم على القول باستحباب الغسل سبعًا، لأن الغسل لو كانت العلة فيه النجاسة، لكان المطلوب الإنقاء، وقد يحصل في مرة واحدة. ولم يوجب المالكية إراقة الماء، لأن الماء عندهم لا ينجس إلا بالتغير، ولم يتغير الماء بسبب ولوغ الكلب، فلماذا يراق عندهم وهم يرون أنه ماء باق على خلقته، وقد سبق ذكر أدلتهم على طهارة الكلب في مسألة مستقلة، والجواب عنها، فالراجح أن الكلب عينه نجسة. وأما قولهم إن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم،

стр. 3188

لكن لا يعني أننا إذا حكمنا بنجاسة الماء إذا ولغ فيه الكلب أَنْ نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة، ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها الأمر بغسلها سبعًا، مع أن دم الحيض مع الإجماع على نجاسته لم نؤمر بغسله سبعًا، كما في حديث أسماء المتفق عليه، ومنها الأمر بالتتريب، وبالتالي لا يمكن أن يقاس الأخف على الأغلظ. على أنه قد يقال: لا نسلم عدم تغير الماء من لعاب الكلب؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء، فتظهر على شيء منه، فيكون هذا نوعًا من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة فينجس، والله أعلم. • دليل من قال بوجوب الغسل سبعًا مع التتريب: (١٢٥٩ - ٢٣٠) ما رواه مسلم من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب (١). فقوله ﷺ : (طهور إناء أحدكم) جعل طهارة الإناء متوقفة على الغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، ومن نقص من هذا العدد فلم يحصل للإناء الطهور، ومعنى هذا أنه نجس، والطهارة: هي الطهارة الشرعية: لأننا لا نرجع إلى الحقيقة اللغوية إلا إذا امتنع حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ولم يمنع من ذلك مانع. وكون الطهارة تتوقف على هذا الفعل دليل أن الأمر ليس تعبديًا، كما قال ذلك المالكية، إذ لو كان تعبديًا لما كان هذا الفعل طهارة للإناء، لأن الطهارة لا تكون إلا من حدث أو نجاسة، والإناء ليس محلًا لطهارة الحدث، فلم يبق إلا طهارة الخبث. وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والله أعلم. * * *

стр. 3189

الفرع الثاني في وضع الصابون والأشنان بدلًا من التراب مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إزالة النجاسة عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة، لا بالمزيل. [م-٥٧٦] اختلف العلماء القائلون بإضافة التراب إلى الماء في تطهير نجاسة الكلب هل يقوم الأشنان والصابون مقام التراب؟ فقيل: لابد من التراب، ولا يقوم غيره مقامه، وهو مذهب الشافعية (١). وقيل: يقوم الأشنان والصابون وغيرهما من المنظفات مقام التراب، وهو مذهب الحنابلة (٢). وقيل: إذا فقد التراب أو كان التراب يفسد المحل كما لو كانت نجاسة الكلب في الثياب ونحوها أجزأ الصابون ونحوه، وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).

стр. 3190

• دليل من قال: لا بد من التراب ولا يقوم غيره مقامه: الدليل الأول: أن النص إنما ورد في التراب، ولو كان غير التراب يقوم مقامه لذكره الشارع. وقد يناقش هذا بأن أكثر المنظفات الموجودة اليوم لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ والتي قد يكون فيها من قوة إزالة النجاسة وما شابهها أكثر مما يوجد في التراب. الدليل الثاني: القياس على التيمم، فكما أن التيمم لا يكون إلا بالأرض، فكذلك هنا، فالتراب والماء بينهما علاقة في باب الطهارة، فالتراب يرفع الحدث ويزيل الخبث، والماء يرفع الحدث ويزيل الخبث، ولا يرفع الحدث مائع آخر مهما كانت قوته في التطهير. قال ابن القيم: «وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فلله ما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، وقد عقد الله الإخاء بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا، فجمعهما الله حيث خلق منهما آدم وذريته، وجعل منهما حياة كل حيوان، وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام، وكانا أعم الأشياء وجودًا، وأسهلهما تناولًا ... » إلخ كلامه رحمه الله تعالى (١). • دليل من قال: يجزئ عن التراب غيره: الدليل الأول: قالوا: إن الصابون والأشنان ونحوهما أقوى من التراب في الإزالة، ولما نص على التراب كان هذا تنبيهًا على أن غيره يقوم مقامه مما هو مثله أو أقوى منه.

