وقيل: لا يجوز إلا الماء أو بالأحجار ونحوها مما هو من جنس الأرض، ولا يجوز بالورق والخشب وغيرها من غير جنس الأحجار، وهو اختيار أصبغ من المالكية (١)، وابن حزم من الظاهرية (٢).
• دليل الجمهور على جواز الورق والخشب:
الدليل الأول:
(١٤٧٥ - ٢١٧) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،
عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت. الحديث (٣).
فقوله: (ولا تأتني بعظم ولا روثة) لما خص النهي بالعظم والروثة دل على جواز غيرهما، ولو لم يكن حجرًا كالورق والخشب.
стр. 3537
الدليل الثاني:
(١٤٧٦ - ٢١٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه
أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ علل منع الاستنجاء بها بكونها ركسًا، ولم يعلل بكونها ليست حجرًا. وهذا يعني جواز الاستنجاء بكل طاهر منق ما لم يكن رجسًا أو محترمًا.
الدليل الثالث:
(١٤٧٧ - ٢١٩) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، نا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن عبد الله الترقفي، نا يحيى بن يعلى، نا أبي، عن غيلان، عن أبي إسحاق،
عن مولى عمر يسار بن نمير، قال كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئا أستنجي به، قال: فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطًا يتمسح به، أو يمس الأرض ولم يكن يغسله.
قال البيهقي: وهذا أصح ما روي في هذا الباب وأعلاه (٢).
[رجاله ثقات إلا أن غيلان بن جامع لم أقف هل سمع من أبي إسحاق قبل أو بعد تغيره] (٣).
стр. 3538
الدليل الرابع:
(١٤٧٨ - ٢٢٠) ما رواه الدارقطني من طريق مبشر بن عبيد، حدثني الحجاج ابن أرطاة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ قالت: مر سراقة بن مالك المدلجي على رسول الله ﷺ فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب.
قال الدارقطني: لم يروه إلا مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث (١).
الدليل الخامس:
(١٤٧٩ - ٢٢١) ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا عبد الباقي بن قانع، أخبرنا أحمد ابن الحسن المضري، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن طاوس،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد، أو ثلاثة أحجار، أو بثلاث حثيات من التراب. قال زمعة: فحدثت به
ابن طاوس، فقال: أخبرني أبي عن ابن عباس بهذا سواء (٢).
[موضوع] (٣).
стр. 3539
الدليل السادس:
من النظر، قالوا: إن النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها، وليس التعبد بالمزيل، ولكن التعبد بالإزالة، فالحجر وما كان مثله أو أنقى منه يحصل به المقصود، وهو طهارة المحل، والله أعلم.
• دليل ابن حزم على وجوب الاقتصار على الماء أو الحجارة:
يرى ابن حزم أن الاستنجاء يقتصر على ما ورد فيه النص، وقد جاء الاستنجاء بالماء في أحاديث كثيرة سوف نسوق ما وقفنا عليه منها في باب الاستنجاء بالماء، وجاء الاستنجاء بالحجارة، وقد ذكرنا ما وقفت عليه منها في باب الاستجمار بالحجارة، ولم يرد النص في الاستنجاء إلا بالماء أو الحجارة، فطلب الاستنجاء بغيرهما لم يدل عليه الدليل، فلا يجوز الاستنجاء به، ولا يرى ابن حزم القياس حتى يقيس على الحجارة غيرها مما يزيل النجاسة، أو ربما يكون أنقى منها في الإزالة.
• ويرد على ابن حزم:
كيف جوزت الاستجمار بالرمل والتراب مع أنه لم يأت به نص، فإن كان الدليل هو الاستجمار بالحجارة، فهذا باب من القياس، وأنت لا ترى القياس، وإن كان
стр. 3540
اتباعًا للدليل فلا أعلم نصًا في السنة في الاستجمار بالرمل والتراب.
واستدل بعضهم من وجه آخر، فقال: إن الاستجمار رخصة، فيقتصر بها على ما ورد (١).
وقال ابن المنذر: «لا نحفظ عن رسول الله شيئًا من الأخبار أنه أمر بالاستنجاء بغير الحجارة، ومن استنجى بالحجارة كما أمر به رسول الله ﷺ فقد أتى بما عليه، وإن استنجى بغير الحجارة، فالذي نحفظ عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: ذلك جائز، والاستنجاء بالحجارة أحوط» (٢).
