وجه الاستدلال عندهم:
أن الحديث أمر بإراقة المائع الذي وقعت فيه الفأرة، وماتت فيه، ولم يفرق بين القليل والكثير، ولم يستفصل هل تغير أو لم يتغير، فدل على أنه لا فرق.
الدليل الثاني:
من النظر، قالوا: إن المائعات سوى الماء لا تدفع النجاسة عن غيرها، فلا تدفعها عن نفسها، بخلاف الماء الذي يدفع النجاسة عن غيره، فيدفعها أيضًا عن نفسه.
الدليل الثالث:
أن النجاسة إذا وقعت في الجامد، فإنها تجاور موضعًا واحدًا، وهو الجزء الذي
стр. 318
وقعت فيه النجاسة، بخلاف المائع فإنها تجاوره كله، إذ تنتقل من مكان إلى آخر، فيتنجس بها.
دليل من قال: المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير:
الدليل الأول:
(٨٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله،
عن ابن عباس، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أجابهم جوابًا عامًا مطلقًا، بأن يلقوها وما حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم هل كان مائعًا، أو جامدًا، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، مع أن الغالب في سمن الحجاز أن يكون ذائبًا لشدة الحرارة، والغالب على السمن أنه لا يبلغ قلتين، مع أنه لم يستفصل هل كان قليلًا أم كثيرًا.
الدليل الثاني:
الفرق بين المائع النجس والمائع الطاهر صفات جعلت هذا نجسًا، وهذا طاهرًا، فإذا لم يظهر في المائع أثر النجاسة لا في اللون، ولا في الطعم، ولا في الرائحة، فكيف نحكم عليه بأنه نجس، وما الفرق إذًا بينه وبين المائع الطاهر.
الدليل الثالث:
أن في تنجيس المائعات حرجًا ومشقة، فهنالك القناطير المقنطرة من الدهون التي تكون في معاصر الزيتون وغيرها، ففي تنجيسها بوقوع قليل النجاسة فيها حرج شديد.
стр. 319
وهذا القول هو الراجح، فلا يوجد دليل على نجاسة المائع بملاقاة النجاسة، لا دليل أثري، ولا دليل نظري، فالقول بنجاسة المائع مطلقًا فيه حرج ومشقة وإفساد للمال دون أن يكون هناك دليل يقضي بالنجاسة، والله أعلم.
* * *
стр. 320
الفصل الرابع في الماء المسخن
المبحث الأول في الماء المسخن بنجاسة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الحكم بنجاسة الماء هو تغيره بالنجاسة لا اتصاله بها على الصحيح؟
• كل عين نجسة فإنه يجوز الانتفاع بها في غير الأكل على الصحيح على وجه لا يتعدى (١).
• الاستحالة لها تأثير في الأحكام على الصحيح، فاستحالة الطيب إلى خبيث تجعله خبيثًا، كذا استحالة الخبيث إلى طاهر تجعله طاهرًا.
[م-٤٦] اختلف العلماء في الماء المسخن بالنجاسة:
فقيل: طهور بلا كراهة، وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣).
стр. 321
وقيل: يكره، وهو مذهب المالكية (١).
وأما الحنابلة فجعلوا الماء المسخن بالنجس له ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يتحقق وصول شيء من الدخان أو الرماد إلى الماء.
فالمشهور من مذهب الحنابلة: أنه نجس سواء تغير أو لم يتغير. (٢)
التعليل: لأنه ماء يسير لاقى نجاسة، والماء اليسير إذا لاقى نجاسة فإنه ينجس ولو لم يتغير. وحد اليسير هو أن يكون الماء دون القلتين أي أقل من خمس قرب تقريبًا.
والصحيح هنا أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فإنه طهور سواء كان يسيرًا أو كثيرًا، وقد سبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد.
مع أن هذا الماء في الحقيقة لم تقع فيه نجاسة وإنما وقع فيه دخان النجاسة، والروث النجس إذا تحول إلى دخان أصبح له حكم الدخان على الصحيح، والدخان كله طاهر، كما أنكم ترون نجاسة الخمرة، وإذا تحولت بنفسها إلى خل طهرت، حتى لو قيل: إنه لا يسلم من صعود أجزاء لطيفة مع الدخان تقع في الماء.
فالجواب: أن هذه الأجزاء اللطيفة قد تحولت إلى رماد، فيكون لها حكم الرماد.
الحالة الثانية: أن يكون الحائل حصينًا بحيث يعلم أن الدخان لم ينفذ إلى الماء.
فالمشهور من المذهب أنه طهور مكروه.
