الفصل الثاني
حكم النية للاستنجاء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ما كانت صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فإنه لا يفتقر إلى نية كإزالة النجاسة.
• كل ما تمحض للتعبد أو غلبت عليه شائبته فإنه يفتقر إلى نية كالصلاة والتيمم.
وكل ما كان معقول المعنى أو غلبت عليه شائبته فإنه لا يفتقر إلى نية كإزالة النجاسة.
• الطهارة من الخبث من باب التروك لا يفتقر إلى نية.
[م-٦٢٢] اتفق الجمهور على أن الطهارة من الخبث لا تشترط له نية، ومنه الاستنجاء (١)، وخالف أكثر المالكية فاشترطوا النية في الاستنجاء من المذي خاصة، وهو المعتمد في المذهب (٢).
стр. 3432
وقال القرافي: تشترط النية في إزالة كل النجاسات، وهو خلاف شاذ (١).
دليل الجمهور على عدم اشتراط النية:
الدليل الأول: الإجماع .
حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية، منهم القرطبي في تفسيره (٢)، وابن بشير وابن عبد السلام من المالكية (٣)، والبغوي، وصاحب الحاوي من الشافعية (٤).
الدليل الثاني:
قالوا: إن الطهارة من الخبث من باب التروك، وهو لا يحتاج إلى نية كترك الزنا والخمر، فلو أن المطر نزل على ثوب نجس، فزالت النجاسة طهر الثوب ولو لم ينو؛ لأن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.
• دليل المالكية على اشتراط النية:
(١٤٠٤ - ١٤٦) ما رواه البخاري من طريق زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن،
عن علي قال: كنت رجلًا مذاء، فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته،
стр. 3433
فسأل فقال: توضأ واغسل ذكرك (١).
فقوله ﷺ : (اغسل ذكرك)، حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر، فيغسل مخرج الذكر من أجل النجاسة، أما بقية الذكر فالراجح عندهم أن غسله تعبدي غير معقول المعنى، وهذا سبب اشتراط النية.
وقال بعضهم: إن غَسْل الذكر إنما هو من أجل قطع مادة المذي، فهو كغسل النجاسات، لا يفتقر إلى نية، والمعتمد القول الأول (٢).
والراجح قول الجمهور، وأن طهارة الخبث لا تفتقر إلى نية، وسوف يأتي بحث مستقل هل يغسل الذكر كله، أو يغسل رأس الحشفة منه، أو يغسل الذكر كله مع الأنثيين في الاستنجاء من المذي، وكلها أقوال فقهية للأئمة، رجحت منها أن غسل الذكر كله لا يجب، وإنما الواجب غسل رأس الحشفة، وبالتالي يكون قول المالكية قولًا مرجوحًا، لأنه بني على قول مرجوح، وهو وجوب غسل جميع الذكر، والله أعلم.
* * *
стр. 3434
الفصل الثالث
يبدأ الرجل بالقبل قبل الدبر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل مسألة لا نص فيها من أمور العادات فالأمر فيها على التوسعة.
• الاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.
[م-٦٢٣] اختلف الفقهاء أيهما أفضل يبدأ في الاستنجاء بالقبل أم بالدبر:
فقيل: يبدأ بالدبر قبل القبل، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (١).
وقيل: يبدأ بالقبل قبل الدبر، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد من الحنفية (٢)
وقيل: يبدأ بالقبل قبل الدبر إلا إن كان القبل يقطر عند ملاقاة الماء لدبره، اختاره بعض المالكية (٣).
وقيل: يستحب إن كان يستنجي بالماء تقديم القبل على الدبر، وإن كان بالحجر قدم الدبر على القبل، اختاره بعض الشافعية (٤).
стр. 3435
وقيل: يبدأ ذكر وبكر بقبل، والثيب تخير بأيهما تبدأ، وهو مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن المرأة تتخير مطلقًا بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢).
هذه هي الأقوال في المسألة، ولا أعلم أن هناك نصًا في استحباب تقديم القبل أو العكس، وإنما المسألة مبنية على تعاليل استنبطها بعض القوم، ورأى أنها كافية في الاستحباب، فمن استحب تقديم القبل على الدبر، قال: من أجل أن يأمن التلوث عند الاستنجاء بالدبر؛ لأن يده قد تمس ذكره، فتتنجس يده.