* * *
стр. 3541
الشرط الخامس
أن يكون الحجر ونحوه منقيًا
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الاستنجاء بما لا ينقي مخالف لمقصود الشارع.
[م-٦٤٦] اشترط الفقهاء أن يكون الحجر أو ما يقوم مقامه منقيًا (١).
لأن المقصود من الاستجمار هو الإنقاء، فالذي لا ينقي لا حاجة إلى الاستجمار به، وعليه:
فقيل: يكره الاستجمار بزجاج، وهو مذهب الحنفية (٢).
стр. 3542
وقيل: لا يجوز الاستجمار بالزجاج، وهو مذهب الجمهور (١).
• علة الكراهة عند الحنفية:
بينا في حكم الاستنجاء أن الحنفية لا يرونه واجبًا، وإنما يرون تركه مكروهًا، فإذا استنجى بأداة لا تنقي بقي حكم الكراهة لم يرتفع، والله أعلم.
• علة النهي عن الاستنجاء بالزجاج:
علل الفقهاء النهي عن الاستنجاء بالزجاج بأمرين:
الأول: أنه لا ينقي، والمقصود من الاستجمار هو الإنقاء، فإذا كان الزجاج لا ينقي المحل كان الاستنجاء به عبثًا.
الثاني: أن الزجاج قد يضر بالمقعدة.
والذي يظهر من التعليل أنه لا يوجد نص في النهي عن الاستنجاء بالزجاج أو بالحجر الأملس، وإذا استنجى به فإن تم المقصود، وأزل عين النجاسة فقد طهر المحل، وإن لم ينق فإنه يكون مطالبًا بالاستنجاء حتى يطهر المحل، والله أعلم.
* * *
стр. 3543
فرع
في تعين الاستنجاء بالماء على من استنجى بالزجاج
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• ما قارب الشيء هل يعطى حكمه؟
• الاستجمار هل هو رخصة، أو عزيمة؟
أو بمعنى آخر:
• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟
وعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (١).
وعلى القول بأنه رخصة:
• هل النجاسة القريبة من محل الاستنجاء، يكفي فيها الاستجمار بالحجارة؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
أو لا بد من غسلها بالماء؛ لأن الرخصة في الاستجمار بالحجارة قاصرة على محل الاستنجاء، دون ما قرب منه؟
[م-٦٤٧] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
стр. 3544
فقيل: إن كان حين استنجى بالزجاج بسط النجاسة بحيث تعدت محلها، فإن الماء يتعين في هذه الحالة، وإلا فتكفيه الحجارة، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢).
وفي مذهب الحنابلة ثلاثة أقوال فيما إذا استجمر بمنهي عنه، ثم استجمر بمباح:
فقيل: لا يجزئ مطلقًا، ويتعين الماء.
وقيل: يجزئ مطلقًا الاستجمار بالحجارة.
وقيل: إن أزال شيئًا أجزأ، وإلا تعين الماء (٣).
وأما من يرى أن الاستجمار مجزئ، ولو تعدت النجاسة مخرجها المعتاد، فإنه ليس بحاجة إلى هذا التفصيل، وهو الراجح، وسوف يأتي الكلام في مسألة مستقلة: خلاف الفقهاء فيما إذا تجاوزت النجاسة مخرجها المعتاد، في بحث: متى يتعين الماء، فانظره إن شئت.
* * *
стр. 3545
الشرط السادس
في اشتراط أن يكون المستجمر به جامدًا
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل، فلم يتعين الحجر.
• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.
• الاستجمار هل هو على خلاف الأصل فيقتصر على الحجارة، أو لا فيقاس عليه غيره؟
وعلى التسليم بأنه ثبت على خلاف القياس، فالصواب أنه يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل إذا كان معللًا (١).
وقيل:
• كل مائع غير الماء لا يدفع النجاسة عن نفسه فلا يدفعها عن غيره.
[م-٦٤٨] اختلف الفقهاء فيما يستجمر به هل يشترط أن يكون جامدًا، أو يجزئ الاستنجاء بكل رطب أو مائع غير الماء؟
стр. 3546
فقيل: يجزئ كل مزيل للنجاسة سواء كان مائعًا أو جامدًا أو رطبًا، وهذا مذهب الحنفية، واختيار ابن تيمية (١).