طهور: لأنه لم يقع فيه شيء، لا طاهر، ولا نجس.
ومكروه: وللكراهة مأخذان عندهم:
أحدهما: استعمال النجاسة، فحرارة الماء كانت عن طريق استعمال النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه عندهم، وما ترتب على المكروه يكون مكروهًا.
стр. 322
والثاني: احتمال وصول النجاسة.
الحالة الثالثة: أن يكون الحائل غير حصين، ولكنه لم يعلم وصول النجاسة إليه، فحكمه عند الحنابلة: طهور مكروه.
طهور: لأن طهارة الماء متيقنة، والنجاسة مشكوك فيها.
ومكروه؛ للتعليل السابق، وهي أن حرارة الماء جاءت عن طريق استعمال النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه، فيكون ما ترتب على المكروه يكون مكروهًا (١).
والصواب: مذهب الحنفية والشافعية أن الماء طهور بلا كراهة.
قال ابن تيمية: وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه وأما كراهته ففيها نزاع (٢). اهـ
وأين الدليل على كراهة استعمال النجاسة في أمر لا تتعدى فيه النجاسة إلى غيرها، والمشهور من مذهب الحنابلة والمالكية أن جلد الميتة عندهم لا يطهر بالدباغ، ومع ذلك يقولون بجواز الانتفاع به في يابس.
بل جاء الدليل على جواز الانتفاع بالنجاسة على وجه لا يتعدى كما في حديث جابر ﵁.
(٨٩) فقد روى البخاري من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء ابن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل:
стр. 323
يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه، ورواه مسلم (١).
* * *
стр. 324
المبحث الثاني الماء المسخن بالشمس
[م-٤٧] لا أعلم أحدًا قال: إن الماء المسخن بالشمس ليس بطهور، ولكنهم اختلفوا هل يكره أم لا؟
فقيل: يكره الماء المسخن بالشمس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١)، إلا أنهم اشترطوا شروطًا للكراهة (٢).
وقيل: طهور غير مكروه، وهو مذهب الحنابلة (٣)، واختاره بعض المالكية (٤)،
стр. 325
ورجحه النووي من الشافعية، وهو مذهب الظاهرية (١).
• دليل من قال: يكره:
الدليل الأول:
(٩٠) ما رواه الدارقطني من طريق سعدان بن نصر، أخبرنا خالد بن إسماعيل المخزومي، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، وقد سخنت ماء في الشمس، فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص.
قال الدارقطني: غريب جدًّا، خالد بن إسماعيل متروك (٢).
стр. 326
الدليل الثاني:
(٩١) ما رواه الإمام الشافعي في الأم، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرني صدقة بن عبد الله، عن أبي الزبير،
عن جابر، أن عمر كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص (١).
[والحديث ضعيف جدًّا] (٢).
فالصحيح أن المسخن بالشمس طهور غير مكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، أو نظر صحيح، ولا يوجد شئ من ذلك في هذه المسألة، ولو كان يورث البرص لكان التطهر منه محرمًا وليس مكروهًا؛ لأن البرص علة ومرض، والإنسان الأبرص ليس سوي البدن، ويعتبر عيبًا في المرأة والرجل يجب بيانه.
* * *
стр. 327
الباب التاسع في تطهير الماء المتنجس
المبحث الأول نجاسة الماء نجاسة حكمية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الماء المتغير بالنجاسة متنجس وليس نجسًا.
• كل متنجس يمكن تطهيره على الصحيح إذا زال عنه أثر النجاسة.
• النجس يطهر بالاستحالة على الصحيح، فالمتنجس أولى أن يطهر بزوال أثر النجاسة.
[م-٤٨] هل نجاسة الماء نجاسة عينية أم نجاسة حكمية؟
الصحيح أن نجاسة الماء حكمية، فهو كالثوب المتنجس؛ لأنه يطهر غيره فنفسه من باب أولى.
وهذا اختيار ابن تيمية (١)، وصوبه في الإنصاف (٢).
وقيل: نجاسته عينية.
стр. 328
قال ابن مفلح في الفروع: وهو ظاهر كلام الأصحاب وتعقبه المرداوي في تصحيح الفروع (١).
وفي قوله: إنها عينية نظر؛ لأن الحنابلة قالوا: النجاسة العينية لا يمكن تطهيرها، وهذا يمكن تطهيره (٢).
وقيل: نجاستة نجاسة مجاورة سريعة الإزالة، ولهذا يجوز بيعه (٣).
* * *
стр. 329
المبحث الثاني خلاف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ماء كثير زال تغيره بنفسه فإنه يعود طهورًا.
