← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

[ضعيف] (١). الدليل الخامس: (١٤٤٨ - ١٩٠) ما أخرجه الطبراني من طريق أبي غسان محمد بن يحيى الكناني،

стр. 3502

حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني ابن خلاد، أنا أباه سمع من النبي ﷺ يقول: إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات. [ضعيف] (١). الدليل السادس: (١٤٤٩ - ١٩١) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا (٢). [إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، ورواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثًا] (٣).

стр. 3503

الدليل السابع: (١٤٥٠ - ١٩٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير وعبدة، عن هشام ابن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : الاستطابة بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع (١). [ضعيف] (٢).

стр. 3504

الدليل الثامن: ما ثبت من فعله ﷺ أنه اكتفى بالحجارة في الاستنجاء، من ذلك:

стр. 3505

(١٤٥١ - ١٩٣) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (١). الدليل التاسع: (١٤٥٢ - ١٩٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٢). فلجميع هذه النصوص يجزم المسلم أن الحجارة تكفي في إزالة النجاسة من البول والغائط، مع أن الحجر قد لا ينقي المحل، فلا بد أن يبقى به أثر لا يزيله إلا الماء، وهذا من تيسير الشريعة، ومن التخفيف الذي وضعه الله عن عباده، خاصة أن الإنسان قد يحتاج إلى البول والغائط في مكان لا يوجد فيه ماء، فكان من سعة الله على عبادة أن يسر لهم إزالتها بأي مزيل من أحجار ونحوها. وللاستجمار بالحجارة شروط، سوف نذكرها، ونذكر كلام أهل العلم حولها إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.

стр. 3506

• دليل من قال: الاستجمار لا يجزي إلا لمن عدم الماء: لا أعلم له دليلًا من السنة على أن الاستنجاء بالحجارة مشروط بعدم القدرة على الماء، وأحاديث الاستجمار مطلقة، وليست مقيدة. قال ابن رشد: «لا اختلاف في أن من اكتفى في استنجائه بالأحجار دون الماء، فصلى أن صلاته تامة، ولا إعادة عليه في وقت ولا غيره، لما جاء أن النبي ﵇ سئل عن الاستطابة، فقال: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار، إلا أن الماء أطهر وأطيب، ومن قدر على الجمع بين الأحجار والماء فهو أولى وأحسن» (١). * * *

стр. 3507

الفصل الثاني في شروط الاستجمار الشرط الأول في اشتراط ثلاثة أحجار مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • اشتراط ثلاثة أحجار، هل يراد بالحجر معناه، فيكفي ثلاث مسحات، أو يراد لفظه فلا بد من أحجار ثلاثة، وإذا كان الاستجمار معقول المعنى بالإجماع ترجح الأول على الثاني. • النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، يحتمل أن يكون ذلك على الاستحباب منه للوتر، ويحتمل أنه أراد به العدد الذي لا يطهِّر ما هو أقل منه؛ لاختلاف الحجر عن الماء، فالماء يزيل العين والأثر ودلالته قطعية، فلا يشترط فيه عدد، بخلاف الحجر فلا يزيل الأثر، ودلالته ظنية، فاشترط فيه العدد. • لو كان المطلوب الايتار مطلقًا لما نص على الثلاث؛ لأن الايتار يحصل بأقل كالواحد وبأكثر كالخمس. [م-٦٤٠] اختلف الفقهاء هل يشترط في الاستجمار ثلاثة أحجار، أم لا؟

стр. 3508

فقيل: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء، فكيف حصل أجزأ، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (١). وقيل: لا بد من ثلاثة أحجار، فأكثر، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣). • دليل الحنفية والمالكية على الاكتفاء بحجر واحد: الدليل الأول: (١٤٥٣ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٤). وجه الاستدلال: قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ما يدل أن النبي ﷺ قعد للغائط في مكان