ومن استحب تقديم الدبر على القبل، قال: لأنه إذا قام بدلك دبره وما حوله قطر البول كما هو مشاهد، فلا تكون هناك فائدة في تقديم القبل، وهذا اختيار
أبي حنيفة، وهو الذي جعل المالكية يستحبون تقديم القبل على الدبر إلا في رجل يعرف من نفسه أنه إذا مس الماء الدبر قطر بوله.
وأما من فرق بين البكر والثيب، رأى أن البكر يخرج بولها فوق الفرج، والعذرة تمنع نزول البول فيه، فأشبهت الرجل من هذا الوجه بخلاف الثيب، والصحيح أن المرأة ليست كالرجل، فإن ذكر الرجل يتدلى وقد يلوث اليد إذا لم يبدأ بالقبل قبل الدبر بخلاف المرأة.
وبهذه التعليلات نعرف أنها كلها مبنية على استحسان ليس أكثر، وليس في المسألة نص، والأمر واسع، ولو كان هناك صفة مشروعة لجاء الشرع بها (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤] والله أعلم.
* * *
стр. 3436
الفصل الرابع
هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الظن معمول به إلا ما قام الدليل على إهماله.
ويتفرع عليه: أن الواجب ظن الإنقاء في الاستنجاء.
وقيل:
• لا يلتفت إلى غلبة الظن إذا أمكن اليقين بلا مشقة، كالمكي الذي يقدر على استقبال عين الكعبة، فلا يصح منه الاجتهاد بغلبة الظن.
قلت: اليقين ممكن في الماء مع المشقة، أما في الاستجمار ففيه حرج لبقاء أثر لا يزيله إلا الماء.
[م-٦٢٤] إذا علم هذا فقد اختلف الفقهاء في الاستنجاء هل يكفي فيه غلبة الظن، أو يكفي فيه ظن الإنقاء؟
فقيل: يكفي فيه غلبة الظن، وهو مذهب الجمهور (١).
стр. 3437
وقيل: لا بد من اليقين، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
• دليل من قال: يكفي غلبة الظن:
الدليل الأول:
(١٤٠٥ - ١٤٧) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ وسلم من إناء واحد، نغرف منه جميعًا، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: (حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته) وغسل الجنابة إحدى الطهارتين؛ لأن الطهارة إما عن حدث، وإما عن خبث، فإذا جاز الاكتفاء بالظن في طهارة الحدث، جاز في طهارة الخبث.
• ويناقش هذا الاستدلال:
أولًا: يحتمل أن يكون الظن هنا، بمعنى العلم، فيكون معناه: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته: أي حتى إذا علم. وإطلاق الظن على العلم كثير في اللغة العربية، قال تعالى: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) [الحاقة: ٢٠]، وقال: (فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا) [الكهف: ٥٣]، وقد يطلق العلم على الظن، قال تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: ١٠]، فالعلم هنا متعذر؛ لأن الإيمان أمر قلبي، لكن يراد به غلبة الظن.
стр. 3438
ثانيًا: على التسليم أن الظن في الحديث على بابه، فلم يكتف بالظن، ألا ترى أنه حين ظن أنه أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، فيحصل العلم بتعميم الماء، والله أعلم.
الدليل الثاني:
جاء العمل بالظن في كثير من العبادات، والطهارة من الاستنجاء مقيسة عليها.
(١٤٠٦ - ١٤٨) منها ما رواه البخاري من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله: صلى النبي ﷺ -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى، كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله: فليتحر الصواب. فالتحري عمل بالظن، وإذا جاز العمل بالظن في الصلاة وهي مقصودة، جاز العمل بالظن في الطهارة لها، والله أعلم.
(١٤٠٧ - ١٤٩) ومنها: ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة،
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس (٢).
стр. 3439
ولو أمروا بالقضاء لنقل، فإذا جاز التحري بدخول وقت الصلاة، جاز التحري للطهارة لها.
الدليل الثالث:
قالوا: إن طلب اليقين في مثل هذه الأشياء يكون فيه حرج ومشقة، والحرج مدفوع عن هذه الأمة، قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]، وقال سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: ٦].
• دليل من قال: لا بد من اليقين:
الدليل الأول:
قالوا: اليقين لا يزول إلا بيقين مثله، والنجاسة متيقنة فلا بد من اليقين بزوالها، وإنما يكتفى بغلبة الظن إذا تعذر اليقين، واليقين هنا غير متعذر.