стр. 3191

الدليل الثاني: قالوا: إذا كان يجوز الاستجمار بكل جامد مزيل، مع أن النص إنما ورد في الحجارة، فكذلك هنا. • دليل من قال: يجزئ عند فقد التراب: قالوا: قواعد الشريعة تدل على أن الواجبات كلها إنما تجب مع القدرة عليها، وعدم الضرر من استعمالها، فإذا عجز عن التراب أو خشي الضرر من استعماله لم يجب، والنص ورد في التراب، إشارة إلى أن الماء وحده لا يكفي في إزالة النجاسة، فإذا فقد التراب قام غيره مقامه، وكونه يغسل بالماء والصابون خيرًا من كونه يغسل بالماء وحده. وهذا القول وسط بين القولين السابقين، وهو أقواها عندي، والله أعلم. * * *

стр. 3192

الفرع الثالث في تعفير الإناء بتراب نجس مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • ما كان نجسًا في نفسه، لا يمكن أن يطهر غيره. [م-٥٧٧] اختلف القائلون باشتراط التراب في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، هل يشترط أن يكون التراب طاهرًا؟ فقيل: يشترط ذلك، وهو أصح الوجهين عند الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). وقيل: يجزئ التراب النجس، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). • دليل القائلين باشتراط الطهارة: الدليل الأول: إن التراب النجس لا يمكن أن يكون سببًا في طهارة المحل، فما كان نجسًا في

стр. 3193

نفسه لا يمكن أن يطهر غيره. الدليل الثاني: إذا كان يشترط في التيمم طهارة التراب، فكذلك في طهارة الخبث؛ لأن طهارة الخبث إحدى الطهارتين. الدليل الثالث: إذا نهي عن الاستجمار بالنجس، وهو إزالة للنجاسة عن البدن، فكذلك إزالة النجاسة عن الآنية والثياب ونحوها. • والدليل على أنه لا يستجمر إلا بطاهر: (١٢٦٠ - ٢٣١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). وجه الاستدلال: قوله: هذا ركس. فإن معنى الركس في اللغة يحتمل أمرين: الأول: الركس بمعنى: الرجيع. والثاني: الركس بمعنى: النجس. فعلل النبي ﷺ تركه بأنه رجس. وقد قال بعضهم: ليس في الحديث دليل على اشتراط الطهارة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من تركه الاستنجاء بالعظم والمحترمات.

стр. 3194

فأجاب النووي بقوله: «إن الاعتماد في الاستدلال على قوله ﷺ : إنها ركس، وليس على مجرد تركه الاستنجاء بها، قال: ولا يجوز أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأنها رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام عن فائدة، فوجب حمل الكلام على ما ذكرناه من تفسير الركس بمعنى: النجس» (١). • دليل من قال: لا يشترط طهارة التراب: الدليل الأول: قالوا: ليس في الحديث اشتراط طهارة التراب، وإنما الحديث فيه التعفير بالتراب، وهذا متحقق مع التراب النجس. الدليل الثاني: على فرض أن يكون التراب نجسًا، فإنه سوف يتبع بالماء الطهور، وهذا كاف في تطهيره. الدليل الثالث: قالوا من النظر: النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، وقولكم: إن النجس لا يطهر، هل تقصدون لا يطهر حقيقة أو لا يطهر حكمًا؟ فإن قلتم: لا يطهر حقيقة، فإن الحجر الذي وقع عليه بول فإنه يمكن أن يستجمر به، ويقطع النجاسة. وإن قلتم: إنه لا يطهر حكمًا فلا يوجد دليل على اشتراط طهارة التراب. فالراجح أن التراب النجس ممكن أن يطهر المحل إذا أتبع بالماء، ولم يكن التراب هو الغسلة الأخيرة، وهذه المسألة راجعة إلى مسألة أخرى وهي جواز الانتفاع بالشيء النجس على وجه لا يتعدى، والله أعلم. * * *

стр. 3195

الفرع الرابع في كيفية الطهارة من بول الكلب ورجيعه [م-٥٧٨] لو بال الكلب في الإناء، فهل يجب أن يغسل سبع مرات مع التراب، أو أن هذا مقصور على الولوغ فقط؟ اختلف العلماء في هذا. فقيل: يجب التسبيع مع التراب في نجاسة الكلب مطلقًا، سواءً كانت من بوله أو عَرَقِه أو ريقه أو غيرها، وهذا هو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: التسبيع خاص بالولوغ فقط، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). وأما مذهب الحنفية والمالكية فهم لا يقولون بالتتريب أصلًا، لا في الولوغ ولا في غيره.