стр. 3509

ليس فيه أحجار، لقوله لعبد الله: ناولني ثلاثة أحجار، ولو كان بحضرته من ذلك شيء لما احتاج إلى أن يناوله من غير ذلك المكان، فلما أتاه عبد الله بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وأخذ الحجرين، دل ذلك على استعماله الحجرين، وعلى أنه قد رأى أن الاستجمار بهما يجزيء، ولو كان لا يجزئ الاستجمار بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين، ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين (١). وطريق آخر للاستدلال على جواز الأقل من ثلاثة: أن الرسول ﷺ طلب من ابن مسعود ثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين، فإما أن يكون ابن مسعود لم يأته بالثالث، أو أنه أتاه به، وعلى الحالين ففيه دليل على عدم اشتراط ثلاثة أحجار؛ لأنه ﷺ اقتصر في الموضعين على ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة. • وأجيب عن هذا الدليل: قالوا: كون الرسول ﷺ لم يطلب حجرًا ثالثًا لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب ثلاثة أحجار، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاث أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. قال ابن حزم ﵀: «وليس في الحديث أنه ﵇ اكتفى بالحجرين، وقد صح أمره ﷺ له أن يأتيه بثلاثة أحجار، فالأمر باق لازم، لابد من إبقائه» (٢). أما قولكم: إنه استعمل في الموضعين ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة، فيحتمل أنه لم يخرج منه شيء إلا من سبيل واحد، خاصة إذا علمنا أن الرسول ﷺ من عادته إذا أراد الغائط أبعد، حتى يستتر عن أعين الناس، بحيث لا يراه أحد، ولم

стр. 3510

يكن يفعل هذا في البول، فقد بال ﷺ قائمًا، وحذيفة عند عقبه، فقول ابن مسعود: (أتى الغائط، فأمرني) ظاهره أنه لم يأمره حتى أتى مكان قضاء الحاجة، وهذا يرجح أنه كان للبول فقط. وقال الحافظ: وعلى تقدير أن يكون خرج منهما، فيحتمل أن يكون اكتفى للقبل بالمسح في الأرض، وللدبر بالثلاثة، أو مسح من كل منهما بطرفين. وأجاب ابن حزم بجواب آخر، وقصر وجوب ثلاثة أحجار للغائط فقط دون البول. قال ﵀: «فإن قيل: أمره ﵇ بثلاثة أحجار، هو للغائط والبول معًا، فوقع لكل منهما أقل من ثلاثة أحجار. قلنا: هذا باطل؛ لأن النص ورد بأن لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، ومسح البول لا يسمى استنجاء» (١). وهذا أضعف الأجوبة. وقال ابن حزم أيضًا: «فإن بدأ بمخرج البول، أجزأت تلك الأحجار بأعيانها لمخرج الغائط، وإن بدأ بمخرج الغائط لم يجزه من تلك الأحجار إلا ما كان لا رجيع عليه فقط، والله أعلم» (٢). (١٤٥٤ - ١٩٦) وقد روى أحمد ﵀ من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وبروثه، فألقى الروثة وقال: إنها ركس ائتني بحجر (٣).

стр. 3511

[منقطع] (١). الدليل الثاني: (١٤٥٥ - ١٩٧) استدلوا بما رواه أحمد، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحبراني، عن أبي سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج عليه. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن أكل بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر،

стр. 3512

فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (١). [ضعيف، يرويه مجهول، عن مجهول] (٢). الدليل الثالث: من النظر، قالوا: إن المقصود من الاستنجاء: هو الإنقاء، فلا معنى لاشتراط الزيادة بالثلاث بعد حصوله، ولهذا لو لم يحصل الإنقاء بالثلاث يزاد عليها إجماعًا، لكونه هو المقصود. وأجيب عن هذا: قولكم: إن المقصود: هو الإنقاء غير صحيح، فلو كان المقصود هو الإنقاء لخلا اشتراط العدد عن فائدة، فلما اشترط العدد لفظا، وعلم الإنقاء به معنى، دل على إيجاب الأمرين، ونظيره العدة بالقروء، فإن العدد معتبر، ولو تحققت براءة الرحم بقرء. ورد هذا الجواب: بأن العدة بالقروء فيها حكم كثيرة غير براءة الرحم، منها زيادة الأجل في حق الزوج في إرجاع زوجته، والنظر في الأصلح لهما. • دليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الثلاث: الدليل الأول: (١٤٥٦ - ١٩٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن

стр. 3513

إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١). وجه الاستدلال: قوله: (نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له عنه. الدليل الثاني: (١٤٥٧ - ١٩٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (٢). [حسن] (٣). وجه الاستدلال: قوله: (وكان يأمر بثلاثة أحجار) والأصل في الأمر الوجوب، ولا صارف له عنه. الدليل الثالث: (١٤٥٨ - ٢٠٠) ما رواه أحمد من طريق أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة بن الزبير،

стр. 3514

عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه (١). [فيه لين] (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : فليذهب معه بثلاثة أحجار. فهذا أمر، والأصل فيه الوجوب. الدليل الرابع: (١٤٥٩ - ٢٠١) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا بكر، ثنا عمرو بن هاشم، ثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي شعيب الحضرمي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار، فإن ذلك كافيه (٣). [ضعيف] (٤). الدليل الخامس: (١٤٦٠ - ٢٠٢) ما أخرجه الطبراني من طريق أبي غسان محمد بن يحيى الكناني، حدثني أبي، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني ابن خلاد، أنا أباه سمع من النبي ﷺ يقول: إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات. [ضعيف] (٥). الدليل السادس: (١٤٦١ - ٢٠٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا علي بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس،

стр. 3515

عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا (١). [إسناده حسن إن كان أبو سفيان سمعه من جابر، ورواه أبو الزبير عن جابر في مسلم، ولم يقل: ثلاثًا] (٢). الدليل السابع: (١٤٦٢ - ٢٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير وعبدة، عن هشام ابن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : الاستطابة بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع (٣). [إسناده فيه لين] (٤). الدليل الثامن: من النظر، قالوا: ليس الحجر كالماء، إذا أنقى كفى؛ لأن الماء يزيل العين والأثر فدلالته قطعية، فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرًا لا قطعًا، فاشترط فيه العدد (٥). • جواب الحنفية والمالكية عن أدلة الشافعية والحنابلة: أجابوا عن الأحاديث السابقة بأن ذكر الأحجار الثلاثة خرجت مخرج الغالب والعادة؛ لأن النقاء يحصل بها غالبًا، أو أن الثلاثة تحمل على الكمال والاستحباب (٦).

стр. 3516

وقال ابن الهمام: وما رووه من الأحاديث متروك ظاهرها، فإنه لو استنجى بحجر واحد له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع (١). • ويجاب عن هذا: بأن حمل الأحاديث على الاستحباب خلاف الأصل، لإن الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم. كما أن القول بأنها خرجت مخرج الغالب يحتاج إلى دليل، وكما قلنا سابقًا، لما كان الماء يطهر طهارة كاملة، لم يشترط عدد، ولما كانت الحجارة يبقى منها أثر معفو عنه، اشترط لحصول العفو عن هذا النجاسة عدد معين، وهو ثلاثة أحجار. أما قولكم: إن الأحاديث التي تنص على ثلاثة أحجار متروك ظاهرها بالإجماع كما لو استنجى بحجر واحد له ثلاث شعب. فيقال: حكاية الإجماع ليست دقيقة، فإن ابن المنذر وابن حزم يريان وجوب ثلاثة أحجار، ولا يكفي ثلاث مسحات بحجر واحد له شعب. وعلى التنزل فمن تمسح بثلاث مسحات لا يكون بمنزلة من تمسح بحجر واحد مرة واحدة. فالقول الراجح أنه لا بد من ثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، والله أعلم. * * *

стр. 3517

المبحث الأول في الاكتفاء بحجر واحد له ثلاث شعب مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • اشتراط ثلاثة أحجار، هل يراد بالحجر معناه، فيكفي ثلاث مسحات، أو يراد لفظه فلا بد من أحجار ثلاثة؟ وإذا كان الاستجمار معقول المعنى بالإجماع ترجح الأول على الثاني. [م-٦٤١] اختلف القائلون باشتراط ثلاثة أحجار، هل المطلوب ثلاث مسحات، بحيث يكفي الحجر الواحد إذا كان ذا ثلاث شعب، أو لا بد من ثلاثة أحجار. فقيل: يكفي الحجر الواحد إذا كان له ثلاث شعب، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١).

