ومع أن كلام البيهقي هو ما تقتضيه قواعد هذا الفن، وهو الحق؛ إلا أنه لما نص على الشرب دخل في ذلك الأكل، إما لأنه مثل الشرب أو لكونه أولى منه، ألا ترى أن النهي عن البول في الماء الراكد كان الغائط أحرى أن ينهى عنه في ذلك.
قال النووي في المجموع: «وإذا حرم الشرب فالأكل أولى؛ لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف» (١).
الدليل الثالث:
(٩٩) ما أخرجه البخاري من طريق الأشعث بن سليم عن معاوية بن سويد ابن مقرن،
стр. 352
عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة، أو قال: آنية الفضة، وعن المياثر، والقسي، وعن لبس الحرير، والديباج، والإستبرق. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
• دليل من قال: إن النهي عن الأكل والشرب للكراهة:
الدليل الأول:
قالوا: إن علة الكراهة للتزهيد فيها، بدليل قول الرسول ﷺ : (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة).
• وأجيب:
بقوله ﷺ : (فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهو وعيد شديد، ولا يكون إلا على محرم.
الدليل الثاني:
لما كان النهي إنما كان من أجل السرف والخيلاء، والتشبه بالأعاجم، فهذا لا يوجب التحريم، كما قالوا: إنما قصد الرسول ﷺ بالحديث المشركين والكفار من ملوك فارس والروم وغيرهم من الذين يشربون في آنية الفضة، فأخبر عنهم، وحذرنا أن نفعل مثل فعلهم ونتشبه بهم (٢).
• وأجيب من وجوه:
الوجه الأول:
بأن الإسراف حرام، ويكفي قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١].
стр. 353
وقوله: (ِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) [الإسراء: ٢٧]، ومثله الخيلاء.
الوجه الثاني:
أن التشبه بالكفار وإن كان الأصل فيه الكراهة إلا أنه قد يبلغ الشرك وقد ينزل إلى خلاف الأولى وذلك بالقرائن، وقد جاء في الحديث أنه من التشبه المحرم، للوعيد عليه.
الوجه الثالث:
أن الحديث لم يكن يخبر عن حال الكفار، بل قصد الرسول ﷺ نهي أمته عن الشرب في آنية الفضة، فمن شرب فيها بعد علمه بالنهي فقد استحق الوعيد المذكور في الآية، والله أعلم.
• دليل من قال: يحرم الشرب خاصة:
هذا مذهب داود الظاهري، باعتبار أن الأكل إنما ورد من طريق مجاهد عن حذيفة، والأكثر على عدم ذكر الأكل.
وقد اعتبر البخاري زيادة مجاهد زيادة من ثقة، ولهذا خرجها في صحيحه، وقد سبق بحثها.
وأما حديث أم سلمة فالنهي فيه عن الشرب فقط، ولا يثبت فيه زيادة النهي عن الأكل، ولا شك أن من منع الشرب فقط فقوله نزعة ظاهرية بحتة، لم ينظر إلى علة النهي، والماء مطعوم، وكونه سائلًا لا يخرجه عن ذلك، ولا فرق في الحكم بين الشرب وبين الأكل، بل إن الأكل أولى بالنهي من الشرب، وقد تقدم مثل هذا الكلام، والله أعلم.
وبناء على ذلك فالراجح ثبوت النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي الأكل إن كان محفوظًا في حديث حذيفة وإلا فهو مقيس عليه.
* * *
стр. 354
المبحث الثاني في استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• تخصيص المنع بالأكل والشرب دليل على إباحة ما عداها؛ لأن الأصل الإباحة.
• تحريم الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال، وتحريم الأخص لا يدل على تحريم الأعم (١).
وقيل:
• ذكر الأكل والشرب تنبيه على تحريم غيرها من الاستعمالات.
[م-٥٢] اختلف العلماء في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كالادهان، والاكتحال، والتطيب، والوضوء، واتخاذ الأقلام، وأدوات المكتب، ونحوها من الذهب والفضة.
فقيل: يحرم، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 355
وقيل: يكره، ولا يحرم، وهو اختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة (١).
وقيل: لا يحرم استعمالها إلا في الأكل والشرب خاصة، اختاره بعض الفقهاء، ورجحه الصنعاني، والشوكاني (٢).
• دليل من قال: لا يجوز .