وقيل: لا يجزئ إلا ما كان جامدًا، أما الرطب والمائع من غير الماء فلا يجزئ الاستنجاء به، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
• دليل الحنفية على إزالة الاستجمار بكل مائع ورطب:
قالوا: إن كل مائع مزيل فإنه يطهر النجاسة، قياسًا على إزالة النجاسة بالماء بناء على أن الطهارة بالماء معلولة بعلة كونه قالعًا لتلك النجاسة، والمائع قالع فهو محصل ذلك المقصود فتحصل به الطهارة.
وقيدوا المائع بكونه مزيلًا ليخرج الدهن والسمن واللبن وما أشبه ذلك؛ لأن الإزالة إنما تكون بأن يخرج أجزاء النجاسة مع المزيل شيئا فشيئًا، وذلك إنما يتحقق فيما ينعصر بالعصر بخلاف الخل وماء الباقلاء الذي لم يثخن فإنه مزيل، وكذا الريق،
стр. 3547
وعلى هذا فرعوا طهارة الثدي إذا قاء عليه الولد ثم رضعه حتى أزال أثر القيء (١)، وكذا إذا لحس أصبعه من نجاسة بها حتى ذهب الأثر، أو شرب خمرًا ثم تردد ريقه في فيه مرارًا طهر (٢) حتى لو صلى صحت صلاته (٣).
• دليل الجمهور على اشتراط الماء أو الجامد:
قالوا: جاءت أحاديث كثيرة في الاستنجاء بالماء (٤)، كما جاءت أحاديث كثيرة بجواز الاستجمار بالحجارة (٥)، قالوا: والأصل في النجاسات كلها أنها لا تزال إلا بالماء، جاء الاستجمار بالأحجار على خلاف الأصل فقبلناه في محله، ولا نتعداه لغيره، فلا نزيل النجاسة بالأحجار إذا كانت النجاسة على غير المخرج، ولا نزيلها بمائع غير الماء لعدم الدليل، بل إن المائع غير الماء قد ينشر النجاسة أكثر؛ لأنه سوف يتنجس المائع بمجرد الملاقاة، فيكون ما يصيب البدن منه يكون نجسًا، والنجس لا يطهر.
• والدليل على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء أدلة كثيرة منها:
قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) [الأنفال: ١١].
وجه الاستدلال:
قال النووي: ذكر الله سبحانه امتنانًا، فلو حصل -يعني التطهير- بغيره لم يحصل الامتنان (٦).
الدليل الثاني:
(١٤٨٠ - ٢٢٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال:
стр. 3548
سمعت أنس بن مالك: قال جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء، فأهريق عليه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ حين أراد تطهير المسجد من بول الأعرابي أمر بالماء لقوله في الحديث: (أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء) فهذا الأمر دال على اختصاص الماء بالتطهير.
الدليل الثالث:
(١٤٨١ - ٢٢٣) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة،
عن أسماء قالت: جاءت امرأة النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه وتصلي فيه، ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أرشد في تطهير الثوب من دم الحيض إلى الماء، ولم يرشد إلى غيره، فتعين الماء لإزالة النجاسة من دم الحيض، لكونه منصوصًا عليه، وباقي النجاسات مقيسة عليه.
• وأجيب عن هذه الأدلة:
بأن هذه الأدلة تدل على أن الماء يزيل النجاسة، وهذا لا إشكال فيه، وهو محل إجماع، لكن ليس فيها دلالة على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء .. وفرق بين المسألتين.
الدليل الرابع:
قالوا: إذا كانت طهارة الحدث لا تكون إلا بالماء مع وجوده، فكذلك إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء.
стр. 3549
وأجيب: بأن القياس على طهارة الحدث قياس مع الفارق.
أولًا: طهارة الحدث من باب فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فمن باب ترك المحضور.
ثانيًا: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافًا للحنفية، بخلاف طهارة الخبث فهي من باب التروك لا تشترط لها النية كترك الزنا والخمر ونحوها.
ثالثًا: طهارة الحدث طهارة تعبدية محضة غير معقولة المعنى، فبدن المحدث وعرقه وريقه طاهر، وأما طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
رابعًا: طهارة الحدث الصغرى تختص بأعضاء مخصوصة، ربما ليس لها علاقة بالحدث، فالحدث: الذي هو البول والغائط موجب لغسل الأعضاء الأربعة الطاهرة، بينما طهارة الخبث تتعلق بعين النجاسة أينما وجدت.