стр. 3518

وقيل: لا بد من ثلاثة أحجار مطلقًا، هو رواية عن أحمد (١)، واختاره ابن المنذر (٢)، ورجحه ابن حزم (٣). • دليل من قال: يكفي حجر واحد له ثلاث شعب: قالوا: إن الشارع لما نص على ثلاثة الأحجار أراد من المستجمر ألا يكتفي بمسح المحل مرة واحدة، بل يكرر المسح ثلاث مرات، فكان المعنى ثلاثة أحجار: أي ثلاث مسحات، وإذا كان ذلك كذلك كان هذا حاصلًا ولو بحجر واحد، والدليل على صحته أنه لو مسح بطرف واحد وروماه، ثم جاء شخص آخر، فمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بلا خلاف، واعتبر لكل واحد منهما مسحة. وأيضًا لو استجمر، ثم كسر المتنجس منها، واستجمر به ثانية لعد حجرين، وكذا لو غسله، ثم استنجى به. • دليل من قال: لا بد من ثلاثة أحجار: الدليل الأول: حديث سلمان ﵁: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) فمن استنجى بحجر واحد ثلاث مسحات يكون قد استنجى بحجر واحد، وقد وقع في ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، ولو كان المقصود ثلاث مسحات لجاء بها النص، والرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم، فلما لم يأت نص بالتعبير بالمسح، لزم الأخذ بظاهر النص، وأنه لا بد من ثلاثة أحجار. الدليل الثاني: قال ابن المنذر: ليس يخلو الأمر بثلاثة أحجار من أحد أمرين: إما أن يكون أريد بها إزالة نجاسة، فإن كان هكذا فبما أزيلت النجاسة يجزي بحجر وغير حجر ولو أزيلت بحجر واحد.

стр. 3519

أو يكون عبادة فلا يجزي أقل من العدد. أو معنى ثالثًا. فيقال: أريد بها إزالة نجاسة وعبادة، فلما بطل المعنى الأول لم يبق إلا هذان المعنيان، ولا يجزي في واحد من المعنيين إلا بثلاثة أحجار؛ لأن العبادات لا يجوز أن ينتقص عددها، والخبر يدل على صحة ما قاله هذا القائل، وذلك موجود في حديث سلمان: (لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار) وكلما أمر الناس بعدد شيء لم يجز أقل منه، ولا يجزي أن ترمي الجمرة مع سبع حصيات، مع أن قول رسول الله ﷺ مستغنى به عن غيره، ولا تأويل لما قال: (لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار) لمتأول معه (١). وهذا الكلام جيد، إلا أن قياسه على الرمي فيه نظر، فالرمي عبادة غير معقولة المعنى، بخلاف إزالة النجاسة. فالراجح مذهب الشافعية والحنابلة، وأن المقصود من ثلاثة الأحجار تكرار المسح ثلاث مرات، كما أن المعتبر بقطع الاستنجاء على وتر إنما هو في المسح، وليس في عدد الأحجار، فلو مسح المستنجي ست مرات من ثلاثة أحجار لم يكن قد أتى بسنة الإيتار؛ لأن الإيتار المقصود به في عدد المسحات، لا عدد الأحجار، والله أعلم. * * *

стр. 3520

الشرط الثاني أن تكون الأحجار ونحوها طاهرة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • رد الشارع الروثة، وعلل ذلك بأنها ركس؛ لهذا عدي الاستجمار إلى كل طاهر منق. [م-٦٤٢] اختلف العلماء هل يشترط طهارة ما يستجمر به؟ فقيل: يشترط أن يكون طاهرًا، لا نجسًا، ولا متنجسًا (١)، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). وقيل: يجزئ الاستجمار بكل ما يزيل العين من طاهر ونجس، وهو مذهب

стр. 3521

الحنفية (١)، وقول للإمام الطبري ﵀ (٢)، واختاره ابن تيمية (٣). • الدليل على اشتراط الطهارة: الدليل الأول: (١٤٦٣ - ٢٠٥) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٤). وجه الاستدلال: قوله: هذا ركس. فإن معنى الركس في اللغة يحتمل أمرين: الأول: الركس بمعنى: الرجيع. والثاني: الركس بمعنى: النجس. فعلل النبي ﷺ تركه بأنه رجس.

