← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

الدليل الثالث: (١٣٦٠ - ١٠٢) ما رواه ابن عدي، من طريق يوسف بن السفر بن الفيض أبي الفيض، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يكره البول في الهواء. حكم عليه ابن عدي بالوضع (١). الدليل الرابع: (١٣٦١ - ١٠٣) قال الحافظ: روى ابن قانع عن الحضرمي رفعه: إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله، فترده عليه. قال الحافظ: إسناده ضعيف جدًا (٢). الدليل الخامس: من النظر أن في استقبال الريح قد يتلوث بالنجاسة بأن يرتد عليه بوله. هذا ما وقفت عليه مما ورد في الباب، والمعتمد في الكراهة التعليل، وإلا فالدليل لا يثبت فيه شيء، والله أعلم. * * *

стр. 3362

المبحث الرابع في حكم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • إذا خالف فعل الرسول ﷺ قوله، حمل الأمر على الاستحباب، والنهي على الكراهة، إلا أن يدل دليل على اختصاص الفعل بالنبي ﷺ . • ما كان علته تكريم القبلة لم يختلف فيه الصحراء عن البنيان. • القول مقدم على الفعل. [م-٦١٢] اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة إلى سبعة أقوال، فقيل: يحرم مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنفية (١)، ورجحه من المالكية ابن العربي (٢)، ورواية في مذهب أحمد (٣)، واختاره ابن حزم (٤). وهو قول أبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وابن مسعود، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والثوري، وأبي ثور، وعطاء، والأوزاعي وغيرهم.

стр. 3363

وقيل: يجوز مطلقًا، وهو قول عائشة ﵂، وعروة، وربيعة، وداود (١). وقيل: يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، ويجوز في البنيان ونحوه، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، ونسبه الحافظ في الفتح إلى الجمهور، واختاره البخاري في صحيحه، قال ابن حجر: وهو أعدل الأقوال. وقيل: يكره استقبال القبلة واستدبارها (٥). وقيل: يحرم الاستقبال في الصحراء والبنيان، ويحل الاستدبار فيهما، وهو رواية عن أبي حنيفة، وأحمد (٦). وقيل: يجوز الاستدبار في البنيان فقط، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٧). وقيل: إن التحريم مختص بأهل المدينة، ومن كان على سمتها، وأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وهذا أضعف الأقوال، والله أعلم.

стр. 3364

• دليل من قال بالتحريم مطلقًا في الصحراء والبنيان: الدليل الأول: (١٣٦٢ - ١٠٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال من الحديث: أن النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلق في الحديث، فيشمل ما إذا كان في الصحراء أو في البنيان، وهذا هو الذي فهمه أبو أيوب راوي الحديث ﵁، فإنه كان ينحرف عن القبلة في المرحاض، وهو بنيان، ويستغفر الله؛ لأنه اعتبر ذلك ذنبًا ممن فعله، ومشروع للمسلم أن يستغفر الله إذا رأى كثرة المعاصي حتى لا تشمله عقوبة عامة، وغضب من الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال: ٣٣]. الدليل الثاني: (١٣٦٣ - ١٠٥) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها (٢). ولم يستثن الحديث من ذلك شيئًا، فوجب أن يشمل الصحراء والبنيان.

стр. 3365

الدليل الثالث: (١٣٦٤ - ١٠٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١). الدليل الرابع: (١٣٦٥ - ١٠٧) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أحمد بن حرب الموصلي، حدثنا القاسم بن يزيد الجرمي، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يستقبل القبلة، ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة، ومحي عنه سيئة. قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا حسين، ولا عنه إلا إبراهيم، ولا عنه إلا القاسم، تفرد به أحمد. [رجاله ثقات إلا أحمد بن حرب الموصلي وشيخه، وهما صدوقان] (٢).

стр. 3366

الدليل الخامس: (١٣٦٦ - ١٠٨) ما رواه البزار في مسنده من طريق مسدد، قال: أخبرنا حصين ابن نمير قال: أخبرنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال رجل من المشركين لعبد الله: إني لأحسب صاحبكم قد علمكم كل شيء، حتى علمكم كيف تأتون الخلاء. قال: إن كنت مستهزئًا، فقد علمنا أن لا نستقبل القبلة بفروجنا، وأحسبه قال: ولا نستنجي بأيماننا، ولا نستنجي بالرجيع، ولا نستنجي بالعظم، ولا نستنجي بدون ثلاثة أحجار (١). [أخطأ فيه سفيان بن حسين، والمحفوظ أنه من مسند سلمان] (٢).