الدليل الأول:
قالوا: إن الله إنما حرم الأكل والشرب؛ لأنه نوع من الاستعمال والانتفاع بها، وذكر الأكل والشرب لا يدل على التخصيص؛ لأنه خرج مخرج الغالب.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) [النساء: ١٠].
وقال سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: ١٣٠].
مع أن المحرم أعم من مجرد الأكل، فكذلك الحال بالنسبة للذهب والفضة (٣).
الدليل الثاني:
قالوا: إن العلة في تحريم الشرب منها موجود في الاستعمال؛ لما يتضمنه من الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء (٤).
стр. 356
الدليل الثالث:
الإجماع على تحريم استعمالها، وقد نقل الإجماع طائفة من العلماء:
منهم ابن عبد البر، قال في التمهيد: «والعلماء كلهم لا يجيزون استعمال الأواني من الذهب، كما لا يجيزون ذلك من الفضة» (١). اهـ
стр. 357
وقال في الاستذكار: «واختلف العلماء في جواز اتخاذ أواني الفضة بعد إجماعهم على أنه لا يجوز استعمالها لشرب ولا غيره» (١). اهـ
وكذلك نقل الإجماع النووي، قال في المجموع: قال أصحابنا: أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة، إلا ما حكي عن داود، وإلا قول الشافعي في القديم (٢).
وقال ابن قدامة في المغني: «ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، لا أعلم فيه خلافًا» (٣).
وممن نقل الإجماع ابن مفلح الصغير (٤)، والخطيب في مغني المحتاج (٥)، فهؤلاء جماعة من العلماء منهم المالكي والشافعي والحنبلي نقلوا الإجماع على تحريم الاستعمال.
قلت: دعوى الإجماع فيها تساهل، والصحيح أن الخلاف محفوظ.
قال ابن حجر فيما نقله عن القرطبي: «في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب ... إلخ كلامه ﵀» (٦).
ونص ابن مفلح الكبير في الفروع أن التحريم هو قول الجمهور، مما يدل على أنه لا إجماع في الباب (٧).
стр. 358
وقال الشوكاني: وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال، فلا تتم مع مخالفة داود الظاهري والشافعي وبعض أصحابه، وقد اقتصر الإمام المهدي في البحر على نسبة ذلك إلى أكثر الأمة، على أنه لا يخفى على المنصف ما حجية الإجماع من النزاع، والإشكالات التي لا مخلص منها. اهـ (١).
وبهذا يتبين أن دعوى الإجماع غير دقيقة.
• دليل من قال: لا يحرم إلا الأكل والشرب خاصة:
الدليل الأول:
الأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الاستعمال، فتخصيص النبي ﷺ للأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز، ولو كان الاستعمال حرامًا لكان الرسول ﷺ أبلغ الناس، ولما خص الأكل والشرب، فلما خصهما بالذكر قصرنا التحريم عليهما.
الدليل الثاني:
قياس الاستعمال على الأكل والشرب قياس مع الفارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة، قال تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ) [الإنسان: ١٥] وذلك مناط معتبر بالشرع (٢).
(١٠٠) وقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن واضح وهو أبو تميلة، عن عبد الله ابن مسلم، عن عبد الله بن بريدة،
عن أبيه قال: رأى رسول الله ﷺ في يد رجل خاتمًا من ذهب، فقال: ما لك ولحلي أهل الجنة؟ قال: فجاء، وقد لبس خاتمًا من صفر، فقال: أجد منك ريح أهل الأصنام؟ قال: فمم أتخذه يا رسول الله؟ قال: من فضة (٣).
(١٠١) وقد يستدل لهم بما أخرجه النسائي، قال: أخبرنا وهب بن بيان، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أنبأنا عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة، وهو المعافري، حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يخبر أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، يقول: إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها (١).
[إسناده صحيح] (٢).
لكن لا دليل فيه، ولعل المنع هنا من باب الزهد، لا من باب التحريم؛ لأن الحرير وكذا الذهب لا يحرمان على النساء، بل يباحان.
стр. 361
وقد أشير إلى الاختلاف في علة النهي عن آنية الذهب والفضة، فارجع إليه، والجزم بأن العلة هي النهي عن التشبه بأهل الجنة فيه شيء، والتشبه بأهل الجنة ليس نقيصة، وقد أذن للمرأة بلباس الحرير والذهب، كما أن الذهب والفضة الموجودان في الجنة غير الموجودين في الدنيا، وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء.