• النجس يطهر بالاستحالة على الصحيح، فالمتنجس أولى أن يطهر بزوال أثر النجاسة.
• انتقال الماء من الطهورية إلى النجاسة حسي وليس تعبديًا، كانتقال النجس إلى عين طاهرة على الصحيح.
• الحكم بوجود الشيء يدور مع أثره وجودًا وعدمًا، فينزل وجود أثر الشيء منزلة وجوده، وعدمه منزلة عدمه استدلالًا بوجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه (١).
• ما دفع النجاسة عن غيره دفعها عن نفسه من باب أولى.
• التراب أحد الطهورين يرفع الحدث بشرطه ويزيل الخبث، وهل يُطهِّر الماء النجس قولان للتردد، هل التراب مزيل للنجاسة أو ساتر لها؟ (٢).
стр. 330
• كل ماء مستعمل لم يتغير بما استعمل فيه فهو طهور على الصحيح.
• ورود النجاسة على الماء كورود الماء على النجاسة على الصحيح إن تغير بها تنجس وإن لم يتغير بقي على طهارته.
[م-٤٩] اختلف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس على أقوال، مع اتفاقهم على أن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير، واختلفوا في القليل هل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، أو يشترط أن يتغير بها، وقد سبق تحرير الخلاف.
القول الأول: مذهب الحنفية.
فرق الحنفية بين ماء البئر وغيره من المياه، فمسائل البئر عندهم على خلاف القياس، بينما الجمهور لم يفرقوا بين ماء البئر وغيره من المياه.
فإذا وقعت في الأواني أو في الحوض الصغير نجاسة، فلهم في تطهير الماء بشرط زوال تغيره إن وجد ثلاثة أقوال:
قيل: إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه طهر، وإن قل إذا كان الخروج حال دخول الماء فيه.
وقيل: لا يطهر إلا بخروج ما فيه.
وقيل: لا يطهر إلا بخروج ثلاثة أمثال ما كان فيه من الماء، وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة (١).
• تعليل الحنفية:
أن الماء النجس إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه، وكان خروج الماء حال دخول الماء الجديد فيه؛ أصبح بمنزلة الماء الجاري، والماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير.
стр. 331
القول الثاني: مذهب المالكية.
قالوا: الماء المتغير بالنجاسة إما أن يزول تغيره بنفسه، أو بصب ماء مطلق عليه (١)، أو بإضافة تراب ونحوه.
فإن تغير الماء بنفسه، فإما أن يكون الماء قليلًا أو كثيرًا، ولم يجدوا في ذلك حدًّا بين القليل والكثير، فالقليل أواني الوضوء ونحوها، والكثير ما عداها.
فإن كان قليلًا فهو نجس اتفاقًا عندهم.
وإن كان الماء الذي تغير بنفسه كثيرًا فلأصحاب مالك فيه قولان:
الأول: أنه طهور؛ لأن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل التغير وقد زال والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كالخمر يتخلل، وقد رجح هذا ابن رشد.
وقيل: إنه نجس؛ لأن النجاسة عندهم لا تزال إلا بالماء المطلق، وليس حاصلًا هنا فيستمر بقاء النجاسة.
ومع أنهم حكموا بنجاسته، إلا أنهم قيدوا الحكم بالنجاسة مع وجود غيره، أما إذا لم يوجد إلا هو فيستعمله بلا كراهة مراعاة للخلاف.
قلت: وهذا يدل على ضعف القول بنجاسته عندهم؛ لأنهم لو جزموا بالنجاسة لما صح استعماله مطلقًا، سواء وجد غيره أم لم يوجد؛ لأنه إذا لم يوجد إلا ماء نجس صار الى التيمم، كما هو الحال إذا وجد ماء متغير بالنجاسة، فهذا الاستثناء دليل على ضعف القول بالنجاسة عندهم، والله أعلم.
وإن زال تغير الماء بالنجاسة بإضافة ماء مطلق، فهو طهور اتفاقًا عندهم، حتى ولو كان المضاف قليلًا، ولا يشترط أن يبلغ الماء قلتين عندهم فلا يشترطون إلا شرطين:
أحدهما: أن يكون الماء المضاف ماء مطلقًا أى ليس ماء نجسًا ولا طاهرًا.
стр. 332
الثاني: أن يزول تغيره بالإضافة.
وإن زال تغيره بإلقاء طين فينظر:
فإن لم يتغير الماء بالطين فقد طهر، وإن تغير الماء بما ألقي فيه فالأظهر النجاسة عملًا بالاستصحاب (١).