стр. 3367

الدليل السادس: (١٣٦٧ - ١٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث -يعني: ابن سعد-، عن يزيد -يعني: ابن أبي حبيب- أنه سمع عبد الله بن الحارث الزبيدي يقول: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: لا يبولُ أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدث الناس بذلك (١). [صحيح] (٢).

стр. 3368

الدليل السادس . أن العلة في النهي تكريم القبلة، ولذلك قال: لا تستقبلوا القبلة. وهذا موجود في الصحاري والبنيان، ولو كان مجرد الحائل كافيًا لجاز في الصحاري لوجود الجبال والأشجار بيننا وبين الكعبة، وأما جهة القبلة فلا حائل بيننا وبينها. قال ابن العربي: «ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة، لقوله: (لا تستقبلوا القبلة) فذكرها بلفظها، فأضاف الاحترام لها». اهـ (١٣٦٨ - ١١٠) على أن الدارقطني روى في سننه من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، قال: سمعت طاووسًا قال: قال رسول الله ﷺ إذا أتى أحدكم البراز، فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلها، ولا يستدبرها، ثم ليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب، ثم ليقل: الحمد لله الذي أخرج ما يؤذيني، وأمسك ما ينفعني (١). [إسناده ضعيف، ورفعه منكر، والصواب وقفه على طاووس] (٢). • دليل من قال بالجواز مطلقًا: الدليل الأول: الأصل الحل، فلا يجوز المنع إلا بدليل لا معارض له، وقد نظرنا في الأدلة فإذا

стр. 3369

هي متعارضة، فلم يجب العمل بشيء منها، فرجعنا إلى الأصل، وهو الحل (١). الدليل الثاني: (١٣٦٩ - ١١١) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة (٢). [حسن] (٣).

стр. 3370

ولا يعتبر هذا الحديث مخالفًا لحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة حتى يضعف لذلك، بل هو موافق لها في كونه نهى عن استقبال القبلة أولًا، ولكنه زاد أن الرسول ﷺ رآه يفعل ذلك، ومخرج الحديث ليس واحدًا حتى يقال بشذوذه، فلا أجد مناصًا من قبوله. • وقد أجيب عنه بأجوبة منها: الجواب الأول: أنه حكاية فعل للرسول ﷺ ، فلا يقدم على القول، ولا يعارضه أيضًا، فيحتمل أن يكون خاصًا بالنبي ﷺ ، والقول تشريع للأمة.

стр. 3371

وهذا الاحتمال ضعيف؛ لأن الأصل التأسي بالنبي ﷺ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، حتى يأتي دليل صحيح صريح بأن ذلك خاص بالنبي ﷺ . الجواب الثاني: يحتمل أنه كان يبول إلى ساتر، ولا يتعين الساتر أن يكون بناء؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر، ولا فرق في الساتر بين الجدار والدابة وكثيب الرمل، ونحوها. وقد يقال في الرد بأن الأحكام لا تثبت بالاحتمال. الجواب الثالث: يحتمل أن فعله لبيان الجواز، ولبيان أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة فقط. وهذا هو الذي يتمشى مع القواعد. الدليل الثالث: (١٣٧٠ - ١١٢) ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 3372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3373

قال ابن حزم: «حديث عائشة ساقط؛ لأن روايه خالد الحذاء، وهو ثقة، عن خالد بن أبي الصلت، وهو مجهول. ثم قال: ولو صح لما كان لهم فيه حجة؛ لأن نصه يبين أنه إنما كان قبل النهي؛ لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله ﷺ ينهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك، هذا ما لا يظنه مسلم، ولا ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخًا بلا شك». الدليل الثالث: (١٣٧١ - ١١٣) استدل بعضهم بما رواه البخاري من طريق مالك، عن يحيى