الدليل الثالث:
(١٠٢) استدل الشوكاني بما رواه أحمد، قال: ثنا أبو عامر، ثنا زهير، عن أسيد بن أبي أسيد، عن نافع بن عياش مولى عبلة بنت طلق الغفاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارًا من نار فليسوره بسوار من ذهب، ومن أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ولكن عليكم بالفضة العبوا بها لعبًا (١).
[في إسناده ضعف] (٢).
الدليل الرابع:
(١٠٣) ما أخرجه البخاري من طرق عن ابن موهب، قال:
أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قصة فيها شعر من شعر النبي ﷺ وكان إذا أصاب الإنسان عين، أو شيء بعث إليها مخضبة، فاطلعت في الجلجل، فرأيت شعرات حمرًا (١).
قال ابن حجر في الفتح: وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين بلفظ: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر ... إلخ الحديث (٢).
فإن قيل: هذا موقوف على أم سلمة، فلا حجة في فعل الصحابي ﵁.
فالجواب: ممكن أن يقال: كون الصحابة يرسلون إليها إذا أصاب الإنسان عين
стр. 364
أو شيء دليل على اطلاعهم على هذا، وإقرارهم له، والله أعلم.
الدليل الخامس:
لو كانت الآنية حرامًا مطلقًا لأمر النبي ﷺ بتكسير الأواني كما بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب ألا يدع صورة إلا طمسها حين كانت الصورة محرمة مطلقًا.
(١٠٤) أخرجه مسلم من طريق سفيان بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث.
(١٠٥) وقد جاء في حديث حذيفة في الصحيحين أنه استسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين - كأنه يقول: لم أفعل هذا ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (١).
ففي هذا الحديث دليل على اقتناء حذيفة للإناء، ولو كان منكرًا لكسره ﵁، والذي أميل إليه أن الاستعمال في غير الأكل والشرب غير محرم، وإن كان الاحتياط تركه، والله أعلم.
* * *
стр. 365
المبحث الثالث في الطهارة من آنية الذهب والفضة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها أثر فيها، وإذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها.
• الظرف في الطهارة لا يحل شيئًا ولا يحرمه.
• الوضوء جريان الماء على الأعضاء وليس في ذلك معصية، والمعصية في الظرف وهو ليس شرطًا أو واجبًا في الوضوء.
[م-٥٣] الخلاف في هذه المسألة إنما يجري على قول من يقول بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، أما من يقصر التحريم على الأكل والشرب، فإنه يصحح الطهارة منها بلا إثم، وهذا واضح.
وقد اختلف القائلون بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة هل تصح الطهارة منها وفيها مع الإثم أم لا على أقوال:
стр. 366
فقيل: تصح الطهارة منها وبها، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: لا تصح الطهارة، وهو قول ضعيف في مذهب المالكية (٥)، ووجه في مذهب أحمد (٦)، ورجحه داود الظاهري (٧)، ونُسِبَ هذا القول لابن تيمية (٨)،
стр. 367
وصححه ابن عقيل من الحنابلة (١).
وقيل: يعيد الوضوء في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
• دليل من قال: تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة .
الدليل الأول:
الأحاديث نصت على تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الطهارة من آنية الذهب والفضة، ولو كان مطلق الاستعمال حرامًا لبينته السنة، فقد كان الرسول ﷺ أبلغ الناس، وقد أوتي جوامع الكلم فلما خص التحريم للأكل والشرب قصرنا التحريم عليهما.
وقد سقت الأدلة الكثيرة على جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب في مسألة مستقلة، فكل دليل سقته هناك يصلح أن يكون دليلًا هنا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن حقيقة الوضوء: هو جريان الماء على الأعضاء، وليس في ذلك معصية، وإنما المعصية في استعمال الإناء.
قال ابن تيمية: التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها أثر فيها، كما كان في الصلاة في اللباس أو البقعة، وأما إذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها، فلهذا لم يؤثر فيها، والله أعلم (٣).
الدليل الثالث:
قالوا: إنه لو أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة، لم يكن المأكول والمشروب حرامًا، فكذلك الطهارة؛ لأن المنع إنما هو لأجل الظرف، دون ما فيه.