خامسًا: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان على الصحيح بخلاف طهارة الخبث.
• دليل من قال: تزال النجاسة بأي مزيل:
الدليل الأول:
الاستجمار ليس رخصة على خلاف القياس فلا نتعداه إلى غيره، بل يقال: إذا صح الاستجمار بالحجارة صح إزالة النجاسة بأي مزيل قياسًا عليه.
الدليل الثاني:
صح تطهير النعلين بالتراب، وهو غير الماء، وليس في محل الاستجمار،
(١٤٨٢ - ٢٢٤) فقد روى أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن
أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال:
стр. 3550
لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[صحيح] (٢).
وصح تطهير ذيل المرأة بغير الماء، وفي غير محل الاستجمار أيضًا.
(١٤٨٣ - ٢٢٥) روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعني ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:
يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
فسقط دعوى أن إزالة النجاسة في الاستجمار بالحجارة على خلاف القياس، وأنه لا يتعدى فيها محلها، بل تزال النجاسة بأي مزيل كان.
الدليل الرابع:
من النظر، قالوا: إن النجاسة عين خبيثة لها طعم أو لون أو رائحة، والمطلوب إزالة كل ذلك فإذا ذهب طعمها ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها وأصبح المحل طاهرًا. وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 3551
الشرط السابع
ألا يكون المستجمر به حُمَمَة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في العادات الإباحة إلا بدليل.
• الاستجمار عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل.
• الاستجمار عين خبيثة متى زالت زال حكمها.
[م-٦٤٩] وقع خلاف بين الفقهاء في حكم الاستنجاء بالحمم، ومثله الرماد (١).
فقيل: يكره الاستنجاء به، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (٢).
وقيل: لا يجزئ مطلقًا، اختاره العراقيون من الشافعية (٣).
стр. 3552
وقيل: إن كان صلبًا لا يتفتت أجزأ الاستنجاء به، وإن كان رخوًا يتفتت لم يجزئ، اختاره الخرسانيون من الشافعية (١).
وقيل: يجزئ الاستنجاء بالحممة، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
• دليل من قال: بالكراهة أو المنع:
(١٤٨٤ - ٢٢٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، ثنا
ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي،
عن عبد الله بن مسعود، قال: قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة؛ فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقًا. قال: فنهى النبي ﷺ عن ذلك (٣).
[ذكر الحممة شاذة، فحديث ابن مسعود في مسلم وليس فيه إلا العظم
الدليل الثاني:
(١٤٨٥ - ٢٢٧) ما رواه البزار، من طريق أبي الأسود، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن ابن المغيرة -يعني عبيد الله- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يستنجي أحد بعظم أو روثة أو حممة (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
من النظر: قالوا: إن الحممة إن كانت صلبة فقد تسود الجسم، وإن كانت تتفتت فلا يحصل منها الإنقاء المطلوب.
• دليل من قال يجزئ الاستنجاء بالحممة:
الدليل الأول:
لم يثبت نهي عن الاستنجاء بالحممة، والأصل الجواز، فقد نقل عن مالك أنه قال: ما سمعت فيها نهيًا (٣).
стр. 3555
الدليل الثاني:
كونها قد تتفتت هذا لا يكفي دليلًا في المنع، فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى الاستنجاء بالرمل، وهو أكثر نعومة من الفحم إذا تتفتت، ومع ذلك فالرمل ينقي، وكونها قد تسود الجسم، فإنها عين طاهرة لا تنجس البدن حتى يتقى هذا، وقد يحتاج إلى الاستنجاء بها، ويكفي أن الكلام هذا لا يصح أن يكون دليلًا شرعيًا في المنع من الاستنجاء بها.
• الراجح:
إن ثبت النهي عن الاستنجاء بالحممة قلت به، وإن كان النهي غير محفوظ، وهو الظاهر، فالأصل الجواز، والله أعلم.
* * *
стр. 3556
الشرط الثامن أن يكون المستجمر به غير محترم
المبحث الأول الاستنجاء بالكتب الشرعية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ما يؤدي إلى إضاعة المال سوى الماء والحجارة في الاستنجاء فالمسلم منهي عنه.