• وجه القول بذلك:
أن الماء لما تكدر بالتراب صار التراب ساترًا للنجاسة، والأصل وجودها.
القول الثالث: مذهب الشافعية.
الشافعية يفرقون بين الماء القليل والماء الكثير إذا لاقى نجاسة ولم يتغير، فينجس الأول عندهم دون الثاني، وعلى هذا يقسم الشافعية الماء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الماء أكثر من قلتين، فلا ينجس إلا بالتغير، وفى تطهيره ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يزول تغيره بنفسه؛ لأن الماء يطهر غيره، فكونه يطهر نفسه من باب أولى.
الحالة الثانية: أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه، سواء كان المضاف طاهرًا أم نجسًا، قليلًا أم كثيرًا، صب عليه الماء أو نبع فيه، فإذا زال تغيره طهر.
الحالة الثالثة: أن يزول تغيره بنزح بعضه فإنه يطهر، بشرط أن يكون الباقي بعد النزح قلتين فأكثر غير متغير، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف عند الشافعية.
القسم الثاني: من الماء النجس: أن يكون الماء قلتين، وهذا لا ينجس إلا بالتغير. وفى التطهير له حالتان:
الأولى: أن يزول تغيره بنفسه.
стр. 333
الثانية: أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه. ولو كان المضاف نجسًا أو قليلًا.
القسم الثالث: أن يكون الماء المتنجس دون القلتين، وهذا الماء ينجس عندهم بمجرد ملاقاة النجاسة، ولو لم يتغير.
ففي تطهيره طريقة واحدة، وهي أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه حتى يبلغ قلتين، حتى ولو كان هذا الماء المضاف نجسًا، ما دام أنه إذا بلغ قلتين فقد زال تغيره فإنه يطهر.
أما إذا أضيف إليه ماء دون القلتين ففيه وجهان عندهم:
الأول: قيل: يكون طاهرًا غير مطهر.
لماذا كان طاهرًا، وقد لاقى النجاسة، وهو قليل؟
قالوا: لأن الماء القليل إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، أما إذا ورد الماء على النجاسة كما هو الحال هنا فلا ينجس.
ولماذا إذا لا يكون طهورًا؟
قالوا: لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة.
الوجه الثاني: قالوا لا يطهر، لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة، هذه الطرق في تطهير الماء النجس بالماء عند الشافعية.
أما تطهيره بالتراب فقد وافقوا المالكية.
قالوا: إذا طرح فيه تراب وزال تغيره.
فإما أن يكون الماء كدرًا أو صافيًا، فإن كان صافيًا فقد طهر جزمًا.
وإن كان الماء كدرًا بما ألقي فيه.
فقيل: يطهر؛ لأن التغير قد زال فصار كما لو زال بنفسه أو بماء آخر. وصحح الأكثرون أنه لا يطهر (١).
стр. 334
• وجه القول بأنه لا يطهر:
تقدم أن الماء إذا صار كدرًا بالتراب أن التراب ربما يكون ساترًا للنجاسة، وليس مزيلًا لها، فالأصل وجود النجاسة حتى نتيقن أنها زالت.
القول الرابع: مذهب الحنابلة.
طريقة الحنابلة في تطهير الماء المتنجس بالماء قريبة من تقسيم الشافعية إلا أنهم خالفوهم في مواضع يسيرة.
فقسم الحنابلة الماء المتنجس أولًا إلى قسمين:
الأول: قسم تنجس ببول آدمي أو عذرته المائعة.
الثاني: وقسم تنجس بسائر النجاسات.
أما الماء الذي تنجس بغير بول آدمي وعذرته المائعة فإنه يمكن أن نقسمه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الماء دون القلتين. وفي هذه الحال إما أن تكون نجاسته بالتغير، أو بالملاقاة ولو لم يتغير.
فيشترط لتطهير الماء المتنجس بالملاقاة شرط واحد، هو أن تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، وبالتالي يصبح طهورًا فإن أضفت إليه دون القلتين لم يطهر.
التعليل: لأن الماء القليل لا يدفع النجاسة عن نفسه فكيف يدفعها عن غيره لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) (١).
لو قال قائل: لنفرض أن الماء المتنجس بالملاقاة قلة واحدة فأضفت إليها قلة أخرى حتى أصبح الماء قلتين فهل يطهر؟
أكثر الأصحاب على أنه لا يطهر، وهو المشهور من المذهب، وحكى بعضهم
стр. 335
وجهًا بالتطهير، وصوبه صاحب الإنصاف.