стр. 368
قال الشافعي: «لا أزعم أن الماء الذي شرب، ولا الطعام الذي أكل فيها محرم عليه، وكان الفعل من الشرب فيها معصية. فإن قيل: فكيف ينهى عنها ولا يحرم الماء فيها؟ قيل له -إن شاء الله- إن رسول الله ﷺ إنما نهى عن الفعل فيها، لا عن تبرها، وقد فرضت فيها الزكاة، وتمولها المسلمون، ولو كانت نجسًا لم يتمولها أحد، ولم يحل بيعها ولا شراؤها (١).
• وقد يتعقب هذا الاستدلال:
بأن يقال: إن التحريم هنا لنفس الأكل والشرب، ولكن لعارض: وهو كونهما من إناء محرم، بدليل قوله ﷺ : إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ولا يكون هذا إلا لمحرم، وإنما يجرجر في بطنه الأكل والشرب دون الإناء، ومثله: المال المعصوم إذا غصبه آخر، فإنه يحرم عليه لهذا العارض، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً) [النساء: ١٠] وإن كان المأكول ليس محرمًا لذاته، وإنما هو لعارض.
الدليل الرابع:
أن الوضوء من آنية الذهب والفضة إنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء آخر، ثم توضأ منه.
• وتعقب هذا:
بأن النبي ﷺ جعل الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وهو حين انصباب الماء في بطنه يكون قد انفصل عن الإناء.
• دليل من قال لا تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة:
الدليل الأول:
لما حرم استعمال الإناء، وكان في الشرب والتطهر منه معصية الله تعالى -التي هي استعمال الإناء المحرم- صار فاعل ذلك مجرجرًا في بطنه نار جهنم بالنص، وكان
стр. 369
في حال وضوئه وغسله عاصيًا لله تعالى بذلك التطهر نفسه، ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة، وأن يجزئ تطهير محرم عن تطهير مفترض.
• وأجيب:
بأن هذا الكلام إنما يلتزمه من يرى تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، وقد بينت أن الراجح جواز استعمالهما في غير الأكل والشرب، وعلى التنزل بأن الاستعمال محرم، فإن هناك فرقًا بين التحريم والصحة، فقد يحرم الشيء ويكون صحيحًا، فلا تلازم بين التحريم والصحة، وقد قدمت بأن الفعل المحرم إذا كان في ركن العبادة أو شرطها أثر فيها، وأما إذا كان في أجنبي عنها، لم يؤثر فيها، كتلقي الجلب، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قالوا: القياس على الصلاة في الدار المغصوبة، والحج من مال حرام، فكما أنه لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة، ولا يصح الحج من مال حرام، فكذلك الطهارة في آنية الذهب والفضة.
• وتعقب من وجهين:
الأول: لا نسلم عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة، وكذلك الحج من مال حرام، والقول بصحة الصلاة في الدار المغصوبة هو قول الجمهور، بل إن أصحاب القول الأول عكسوا هذا الدليل، فاستدلوا على صحة الصلاة بالأرض المغصوبة على صحة الطهارة من آنية الذهب والفضة (١).
стр. 370
الوجه الثاني:
أن هناك فرقًا بين الصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء من آنية الذهب والفضة، فالقيام والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم، وهي أمثال الصلاة، وأمثال الوضوء من الغسل والمسح ليست محرمة، كما أن المكان شرط في الصلاة لا يمكن وجودها إلا به، والإناء ليس بشرط، أشبه ما لو صلى، وفي يده خاتم ذهب (١).
• دليل من قال يعيد الطهارة ما دام في الوقت .
ظاهر أن قول المالكية في هذه المسألة وفي ما شابهها ممن يطلبون الإعادة في الوقت، فإذا خرج الوقت لم يطلب منه الإعادة أنهم لا يرون وجوب الإعادة؛ لأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وبين خارج الوقت.
وقد قال بعضهم عن أصحاب مالك: إن كل موضع يقول فيه مالك: إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب (٢).
إلا أن يستدل في قصة المسيء صلاته، فإنه قال له: ارجع فصل فإنك لم تصل، فطلب منه الإعادة في الوقت، ولم يطلب منه إعادة كل ما صلى.