• كل محترم غير الماء سواء كان لشرفه، أو لكونه مطعومًا أو لتعلق حق الغير به لا يجوز الاستنجاء به.
[م-٦٥٠] لا يستنجي بالكتب الشرعية، وهل هو على التحريم أو الكراهة خلاف؟
فقيل: يكره، ويجزئ، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يحرم ويجزئ، وهو مذهب المالكية (٢).
стр. 3557
وقيل: يحرم ولا يجزئ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
• تعليل الكراهة أو المنع:
قالوا: إن الكتب الشرعية يجب احترامها، لما فيه من علم محترم، والاستنجاء بها إهانة، وهذا منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية تعتبر من المال، فهي لها قيمة شرعًا، والاستنجاء بها إفساد لهذا المال، وإفساد الأموال منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية لا تخلو من أسماء الله ومن أحاديث شريفة يجب توقيرها، ولا يجوز إهانتها.
وقياسًا على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم، فإذا كان زاد الأبدان منهيًا عنه، فكذلك زاد الأرواح من العلوم الشرعية.
والكراهة التي عند الحنفية لا يبعد أن تكون كراهة تحريم، لا كراهة تنزيه.
• تعليل من قال: إن استنجى بها، فأنقى أجزأ:
قالوا: إن النجاسة قد زالت، فلا يمكن أن نحكم للمحل بالنجاسة وقد زالت عين النجاسة، والتحريم والصحة غير متلازمين، خاصة أن النهي عن الاستنجاء بها لمعنى آخر وهو احترام ما فيها، فكما نصحح الصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في الثوب المسروق؛ لأن النهي ليس عائدًا للصلاة، وإنما لوصف الغصب والسرقة،
стр. 3558
وهذا لا يختص بالصلاة، فكذلك الاستنجاء بالكتب الشرعية، والله أعلم.
• تعليل من قال: لا يجزئ:
الدليل الأول:
أن الاستجمار بغير الماء رخصة؛ لأن الأصل أن الاستنجاء يكون بالماء وحده، والرخصة لا تستباح بمعصية.
الدليل الثاني:
أن هذا مخالف لأمر الله ورسوله، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فإذا صححنا الفعل المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ ، ولأن تصحيح الفعل المحرم فيه تشجيع على فعله، بخلاف ما إذا جعل لغوًا، فهذا يحمله على تركه.
(١٤٨٦ - ٢٢٨) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
وقد سبق أن نقلنا كلام ابن القيم في شرحه لقوله: فهو رد. وأن الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه ردًا أبلغ من كونه باطلًا، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جدًا، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئًا ولم يترتب عليه مقصوده أصلًا (٢).
• الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بتحريم الاستجمار بالكتب الشرعية هو القول الراجح، وإذا
стр. 3559
خالف فعليه التوبة وعدم العود إلى هذا الفعل، مع الإجزاء، وقولهم: إن الاستنجاء بغير الماء رخصة، والرخصة لا تستباح بالمعصية غير مسلم لا في مقدمتها ولا في نتيجتها، أما المقدمة: وهو قولهم: إن الاستجمار رخصة، فنقول: الصحيح أن الاستجمار ليس برخصة، وأن النجاسة إذا زالت بأي مزيل زال حكمها، وقد ناقشنا هذا في مسألة مستقلة، وقدمت أدلة كثيرة على إزالة النجاسة بغير الماء، فإذا لم تصح المقدمة لم تسلم النتيجة، وعلى فرض أن تكون المقدمة صحيحة فلا نسلم النتيجة، وأن الرخصة لا تستباح بمعصية، بل الرخصة إذا حصل سببها أبيحت، ففي المسح على الخفين يمسح المسافر مطلقًا سواء كان المسافر في سفر طاعة أم معصية، وكذلك يقصر الصلاة ويفطر في رمضان؛ لأن النصوص مطلقة غير مقيدة، ولا يقيد النص الشرعي إلا نص مثله، وقد ناقشت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتابي المسح على الحائل، فليراجعه من شاء، والله أعلم.
* * *
стр. 3560
المبحث الثاني ألا يكون المستنجى به مطعومًا
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل محترم غير الماء سواء كان لشرفه، أو لكونه مطعومًا، أو لتعلق حق الغير به، لا يجوز الاستنجاء به.