الدليل الثاني:
(١٤٠٨ - ١٥٠) ربما يستدل بعضهم بما رواه البخاري من طريق منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (١).
ويجاب بأن الحديث ليس في رجل يستنجي، ويعمل بغلبة ظنه، وإنما رجل لا يستنزه من بوله، ولا يقوم بما أوجب الله عليه من الطهارة والتحرز من البول، والله أعلم.
* * *
стр. 3440
الفصل الخامس في صفة الإنقاء
المبحث الأول في صفة الإنقاء بالحجر
مدخل في ذكر الضابط الفقهي للمسألة:
• يسير النجاسة وأثرها معفو عنه على الصحيح للمشقة.
[م-٦٢٥] اختلف العلماء في صفة الإنقاء بالحجر على قولين:
فقيل: بقاء أثر لا يزيله إلا الماء، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
стр. 3441
وقيل: خروج الحجر الأخير لا أثر به إلا يسيرًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (١)، ورجحه ابن تيمية (٢).
والثاني أقوى؛ والقول الأول فيه حرج ومشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة إن شاء الله، والنجاسة اليسيرة معفو عنها إجماعًا كما سيأتي بحثه إن شاء الله في فصل لا حق، وقد اختار الحنفية والمالكية أن الاستنجاء كله ليس بواجب ما دام أن النجاسة لم تتجاوز الموضع المعتاد، فما بالك بالأثر اليسير جدًا يبقى على المحل؟
* * *
стр. 3442
المبحث الثاني في صفة الإنقاء بالماء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها.
[م-٦٢٦] اختلف الفقهاء في صفة الإنقاء بالماء،
فقيل: لا يعتبر عدد معين، بل المطلوب أن يعود المحل كما كان، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 3443
وقيل: المطلوب غسل المحل سبع غسلات، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: ثلاث غسلات، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢)، والراجح الأول.
• دليل من قال: لا يشترط في الاستنجاء عدد معين:
الدليل الأول:
قالوا: القياس على الطهارة من دم الحيض، فإذا كان دم الحيض لا يشترط لطهارته عدد معين، فكذلك البول والغائط.
(١٤٠٩ - ١٥١) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت:
أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
فهنا الرسول ﷺ لم يذكر عددًا في غسل نجاسة دم الحيض، والمقام مقام بيان، وجواب عن سؤال كيف يطهر الثوب، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى حته، وقرصه، وغسله، مع أن الحت ليس بواجب مع الغسل، فيبعد أن ينص على ما ليس بواجب، ويهمل ما هو واجب، فدل على أن تكرار الغسل ليس بواجب، ولا فرق بين نجاسة تكون على الثوب أو نجاسة تكون على البدن؛ لأن المطلوب إزالة النجاسة في كل منهما.
стр. 3444
الدليل الثاني:
(١٤١٠ - ١٥٢) ما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمرها بغسل الدم، بقوله ﷺ : (فاغسلي عنك الدم، ثم صلي). ولو كان العدد معتبرًا لبينه النبي ﷺ وقد علم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما هو مقرر في أصول الفقه.
الدليل الثالث:
(١٤١١ - ١٥٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال:
سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء والند وسدر.
[صحيح] (٢).
стр. 3445
وجه الاستدلال:
الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله، وقد ذكر السدر مع كونه ليس واجبًا، فكيف يترك ذكر العدد لو كان العدد واجبًا.
стр. 3446
الدليل الرابع:
من النظر، قالوا: النجاسة عين محسوسة، ووجوب غسلها معلل ببقائها، فإذا زالت من الغسلة الأولى ارتفع حكمها.
• دليل من قال: يجب غسل النجاسة في الاستنجاء سبع مرات:
قال ابن قدامة: روي عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا (١).
والجواب على هذا من وجهين.
الأول: أن هذا الأثر لا يعرف مسندًا في كتب الحديث، إنما ذكره الحنابلة في كتبهم الفقهية، فلا حجة فيه.
الثاني: على فرض صحته قد روي ما يدل على أنه منسوخ.
(١٤١٢ - ١٥٤) فقد روى أحمد من طريق أيوب بن جابر، عن عبد الله -يعني
ابن عصمة- عن ابن عمر قال:
كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 3447
الدليل الثاني:
قالوا: ثبت الأمر بغسل نجاسة الكلب سبعًا، وغيرها من النجاسات قياسًا عليه.
• والدليل على وجوب غسل نجاسة الكلب سبعًا:
(١٤١٣ - ١٥٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إن رسول الله ﷺ ، قال:
إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا. ورواه مسلم (١).