فإن كانت الإعادة مستحبة، كان أدلة هذا القول لا تخرج عن أدلة قول من يرى وجوب الإعادة، إلا أنه حمل الأمر فيها على الاستحباب وغيره حملها على الوجوب.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة كل فريق الذي يظهر لي أن القول بصحة الطهارة أرجح لقوة أدلته، وأن الصحة والتحريم على القول بتحريم الطهارة من آنية الذهب والفضة غير متلازمين، فقد يحرم الشيء ويصح، وقد يكون محرمًا باطلًا، والنهي لم يكن عائدًا للوضوء، وإنما هو لأمر خارج، والله أعلم.
* * *
стр. 371
المبحث الرابع في اتخاذ أواني الذهب والفضة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• تحريم الأعلى لا يتناول الأدنى.
• تحريم الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال والاتخاذ، وتحريم الأخص لا يدل على تحريم الأعم (١).
وقيل:
• ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي والخمر.
• الاتخاذ ذريعة إلى الاستعمال، وسد الذريعة واجب.
الفرق بين الاتخاذ والاستعمال:
أن الاستعمال يعني التلبس بالانتفاع، بينما الاتخاذ يعني أن يقتنيه دون أن ينتفع به، كأن يتخذه إما للزينة، أو للتمول أو لغيرهما.
[م-٥٤] وقد اختلف العلماء في حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة:
стр. 372
فقيل: يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: لا يحرم، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
وقيل: يكره، اختاره بعض الحنابلة (٣).
• دليل من قال بتحريم الاتخاذ:
الدليل الأول:
قالوا: كل ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه (٤).
стр. 373
الدليل الثاني:
أن الاتخاذ ذريعة إلى الاستعمال، وسد الذريعة واجب (١).
قال ابن عبد البر: «معلوم أن من اتخذها لا يسلم من بيعها، أو استعمالها؛ لأنها ليست مأكولة، ولا مشروبًا، فلا فائدة فيها غير استعمالها ... » إلخ (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: إن العلة في تحريم الاستعمال هو السرف والخيلاء، وهي موجودة في الاتخاذ (٣).
الدليل الرابع:
قوله ﷺ : فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة، مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، وهو دليل على تحريم الاتخاذ والاستعمال (٤).
• دليل من قال بجواز الاتخاذ:
الدليل الأول:
أن الخبر إنما ورد بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب فلا يتعداه إلى غيره.
الدليل الثاني:
كل دليل استدلوا به على جواز الاستعمال، فقد استدلوا به على جواز الاتخاذ، لأنه لا يمكن أن يستعملها إلا وقد اتخذها.
стр. 374
الدليل الثالث:
جاء في الصحيحين أن الصحابي حذيفة ﵁ اقتنى الآنية مع كونه يرى تحريم الشرب فيها،
(١٠٦) فقد روى البخاري من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول:
حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. ورواه مسلم (١).
الدليل الرابع:
قالوا: يجوز اتخاذ أواني الذهب والفضة قياسًا على جواز اتخاذ ثياب الحرير، فإنها مع كونها يحرم استعمالها للرجال، فإنه يجوز للرجل أن يتخذها، ويتاجر فيها (٢).
• وأجاب المانعون:
بأن ثياب الحرير لا تحرم مطلقًا فإنها تباح للنساء، بينما آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء، وإنما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للزوج والتجمل له، وهذا مقصور على الحلى، فتختص الإباحة به. وقد نقل النووي الإجماع على تحريم آنية الذهب والفضة على الجنسين: الرجل والمرأة (٣).
стр. 375
• دليل من قال بالكراهة:
حملوا أدلة من قال بالمنع أن المنع لكراهة التنزيه، وأن العلة عندهم ما دامت من أجل السرف والخيلاء فلا تصل للتحريم.
وقد أجبت عن هذا عند ذكر الخلاف باستعمال أواني الذهب والفضة.
• الراجح من هذا الخلاف:
أن من قصر التحريم على الأكل والشرب فهو أسعد بالنص، والدليل على جواز الاتخاذ أقوى من دليل جواز الاستعمال، ذلك أن الأكل والشرب قد يقال: إنه نوع من الاستعمال، وإن كان النص على الأكل والشرب أخص من تحريم الاستعمال، وقد رأيت في نهاية هذا البحث أن أختمه بكلام نفيس لابن تيمية ﵀، حيث قال:
«إذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك: بقي اتخاذ اليسير لحاجة أو مطلقًا، فاتخاذ اليسير فيه تفصيل، ولهذا تنازع العلماء في جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها، فرخص فيه أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في قول، وإن كان المشهور عنهما تحريمه، إذ الأصل أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي.