وإن كانت نجاسة الماء القليل بالتغير ففي هذه الحالة تضيف إليه قلتين من الماء الطهور ثم تنظر هل زال التغير أم بقي؟ فإن زال فقد طهر، وإن لم يزل فإنك تضيف إليه حتى يذهب تغيره.
أما إذا أضفت إليه دون القلتين فإن الماء يكون نجسًا حتى ولو زال تغيره وهذا هو المذهب.
وقيل: إنه يكون طهورًا حتى على قواعد المذهب. أو القائلين بالنجاسة ولو لم يتغير. قالوا: لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا كانت واردة عليه وهنا قد ورد الماء على النجاسة.
ولو قلنا بنجاسة الماء هنا لقلنا بنجاسة الماء إذا صب على ثوب نجس إلا أن يكون قلتين، ولما كان الدلو مطهرًا لبول الأعرابي، لأنه بالتأكيد ليس قلتين ولا حتى قلة.
هذه الطريقة في تطهير الماء عند الحنابلة ﵏ إذا كان الماء أقل من قلتين.
الحالة الثانية: إذا كان الماء قلتين، فله طريقان:
الأول: أن تضيف إليه قلتين فأكثر حتى يذهب تغيره بالنجاسة، وقد علمت مما سبق لماذا يشترطون إضافة القلتين، ولم لا يعتبرون ما دون القلتين؟ فلا داعي لإعادته. وهذا الشرط خالفوا فيه الشافعية.
الثاني: هل يزول تغيره بنفسه، فالمشهور من المذهب أنه إذا زال تغيره بنفسه، وهو قلتان طهر، وفيه وجه آخر في المذهب أنه لا يطهر بناء على أن النجاسة في المذهب لا تطهر بالاستحالة، وهذا على رأي من يرى أن النجاسة نجاسة عينية وليست حكمية.
وقيل: إنه طاهر، لأنه لا يكون طهورًا وقد أزيلت به النجاسة، ولا يكون نجسًا وهو ماء كثير غير متغير، قاسوه على الماء القليل إذا كان آخر غسلة زالت بها النجاسة.
الحالة الثالثة: إذا كان الماء أكثر من قلتين فلهم ثلاث طرق:
стр. 336
الأولى: أن تضيف إليه قلتين بشرط أن يزول التغير وقد سبق لك التعليل من اشتراط القلتين.
الثانية: أن يزول تغيره بنفسه، وهذا هو المشهور من المذهب وسبق لكم في المذهب ثلاثة أوجه.
الثالثة: أن ينزح منه فيبقى بعد النزح قلتان فأكثر غير متغير.
مثاله: عندنا ماء ثلاث قلال أو أربع ... سقطت فيه ميتة فغيرت رائحة الماء. فقام رجل فنزح منها ماء حتى ذهبت رائحة النجاسة. فهل يطهر الماء؟
الجواب: إن كان الماء الباقي قلتين فأكثر فقد طهر.
وهذه هي الطريقة في تطهير الماء على المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀.
وأما التراب ففيه وجهان:
الأول: أنه لا يطهر. قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب؛ لأن النجاسة عندهم لا تزال إلا بالماء المطلق.
قال ابن عقيل: التراب لا يطهر لأنه يستر النجاسة بخلاف الماء.
الثاني: يطهر بذلك، لأن علة نجاسته التغير، وقد زال فيزول الحكم بنجاسته كما لو زال بمكثه (١).
القسم الثاني: من الماء النجس: أن يكون متنجسًا ببول آدمي أو عذرته المائعة، فإن كانت النجاسة لم تغيره وكان لا يشق نزحه فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه إليه وإن كان الماء يشق نزحه، وقد تغير بالنجاسة فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يضاف إليه ما يشق نزحه.
الثانية: أن يزول تغيره بنفسه.
стр. 337
الثالثة: أن ينزح منه فيبقى بعده قلتان غير متغيرتين (١).
خلاصة ما سبق:
التطهير تارة يكون بالإضافة، وتارة يكون بنفسه، وتارة يكون بالنزح.
فإن كان التطهير بالإضافة، فيشترط له شروط:
الأول: أن يكون الماء المضاف طهورًا، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجسًا إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة.
الثاني: أن يكون المضاف كثيرًا -قلتان فأكثر- وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية.
الثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة. وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين.
• تطهير الماء بزوال تغيره بنفسه:
المالكية، والشافعية، والحنابلة يشترطون أن يكون الماء كثيرًا، والمالكية لم أقف على حد لهم في القليل والكثير، بينما الحنابلة والشافعية يحدونه بالقلتين.
أما التغير بالنزح، فالشافعية والحنابلة يشترطون أن يبقى بعد النزح ماء كثير غير متغير.