وأجيب:
بأن نجاسة الكلب مغلظة لا يمكن قياس النجاسة العادية على النجاسة المغلظة، أرأيت نجاسة دم الحيض مع أنه مجمع على نجاسته كما قدمنا إلا أنه لم يرد فيه تكرار الغسل، ولم يرد ذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا نجاسة الكلب، والرواية التي فيها ذكر التراب رواها مسلم في صحيحة،
(١٤١٤ - ١٥٦) قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (٢).
стр. 3448
• دليل من قال: يشترط ثلاث غسلات:
الدليل الأول:
(١٤١٥ - ١٥٧) روى مسلم من طريق أبي معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،
عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: إذا كان الاستجمار لا بد فيه من ثلاثة أحجار، فكذلك الاستنجاء بالماء لا بد فيه من ثلاث غسلات.
• وأجيب:
بأن هناك فرقًا بين الماء والأحجار، فالأحجار لا تزيل النجاسة بالكلية، ولذلك اشترط العدد بخلاف الماء فإنه يزيل عين النجاسة حتى لا يبقي لها أثرًا.
الدليل الثاني:
(١٤١٦ - ١٥٨) ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثًا (٢).
وجه الاستدلال:
إذا كان النبي ﷺ أمر القائم من نوم الليل أن يغسل يده ثلاثًا معللًا بتوهم
стр. 3449
النجاسة، فوجوب الثلاث مع تحققها أولى.
وأجيب:
بأنه قد تقدم الخلاف في العلة من أمر القائم بغسل يده ثلاثًا من نوم الليل، وأن هناك خلافًا، هل غسل اليد تعبدي أو معقول المعنى؟ وهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ ولو كان غسلها من أجل النجاسة لكفى غسلها مرة واحدة، ولن تكون أكثر نجاسة من دم الحيض، ومع ذلك لم يطلب تكرار الغسل.
• الراجح:
أرى أن الاستنجاء بالماء ليس فيه عدد معين، وإنما يغسل حتى يغلب على ظنه أن المحل رجع كما كان قبل البول والغائط، والله أعلم.
* * *
стр. 3450
الفصل السادس
في الأثر المتبقي بعد الاستجمار
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• يسير النجاسة وأثرها معفو عنه على الصحيح للمشقة.
[م-٦٢٧] اختلف العلماء في أثر الاستجمار:
فقيل: نجس، معفو عن يسيره.
وقيل: طاهر (١). وحكي الإجماع على أنه معفو عنه.
قال ابن قدامة: «وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع:
أحدها: محل الاستنجاء، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه.
واختلف أصحابنا في طهارته، فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به، ولو كان نجسًا لنجسه.
ثم قال: وقال أصحابنا المتأخرون: لا يطهر المحل، بل هو نجس». اهـ أي نجس معفو عنه (٢).
стр. 3451
وقال البهوتي: وأثر الاستجمار نجس؛ لأنه بقية الخارج من السبيل، يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه (١).
• الدليل على أن الاستجمار مطهر:
(١٤١٧ - ١٥٩) ما رواه الدارقطني، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، أخبرنا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي،
عن أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يطهران (٢).
[ضعيف، فيه ثلاثة ضعفاء، ابن كاسب، وسلمة، والحسن بن فرات يرويه بعضهم عن بعض، وقد انفردوا بقولهم: (إنهما لا يطهران) ويصعب إلصاق الوهم بواحد منهم، حيث لا يوجد متابع لأي منهم] (٣).
الدليل الثاني:
أن النجاسة تزال بأي مزيل، ولا يتعين الماء في إزالتها، فكيف زالت زال حكمها، فإذا استنجى الإنسان، وأزال عين النجاسة فقد طهر المحل، والدليل على أن الماء لا يتعين في إزالة النجاسة أحاديث كثيرة في تطهير ذيل المرأة بالتراب، وتطهير النعل بدلكه في التراب،
(١٤١٨ - ١٦٠) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعني ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:
يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (١).
[صحيح] (٢).
стр. 3454
(١٤١٩ - ١٦١) ومنها ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن
أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[صحيح] (٢).
(١٤٢٠ - ١٦٢) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:
قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها فقصعته بظفرها (٣).