стр. 3196

• دليل من قال: يجب التسبيع من نجاسة الكلب مطلقًا: قالوا: إذا كان ريق الكلب نجسًا، ويغسل منه الإناء سبعًا، فما بالك ببوله الذي هو أخبث وأنتن من ريقه؟ • دليل من قال: التسبيع خاص بالولوغ: الأصل في النجاسات أن تغسل حتى تذهب عين النجاسة، لا فرق في ذلك بين الدم والبول والسؤر النجس وغيرها من النجاسات، وسواءً كانت هذه النجاسة من الإنسان أو الحيوان، وورد في النص النبوي وجوب التسبيع والتتريب من ولوغ الكلب خاصة، وما كان ربك نسيًا، والرسول ﷺ قد أعطي جوامع الكلم، فلما خص الولوغ بهذه الأحكام دون سائر النجاسات، دل على اختصاصه بذلك، وأما بوله وروثه فحكمه حكم سائر النجاسات من بول الآدمي وغائطه وحكم دم الحيض وغيره من النجاسات، وهو الغسل حتى تذهب عين النجاسة، ومن قال بوجوب غسلها سبعًا مع التراب فعليه الدليل، وقد يكون في الريق معنى لا يوجد في البول والدم وغيرهما، والله أعلم بما خلق، فقد يوجد في ريق الكلب نوع من الجراثيم لا يطهره إلا التراب، كما أخبر الرسول ﷺ أن في أحد جناحي الذباب داء، وفي الآخر شفاء، مع تماثل الجناحين خِلْقَة، ومع ذلك لم يتماثلا حكمًا، وكون ريق الكلب نجسًا، وبوله نجسًا لا يعني تماثلهما في طريقة التطهير، وانظر إلى بول الصبي وبول الجارية، فمع نجاستهما لم يتحدا في التطهير، فإذا فارقت نجاسة من النجاسات غيرها في طريقة التطهير قصرنا الحكم عليها حتى يوجد دليل صريح على تعدية الحكم إلى غيرها، ولا دليل على تعدية الحكم إلى بول الكلب وروثه وعرقه إلا القياس على ريقه، والقياس في مثل هذا ضعيف. وهذا القول هو الراجح لقوة دليله، والله أعلم .. * * *

стр. 3197

الفرع الخامس في قيام الغسلة الثامنة مقام التراب [م-٥٧٩] اختلف العلماء فيما إذا اقتصر على الماء، وغسله ثماني مرات، فهل تكفي الغسلة الثامنة عن التراب. فقيل: لا يطهر، وهو الوجه الأصح في مذهب الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). وقيل: يطهر مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). وقيل: يطهر عند عدم التراب دون وجوده، وهو وجه ثالث في مذهب الشافعية (٤). • دليل من قال: تنوب الغسلة الثامنة عن التراب: قال: إن الماء أقوى من التراب في التطهير، فإذا استبدل القوي بالأقوى قام مقامه في التطهير.

стр. 3198

• دليل من قال: لا بد من التراب: إن التراب ليس غسلة مستقلة حتى يقال: إن الماء أقوى من التراب، وإنما المقارنة بين غسله بالماء وحده، أو بالماء مع التراب، ولا شك أن الجمع بين التراب والماء في الإزالة أقوى من الماء وحده، ولهذا المعنى قصد الشارع من الجمع بينهما حصول الطهارة المستيقنة. قال ابن قدامة: «فأما الغسلة الثامنة فالصحيح أنها لا تقوم مقام التراب؛ لأنه إن كان القصد به تقوية الماء في الإزالة، فلا يحصل ذلك بالثامنة؛ لأن الجمع بينهما أبلغ في الإزالة، وإن وجب تعبدًا امتنع إبداله والقياس عليه» (١). وقال العراقي: «وأما من قال من أصحابنا يكفي؛ لأن الماء أبلغ في التطهير من التراب فمردود؛ لأنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال» (٢). • دليل من قال: يكفي إذا فقد التراب: أن الواجب هو التراب، فإذا تعذر فإما أن نقول: إنه يسقط التراب إلى غير بدل، أو يسقط إلى بدل وهو الغسلة الثامنة، ولو كانت الغسلة السابعة كافية في التطهير لما أوجب التراب، فالإناء بعد غسله سبع مرات ما زال نجسًا، يحتاج إلى التراب، وقد تعذر التراب فأقمنا الغسلة الثامنة مقامه، والله أعلم. الراجح والله أعلم، أن الغسلة الثامنة لا تقوم مقام التراب، ولو غسل الإناء مائة مرة، لأن الماء قد عمل عمله بغسله سبع غسلات، ولا معنى لتكرار غسله بالماء، وقد امتثل المطلوب، فالمعنى الذي في التراب ليس موجودًا في الماء مهما كان تكراره، وليس الهدف فقط هو النظافة، بل الهدف هو تطهير من نوع خاص. فالبول إذا غسلته مرة واحدة ذهبت بالنجاسة، فغسله مرة ثانية لا معنى لذلك،

стр. 3199

فالمحل قد طهر، وإذا كررت الغسل كان ذلك لمعنى لا يرجع إلى النجاسة، فإنها قد ذهبت، وإنما مبالغة في النظافة، وهو غير ذهاب النجاسة، فكذلك إذا غسلته سبع مرات، فلا معنى لوجود غسلة ثامنة أو عاشرة أو غيرهما؛ لأن الماء قد نظف المحل فيما يختص بالماء، وبقي معنى لا يذهب إلا بالتراب، وكأن التراب بمثابة التعقيم والوقاية من أمراض قد تكون موجودة في الإناء لا يذهب بها الماء، وإنما تحتاج إلى التراب لقطعها، وبالتالي إذا لم يوجد التراب فلا داعي لتكرار الماء، وإنما الانتظار حتى يتوفر التراب وإن اضطر إلى استعمال الإناء فلا حرج فيه لسقوط التراب لتعذره، وذلك لأن الواجبات إنما تجب بشرط القدرة، ولم يقدر على التراب فسقط، نعم لو كان هناك ما يقوم مقام التراب من صابون ونحوه ربما كان وجوده يضيف إلى الإناء شيئًا ليس موجودًا في الماء بخلاف تكرار الماء، والله أعلم. * * *