والصحيح: أنه متى زال تغير الماء على أي وجه، قليلًا كان أو كثيرًا، حتى ولو كان عن طريق المعالجة كالتقطير مثلًا ... فإنه يطهر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولا علة للتنجس إلا لكونه متغيرًا بالنجاسة وقد زال، والله أعلم.
* * *
стр. 338
الباب العاشر باب الآنية
مناسبة ذكر الآنية في كتاب الطهارة (١):
بعض الفقهاء يذكر باب الآنية في كتاب الأطعمة والأشربة، فهو به أليق من باب الطهارة، والشافعية والحنابلة يذكرونه في باب الطهارة، ويرجع هذا والله أعلم إلى أن هناك بعض الأواني عندهم محرمة الاستعمال كأواني الذهب والفضة، وبعض الأواني نجسة، كالأواني المصنوعة من جلود الميتة، فالدباغ عند الحنابلة لا يطهرها، ومثلها آنية بعض الكفار ممن يستعملون النجاسات، فلما كانت بعض الآنية محرمة، وبعضها نجسة، وربما تطهر منها المسلم، فهل يصح تطهره أم لا؟ لهذا السبب، والله أعلم، ناسب أن يتكلموا على باب الآنية في باب الطهارة.
وأما قول بعضهم: إن الماء سائل، يحتاج إلى ظرف، فلما تكلموا عن الماء تكلموا عن ظرفه، فهذا قول ضعيف؛ لأن الطهارة بالماء لا يشترط كونه في ظرف، فقد يتوضأ الإنسان من الآبار والعيون، لكن التوجيه الأول أقوى، والله أعلم.
* * *
стр. 339
الفصل الأول في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الأشياء الإباحة.
• ما نص شرعًا على علته، لا تلتمس له علة أخرى بالاجتهاد.
وقيل:
• تحريم أواني الذهب والفضة تنبيه على تحريم ما هو أعلى منها من الأواني الثمينة.
[م-٥٠] اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة كالياقوت، والبلور، والعقيق، والزبرجد:
فقيل: يجوز الأكل والشرب والاستعمال والاتخاذ، وهو مذهب الحنفية (١)، والقول المشهور عند المالكية (٢)،
والأصح عند الشافعية (٣)، والمشهور عند
стр. 340
الحنابلة (١).
وقيل: يكره استعمالها، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
وقيل: يحرم الأكل والشرب والاستعمال في الأواني التي يكثر ثمنها، لنفاسة جوهرها.
اختاره بعض المالكية (٣)، وحكي قولًا في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: إن كان كثر ثمنها لحسن صناعتها، فاستعمالها حلال، وإن كان لنفاسة جوهرها، ففيها قولان: التحريم والإباحة. ذكر ذلك الماوردي من الشافعية (٥).
• دليل من قال بجواز استعمال الأواني الثمينة:
الدليل الأول:
الأصل في الأشياء الإباحة، قال : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) [البقرة: ٢٩].
стр. 341
وقال : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢].
وقال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ١١٩].
الدليل الثاني:
تخصيص النبي ﷺ المنع بالذهب والفضة يقتضي إباحة ما عداهما،
(٩٢) فقد روى البخاري ﵀ من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (١).
قال ابن حزم: «فصح أن كل مسكوت عن ذكره بتحريم، أو أمر، فهو مباح» (٢).
الدليل الثالث:
حكي الإجماع على جواز استعمال الأواني من غير الذهب والفضة، قال ابن جحر في الفتح: «وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده» (٣).
الدليل الرابع:
أن العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس (٤).
стр. 342
الدليل الخامس:
ثبت أن النبي ﷺ توضأ من آنية مختلفة، فقد توضأ من آنية من حجارة، ومن تور من صفر، ومن الجلود، ومن قدح رحراح أي الواسع المنبسط، ومن قصعة ومن جفنة، قال صاحب كشاف القناع: فثبت الحكم فيها، لفعله ﷺ وفي معناها قياسًا؛ لأنه مثلها (١).
وإليك الأحاديث الدالة على ما ذكرنا، منها:
(٩٣) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن بكر، قال: حدثنا حميد،
عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم. قلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة. وأخرجه مسلم واللفظ للبخاري (٢).
(٩٤) ومنها: ما أخرجه البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن عبد الله بن زيد، قال: أتى رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر، فتوضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه، وأخرجه مسلم (٣).
(٩٥) ومنها ما أخرجه البخاري من طريق حماد، عن ثابت،
عن أنس أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح، فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس:
стр. 343
فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين، ورواه مسلم (١).