стр. 3374

ابن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته. الحديث (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فكون الرسول ﷺ استدبر القبلة في حديث ابن عمر، وحديث جابر دليل على جواز استقبالها، فهذا دليل على أن النهي عن الاستقبال والاستدبار منسوخ، وأن الاستقبال والاستدبار كلاهما جائز. • ونوزع هذا الاستدلال بما يلي: أما القائلون بالتحريم مطلقًا، فأجابوا عن حديث ابن عمر بأجوبة منها: الجواب الأول: يحتمل أن يكون فعل ابن عمر قبل النهي عن استدبار القبلة؛ لأنه على البراءة الأصلية. قال ابن حزم: «ليس فيه -يعني: حديث ابن عمر- أن ذلك كان بعد النهي، وإذا لم يكن ذلك فيه، فنحن على يقين من أن ما في حديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل أن ينهى النبي ﷺ عن ذلك، وهذا ما لا شك فيه، فحكم حديث ابن عمر منسوخ قطعًا بنهي النبي ﷺ عن ذلك، هذا يعلم ضرورة، ومن الباطل المحرم ترك اليقين بالظنون، وأخذ المتيقن نسخه، وترك المتيقن أنه ناسخ، وقد رجحنا في غير هذا المكان أن كل ما صح أنه ناسخ، لحكم منسوخ، فمن المحال الباطل أن يكون الله تعالى يعيد الناسخ منسوخًا، والمنسوخ ناسخًا، ولا يبين ذلك تبيانًا لا إشكال فيه، إذ لو كان هذا لكان الدين مشكلًا غير بين، ناقصًا غير كامل، وهذا

стр. 3375

باطل، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: ٣] وقال تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤]. انتهى كلام ابن حزم (١). الجواب الثاني: حديث ابن عمر فعل، وأحاديث النهي قول، والقول مقدم على الفعل؛ لأن الفعل قد يكون فعله معذورًا، أو ناسيًا بخلاف القول، وقد يكون الفعل خاصًا بالنبي ﷺ . • ورد هذا: أن الأصل عدم العذر والنسيان، وكونه خاصًا بالنبي ﷺ سبق الجواب عليه. الجواب الثالث: أن حديث ابن عمر لو أخذنا به فليس فيه إلا جواز الاستدبار، وليس فيه جواز الاستقبال. وهذا القول بناء على أن حديث جابر لم يثبت عندهم، أو لم يطلعوا عليه، وسبق لنا أنه حديث حسن إن شاء الله تعالى. • جواب القائلين بالتفريق بين الصحراء وغيرها: أن حديث ابن عمر دليل على جواز ذلك في البنيان، وأن المنع مختص بالصحراء؛ لأننا لما رأينا رسول الله ﷺ استقبل القبلة واستدبرها، واستحال أن يأتي رسول الله ﷺ ما نهى عنه، علمنا أن الحال التي استقبل فيها القبلة واستدبرها غير الحال التي نهى عنها، فأنزلنا النهي عن ذلك في الصحاري، والرخصة في البيوت؛ لأن حديث ابن عمر في البيوت، ولم يصح لنا أن يجعل أحد الخبرين ناسخًا للآخر؛ لأن الناسخ يحتاج إلى تاريخ، أو دليل لا معارض له، ولا سبيل إلى القول بالنسخ ما وجد إلى استعمال الدليلين، والقول بالنسخ إبطال لأحدهما (٢).

стр. 3376

• دليل من فرق بين الصحراء والبنيان: الدليل الأول: حملوا حديث أبي أيوب الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. ورواه مسلم (١). ومثله حديث سلمان وابن مسعود وأبي هريرة حملوا هذه الأحاديث على الصحراء. وحملوا حديث ابن عمر ﵄: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته. الحديث (٢). على جواز استدبار القبلة إذا كان ذلك في البنيان. وحملوا حديث جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة (٣). حملوا هذا الحديث على جواز الاستقبال إذا كان هناك ساتر من جدار أو غيره، مع أن حديث جابر ليس فيه ذكر الساتر، لكن قالوا: هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر حال قضاء الحاجة. قال الحافظ ابن حجر: «دل حديث ابن عمر على جواز استدبار القبلة في الأبنية، وحديث جابر على جواز استقبالها، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يلحق به الاستقبال قياسًا؛ لأنه لا يصح إلحاقه به، لكونه فوقه» (٤).

стр. 3377

الدليل الثاني: (١٣٧٢ - ١١٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (١). [إسناده فيه لين] (٢).