فإذا كانت النعل تطهر بالتراب، وكان التراب لها طهورًا، وكان ذيل المرأة يطهره ما بعده من التراب الطيب، وكان الريق ربما طهر الثوب يصيبه شيء من دم الحيض، فكذلك مكان البول والغائط يطهره الأحجار ونحوها، والله أعلم.
* * *
стр. 3455
فرع
ما تطاير من الماء وقت الاستنجاء
مدخل إلى ضابط المسألة الفقهي:
• المشقة تجلب التيسير.
[م-٦٢٨] جاء في المعيار المعرب: وسئل أبو حفص عما تطاير في الثوب وقت الاستنجاء؟
فأجاب: إن كان أول شروعه فهو نجس، وإن كان مما بعده فهو طاهر (١).
قلت: ينبغي أن يفصل إن كان يسيرًا جدًا فهو من المعفو عنه؛ لأن المشقة قد تلحق به، وقد حكي الإجماع في العفو عن أثر الاستجمار مع بقاء قدر من النجاسة لا يزيلها إلا الماء، وإن كان كثيرًا عرفًا كان التفصيل الذي ذكره جيدًا.
* * *
стр. 3456
الفصل السابع
القول في قطع الاستنجاء على وتر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• من استجمر فليوتر.
• الوتر مستحب فيما ورد في إيتاره نص كالاستجمار، ولا يشرع في التطهير بالماء.
• النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، هل هو راجع إلى طلب الإيتار فيكون مستحبًا، أو راجع إلى اختلاف الحجر عن الماء، فالماء يزيل العين والأثر ودلالته قطعية، فلا يشترط فيه عدد بخلاف الحجر فلا يزيل الأثر، ودلالته ظنية فاشترط فيه العدد.
[م-٦٢٩] استحب الفقهاء قطع الاستجمار على وتر، على خلاف بينهم هل يتحقق الوتر بحجر واحد، أم يتحقق الوتر بعدد المسحات الثلاث بحسب اختلافهم في وجوب الاستنجاء:
فمن يرى أن الاستنجاء سنة، كما هو المشهور من مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)،
стр. 3457
أو يرى أن الاستنجاء واجب، ولكن لا يشترط ثلاثة أحجار، بل المقصود الإنقاء ولو بحجر واحد، فيرى أن تحقيق السنة في قطعه على وتر يتحقق ولو بحجر واحد إذا أنقى (١).
وأما من يرى وجوب الثلاث مسحات أو ثلاثة أحجار، فيكون قطعه على وتر بعدها مستحبًا، كما لو أنقى بأربعة أحجار فيستحب له حجر خامس، أو أنقى بستة أحجار فيستحب له حجر سابع، أما لو أنقى بثلاث أو خمس، فلا يستحب له الزيادة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢).
وقيل: يجب الوتر في الاستنجاء بالحجارة مطلقًا، اختاره بعض الشافعية (٣)، وهو رأي ابن حزم (٤).
стр. 3458
• دليل استحباب قطع الاستنجاء على وتر .
(١٤٢١ - ١٦٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه، ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (١).
الدليل الثاني:
(١٤٢٢ - ١٦٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،
أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا استجمر أحدكم فليوتر (٢).
الدليل الثالث:
(١٤٢٣ - ١٦٥) ما روه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر (٣).
الدليل الرابع:
(١٤٢٤ - ١٦٦) ما رواه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن هلال بن يساف،
عن سلمة بن قيس، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر (٤).
стр. 3459
[صحيح] (١).
الدليل الخامس:
(١٤٢٥ - ١٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن ويحيى بن إسحاق، قالا: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا اكتحل أحدكم فليكتحل وترًا، وإذا استجمر فليستجمر وترًا (٢).
[ضعيف من أجل ابن لهيعة] (٣).
стр. 3460
الدليل السادس:
(١٤٢٦ - ١٦٨) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا أبو غسان مالك بن سعد القيسي، نا روح -يعني: ابن عبادة- ثنا أبو عامر الخزاز، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استجمر أحدكم فليوتر، فإن الله وتر يحب الوتر، أما ترى السموات سبعًا، والأرض سبعًا، والطواف سبعًا ... وذكر أشياء (١).
[انفرد به أبو عامر صالح بن رستم، وهو كثير الخطأ] (٢).
стр. 3461
الدليل السابع:
(١٤٢٧ - ١٦٩) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا الأخنسي أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل وسمعته يقول: حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: إن الله وتر يحب الوتر، فإذا استجمرت فأوتر (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
стр. 3462
دليل من قال: إن الإيتار واجب:
استدل بحديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعًا: ومن استجمر فليوتر.