(٩٦) وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ من شن معلق، وثبت أنه توضأ من قصعة وجفنة، وهذه الأحاديث سبق تخريجها في كتاب المياه.
الدليل السادس:
قالوا: كون بعض الأواني من الجوهر أغلى ثمنًا من الذهب والفضة لا يكفي في تحريمها، فإنه يحرم الحرير وإن قل ثمنه بخلاف غيره، وإن بلغ ثمنه أضعاف ثمن الحرير، وكذلك يباح فص الخاتم جوهرة، ولو بلغ ثمنها ما بلغ، ويحرم ذهبًا، ولو كان يسيرًا.
• دليل من قال يحرم استعمال الأواني الثمينة:
قالوا: إن علة المنع في استعمال أواني الذهب والفضة هي السرف والخيلاء، فيمنع في الأواني الثمينة للعلة ذاتها.
والجواب على ذلك بأن علة المنع في الذهب والفضة مختلف فيها كما سيأتي، والإسراف يختلف من بلد إلى بلد، ومن وقت لآخر، والتحريم ليس لذات الأواني، بخلاف الذهب والفضة.
كما أن التحريم للإسراف عام في كل شيء من المباحات، فمتى خرج المباح إلى الإسراف أصبح محرمًا.
قال تعالى: (وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١].
جاء في سير أعلام النبلاء: «قال شهر بن حوشب: من ركب مشهورًا من الدواب، ولبس مشهورًا من الثياب أعرض الله عنه، وإن كان كريمًا.
стр. 344
قال الذهبي: من فعله ليعز الدين، ويرغم المنافقين، ويتواضع مع ذلك للمؤمنين، ويحمد رب العالمين فحسن.
ومن فعله بذخًا وتيهًا وفخرًا أذله الله، وأعرض عنه، فإن عوتب ووعظ فكابر، وادعى أنه ليس بمختال ولا تياه، فأعرض عنه؛ فإنه أحمق مغرور بنفسه» (١).
وكلام شهر وإن كان مليحًا لكن كلام الذهبي أملح، إلا إن كان يقصد شهر ﵀ بالشهرة ما كان منهيًا عنه لشهرته، فهذا باب آخر، والله أعلم.
• دليل من قال يكره استعمالها:
قالوا: ما دام أن العلة في النهي هي السرف فلا يقتضي ذلك التحريم، وإنما ذلك فقط حقه أن يكون مكروهًا (٢).
قلت: العلة مختلف فيها كما سيأتي، ولو ثبت أن العلة هي السرف لم يمنع من التحريم، لأن الإسراف محرم.
قال تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١].
وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) [الإسراء: ٢٧].
• الراجح:
جواز استعمال الأواني الثمينة إذا لم يصل إلى حد السرف.
* * *
стр. 345
الفصل الثاني في الأواني من الذهب والفضة
المبحث الأول في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في النهي التحريم.
• تحريم الشرب تنبيه على تحريم الأعلى وهو الأكل (١).
• التوعد بالعقاب على الشرب في آنية الفضة يلحقها بالكبائر.
[م-٥١] اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة:
فقيل: لا يجوز الأكل والشرب فيهما، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢)، وحكي إجماعًا، ولا يثبت الإجماع.
стр. 346
وقيل: النهي عن الأكل والشرب للكراهة، وليس للتحريم، وهو قول الشافعي في القديم وقد رجع عنه (١)، كما أنه رواية عن الإمام أحمد (٢).
وقيل: يحرم الشرب خاصة دون الأكل، وهو مذهب داود الظاهري، ولعله لم يبلغه أحاديث النهي عن الأكل (٣).
• دليل من قال بالتحريم:
الدليل الأول:
(٩٧) ما رواه البخاري من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول:
حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. ورواه مسلم (٤).
[ذكر الأكل تفرد به مجاهد، عن الحكم، وليس بمحفوظ] (٥).
الدليل الثاني:
(٩٨) ما رواه البخاري من طريق مالك بن أنس، عن نافع، عن زيد بن عبدالله ابن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ورواه مسلم (١).
ورواه مسلم وحده من طريق علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، بلفظ:
إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم (٢).
[قال البيهقي: ذكر الأكل والذهب ليس محفوظًا من حديث أم سلمة] (٣).
ومع أن كلام البيهقي هو ما تقتضيه قواعد هذا الفن، وهو الحق؛ إلا أنه لما نص على الشرب دخل في ذلك الأكل، إما لأنه مثل الشرب أو لكونه أولى منه، ألا ترى أن النهي عن البول في الماء الراكد كان الغائط أحرى أن ينهى عنه في ذلك.