стр. 3378

وجه الاستدلال: قالوا: إن قول ابن عمر: إنما نهي عن هذا في الفضاء، يدل على أنه علم ذلك من رسول الله ﷺ ، فيكون له حكم الرفع. وأجيب: هذا القول من ابن عمر يحتمل أن يكون قال ذلك فهمًا منه للفعل الذي شاهده من النبي ﷺ ورواه، فكأنه لما رأى النبي ﷺ في بيت حفصة مستدبرًا للقبلة، فهم اختصاص النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا للاستدلال به، خاصة وقد عارضه غيره من الصحابة، منهم أبو أيوب، وإذا اختلف الصحابة لم يكن في قول أحد منهم حجة، هذا على التسليم بأن قول ابن عمر: إنما نهي عن هذا بالفضاء صحيح، ومع تضعيفه فلا حاجة إلى هذا التوجيه، والله أعلم. الدليل الثالث: من النظر، قالوا: إن التكريم وإن كان لجهة القبلة، فإن التفريق بين البنيان والصحراء له حظ من النظر، وذلك أن الأمكنة المعدة لقضاء الحاجة تكون مأوى للشياطين، فليست صالحة لكونها قبلة؛ ولأن الحديث يقول: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة. وحقيقة الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللغوية، فلا يدخل فيه البنيان أصلًا، وإن كان قد صار يطلق على كل مكان أعد لذلك مجازًا، فيختص النهي به؛ إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة. قال الحافظ: وهذا الجواب للإسماعيلي، وهو أقواها. وقالوا أيضًا: إن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية، فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفًا (١).

стр. 3379

الدليل الرابع: (١٣٧٣ - ١١٥) ما رواه الدارقطني (١) من طريق موسى بن وارد. ورواه البيهقي (٢) من طريق يعقوب بن كعب الحلبي، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن عيسى بن أبي عيسى، قال: قلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة، ونافع عن ابن عمر. قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وقال نافع، عن ابن عمر: رأيت النبي ﷺ ذهب مذهبًا مواجه القبلة. فقال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء. إن لله تعالى خلقًا من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي يتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها. [ضعيف جدًّا] (٣). ومع ضعفه، فإن متنه منكر؛ فإنه علله بوجود المصلين في الصحراء، لا تكريمًا للقبلة، وقد رده ابن العربي من خمسة أوجه: الأول: أنه موقوف على الشعبي. الثاني: أنه إخبار عن غيب، فلا يثبت إلا عن الشارع. الثالث: أنه لو كان لحرمة المصلين ما جاز التشريق والتغريب؛ لأن العورة لا تخفى معه أيضًا عن المصلين، وهذا يعرف باختبار المعاينة. الرابع: أن النهي علل بحرمة القبلة، لقوله: لا تستقبلوا القبلة، فذكرها بلفظها، وأضاف الاحترام لها. الخامس: أن الإسناد فيه رجل متروك (٤).

стр. 3380

وقال النووي: قول المصنف: ولأن في الصحراء خلقًا من الملائكة والجن يصلون. هكذا قال أصحابنا واعتمدوه، ورواه البيهقي بإسناد ضعيف، عن الشعبي التابعي من قوله. وهو تعليل ضعيف؛ فإنه لو قعد قريبًا من حائط، واستقبله، ووراءه فضاء واسع، جاز بلا شك، صرح به إمام الحرمين والبغوي وغيرهما، ويدل على ما قدمناه عن ابن عمر، أنه أناخ راحلته، وبال إليها، فهذا يبطل هذا التعليل، فإنه لو كان صحيحًا لم يجز في هذه الصورة، فإنه مستدبر الفضاء الذي فيه المصلون، ولكن التعليل الصحيح أن جهة القبلة معظمة، فوجب صيانتها في الصحراء، ورخص فيها بالبناء للمشقة (١). اهـ • دليل من قال بكراهة الاستقبال والاستدبار: قالوا: إن الرسول ﷺ إذا نهى عن شيء، فالأصل فيه التحريم، وإذا خالف النهي انتقل من التحريم إلى الكراهة. وأن الرسول ﷺ إذا أمر بشيء اقتضى الوجوب، فإذا خالف ذلك الأمر انتقل الأمر إلى الاستحباب، فالرسول ﷺ نهى عن الاستقبال والاستدبار مطلقًا، ثم خالف ذلك في الاستدبار كما في حديث ابن عمر، وخالف ذلك في الاستقبال كما في حديث جابر، فانتقل النهي من التحريم إلى الكراهة، والله أعلم. فالأحاديث القولية مطلقة، تشمل الاستقبال والاستدبار، والصحراء والبنيان، وكون الرسول ﷺ فعل ذلك في البنيان، هل ورد أن الرسول ﷺ بين أنه إنما خالف النهي؛ لأنه كان في البنيان، أم أن كونه في البنيان وقع اتفاقًا، فهو وصف غير مؤثر في الحكم؟ الذي يترجح لي الثاني. ولو كان البنيان مؤثرًا لما أطلق الرسول ﷺ النهي في أحاديث كثيرة منها حديث أبي أيوب، وسلمان وابن مسعود وأبي هريرة، وغيرها. والذي يؤيد ذلك حديث جابر، فإن الراوي لم يذكر أنه كان في البنيان، ولم يذكر