وأما إذا كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضًا قولان في مذهب الشافعي وأحمد، وفي تحديد الفرق بين الكثير واليسير، والترخيص في لبس خاتم الفضة أو تحلية السلاح من الفضة، وهذا فيه إباحة يسير الفضة مفردًا، لكن في اللباس والتحلي، وذلك يباح منه مالا يباح في باب الآنية، كما تقدم التنبيه على ذلك، ولهذا غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، حيث حكى قولًا بإباحة يسير الذهب تبعًا في الآنية عن أبي بكر عبدالعزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي كعلم الذهب ونحوه.
وفي يسير الذهب في (باب اللباس) عن أحمد أقوال:
стр. 376
أحدها: الرخصة مطلقًا، لحديث معاوية: نهى عن الذهب إلا مقطعًا (١).
والخريصة: عين الجرادة، لكن هذا يحمل على الذهب المفرد دون التابع، ولا ريب أن هذا محرم عند الأئمة الأربعة، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن خاتم الذهب، وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغهم النهي.
ولهذا فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفردًا كالتكة فنهى عنه، وبين يسير غيره تبعًا كالعلم، إذ الاستثناء وقع في هذا النوع فقط.
فكما يفرق في الرخصة بين اليسير والكثير، فيفرق بين التابع والمفرد، ويحمل حديث معاوية (إلا مقطعًا) على التابع لغيره، وإذا كانت الفضة قد رخص منها في باب اللباس والتحلي من اليسير، وإن كان مفردًا، فالذين رخصوا في اليسير أو الكثير التابع في الآنية ألحقوها بالحرير الذي أبيح يسيره تبعًا للرجال في الفضة التي أبيح يسيرها مفردًا أولًا. ولهذا أبيح في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد حلية المنطقة من الفضة وما يشبه ذلك من لباس الحرب كالخوذة، والجوشن، والران، وحمائل السيف.
وأما تحلية السيف بالفضة فليس فيه خلاف.
والذين منعوا قالوا: الرخصة وقعت في باب اللباس دون باب الآنية، وباب اللباس أوسع كما تقدم.
وقد يقال: إن هذا أقوى، إذ لا أثر في هذه الرخصة والقياس كما ترى.
وأما المضبب بالذهب، فهذا داخل في النهي، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. والخلاف المذكور في الفضة منتف هنا، لكن في يسير الذهب في الآنية وجه للرخصة فيه (١).
فمن خلال هذا الكلام لابن تيمية يتبين لنا ما يلي:
التفريق في الذهب والفضة بين المفرد والتابع. فيحرم مفرد الذهب ولو يسيرًا، ويباح التابع في اللباس.
стр. 384
والتفريق بينهما في باب الآنية، وباب اللباس. فباب اللباس أوسع من باب الآنية.
كما أنه يدل على إباحة الخاتم من الفضة، وكذلك تحلية السيف، والذي يظهر لي أن الفضة الأصل فيها الحل إلا ما دل عليه الدليل كالنهي عن الأكل والشرب فيها، ولذلك اتخذ الرسول ﷺ خاتمًا من ورق، فالفرق بين الذهب والفضة ظاهر من حيث الأدلة، والله أعلم.
* * *
стр. 385
الفصل الثالث في الأواني المضببة بالذهب والفضة
المبحث الأول في تضبيب الأواني بالذهب
الفرع الأول في تعريف الضبة
جاء في المطلع على أبواب المقنع: المضبب: هو الذي عمل فيه ضبة.
قال الجوهري: هي حديدة عريضة يضبب بها الباب - يريد والله أعلم- أنها في الأصل كذلك، ثم تستعمل من غير الحديد، وفي غير الباب. اهـ (١).
وجاء في المغني في الإنباء: المضبب من الأقداح: هو الذي أصابه صدع: أي شق، فسويت له كتيفة عريضة من الفضة أو غيرها، وأحكم الصدع بها، فالكتفية يقال لها: ضبة، وجمعها: ضبات اهـ (٢).
وفي تحرير ألفاظ التنبية: الضبة: قطعة تسمر بها في الإناء ونحوه (٣).
* * *
стр. 386
الفرع الثاني في حكم تضبيب الأواني بالذهب
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
• يثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالًا وقصدًا.