стр. 3522

وقد قال بعضهم: ليس في الحديث دليل على اشتراط الطهارة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من تركه الاستنجاء بالعظم والمحترمات. فأجاب النووي بقوله: «إن الاعتماد في الاستدلال على قوله ﷺ : (إنها ركس) وليس على مجرد تركه الاستنجاء بها، قال: ولا يجوز أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأنها رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام عن فائدة، فوجب حمل الكلام على ما ذكرناه من تفسير الركس بمعنى: النجس» (١). الدليل الثاني: (١٤٦٤ - ٢٠٦) ما رواه الدارقطني، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، أخبرنا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يطهران (٢). [ضعيف] (٣). الدليل الثالث: من جهة النظر، قالوا: إن النجس: نجس في نفسه، فلا يمكن أن يطهر غيره. الدليل الرابع: قالوا: إن الاستجمار رخصة عندهم؛ لأن الأصل في إزالة النجاسة هو الماء، والرخصة لا تحصل بحرام، يعني: بملابسة النجاسة. والصحيح أن الاستجمار على وفق القياس، وليس هو رخصة، لأن إزالة

стр. 3523

النجاسة إذا أزيلت بأي مزيل زال حكمها، ولا يختص هذا في محل الاستجمار، كما قدمنا في دلك النعل بالتراب (١)، وفي تطهير ذيل المرأة (٢)، ونحوهما. • دليل من قال: يجزئ الاستجمار بكل مزيل ولو كان نجسًا: قالوا: إن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، وحديث ابن مسعود غايته عدم الاستنجاء بالنجس، لكن إذا استنجى فقد طهر مع الإثم، لكن لا يمكننا الحكم بنجاسة المحل، وقد ارتفعت النجاسة، فالنهي والصحة غير متلازمين، فقد تجتمع الصحة والتحريم. • الراجح: القول بصحة الاستنجاء بالنجس، ولا يقال هذا القول ابتداء، لكن لو استنجى أحد بما نهي عن الاستنجاء به، وجاء يسأل هل يجزئه ذلك؟ قلنا: يجزئك، ولا تعد. * * *

стр. 3524

الشرط الثالث أن يكون المستنجى به غير عظم وروث مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • النهي عن الشيء لذاته يقتضي فساد المنهي عنه، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه. وبعبارة أخرى: • كل منهي عنه له جهتان: أحدهما مأمور به، وهو الاستنجاء، والأخرى منهي عنه كونه في عظم أو روث، فإذا نفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد. • الحكم بالنجاسة معلل، فإذا زالت بأي مزيل زال حكمها. [م-٦٤٣] اختلف العلماء في الاستنجاء بالعظم والروث. فقيل: لا يستنجي بهما، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (١).

стр. 3525

وقيل: يستنجي بهما، وهو اختيار أشهب من المالكية (١). وقيل: لا يستنجي بهما، وإن خالف واستنجى أجزأه، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وابن تيمية من الحنابلة (٤). • دليل من قال: لا يستنجي بعظم وروث: الدليل الأول: (١٤٦٥ - ٢٠٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٥). الدليل الثاني: (١٤٦٦ - ٢٠٨) ما رواه مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي

стр. 3526

بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١). الدليل الثالث: (١٤٦٧ - ٢٠٩) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (٢). الدليل الرابع: (١٤٦٨ - ٢١٠) ما رواه مسلم من طريق زكرياء بن إسحق، حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: نهى رسول الله ﷺ أن يتمسح بعظم أو ببعر (٣). الدليل الخامس: (١٤٦٩ - ٢١١) ما رواه أحمد من طريق محمد بن عجلان، حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة (٤).

стр. 3527

[حسن] (١). قال الطحاوي: الرمة: العظام. الدليل السادس: (١٤٧٠ - ٢١٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا المفضل، قال: حدثني عياش بن عباس، أن شييم بن بيتان أخبره، أنه سمع شيبان القتباني يقول: استخلف مسلمة بن مخلد رويفع بن ثابت الأنصاري على أسفل الأرض، قال: فسرنا معه قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو بعظم فإن محمدًا ﷺ بريء منه (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 3528

الدليل السابع: (١٤٧١ - ٢١٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم ابن أبي المخارق، أن الوليد بن مالك بن عبد القيس أخبره، أن محمد بن قيس مولى سهل بن حنيف أخبره، أن سهل بن حنيف أخبره، أن رسول الله ﷺ قال له: أنت رسولي إلى أهل مكة. قل: إن رسول الله ﷺ أرسلني يقرأ السلام عليكم، ويأمركم بثلاث لا تحلفوا بغير الله، وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولا تستنجوا بعظم ولا ببعرة (١). [ضعيف جدًا] (٢).