стр. 3381

أن الرسول ﷺ عمد إلى ساتر، فاعتماد أن البنيان مؤثر في الحكم، ويلحق به الساتر علة مظنونة مستنبطة، قد تكون علة مؤثرة، وقد لا تكون، وفهم جابر ﵁ في حديثه قد بين أن الرسول ﷺ نهى عن استقبال القبلة، ثم وقع منه مخالفة لما نهى، وهو واضح أن النهي كان مطلقًا، وأن الرسول ﷺ قد خالف ذلك بعد أن نهى، واعتبار أن الفعل يكون ناسخًا للقول ضعيف أيضًا، فالراجح عندي القول بالكراهة. • دليل من قال يحرم الاستقبال مطلقًا ويحل الاستدبار مطلقًا: وأما الذين قالوا بتحريم الاستقبال في الصحراء والبنيان، وجواز الاستدبار فيهما فاستدلوا بتحريم الاستقبال بحديث أبي أيوب وسلمان وغيرهما. وقد تقدم ذكر الأحاديث. واستدلوا بجواز الاستدبار مطلقًا بحديث ابن عمر: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي .. الحديث. ومنعنا الاستقبال مطلقًا؛ لأنه لم يقم دليل على جوازه (١)، ولا يصح قياس الاستقبال على الاستدبار لعدم مساواة الفرع بالأصل، لكون الاستقبال أشد قبحًا من الاستدبار. • دليل من قال بجواز الاستدبار في البنيان فقط: تمسك هذا القائل بظاهر حديث ابن عمر، فإنه ﷺ استدبر القبلة في البنيان، فيخصص النهي عن استدبار القبلة، ويبقى النهي عن الاستقبال مطلقًا بلا مخصص، شاملًا للصحراء والبنيان، والله أعلم. • دليل من قال: يحرم حتى في القبلة المنسوخة: الدليل الأول: (١٣٧٤ - ١١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق سليمان بن بلال، ووهيب، فرقهما، قالا: حدثنا عمرو بن يحيى المازني، عن أبي زيد،

стр. 3382

عن معقل الأسدي، وقد صحب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين بغائط أو بول (١). [ضعيف] (٢). وقد نقل الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، والله أعلم.

стр. 3383

وفي هذا الإجماع نظر، فقد خالف فيه ابن سيرين وإبراهيم النخعي، نقله عنهما الحافظ في الفتح (١). (١٣٧٥ - ١١٧) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: كانوا يكرهون أن يستقبلوا واحدة من القبلتين (٢). [رجاله ثقات]. وقول التابعي: كانوا يكرهون يقصد به الصحابة رضوان الله عليهم، ولعل الصحابة كانوا يكرهون ذلك؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، فالعلة استدبار القبلة، لا استقبال بيت المقدس، فقد ثبت أن الرسول ﷺ استقبل بيت المقدس حال قضاء الحاجة، كما في حديث ابن عمر، وقد تقدم. • دليل من قال: التحريم خاص بأهل المدينة ومن على سمتها: وهذا القول هو أضعف الأقوال، وقد أخذوه من عموم قوله ﷺ : (ولكن شرقوا أو غربوا) قاله أبو عوانة، صاحب المزني، وهذه ظاهرية بحتة، ولا يوجد حكم يخص به أهل المدينة دون غيرهم، والعلة تكريم القبلة، وهم وغيرهم سواء في ذلك. بقي أن نشير قبل ختام هذا البحث أن القائلين بالتفريق بين الصحراء والبنيان لا فرق عندهم في الساتر بين الجدار والدابة والوهدة، وكثيب الرمل، ونحو ذلك، ولو أرخى ذيله في قبالة القبلة فهل يحصل به الستر، وجهان عند الشافعية والحنابلة، الصحيح منهما عندهما الاكتفاء بذلك حيث أمن التنجس؛ لأن المقصود ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بسوأته، وهذا المقصود يحصل بالذيل، وبه قال المالكية (٣).