стр. 3200

الفرع السادس في صفة التطهير بالتراب [م-٥٨٠] اختلف العلماء في التراب، هل يكفي ذره على الإناء، أو لا بد من مزجه بمائع يوصله إليه؟ فقيل: لا يكفي ذره، بل لا بد من مزجه بمائع يوصله إلى جميع أجزائه، وهو الأصح في مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وقيل: يكفي ذره، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • دليل من قال: لا يكفي ذر التراب: استدل بقوله ﷺ في الحديث: «أولاهن بالتراب»، فالباء للمصاحبة أو للإلصاق، أي مصحوبًا بالتراب، فكونه جعل التراب داخلًا في مسمى الغسلات، فذر التراب

стр. 3201

وحده لا يسمى غسلًا. قال ابن دقيق العيد: «قوله ﷺ : (فاغسلوه سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب) قد يدل لما قاله بعض أصحاب الشافعي: أنه لا يكتفى بذر التراب على المحل، بل لا بد أن يجعله في الماء ويوصله إلى المحل» (١). • دليل من قال: يكفي ذر التراب: استدل بحديث عبد الله بن مغفل «وعفروه الثامنة بالتراب» دليل على أنه يكفي التعفير بالتراب دون أن يكون مصحوبًا بالماء، حيث جعل التراب مستقلًا عن الماء. والأمر في هذا واسع، فإن غسل الإناء بالتراب وحده فليدلك الإناء بالتراب حتى يكون أقوى في التطهير، وإن خلطه بالماء أجزأ كذلك، والله أعلم. * * *

стр. 3202

المبحث الثاني في كيفية التطهير من نجاسة الخنزير مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • النجاسة عين خبيثة متى زالت أو أزيلت زال حكمها. سبق لنا خلاف العلماء في الخنزير هل هو طاهر أم نجس؟ وتبين فيما مضى أن الجمهور ذهب إلى نجاسة الخنزير (١). وقيل: إن عينه طاهر، بناء على أن كل حيوان حي فهو طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية، ورجحه الشوكاني (٢).

стр. 3203

وقد سبق ذكر أدلة كل قول، ورجحت نجاسة عينه. [م-٥٨١] واختلف القائلون بنجاسته، في كيفية تطهير هذه النجاسة. فقيل: لا فرق بين نجاسة الخنزير وبين غيره من سائر النجاسات، وهو مذهب الحنفية، والقديم في مذهب الشافعي، وقول في مذهب الحنابلة (١). وقيل: يلحق الخنزير بالكلب في وجوب التسبيع والتتريب، وهو الجديد في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). • دليل من قال: يلحق الخنزير بالكلب: استدل بأن النص ورد في الكلب، والخنزير شر منه، لنص الشارع على تحريمه، وتحريم اقتنائه، بل إن الكلب مأذون في اتخاذ بعض أفراده ككلب الصيد والماشية والزرع بخلاف الخنزير فإنه منهي عن اتخاذه مطلقًا، وإنما السنة لم تنص على الخنزير؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه. • دليل من قال: لا فرق بين نجاسة الخنزير وبين غيره من النجاسات: الدليل الأول: الواجب في غسل نجاسة الخنزير غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة كسائر النجاسات، ولا يوجد نص من الشارع يوجب التسبيع والتتريب في نجاسة الخنزير، والأصل عدم الوجوب.

стр. 3204

الدليل الثاني: القول بأن الخنزير لم يكن معتادًا عندهم، ولذلك لم ينص على كيفية التطهير منه ليس كافيًا لصحة القياس على الكلب، فإن الشريعة عامة، وبيانها للناس كافة، وكيف لا يكون معروفًا عندهم، والخنزير مذكور في كتاب الله: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ) [الأنعام: ١٤٥]. الدليل الثالث: القياس في كيفية التطهير ليس بصحيح، خاصة إذا كان الأصل المقيس عليه قد فارق سائر النجاسات، وخص بأحكام لم يماثله غيره فيها، من وجوب العدد، وإضافة التراب، فهذه الأمور لا تدرك الحكمة منها، فيكون القياس فاسدًا، والله أعلم. وهذا القول هو الراجح؛ لقوة أدلته وسلامتها من الاعتراض. * * *

стр. 3205

موسوعة أحكام الطهارة أدلة ومسائل وقواعد وضوابط القسم الثاني طهارة الخبث المجلد السابع الطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية تأليف دبيان بن محمد الدبيان