• تحريم الأعلى لا يشمل الأدنى، وتحريم الأدنى تحريم للأعلى بطريق الأولى (١).
• آنية الفضة كآنية الذهب بالتحريم، وهما سواء في حكم التضبيب.
وقيل:
• استعمال الجزء في حكم استعمال الكل.
[م-٥٥] وإذا عرفنا التضبيب بقي علينا أن نعرف حكم التضبيب بالذهب والفضة، والمقصود حكم الأكل من الإناء المضبب عند من قصر التحريم على الأكل والشرب، أو الاستعمال والاتخاذ عند من قال بتحريم استعمال آنية الذهب واتخاذها مطلقًا.
стр. 387
فأما المضبب بالذهب فقد اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب.
فقيل: يجوز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد (١)، والقاضي أبي بكر من المالكية (٢)، والخرسانيين من الشافعية، ونقله الرافعي عن معظم أصحاب الشافعي (٣)، واختاره أبو بكر من الحنابلة (٤)، وهو مذهب
ابن حزم (٥).
وقيل: يكره، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٦)، واختاره بعض المالكية (٧).
стр. 388
وقيل: يحرم التضبيب بالذهب مطلقا، سواء كثرت الضبة أو قلت، لحاجة أو لزينة، في موضع الاستعمال أو في غيره.
وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: يباح الإناء المضبب بالذهب للنساء دون الرجال، وهو اختيار ابن حزم ﵀ (٤).
وقيل: يباح التضبيب بالذهب بشرط أن يكون يسيرًا، حكاه صاحب الإنصاف عن ابن تيمية، والمعروف عنه المنع (٥).
• دليل من قال: يباح المضبب بالذهب:
الدليل الأول:
قالوا: إن المحرم هو آنية الذهب والفضة، والمضبب بالذهب ليس إناء من ذهب، فلم يقع عليه النهي، والأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع، والقدر الموجود من الذهب في الإناء هو تابع، وليس بمتبوع، ولذلك لا يجوز لبس الحرير للرجل، وأبيح له لبسه إذا كان تابعًا، كما لو كان يسيرًا، أو كان معلمًا بقدر أربعة أصابع فما دون.
стр. 389
الدليل الثاني:
لما استوت الفضة بالذهب في التحريم في باب الآنية، فيحرم إناء الفضة كما يحرم إناء الذهب، فكذلك ينبغي أن يستويا في الضبة، فإذا كانت الضبة من الفضة جائزة، فكذلك الضبة من الذهب.
• وأجيب:
بأنه لا يصح القياس على الفضة؛ لأن باب الفضة أوسع، ولذلك أبيح منه الخاتم وقبيعة السيف.
• دليل من قال: يحرم التضبيب بالذهب .
الدليل الأول:
الأصل أن الضبة محرمة مطلقًا سواء كانت من ذهب أو فضة، جاء الدليل في جواز التضبيب بالفضة، فبقي الذهب على أصله في التحريم.
الدليل الثاني:
قالوا: إذا استعمل جزءًا من الإناء كان في حكم من استعمله كله، فيكون مستعملًا للذهب المحرم (١).
• دليل من قال: يكره التضبيب:
قالوا: إن العلة في تحريم الإناء هي الإسراف والخيلاء، وهذه العلة لا تقتضي التحريم، وإنما تقتضي الكراهة.
وقد أجيب على هذا التعليل في المسألة السابقة.
• دليل من قال: يحرم على الرجال خاصة:
قال: إن تحريم المضبب من الذهب على الرجال دون النساء، ليس لأنه إناء من
стр. 390
ذهب، وإلا لحرم على الرجال والنساء، فالمضبب بالذهب غير إناء الذهب، ولكن لأن الذهب يحرم استعماله مطلقًا على الرجال دون النساء، وإذا كان الذهب حرامًا على الرجال، حرم المضبب بالذهب. والله أعلم.
الراجح:
أن المضبب بالذهب إن كان له حكم الإناء كان جوازه بالفضة دليلًا على جوازه بالذهب؛ لأن باب الآنية لا فرق فيه بين الذهب والفضة.
وإن كان المضبب بالفضة ليس له حكم إناء الفضة كان التضبيب بالذهب جائزًا؛ لأنه في حكم استعماله في غير الأكل والشرب، وقد رجحت جواز استعمال الذهب في غير الأكل والشرب، والله أعلم.
* * *