وبحديث جابر عند مسلم: إذا استجمر أحدكم فليوتر. وسبق تخريجهما في أدلة القول الأول.
وجه الاستدلال:
قالوا: قول الرسول ﷺ : (من استجمر فليوتر) أمر، والأصل في الأمر الوجوب، ولا يوجد صارف يمنع من حمله على الوجوب.
стр. 3463
والشافعية والحنابلة حملوا الأمر بالإيتار إن كان في الثلاث مسحات، فالأصل فيها الوجوب، وما زاد حملوه على الاستحباب، وأخذوا من مفهوم حديث سلمان في مسلم: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).
فدل على أن الاكتفاء بأقل من ثلاثة أحجار محرم؛ لأنه الأصل في النهي، فصار الإيتار بثلاثة واجب، وما زاد على الثلاثة فقطعه على وتر مستحب.
• دليل من قال: يحصل الإيتار ولو بحجر واحد:
(١٤٢٨ - ١٧٠) استدلوا بما رواه أحمد من طريق عيسى بن يونس، حدثنا ثور ابن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (١).
[ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (٢).
قالوا: فالمعتبر بالاستجمار: هو الإنقاء، دون العدد، فإن حصل بحجر واحد كفاه، وتحقق له سنة الإيتار.
ورد عليهم:
أولًا: أن هذا الحديث ضعيف، لا يرد الأحاديث الصحيحة كحديث سلمان، وحديث أبي هريرة، وحديث عائشة وغيرها.
ثانيًا: لو ثبت أن الحديث صحيح، فلا بد من الجمع بينه وبين الأحاديث التي
стр. 3464
تنهى عن الاستنجاء دون ثلاثة أحجار، فيحمل الإيتار بما زاد على الثلاثة.
ثالثًا: إذا كان المقصود هو الإنقاء كما تقولون، فإنه معلوم أن الإنقاء لا يحصل بحجر واحد غالبًا، هذا من جهة.
ولو كفى الإنقاء لم يكن لاشتراط العدد معنى في حديث سلمان وحديث أبي هريرة وحديث عائشة وغيرها، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى؛ لأن الماء يزيل العين والأثر، فدلالته قطعية، فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرًا لا قطعًا، فاشترط فيه العدد.
(١٤٢٩ - ١٧١) رابعًا: يرد عليهم بما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا (١).
[إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، وقد رواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثًا] (٢).
وسوف يأتي مزيد بحث في الكلام على مسألة هل يشترط ثلاثة أحجار، أم يكفي حجر واحد؟
وإنما الكلام في مسألتنا هنا هل قطع الاستنجاء على وتر تتحقق السنة فيه بالحجر الواحد، أم تتحقق فيما زاد على الثلاثة، والله أعلم.
كما أن الكلام في قطعه بالأحجار، أم الماء فالصحيح أنه لا يشرع فيه الإينار لعدم الدليل وقد تقدم الكلام عليه في الفصل الذي قبل هذا، والله الموفق.
* * *
стр. 3465
الفصل الثامن
في صفة المسح بالأحجار
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.
[م-٦٣٠] اختلف الفقهاء في صفة المسح بالأحجار:
فقيل: لا كيفية له، فكيف حصل الإنقاء أجزأ. رجحه السرخسي من الحنفية، ومال إليه ابن نجيم، وهو المنصوص عليه في السراج الوهاج والمجتبى (١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وهو الراجح.
وقيل: كيفية الاستنجاء أن يمسح بالحجر الأول من جهة المقدم إلى خلف، وبالثاني من خلف الى قدام، وبالثالث من قدام الى خلف إذا كانت الخصية مدلاة، وإن كانت غير مدلاة يبتدئ من خلف الى قدام، والمرأة تبتدئ من قدام الى خلف خشية تلويث فرجها، وهو قول في مذهب الحنفية (٣).
стр. 3466
وقيل: كيفيته في المقعد في الصيف للرجل إدبار الحجر الأول والثالث، وفي الشتاء العكس، اختاره بعض الحنفية (١).
وقيل: يعم بكل حجر موضع النجو، وهو مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣).