قال النووي في المجموع: «وإذا حرم الشرب فالأكل أولى؛ لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف» (١).
الدليل الثالث:
(٩٩) ما أخرجه البخاري من طريق الأشعث بن سليم عن معاوية بن سويد ابن مقرن،
стр. 352
عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة، أو قال: آنية الفضة، وعن المياثر، والقسي، وعن لبس الحرير، والديباج، والإستبرق. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
• دليل من قال: إن النهي عن الأكل والشرب للكراهة:
الدليل الأول:
قالوا: إن علة الكراهة للتزهيد فيها، بدليل قول الرسول ﷺ : (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة).
• وأجيب:
بقوله ﷺ : (فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهو وعيد شديد، ولا يكون إلا على محرم.
الدليل الثاني:
لما كان النهي إنما كان من أجل السرف والخيلاء، والتشبه بالأعاجم، فهذا لا يوجب التحريم، كما قالوا: إنما قصد الرسول ﷺ بالحديث المشركين والكفار من ملوك فارس والروم وغيرهم من الذين يشربون في آنية الفضة، فأخبر عنهم، وحذرنا أن نفعل مثل فعلهم ونتشبه بهم (٢).
• وأجيب من وجوه:
الوجه الأول:
بأن الإسراف حرام، ويكفي قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١].
стр. 353
وقوله: (ِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) [الإسراء: ٢٧]، ومثله الخيلاء.
الوجه الثاني:
أن التشبه بالكفار وإن كان الأصل فيه الكراهة إلا أنه قد يبلغ الشرك وقد ينزل إلى خلاف الأولى وذلك بالقرائن، وقد جاء في الحديث أنه من التشبه المحرم، للوعيد عليه.
الوجه الثالث:
أن الحديث لم يكن يخبر عن حال الكفار، بل قصد الرسول ﷺ نهي أمته عن الشرب في آنية الفضة، فمن شرب فيها بعد علمه بالنهي فقد استحق الوعيد المذكور في الآية، والله أعلم.
• دليل من قال: يحرم الشرب خاصة:
هذا مذهب داود الظاهري، باعتبار أن الأكل إنما ورد من طريق مجاهد عن حذيفة، والأكثر على عدم ذكر الأكل.
وقد اعتبر البخاري زيادة مجاهد زيادة من ثقة، ولهذا خرجها في صحيحه، وقد سبق بحثها.
وأما حديث أم سلمة فالنهي فيه عن الشرب فقط، ولا يثبت فيه زيادة النهي عن الأكل، ولا شك أن من منع الشرب فقط فقوله نزعة ظاهرية بحتة، لم ينظر إلى علة النهي، والماء مطعوم، وكونه سائلًا لا يخرجه عن ذلك، ولا فرق في الحكم بين الشرب وبين الأكل، بل إن الأكل أولى بالنهي من الشرب، وقد تقدم مثل هذا الكلام، والله أعلم.
وبناء على ذلك فالراجح ثبوت النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي الأكل إن كان محفوظًا في حديث حذيفة وإلا فهو مقيس عليه.
* * *
стр. 354
المبحث الثاني في استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• تخصيص المنع بالأكل والشرب دليل على إباحة ما عداها؛ لأن الأصل الإباحة.
• تحريم الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال، وتحريم الأخص لا يدل على تحريم الأعم (١).
وقيل:
• ذكر الأكل والشرب تنبيه على تحريم غيرها من الاستعمالات.
[م-٥٢] اختلف العلماء في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كالادهان، والاكتحال، والتطيب، والوضوء، واتخاذ الأقلام، وأدوات المكتب، ونحوها من الذهب والفضة.
فقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 355
وقيل: يكره، ولا يحرم، وهو اختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة (١).
وقيل: لا يحرم استعمالها إلا في الأكل والشرب خاصة، اختاره بعض الفقهاء، ورجحه الصنعاني، والشوكاني (٢).
• دليل من قال: لا يجوز .
الدليل الأول:
قالوا: إن الله إنما حرم الأكل والشرب؛ لأنه نوع من الاستعمال والانتفاع بها، وذكر الأكل والشرب لا يدل على التخصيص؛ لأنه خرج مخرج الغالب.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) [النساء: ١٠].
وقال سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: ١٣٠].
مع أن المحرم أعم من مجرد الأكل، فكذلك الحال بالنسبة للذهب والفضة (٣).
الدليل الثاني:
قالوا: إن العلة في تحريم الشرب منها موجود في الاستعمال؛ لما يتضمنه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء (٤).