стр. 3206

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلد السابع في سلسلة كتاب الطهارة، والمجلد الثاني في طهارة الخبث، وهو مخصص للطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية (البول والغائط) عن طريق الاستنجاء والاستجمار، وقد عرفنا في المجلد السابق الأعيان والنجسة، وكيفية الطهارة منها، وهذا الكتاب يدخل في كيفية الطهارة من النجاسة إلا أنه في نجاسة خاصة تتعلق بحاجة الإنسان، وفي محل مخصوص، وهو القبل والدبر. وقد اعتنى الفقهاء في هذه الطهارة، وجعلوا لها بابًا مستقلًا عن سائر النجاسات، ومن كمال هذه الشريعة أن ربطت الأمور الجبلية بأنواع من العبادات. فالناظر في الآداب الإسلامية، ومنها آداب الاستنجاء يلحظ كمال هذه الشريعة وشمولها، بحيث جعلت المسلم في كل أحواله مرتبطًا بعبادة الله ، فالبول والغائط من الأمور الجبلية، ولكن الشارع فتح لعباده في هذا الأمر أبوابًا من العبادات، ولولا ذلك لكان التقرب بها بدعة، وهكذا سائر الأمور الجبلية، فالأكل والشرب مجبول عليهما الإنسان، ولكن ما يميز المسلم أن جعل من هذا الأمر الذي لا بد منه صفات تجعله مرتبطًا بالله، فالتسمية في أوله، والأكل في اليمين، ومما يلي الإنسان، والحمد في آخره، ونحو ذلك هي من العبادات التي هي مصداق لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي

стр. 3207

وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ) [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. وقوله تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: ٣٨]. وهكذا البول والغائط ترتبط فيه مجموعة من العبادات تبدأ قبل الدخول في الأماكن المخصصة، وحال قضاء الحاجة، وتنتهي بعد الفراغ من حاجته، ومن هذه الآداب ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه، ومنها ما هو مندوب، ومنها ما هو مكروه. وقد قال بعض الكفار ساخرًا من تعاليم الإسلام، بأنه يعلم حتى آداب الخلاء، فأجابه الصحابي سلمان جواب العزيز بدينه، (١٢٦٠ - ١) فقد روى مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١). قال الطيبي: جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يرشد السائل المجد يعني ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جد وحق، فالواجب عليك ترك العناد والرجوع اليه (٢). فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين العظيم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. • خطة البحث في هذا الكتاب: خطة البحث مكونة من أبواب وفصول ومباحث وفروع على غرار البحوث السابقة على النحو التالي.

стр. 3208

التمهيد: في التعريف اللغوي. الباب الأول: في حكم الاستنجاء الفصل الأول: خلاف العلماء في حكم الاستنجاء. الفصل الثاني: هل الاستنجاء على الفور أم على التراخي. الفصل الثالث: في العاجز عن الاستنجاء. الباب الثاني: في آداب الخلاء. الفصل الأول: في آداب تتعلق بالدخول والخروج وقضاء الحاجة. المبحث الأول: حكم التسمية عند الدخول. المبحث الثاني: في حكم التعوذ من الخبث والخبائث. الفرع الأول: هذه الآداب خاصة في المكان المعد أم في كل مكان؟ الفرع الثاني: متى يقال الذكر الوارد في دخول الخلاء؟ الفرع الثالث: إذا دخل الخلاء بطفل فهل يعيذ الطفل بالذكر الوارد؟ المبحث الثالث: في حكم لبس الحذاء عند الدخول للخلاء. المبحث الرابع: في حكم تقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج. المبحث الخامس: في الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة. المبحث السادس: في الكلام أثناء قضاء الحاجة. الفرع الأول: في ذكر الله تعالى داخل الخلاء. الفرع الثاني: الكلام في الخلاء. المبحث السابع: في اللبث على الحاجة فوق الحاجة.

стр. 3209

المبحث الثامن: في حكم تغطية الرأس. المبحث التاسع: في مسح الذكر عند الفراغ من البول. المبحث العاشر: في نتر الذكر. المبحث الحادي عشر: في حكم قول غفرانك. فرع: مناسبة طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة. المبحث الثاني عشر: في حكم الحمد بعد الخروج من الخلاء. المبحث الثالث عشر: في حكم تنظيف اليد بعد غسل دبره. المبحث الرابع عشر: في البول واقفًا. الفصل الثاني: في آداب قضاء الحاجة المتعلقة بالمكان. المبحث الأول: في طلب المكان الرخو. المبحث الثاني: في حكم الاستتار. الفرع الأول: في حكم الابتعاد عن أعين الناس إذا كان في فضاء. الفرع الثاني: في حكم ستر العورة عن الناس عند قضاء الحاجة. الفرع الثالث: في رفع الثوب قبل الدنو من الأرض. الفرع الرابع: إذا لم يتمكن من قضاء الحاجة إلا بالنظر إلى عورته. المبحث الثالث: في حكم استقبال الريح حال البول. المبحث الرابع: في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط. المبحث الخامس: في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء. المبحث السادس: في استقبال النيرين (الشمس والقمر). المبحث السابع: في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة. المبحث الثامن: البول في المسجد.