وفي مذهب الشافعية ثلاثة أوجه:
فقيل: يمر حجرًا من مقدم الصفحة اليمنى ويديره عليها، ثم على اليسرى حتى يصل الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الحجر الثاني من أول الصفحة اليسرى إلى آخرها، ثم على اليمنى حتى يصل موضع ابتدائه، ثم يمر بالثالث على المسربة، وهو الراجح في مذهب الشافعية (٤)، وذكره بعض الحنفية (٥)، واختاره القاضي من الحنابلة (٦).
الوجه الثاني: أن يمسح بحجر الصفحة اليمنى وحدها، ثم بحجر اليسرى وحدها، وبالثالث المسربة (٧)، واختاره بعض الحنابلة (٨).
والوجه الثالث: يضع حجرًا على مقدم المسربة ويمره إلى آخرها، ثم حجرًا على مؤخرة المسربة ويمره إلى أولها، ثم يحلق بالثالث، حكاه البغوي قال النووي: وهو غريب.
стр. 3467
واختلف الشافعية في هذا الخلاف، هل هو على الوجوب أو الاستحباب على قولين (١).
وقيل: يكفي لكل جهة مسحها ثلاثا بحجر، والوسط مسحه ثلاثًا بحجر، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
• دليل من قال: لا كيفية للاستنجاء:
الدليل الأول:
قال: إن استحباب كيفية معينة تحتاج إلى توقيف من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب، ولم يصح دليل في المسألة.
الدليل الثاني:
قالوا: إن المطلوب في الاستنجاء هو الإنقاء وإزالة النجاسة فكيف زالت النجاسة حصل المقصود، فلا يتكلف صفة معينة.
• دليل من قال: يمسح بالأول من المقدم وبالثاني عكسه وبالثالث كالأول:
علل هذا الاستحباب بأنه إذا بدأ من جهة الخلف في أول مرة ربما لوث الخصية بالنجاسة، فتنتشر النجاسة إلى غير موضعها المعتاد، ثم لا تكفي إزالتها بالأحجار في حقه، ولكن إذا بدأ من جهة المقدم أمن تلوث الخصية بالنجاسة، ولذلك قال: إذا كانت الخصية غير مدلاة بدأ من جهة الخلف.
وهذا التعليل لا يكفي في استحباب هذه الصفة في الاستنجاء، بل إن التعليل
стр. 3468
السابق أقوى، وأن المقصود من الاستجمار هو إزالة النجاسة، فكيف زالت حصل مقصود الشارع من مشروعية الاستجمار.
• دليل من طلب تعميم المحل بكل حجر:
قالوا: إن المطلوب أن يعم المحل بكل حجر حتى يصدق عليه أنه مسح المحل ثلاث مسحات، فإذا لم تعم كل مسحة المحل كله لم تكن مسحة، بل كانت بعضها.
• دليل من فرق الأحجار بين الصفحتين والمسربة:
(١٤٣٠ - ١٧٢) ما رواه الدارقطني، قال: نا علي بن أحمد بن الهيثم العسكري، أخبرنا علي بن حرب، نا عتيق بن يعقوب الزبيري، نا أبي بن العباس بن سهل ابن سعد، عن أبيه،
عن جده سهل بن سعد أن النبي ﷺ سئل عن الاستطابة؟ فقال: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجرًا للمسربة (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 3469
• الراجح:
أن الاستجمار لم يرد له في الشرع صفة معينة، بل المطلوب أمران:
الأول: الإنقاء، وهو إزالة عين النجاسة، على الصفة المطلوبة التي قدمناها في صفة الإنقاء.
الثاني: استعمال ثلاثة أحجار، بحيث لا يكتفى بحجر واحد، وكيف استعمل هذه الأحجار أجزأه، والكلام على استحباب صفة معينة يحتاج إلى توقيف، ولا توقيف في المسألة، والله أعلم.
* * *
стр. 3470
الفصل التاسع
لا يباشر الاستنجاء بيده اليمنى ولا يمس ذكره بها
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• النهي عن مس الذكر باليمين حال البول، هل هو من باب تكريم اليمين باعتبار العضو طاهرًا، فيكون النهي للكراهة، أو من باب وقاية اليمين عن مباشرة النجاسة فيكون النهي للتحريم.
• الأصل في النهي التحريم ويصرف عنه إلى الكراهة لأدنى صارف.
[م-٦٣١] كره الفقهاء مس الفرج باليمين حال البول، واستنجاءه واستجماره بها، وهو مذهب الأئمة (١).
وقيل: يحرم الاستنجاء باليمين، رجحه ابن نجيم من الحنفية (٢)، واختاره