стр. 3529

والعلة في النهي: إما أن يكون الروث والعظم طاهرين، أو نجسين: فإن كانا طاهرين، فالعلة فيهما أنهما طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم. (١٤٧٢ - ٢١٤) لما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (١). وروى مسلم من طريق عبد الأعلى، عن داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود، وفيه: قال رسول الله ﷺ : أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة

стр. 3530

علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (١). وإن كان العظم والروث نجسين، كان علة النهي النجاسة، (١٤٧٣ - ٢١٥) لما رواه البخاي من حديث ابن مسعود ﵁، قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٢). وسقنا إسناده في أول دليل في مسألتنا هذه. فقوله ﷺ : هذا ركس: أي نجس كما بيناه من قبل، ولا ينبغي أن يفسر الركس بمعنى الرجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام من فائدة، والله أعلم. • دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالعظم والروث: لا أعلم له دليلًا، وقد صرح أشهب بأنه لا يعلم فيه نهيًا، وهذا دليل على أنه لم يبلغه النهي، ولو بلغه لقال به؛ لأن النهي ثابت في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وابن مسعود وغيرهما كما سقناه في أدلة القول الأول. • دليل من قال: لا يستنجي، وإذا استنجى أجزأ: قالوا: إن كان العظم والروث طعام إخواننا من الجن، فإن هذا لا يمنع من صحة الاستنجاء، كما لو استنجى بثوب غيره، فكونه قد اعتدى على ثوب غيره لم يمنع من الاستنجاء به، وإن كان العظم والروث نجسين فإن هذا أيضًا لا يمنع من صحة الاستنجاء؛ لأن العظم نجاسته لا تتعدى كما لو كان خاليًا من الرطوبة، وكذلك البعر الناشف لا تتعدى نجاسته إلى البدن، فهو يزيل النجاسة، ولا ينجس غيره، وبالتالي فإن النهي عن الاستنجاء منهما منفك عن كونهما ينظفان المحل، وكيف نحكم على المحل بالنجاسة وقد زالت عينها؟ وهذا أقرب الأقوال، أنه لا يستنجي بهما، وإن فعل أجزأ إذا أنقت المحل، والله أعلم. * * *

стр. 3531

فرع النهي عن العظام والروث للكراهة أو للتحريم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل في النهي التحريم. • النهي عن الاستنجاء لا يعني النهي عن سائر الانتفاعات بسبب أنه طعام الجن ودوابهم. • ظاهر النهي عن الاستنجاء يشمل المملوك والمباح. • الإخبار بالغيبيات الواجب فيه التسليم؛ لأنه خبر من لا ينطق عن الهوى. النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث من الإخبار بالغيبيات التي يجب فيها التسليم، والسؤال: هل يشمل النهي المملوك أو يختص بالمباح؟ ظاهر النصوص الإطلاق، فقد يقال: إن هذا خاص بالمباح؛ لأن النهي لما كان من أجل طعام الجن ودوابهم فهو معارض بالملكية السابقة، ومن ملك شيئًا اختص به. وقد يقال: حتى المباح فهو لمن سبق، ووضع اليد عليه تجعل المستجمر أحق به من غيره، ومع ذلك لما نهي عن الاستنجاء بهما مع سبق يده عليهما دل على أنه منهي عن الاستنجاء بهما، ولو كان يملكهما. وقد يقال: إن هذا التفصيل يصح في حال الاضطرار إلى العظم والروث، فيقدم المالك وواضع اليد على غيره، أما في حال الاختيار ففي الحجارة غنية عنهما، والنهي عن الاستجمار لا يعني النهي عن سائر الانتفاعات الأخرى بحجة أنه طعام الجن