стр. 3384

وإذا قلنا: إن الساتر مؤثر في جواز الاستقبال والاستدبار حال قضاء الحاجة، ومعلوم أن الفضاء فيه جبال وأشجار وغيرها، فهل يشترط مسافة معينة من الساتر حتى يكون مؤثرًا، أو يكفي وجود الساتر ولو بعد من الإنسان، وهل يشترط في الساتر قدرٌ معينٌ في ارتفاعه، أو لا يشترط. أما القائلون بالتحريم مطلقًا كالحنفية فلا يحتاجون إلى هذا التفصيل. وأما القائلون بالتفريق بين الصحراء والبنيان، فهم يفصلون في ذلك: قال ابن ناجي من المالكية: لم أقف عندنا على مقدار السترة (١). وأما الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، فقالوا: إن كان قضاء الحاجة في بيت بني لذلك كالمرحاض ونحوه، فلا يشترط أن يكون قريبًا من الساتر، وإن كان في غيره، فقالوا: يشترط أن يكون بينه وبين الساتر نحو ثلاثة أذرع، فما دونها، وأن يكون ارتفاع الساتر مرتفعًا قدر مؤخرة الرحل، فإن زاد ما بينهما على ثلاثة أذرع، أو قصر الحائل عن مؤخرة الرحل، فهو حرام. وإنما اعتبروا في المسافة ثلاثة أذرع كسترة الصلاة، واعتبروا مؤخرة الرحل في الارتفاع من أجل أن تستر أسفله ليحصل المقصود. وكل هذه الشروط تدل على أن اشتراط الساتر فيه ضعف؛ لأن كل هذه المقادير تحتاج إلى توقيف، ولا توقيف هنا. وهذا التفصيل لا يلزمنا إذا رجحنا القول بكراهة استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، في الصحراء والبنيان، والله أعلم. * * *

стр. 3385

المبحث الخامس في حكم استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في العادات الحل. • النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط، هل هو للخارج النجس، أو لكشف العورة ونحوها؟ • أحكام القبلة توقيفية فيشرع استقبالها في الدعاء، ويشرع استدبارها للإمام حال خطبة الجمعة، وينهى عنهما حال قضاء الحاجة، وما سكت عنه فلا يشرع إلا بتوقيف. • لا يستدل بالأخص على الأعم، ولا بالأخف على الأغلظ، فالنهي عن استقبال القبلة حال الغائط أخص من النهي عن كشف العورة حال استقبالها. [م-٦١٣] اختلف العلماء في استقبال القبلة واستدبارها عند الاستنجاء: فقيل: يكره الاستقبال والاستدبار، وهو المشهور من مذهب الحنفية (١). وقيل: يكره الاستقبال فقط، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: لا يكره الاستقبال والاستدبار حال الاستنجاء، ومثله الجماع، وخروج

стр. 3386

الريح، وهو المشهور من مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وقال المراداوي من الحنابلة: ويتوجه التحريم (٣). ولم أقف على نص في مذهب المالكية إلا أن تكون مقيسة على الجماع، وهم قد نصوا على تحريم الوطء في الفضاء مستقبلًا القبلة أو مستدبرها (٤). ويرجع اختلافهم إلى اختلافهم في علة المنع من استقبال القبلة بالبول والغائط، هل هو للخارج النجس، أو لكشف العورة ونحوها؟ فمن علل بالأول أباح الاستنجاء، ومن علل بالثاني منعه، والله أعلم. والصحيح جواز الاستنجاء مستقبل القبلة، لعدم وجود الدليل المقتضي للتحريم، أو الكراهة، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤]. ولأن الأصل في الأشياء الحل. فلا نحرم ولا نكره شيئًا إلا بنص. وتكريم القبلة في مثل هذا الأمر يحتاج إلى توقيف، نعم جاء النص فيه بالبول والغائط، فلا يتعداه إلى غيره، ولو كان الانحراف عن القبلة من شرع الله حال الاستنجاء أو الوطء لجاء النص فيه من الشرع لحاجة الناس إليه، بل قد بالغ الحنفية حتى كرهوا مد الرجل إلى القبلة في النوم وغيره عامدًا، وهذا تكلف لا يعرف عن السلف ﵏ (٥). * * *

стр. 3387

المبحث السادس في استقبال النيرين (الشمس والقمر) مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي. [م-٦١٤] كره جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وعليه جمهور الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، استقبال عين الشمس والقمر (٥). وقيل: يكره استقبالهما واستدبارهما، اختاره بعض الحنفية (٦)، وبعض الشافعية (٧).