стр. 3210

المبحث التاسع: البول في الشق ونحوه. المبحث العاشر: البول على القبر. المبحث الحادي عشر: البول في الإناء. المبحث الثاني عشر: التحول عن موضع قضاء الحاجة عند الاستنجاء. الباب الثالث: في صفة الاستنجاء والاستجمار. الفصل الأول: في التسمية عند الاستنجاء والاستجمار. الفصل الثاني: حكم النية للاستنجاء. الفصل الثالث: يبدأ الرجل بالقبل قبل الدبر. الفصل الرابع: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين؟ الفصل الخامس: في صفة الإنقاء. المبحث الأول: في صفة الإنقاء بالحجر. المبحث الثاني: في صفة الإنقاء بالماء. الفصل السادس: قول العلماء في الأثر المتبقي بعد الاستجمار. فرع: ما تطاير من الماء وقت الاستنجاء. الفصل السابع: القول في قطع الاستنجاء على وتر. الفصل الثامن: في صفة المسح بالأحجار. الفصل التاسع: لا يباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس الذكر بها حال البول. المبحث الأول: هل يكره مس الذكر مطلقًا، أو حال البول فقط؟ المبحث الثاني: إذا استنجى بيمينه هل يجزئه ذلك؟. المبحث الثالث: إشكال وجوابه. المبحث الرابع: حكم مس الدبر.

стр. 3211

المبحث الخامس: حكم مس فرج المرأة. الفصل العاشر: الشك بعد الفراغ من الاستنجاء. الفصل الحادي عشر: نضح الماء على الفرج والسراويل. الباب الرابع: في الاستجمار. الفصل الأول: خلاف العلماء في جواز الاستجمار. الفصل الثاني: في شروط الاستجمار. الشرط الأول: في اشتراط ثلاثة أحجار. مبحث: في الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب. الشرط الثاني: أن تكون الأحجار ونحوها طاهرة. الشرط الثالث: أن يكون المستنجى به غير عظم وروث. مبحث: حكم النهي عن الاستنجاء بالعظام والروث. الشرط الرابع: في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار. الشرط الخامس: أن يكون الحجر ونحوه منقيًا. خلاف العلماء في الاستنجاء بالزجاج. مبحث: إذا استنجى بزجاج فهل يجزئه الاستجمار أو يتعين الماء؟ الشرط السادس: في اشتراط أن يكون جامدًا. الشرط السابع: في اشتراط ألا يكون المستجمر به حممة. الشرط الثامن: في اشتراط أن يكون المستجمر به غير محترم. المبحث الأول: الاستنجاء بالكتب الشرعية. المبحث الثاني: الاستنجاء بما هو طعام للآدمي وغيره. المبحث الثالث: ألا يكون المستنجى به حيوانًا.

стр. 3212

الفرع الأول: الاستنجاء بشيء من الحيوان متصل به. الفرع الثاني: الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل. فرع: ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه. الباب الخامس: في ما يستنجى منه. الفصل الأول: في الاستنجاء من البول والغائط. الفصل الثاني: في الاستنجاء من المذي. الفصل الثالث: في الاستنجاء من الودي. الفصل الرابع: في الاستنجاء من المني. الفصل الخامس: في الاستنجاء من الحدث الدائم. المبحث الأول: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة حدثًا أم يعفى عنه. المبحث الثاني: في وجوب غسل فرج من به حدث دائم عند الوضوء. المبحث الثالث: شد عصابة الفرج عند الوضوء. الفصل السادس: في الاستنجاء من البعر الناشف والحصاة. الفصل السابع: في الاستنجاء من الريح. الباب السادس: في الاستنجاء بالماء. الفصل الأول: خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء. الفصل الثاني: أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار؟ الفصل الثالث: في الجمع بين الحجارة والماء وأيهما يقدم. الفصل الرابع: متى يتعين الاستنجاء بالماء؟ المبحث الأول: إذا تجاوز الخارج موضع العادة. المبحث الثاني: إذا استجمر بمنهي عنه ثم استجمر بعده بمباح فهل يتعين الماء؟

стр. 3213

المبحث الثالث: في تعين الماء في الاستنجاء من المذي. المبحث الثالث: في تعين الماء في الاستنجاء من الدم والقيح. المبحث الرابع: هل يتعين الماء في بول المرأة؟ المبحث الخامس: في تعين الماء إذا عرق فسال أثر الاستجمار. المبحث السادس: في تعين الماء إذا خرج البول والغائط من غير السبيلين. الباب السابع: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء. هذا ما وفقت لجمعه ودراسته، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا إليه، سببًا في مغفرته ورضوانه، مبعدًا لي عن سخطه وغضبه، وأن يرزق هذا البحث وغيره القبول والانتفاع من إخواني طلبة العلم، وأن يغفر لي تقصيري وجهلي وتفريطي وإسرافي في أمري، إنه ولي ذلك والقادر عليه. * * *