стр. 3532

ودوابهم فحاجة الإنسان مقدمة على غيره؛ لأن الأصل أن الله أباح لنا جميع ما على الأرض إلا ما نهي عنه. وأما كيف يطعمه الجن ودوابهم فهذا أمر غيبي لم يكشف لنا إلا أنه لا يعني الاستهلاك كما يفعل الآدمي بطعامه؛ لأننا نشاهد العظام والروث تبلى وتفسد، ومع ذلك فالمسلم منهي عن الاستنجاء بهما، ولو فسدتا، والله أعلم. إذا علم ذلك نأتي إلى بحث ما كلفنا به، وما لم نكلف به فالواجب التفويض؛ لأنه خبر من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فأقول: [م-٦٤٤] اختلف الفقهاء هل النهي عن الاستجمار بالروث والعظام هل هو للكراهة أم للتحريم؟ فقيل: يكره، اختاره بعض الحنفية (١). وقيل: يكره في العظم والروث الطاهرين، وهو مذهب المالكية (٢). وقيل: يحرم، اختاره بعض الحنفية (٣)، وبعض المالكية (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 3533

• دليل من قال: يكره: قالوا: إن الأصل في النهي التحريم، لكن مقتضى التعليل بأنه زاد إخواننا من الجن جعلنا نحمل النهي على الكراهة دون التحريم. • دليل من قال: يحرم: قالوا: الأصل في النهي التحريم، ولا توجد قرينة صارفة للنهي عن هذا الأصل. بل قالوا: إن مقتضى التعليل يقتضي التحريم؛ لأن العظم والروث لما كان طعام إخواننا من الجن، كان في الاستنجاء به، تعد وإفساد له، أما التعدي فظاهر، فلأن كل عظم وروث جعل من طعامهم وطعام دوابهم، فكانوا أحق به. وأما الإفساد، فلأن هذا الطعام إذا استنجي به أدى إلى إفساده عليهم، وما جمع بين التعدي والإفساد كيف لا يكون حرامًا؟ • دليل من قال: يكره إن كان العظم والروث طاهرين ويحرم إن كانا نجسين: لعلهم سبب التفريق عندهم إن العظم والروث إن كانا طاهرين كان في الاستنجاء بهما ملابسة للنجاسة، وهي مكروهة عندهم، بخلاف ما إذا كانا طاهرين. ولو عكسوا لم يبعدوا، لأن العظم والروث إن كانا نجسين فاستعمال النجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع منه، كما انتفع من شحم الميتة، فإنه يطلى به السفن ويدهن به الجلود ويستصبح به الناس كما في حديث جابر المتفق عليه. (١٤٧٤ - ٢١٦) فقد روى البخاري من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها

стр. 3534

الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه، ورواه مسلم (١). وأما إذا كان العظم والروث طاهرين فإن فيه كما بينا سابقًا تعديًا وإفسادًا فينبغي أن يكون حرامًا، لو قيل هذا لم يبعد. • الراجح: أن النهي للتحريم، لأنه الأصل في نهي رسول الله ﷺ ، وإذا خالف، واستنجى به، فهل يجزئه أم لا؟ أما القائلون بالكراهة فظاهر، وأما القائلون بالتحريم فهل يصح أم لا فيه خلاف بيناه في مسألة مستقلة في اشتراط أن يكون المستنجى به طاهرًا، وفي ما سبق من الفصول، والله أعلم. * * *

стр. 3535

الشرط الرابع في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لما خص النهي بالعظم والروثة دل على جواز غيرهما، ولو لم يكن حجرًا. • تعليل الشارع الروثة بأنها ركس، يقتضي اعتبار غير الحجر، وإلا لعلل بأنها ليست بحجر. • الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل. فلم يتعين الحجر. • النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها. [م-٦٤٥] اختلف الفقهاء هل يشترط أن يكون الاستجمار من الأحجار، أو يجوز أن يكون من الخشب والورق ونحوهما؟ فقيل: يجوز الاستجمار بكل طاهر منق من حجر أو ورق أو خشب ونحوها، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 3536

وقيل: لا يجوز إلا الماء أو بالأحجار ونحوها مما هو من جنس الأرض، ولا يجوز بالورق والخشب وغيرها من غير جنس الأحجار، وهو اختيار أصبغ من المالكية (١)، وابن حزم من الظاهرية (٢). • دليل الجمهور على جواز الورق والخشب: الدليل الأول: (١٤٧٥ - ٢١٧) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت. الحديث (٣). فقوله: (ولا تأتني بعظم ولا روثة) لما خص النهي بالعظم والروثة دل على جواز غيرهما، ولو لم يكن حجرًا كالورق والخشب.