стр. 3388

وقيل: لا يكره مطلقًا الاستقبال والاستدبار، اختاره بعض المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة (٣)، ورجحه الشوكاني (٤). • دليل من قال بالكراهة: (١٣٧٦ - ١١٨) ما رواه الحكيم الترمذي في كتاب المناهي، كما في تلخيص الحبير، من طريق عباد بن كثير، عن عثمان الأعرج، عن الحسن، قال: حدثني سبعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو هريرة وجابر، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث: أن النبي ﷺ نهى أن يبال في المغتسل، ونهى عن البول في الماء الراكد، ونهى عن البول في المشارع، ونهى أن يبول الرجل، وفرجه باد إلى الشمس والقمر ... وذكر حديثًا طويلًا في نحو خمسة أوراق (٥). [قال الحافظ: وهو حديث باطل لا أصل له، بل هو من اختلاق عباد] (٦). الدليل الثاني: أوردوا تعاليل فيها نظر كثير، فقالوا: كره؛ لأن معهما ملائكة؛ ولأن أسماء الله

стр. 3389

مكتوبة عليهما، ولأنهما يلعنانه؛ ولأن نورهما من نور الله، وقيل: لشرفهما بالقسم بهما، فأشبهتا الكعبة (١). أما قولهم: إن معهما ملائكة، فلا يقتضي ذلك كراهة؛ لأن كثيرًا من مخلوقات الله قد وكل فيها ملائكة كالسحاب، والجبال وغيرهما، فهل يكره استقبال الغيم مثلا؟ وأما القول بأن أسماء الله مكتوبة عليهما، فهذا يحتاج إلى توقيف، فأين الدليل عليه؟ وكذلك يقال عن قولهم: بأنهما يلعنان من يستقبلهما. وأما قولهم بأن فيهما من نور الله، فلا شك أن نورهما نور مخلوق، وليس المقصود بنور الله الذي هو صفته، وإذا كان كذلك فلا يقتضي هذا التعليل كراهة، ولو أخذنا بهذا التعليل لكره استقبال ضوئهما، بحيث لا يستقبل ضوء الشمس والقمر حال البول، وأنتم إنما كرهتم استقبال عينهما. وأما قولهم: إن الله قد أقسم بهما، فقد أقسم الله بالنجوم أيضًا، وأقسم بالضحى، وأقسم بالليل، فلا تقضى فيها الحاجات إذًا، فهذه التعاليل هالكة. • دليل من قال: لا يكره استقبال الشمس والقمر: الدليل الأول: عدم الدليل على الكراهة، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي. الدليل الثاني: (١٣٧٧ - ١١٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة

стр. 3390

ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشأم، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف، ونستغفر الله تعالى، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: قوله: (ولكن شرقوا أو غربوا) فيه الإذن باستقبال الشرق أو الغرب واستدبارهما، فلا بد أن يكونا أو أحدهما في الشرق أو الغرب، والله أعلم. • الراجح: جواز استقبال النيرين. قال ابن القيم: لم ينقل عنه ﷺ في ذلك كلمة واحدة، لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف، ولا مرسل، ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع (٢). وقال الشوكاني: وأما استقبال النيرين فهذه من غرائب أهل الفروع، فإنه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما روي في ذلك فهذا كذب على رسول الله ﷺ ، ومن رواية الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس على القبلة، فقد اتسع الخرق على الراقع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا تورد يا سعد الإبل .. وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين، فإن الأصل باطل، فكيف بالفرع، وكان ينبغي لهذا القائس أن يلحق السماء، فإن لها شرفًا عظيمًا، لكونها مستقر الملائكة، ثم يلحق الأرض؛ لأنه مكان العبادات والطاعات، ومستقر عباد الله الصالحين، فحينئذ تضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة، وسبحان الله ما يفعل التساهل في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكى لها تارة، ويضحك منها أخرى (٣). * * *

стр. 3391

المبحث السابع في البول في الطريق والظل النافع وتحت شجرة مثمرة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • ليس للإنسان أن يفعل ما يؤذي الآخرين في أماكن اجتماعهم، ولو كان في أكل مباح كالبصل. • من آذى الناس استحق لعنهم. • انتفاع الإنسان بالأماكن العامة مقيد بألا يؤذي الآخرين. • تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. [م-٦١٥] اختلف العلماء في حكم البول في الطريق والظل النافع: فقيل: يكره البول فيها، وهذا مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، وعليه أكثر أصحاب الشافعية، ورواية في مذهب أحمد (١).