• النهي عن الاستنجاء بما هو طعام للجن ودوابهم تنبيه على ما هو أعلى منه من النهي عن الاستنجاء بطعام الآدمي ودوابه.
[م-٦٥١] ذهب الأئمة الأربعة إلى تحريم الاستنجاء بالطعام.
وإذا خالف واستنجى أجزأه إذا حصل الإنقاء عند الحنفية والمالكية.
وقيل: لا يجزئ، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١).
стр. 3561
ومثل طعام الآدمي طعام البهيمة فلا يستنجي به (١).
• دليل المنع من الاستنجاء بالطعام:
الدليل الأول:
(١٤٨٧ - ٢٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال:
سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (٢).
وجه الاستدلال:
إذا نهى الشارع عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام الجن وطعام دوابهم، فالنهي عن طعام الإنس وطعام دوابهم من باب أولى.
الدليل الثاني:
أن الاستنجاء بالطعام مناف لشكر النعمة وتعظيمها، وعدم امتهانها، وقد ينتفع
стр. 3562
بها حيوان أو طير أو غيرهما من دواب الأرض، وعلى هذا ما يفعله بعض الناس من وضع بقايا الطعام مع حفائظ الأطفال المتنجسة، ودفعها على عمال النظافة واختلاطها بها من المنكر الذي يجب الابتعاد عنه شكرًا لنعمة الله، وحرصًا على المحافظ عليها.
وأما أدلة الخلاف هل يجزئ فيما لو خالف واستنجى بطعام وأنقى المحل فانظره في المسألة التي قبل هذه، وهي الاستنجاء بالكتب الشرعية؛ فإن الأدلة فيها واحدة، بجامع أن كلا منهما محترم شرعًا.
والراجح في هذه المسألة هو ما رجحته في المسألة التي قبل هذه، من صحته مع الإثم، والله أعلم.
* * *
стр. 3563
المبحث الثالث أن يكون المستنجى به مباحًا
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل محترم غير الماء سواء كان لشرفه، أو لكونه مطعومًا أو لتعلق حق الغير به لا يجوز الاستنجاء به.
• هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا؟
• هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟
• النهي عن الشيء لمعنى في غيره هل يقتضي فساده.
• تحريم الغصب خطاب تكليفي، هل يكون له أثر على صحة الطهارة، وهي خطاب وضعي.
[م-٦٥٢] تارة يطلق المباح في مقابلة المحرم، وتارة يطلق المباح ويراد به غير المملوك، وهو المقصود به هنا.
فالجمهور على صحة الاستنجاء بالمغصوب (١).
стр. 3564
واختار الحنابلة بأنه لا يصح الاستجمار بشيء مغصوب كورق وحجر ونحوها، قال المرداوي: وهو من المفرادت (١).
• دليل اشتراط الإباحة:
الدليل الأول:
قالوا: إن الاستجمار رخصة، والرخص لا تسباح بمحرم.
والشيء المغصوب كسبه محرم بالاتفاق،
(١٤٨٨ - ٢٣٠) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة،
عن أبي بكرة ذكر النبي ﷺ قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (٢).
الدليل الثاني:
إذا صححنا الاستجماء بالمغصوب فقد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ .
(١٤٨٩ - ٢٣١) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣).
стр. 3565
ومعنى رد: أي مردود عليه، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ .
قال ابن حزم ﵀: «من توضأ بماء مغصوب، أو أخذ بغير حق، أو اغتسل به، أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام، وبضرورة يدري كل ذي حس سليم أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمر الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه. ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره، أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء بسواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه. وليس هذا قياسًا، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعالى وقد قال رسول الله ﷺ : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. وكل هؤلاء عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم النبي ﷺ » (١).
• ويجاب عن كلام ابن حزم:
أن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع؛ ولأن النهي ليس بسبب الطهارة، وإنما عائد إلى أمر خارج، وهو الغصب.
стр. 3566
وأما القياس على صيام أيام الفطر فلا يصح، ذلك أن النهي عائد في الصيام إلى ذات العبادة، فلا يصح صومه فيها، بخلاف الاستجمار بالمغصوب، فالنهي ليس عائدًا إلى الطهارة، وإنما هو إلى أمر خارج، وهو الغصب.