стр. 3214

تمهيد في التعريف اللغوي الاستنجاء ومثله الاستجمار والاستبراء والاستنقاء كلها ألفاظ لها علاقة في كتابنا، ولذا يحسن بي قبل أن ندخل في تفاصيل أحكام هذه العبادة أن نقدم تعريفها اللغوي، وقد قيل: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. تعريف الاستنجاء: الاستنجاء: من نجا ينجو نجوًا. يقال: نجا الشجرة ينجوها نجوًا: إذا قطعها من أصولها. قال شمر: وأرى الاستنجاء في الوضوء من هذا لقطعه العذرة بالماء. ونجا فلان ينجو نجوًا: إذا أحدث من ريح، أو غائط، يقال: ما نجا منذ أيام: أي ما أتى الغائط. والنجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط. وفي الصحاح: استنجى: مسح موضع النجو أو غسله (١). وقدم المسح على الغسل؛ لأنه هو المعروف في بدء الإسلام، وإنما التطهر بالماء زيادة على أصل الحاجة. واستنجى: تحرى إزالة النجو أو طلب نجوة: أي قطعة مدر لإزالة الأذى، كقولهم: استجمر: إذا طلب جمارًا أو حجرًا.

стр. 3215

وقال ابن الأثير: الاستنجاء استخراج النجو من البطن، أو إزالته عن بدنه بالغسل والمسح. أو من نجوت الشجرة وأنجيتها: إذا قطعتها، كأنه قطع الأذى عن نفسه، أو من النجوة للمرتفع من الأرض، كأنه يطلبها ليجلس عليها (١). تعريف الاستجمار . الاستجمار: مأخوذ من الجمار: هي الصغار من الأحجار، جمع جمرة، ومنها سموا المواضع التي ترمى جمارًا وجمرات لما بينهما من الملابسة. واستجمر: أي استنجى بالجمار: وهي الأحجار الصغار (٢). وفي اللسان: قيل: الاستجمار هو الاستنجاء، واستجمر واستنجى واحد (٣). قلت: جاء هذا في حديث سلمان ﵁ في مسلم: لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (٤). تعريف الاستطابة . الاستطابة: تطلق كناية على الاستنجاء. وسمي بها من الطيب؛ لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء: أي يطهره، ويقال منه: استطاب الرجل فهو مستطيب، وأطاب نفسه فهو مطيب، والمطيب، والمستطيب: المستنجي، مشتق من الطيب، وروي عن النبي أنه نهى أن يستطيب الرجل بيمينه. الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء (٥).

стр. 3216

(١٢٦١ - ٢) وقد روى أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا يعقوب ابن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (١). تعريف الاستبراء: الاستبراء في اللغة: طلب البراءة. والاستبراء في الطهارة: طلب البراءة من البول: وهو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ومجراه حتى يبرئهما منه، أي يبينه عنهما كما يبرأ من الدين والمرض. والاستبراء: استنقاء الذكر عن البول. واستبرأ الذكر: طلب براءته من بقية بول فيه بتحريكه ونتره وما أشبه ذلك (٢). تعريف الاستنقاء . الاستنقاء: طلب النقاوة، وهي النظافة، ونقاه: أي نظفه. وقال في المغرب: الاستنقاء: المبالغة في تنقية البدن (٣). قلت: ومنه تنقيته من البول والغائط، وقد جاء في حديث حمنة بنت جحش مرفوعًا: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلةً. الحديث (٤).

стр. 3217

وأما المعنى الاصطلاحي لهذه الألفاظ، فلا يخرج عن المعنى اللغوي، ولذلك تعمدت ألا أذكر تعريفها الاصطلاحي. * * *

стр. 3218

الباب الأول في حكم الاستنجاء الفصل الأول خلاف العلماء في حكم الاستنجاء مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في الأمر الوجوب وفي النهي التحريم. • الأمر بصيغة الخبر يقصد به توكيد الأمر، وتوكيده لا يعني إلا الوجوب، قال ﷺ في المذي: يغسل ذكره ويتوضأ (١). • لا يلزم من العفو عن أثر النجاسة العفو عن عينها. • كل نجاسة ظاهرة لا مشقة في إزالتها تجب إزالتها للصلاة. • التخيير بين الحجارة والماء ينافي التعيين، ولا ينافي الوجوب كخصال الكفارة. وقيل: • كل نجاسة لا يلزم إزالة أثرها لا يلزم إزالة عينها كدم البراغيث. • كل نجاسة لا تجب إزالتها بالماء، لا تجب إزالتها بغير الماء قياسًا على أثر النجاسة.