стр. 3392

وقيل: اتقاء هذه الأماكن مندوب، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، وهي عبارة خليل في مختصره، وابن الحاجب في جامع الأمهات وغيرهما (١). وقيل: يحرم البول فيها، اختاره القاضي عياض من المالكية (٢)، ورجحه النووي من الشافعية (٣)، وهو المشهور من مذهب أحمد، وجزم به في المغني وغيره (٤). • أدلة القائلين بالتحريم: الدليل الأول: من الكتاب، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) [الأحزاب: ٥٨]. ولا شك أن الذي يتغوط في طريق الناس، وفي ظلهم ومجالسهم أنه قد آذى المؤمنين بذلك. الدليل الثاني: (١٣٧٨ - ١٢٠) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،

стр. 3393

عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين. قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم (١). الدليل الثالث: (١٣٧٩ - ١٢١) ما رواه أبو داود من طريق سعيد بن الحكم، عن نافع بن يزيد، حدثني حيوة بن شريح، أن أبا سعيد الحميري حدثه، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل (٢). [ضعيف] (٣). ومعنى قوله: (اتقوا اللاعنين)، أو (الملاعن) يحتمل أن يكون المعنى: أي الملعون فاعلهما. فيكون المراد من اسم الفاعل اسم المفعول. ويحتمل أن يكون المعنى: أي الجالبين للعن، أي الباعثين للناس عليه، فإنه سبب للعن من فعله في هذه المواضع، وهذا المعنى يرجع إلى الأول؛ لأن المسلمين لا يلعنون ولا ينبغي لهم أن يلعنوا أحدًا إلا لشخص مستحق للعن، ولو كان غير مستحق لنهى

стр. 3394

الشرع عن لعنه، فبأي المعنيين حملناه، فإنه دليل على أن صاحبه ملعون، والعياذ بالله، وهذا دليل على أن فعله محرم، وليس مكروهًا كما قيل. الدليل الرابع: (١٣٨٠ - ١٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن هشام، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سرتم في الخصب فأمكنوا الركاب أسنانها، ولا تجاوزوا المنازل، وإذا سرتم في الجدب فاستجدوا، وعليكم بالدلج؛ فإن الأرض تطوى بالليل، وإذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان، وإياكم والصلاة على جواد الطريق، والنزول عليها؛ فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة فإنها الملاعن (١). [ضعيف] (٢).

стр. 3395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3396

الدليل الخامس: (١٣٨١ - ١٢٣) ما رواه أحمد من طريق عبد الله ـ يعني ابن المبارك ـ قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني ابن هبيرة، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: اتقوا الملاعن الثلاث. قيل: ما الملاعن يا رسول الله؟ قال: أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء (١). [ضعيف] (٢). قال في فيض القدير: نقع ماء: أي ماء ناقع: أي مجتمع ومستنقع الماء (٣). الدليل السادس: (١٣٨٢ - ١٢٤) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن حبان بن بكر الباهلي البصري ببغداد، ثنا كامل بن طلحة الجحدري، ثنا محمد بن عمرو الأنصاري، عن محمد بن سيرين، قال: قال رجل لأبي هريرة: قد أفتيتنا في كل شيء، يوشك أن تفتينا في الخرء. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سل سخيمته على طريق عامرة من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٤).

стр. 3397

[ضعيف] (١). الدليل السابع: (١٣٨٣ - ١٢٥) ما رواه ابن ماجه من طريق عمرو بن خالد، حدثنا ابن لهيعة، عن قرة، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يصلى على قارعة الطريق، أو يضرب الخلاء عليها، أو يبال فيها (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 3398

الدليل الثامن: (١٣٨٤ - ١٢٦) ما رواه الطبراني من طريق شعيب بن بيان، ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، أن النبي ﷺ قال: من آذى المسلمين في طرقهم، وجبت عليه لعنتهم (١). [إسناده فيه لين] (٢).

стр. 3399

الدليل التاسع: (١٣٨٥ - ١٢٧) ما رواه الطبراني من طريق فرات بن السائب، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يتخلى على ضفة نهر جار (١). [ضعيف جدًا] (٢). الدليل العاشر: (١٣٨٦ - ١٢٨) ما رواه الطبراني من طريق رباح بن زيد، عن معمر، عن سماك ابن الفضل، عن أبي رشدين، عن سراقة بن مالك بن جعشم، أنه كان إذا جاء من عند رسول الله ﷺ حدث قومه وعلمهم، فقال له رجل يومًا -وهو كأنه يلعب- ما بقي لسراقة إلا أن يعلمكم

стр. 3400

كيف التغوط؟ فقال سراقة: إذا ذهبتم الى الغائط فاتقوا المجالس على الظل، والطريق، خذوا النبل واستنشبوا على سوقكم، واستجمروا وترًا (١). [ضعيف موقوف] (٢). الدليل الحادي عشر: (١٣٨٧ - ١٢٩) ما رواه الخطيب في تاريخه، من طريق داود بن عبد الجبار، حدثنا سلمة بن المجنون، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : من تغوط على ضفة نهر يتوضأ منه ويشرب، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٣).
следующие страницы →