وأما القياس على ما إذا وجب عليه طعام فأطعم المساكين طعام غيره، فإن كان الطعام قد تصرف فيه المساكين فيصح إطعامه لهم، ويستقر عليه الضمان، ولا فائدة من القول بأنه لا يصح إطعامه إياهم مع القول بجوب ضمانه؛ لأنه بضمانه ما دفع قد ملك هذا الطعام، فصح إخراجه إياه، وأما الإعتاق فلا يملكه، ولا يكون العبد حرًا، فعتقه إياه كعدمه؛ لأنه لم يصادف ملكًا، فالعبد باق على ملك صاحبه، وتبقى ذمته مطالبة بالإعتاق، والله أعلم.
وانظر بقية الأقوال وأدلتها ومناقشتها في باب المياه، في الوضوء بالماء المحرم.
* * *
стр. 3567
المبحث الرابع ألا يكون المستنجى به حيوانًا
الفرع الأول الاستنجاء بشيء من الحيوان متصلً به
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• حرمة الحيوان بمنع إيلامه، لا بمنع ابتذاله بخلاف المطعوم.
• تنجس بدن الحيوان في مقابلة منفعة الآدمي لا يوجد ما يمنع منها مع الحاجة.
وقيل:
• النهي عن الأدنى يتضمن النهي عن الأعلى.
• النهي عن الاستنجاء بطعام دواب الجن تنبيه على النهي عن الاستنجاء بحيوان الآدمي من باب أولى؛ لأنه أشد حرمة.
[م-٦٥٣] اختلف الفقهاء في الاستنجاء بشيء متصل بالحيوان كالذنب والصوف والأذن ونحوها:
فقيل: يكره الاستجمار بشيء متصل بحيوان، وهو مذهب المالكية (١).
стр. 3568
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بها، وعليه أكثر الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يصح الاستجمار بما اتصل بالحيوان، واختاره الماوردي والشاشي من الشافعية (٣)، والأزجي من الحنابلة (٤).
• دليل من حرم الاستنجاء بما هو متصل بحيوان:
الدليل الأول:
قالوا: إن الحيوان محترم فأشبه الاستنجاء بالطعام.
الدليل الثاني:
القياس على النهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فإذا كان قد نهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فالاستنجاء بها أولى بالنهي.
• دليل من قال: بالجواز:
الدليل الأول:
قالوا: الأصل الجواز، ومن منع كلف الدليل، وقد نهي عن الاستنجاء بالروث والعظام، ولم يأت نهي عن الاستنجاء بالحيوان.
стр. 3569
الدليل الثاني:
قالوا: إن حرمة الحيوان بمنع إيلامه، لا منع ابتذاله بخلاف المطعوم.
الدليل الثالث:
إذا صححنا الاستنجاء بالشعر والصوف إذا جز من الحيوان، صح الاستنجاء بهما وهما على الحيوان، غاية ما هنالك أن الحيوان قد تنجس، وتنجس بدن الحيوان في مقابلة منفعة الآدمي لا يمنع منها.
• دليل من قال: يكره الاستنجاء بالحيوان:
قال: إن في الاستنجاء به تنجيسًا لبدن الحيوان الطاهر، وتنجيسه بلا حاجة مكروه.
• الراجح:
جواز الاستنجاء به إذا احتاج إليه الإنسان كما لو لم يجد بقربه إلا ذيل حيوان طاهر، لكن مع الحاجة قد يتجه القول بأنه خلاف الأولى، والله أعلم.
* * *
стр. 3570
الفرع الثاني الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الاستنجاء عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة، لا بالمزيل.
• النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها.
الكلام في الاستنجاء بالجلد يرجع إلى مسألتين سبق بحثهما:
الأولى: اشتراط طهارة المستنجى به، وقوله في الروث إنها ركس.
وعليه جاء التفريق بين المدبوغ وغيره على القول بأن الدباغ يطهر.
وأما على القول بأن الدباغ لا يطهر نجس العين، فهل منع الاستجمار بالنجس مطلقًا، أو أن المنع خاص بالنجاسة التي تتعدى؟
المسألة الثانية: هل تشترط الحجارة في الاستجمار، أو يجوز الاستجمار بكل مطهر منق، ولو كان من غير الحجارة؟
[م-٦٥٤] إذا علم ذلك أقول: اختلف الفقهاء في الاستنجاء بالجلد.
فقيل: يجوز بالجلد المدبوغ دون غيره، وهو المشهور من مذهب الشافعية (١).