стр. 3219

[م-٥٨٢] اختلف العلماء في حكم الاستنجاء، هل هو واجب أم سنة؟ فقيل: إنه سنة (١)، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (٢). وقيل: إن الاستنجاء واجب، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، ومذهب الشافعية، والحنابلة (٤). • دليل من قال: الاستنجاء سنة: الدليل الأول: قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]. قال الجصاص في بيان وجه الدلالة: حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على ما قلنا: أحدهما: إيجابه على المحدث غسل هذه الأعضاء، وإباحة الصلاة به، وموجب

стр. 3220

الاستنجاء فرضًا مانع ما أباحته الآية، وذلك يوجب النسخ، وغير جائز نسخ الآية إلا بما يوجب العلم من النقل المتواتر، وذلك غير معلوم في إيجاب الاستنجاء. ومع ذلك فإنهم متفقون على أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها ثابتة الحكم، وفي اتفاقهم على ذلك ما يبطل قول موجبي الاستنجاء فرضا. والوجه الآخر من دلالة الآية: قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) الآية: [المائدة: ٦]؛ فأوجب التيمم على من جاء من الغائط، وذلك كناية عن قضاء الحاجة، فأباح صلاته بالتيمم من غير استنجاء، فدل ذلك على أنه غير فرض. • ويجاب عن هذا: بأن الذي يقوم إلى الصلاة لا يجب عليه الاستنجاء، فالاستنجاء واجب في حال خروج النجاسة من المخرج، لا في حال الوضوء، فلو قلنا بوجوب الاستنجاء عند كل وضوء لصح لكم الاستدلال، فالآية دليل على أن الاستنجاء ليس من أعمال الوضوء، وهذا لا نخالف فيه. ومثله يقال في قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ) [المائدة: ٦]. الدليل الثاني: (١٢٦٢ - ٣) ما رواه أحمد من طريق عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (١).

стр. 3221

[إسناده ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (١).

стр. 3222

وجه الاستدلال: قال في نصب الراية: الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه نفى الحرج في تركه، ولو كان فرضًا لكان في تركه حرج. الثاني: أنه قال: من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومثال هذا لا يقال في المفروض، وإنما يقال هذا في المندوب إليه والمستحب. • ويجاب من وجهين: الوجه الأول: أن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء، وإنما إلى الايتار، لأنه أقرب مذكور، وهو صفة في الاستنجاء، وسوف يأتي حكم الايتار فيه. الثاني: أن الحديث ضعيف، يرويه مجهول عن مثله، وسبق بيانه في التخريج. الدليل الثالث: قالوا: إن الفقهاء متفقون على العفو عن النجاسة اليسيرة، وهذا منها. • ويجاب على هذا: أننا وإن سلمنا أن يسير النجاسات معفو عنها في الجملة، فإننا لا نسلم أن أثر الاستنجاء من البول والغائط من اليسير المعفو عنه، وإنما يعفى عن يسير النجاسة في حالتين: الأولى: أن يلحق في الاحتراز منها مشقة، ولذلك حكم الشارع بطهارة الهرة؛ لمشقة الاحتراز منها. الثاني: ألا يمكن إزالتها، كالأثر المتبقي في الاستجمار، فإنه لا يمكن إزالته إلا بالماء، وطهارة من به سلس بول، والمستحاضة ونحو ذلك. وطهارة الاستنجاء لا تلحق مشقة بالاحتراز منها، ويمكن إزالتها بيسر

стр. 3223

وسهولة، والبول والغائط من الأمور الجبلية التي تتكرر، وقد أمرنا بالاستنجاء منها، وبين لنا الشارع صفة الاستجمار، وعدد الأحجار، ولم ينقل في السنة أن الصحابة كانوا يتركون الاستنجاء للعفو عنها، والله أعلم. الدليل الرابع: قالوا: إن الاستنجاء لا يجب بالماء مع وجوده، والقدرة عليه، ومن غير ضرورة توجب تركه، فإذا لم يجب الاستنجاء بالماء، وهو آلة التطهير، فكيف يجب بالحجارة أو غيرها من المخففات، وهي ليست مطهرة (١). • ويجاب عن هذا من وجهين: الوجه الأول: أن النجاسة عين خبيثة بأي مزيل زالت فقد زال حكمها، ولا يتعين الماء في إزالة النجاسة، ولذلك جاء تطهير النعل وذيل المرأة بالتراب، وسوف نذكر أدلة هذه المسألة في مبحث مستقل. الوجه الثاني: كون الاستنجاء بالماء ليس واجبًا بعينه، لا يعني سقوط الاستنجاء، كما هو الحال في التخيير بين خصال كفارة الأيمان، (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [المائدة: ٨٩] فلا يقال: كون الإطعام ليس واجبًا يدل على أن كفارة الأيمان ليست واجبة، فالواجب في الاستنجاء أحد أمرين إما الماء أو الحجارة أو ما يقوم مقامهما. • دليل من قال بوجوب الاستنجاء: الدليل الأول: (١٢٦٣ - ٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان،

стр. 3224

حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (١). [حسن] (٢).

стр. 3225

وجه الاستدلال: قوله: (وكان يأمرنا بثلاثة أحجار) والأصل في الأمر الوجوب. الدليل الثاني: (١٢٦٤ - ٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج، حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (١). [إسناده فيه لين] (٢).
следующие страницы →