стр. 3537

الدليل الثاني: (١٤٧٦ - ٢١٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ علل منع الاستنجاء بها بكونها ركسًا، ولم يعلل بكونها ليست حجرًا. وهذا يعني جواز الاستنجاء بكل طاهر منق ما لم يكن رجسًا أو محترمًا. الدليل الثالث: (١٤٧٧ - ٢١٩) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، نا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن عبد الله الترقفي، نا يحيى بن يعلى، نا أبي، عن غيلان، عن أبي إسحاق، عن مولى عمر يسار بن نمير، قال كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئا أستنجي به، قال: فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطًا يتمسح به، أو يمس الأرض ولم يكن يغسله. قال البيهقي: وهذا أصح ما روي في هذا الباب وأعلاه (٢). [رجاله ثقات إلا أن غيلان بن جامع لم أقف هل سمع من أبي إسحاق قبل أو بعد تغيره] (٣).

стр. 3538

الدليل الرابع: (١٤٧٨ - ٢٢٠) ما رواه الدارقطني من طريق مبشر بن عبيد، حدثني الحجاج ابن أرطاة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: مر سراقة بن مالك المدلجي على رسول الله ﷺ فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب. قال الدارقطني: لم يروه إلا مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث (١). الدليل الخامس: (١٤٧٩ - ٢٢١) ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا عبد الباقي بن قانع، أخبرنا أحمد ابن الحسن المضري، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد، أو ثلاثة أحجار، أو بثلاث حثيات من التراب. قال زمعة: فحدثت به ابن طاوس، فقال: أخبرني أبي عن ابن عباس بهذا سواء (٢). [موضوع] (٣).

стр. 3539

الدليل السادس: من النظر، قالوا: إن النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها، وليس التعبد بالمزيل، ولكن التعبد بالإزالة، فالحجر وما كان مثله أو أنقى منه يحصل به المقصود، وهو طهارة المحل، والله أعلم. • دليل ابن حزم على وجوب الاقتصار على الماء أو الحجارة: يرى ابن حزم أن الاستنجاء يقتصر على ما ورد فيه النص، وقد جاء الاستنجاء بالماء في أحاديث كثيرة سوف نسوق ما وقفنا عليه منها في باب الاستنجاء بالماء، وجاء الاستنجاء بالحجارة، وقد ذكرنا ما وقفت عليه منها في باب الاستجمار بالحجارة، ولم يرد النص في الاستنجاء إلا بالماء أو الحجارة، فطلب الاستنجاء بغيرهما لم يدل عليه الدليل، فلا يجوز الاستنجاء به، ولا يرى ابن حزم القياس حتى يقيس على الحجارة غيرها مما يزيل النجاسة، أو ربما يكون أنقى منها في الإزالة. • ويرد على ابن حزم: كيف جوزت الاستجمار بالرمل والتراب مع أنه لم يأت به نص، فإن كان الدليل هو الاستجمار بالحجارة، فهذا باب من القياس، وأنت لا ترى القياس، وإن كان

стр. 3540

اتباعًا للدليل فلا أعلم نصًا في السنة في الاستجمار بالرمل والتراب. واستدل بعضهم من وجه آخر، فقال: إن الاستجمار رخصة، فيقتصر بها على ما ورد (١). وقال ابن المنذر: «لا نحفظ عن رسول الله شيئًا من الأخبار أنه أمر بالاستنجاء بغير الحجارة، ومن استنجى بالحجارة كما أمر به رسول الله ﷺ فقد أتى بما عليه، وإن استنجى بغير الحجارة، فالذي نحفظ عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: ذلك جائز، والاستنجاء بالحجارة أحوط» (٢). * * *
следующие страницы →