стр. 3571
وقيل: يجوز بالجلد مطلقًا مدبوغًا كان أو غير مدبوغ، وهو قول في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: لا يجوز إن كان مذكى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: لا يجوز إن كان مدبوغًا (٥).
• وجه من قال: يجوز بالجلد إن كان مدبوغًا:
قال: بالدباغ خرج الجلد من كونه من اللحوم إلى كونه من الثياب، والاستنجاء بالثياب جائز.
ثم إن الدباغ مطهر له على الراجح، فيكون الاستنجاء بجلد طاهر منق أشبه الاستنجاء بالخزف.
• وجه من قال: لا يستنجى به إن كان غير مدبوغ:
إن كان من ميتة فمانع الاستنجاء به هو النجاسة، والاستنجاء بالنجس عنده لا يجوز، وقد ناقشت هذه المسألة في مبحث مستقل، وهو اشتراط طهارة ما يستنجى به، فليراجع.
وإن كان من حيوان مذكى فإنه رطب، فينشر النجاسة، ولا يزيلها، وقد ذكرنا في مبحث مستقل هل يشترط أن يكون جامدًا، والجمهور على اشتراطه، والصحيح خلافه.
стр. 3572
• دليل من قال: يشترط أن يكون مذكى:
من اشترط أن يكون مذكى حتى يخرج من كون الجلد نجسًا؛ لأن النجس عنده لا يطهر، والصحيح أن النجس إن كان منقيًا جاز الاستجمار به، إلا العظم والروث.
• دليل من قال بالجواز مطلقًا:
قال: إن المقصود هو الإنقاء، فإذا أنقى الجلد وطهر المحل حكمنا بطهارة المحل، سواء كان الجلد مدبوغًا أم غير مدبوغ.
• والراجح:
جواز الاستنجاء به مطلقًا، ولا يوجد دليل يمنع من الاستنجاء به. وعلى فرض أن يكون الاستنجاء به ينجسه، فإن تنظيفه ممكن، كما لو وقع على الثوب نجاسة، والله أعلم.
* * *
стр. 3573
الفرع الثالث ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• منع الأدنى تنبيه على منع الأعلى.
[م-٦٥٥] لا يبول على ما منع الاستنجاء به لحرمته: كالروث والعظم والطعام (١).
• وجه القول بالمنع:
إذا نهي عن الاستنجاء به، فالبول عليه من باب أولى، وهذا ما يسميه الفقهاء بالقياس الجلي.
* * *
стр. 3574
الباب الخامس في ما يستنجى منه
الفصل الأول في الاستنجاء من البول والغائط
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الحكم بنجاسة شيء، وما يوجبه متلقى من الشارع، لا من النظر.
• المني طاهر على الصحيح ويوجب الغسل والبول نجس بالإجماع ويوجب الوضوء.
• كل شيء يجب الاستنجاء منه فهو نجس كالبول والمذي.
[م-٦٥٦] أجمع العلماء على مشروعية الاستنجاء من البول والغائط، بالماء أو بالأحجار على خلاف بينهم هل هو واجب أو مستحب -على التفصيل المذكور في حكم الاستنجاء- وذلك للإجماع على نجاسة البول والغائط، وقد نقل الإجماع على نجاستهما خلق كثير من العلماء:
منهم الطحاوي والسرخسي والعيني وعلي القارئ، وابن عبد البر وابن جزي وابن رشد، وابن المنذر والنووي والخطابي وابن تيمية وغيرهم، وإليك النقول عنهم:
стр. 3575
قال الطحاوي: لحوم بني آدم قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة (١).
وقال العيني: «بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد» (٢).
وقال علي القاري: «قال أبو حنيفة: لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول؛ أي لأنه نجس متفق عليه، والوضوء بالمني؛ لأنه نجس مختلف فيه» (٣).
وقال ابن عبد البر: «أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس» (٤).
وقال ابن رشد: «وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربع ... وذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه» (٥).
وقال ابن جزي: «وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا».
وقال أيضًا: «النجاسات المجمع عليها في المذاهب اثنتا عشرة: بول ابن آدم الكبير ورجيعه» (٦).
وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على إثبات نجاسة البول» (٧).
وقال النووي: «فأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم، ودليله الأحاديث السابقة مع الإجماع» (٨).