وقيل: يجوز بالجلد مطلقًا مدبوغًا كان أو غير مدبوغ، وهو قول في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: لا يجوز إن كان مذكى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: لا يجوز إن كان مدبوغًا (٥).
• وجه من قال: يجوز بالجلد إن كان مدبوغًا:
قال: بالدباغ خرج الجلد من كونه من اللحوم إلى كونه من الثياب، والاستنجاء بالثياب جائز.
ثم إن الدباغ مطهر له على الراجح، فيكون الاستنجاء بجلد طاهر منق أشبه الاستنجاء بالخزف.
• وجه من قال: لا يستنجى به إن كان غير مدبوغ:
إن كان من ميتة فمانع الاستنجاء به هو النجاسة، والاستنجاء بالنجس عنده لا يجوز، وقد ناقشت هذه المسألة في مبحث مستقل، وهو اشتراط طهارة ما يستنجى به، فليراجع.
وإن كان من حيوان مذكى فإنه رطب، فينشر النجاسة، ولا يزيلها، وقد ذكرنا في مبحث مستقل هل يشترط أن يكون جامدًا، والجمهور على اشتراطه، والصحيح خلافه.
стр. 3572
• دليل من قال: يشترط أن يكون مذكى:
من اشترط أن يكون مذكى حتى يخرج من كون الجلد نجسًا؛ لأن النجس عنده لا يطهر، والصحيح أن النجس إن كان منقيًا جاز الاستجمار به، إلا العظم والروث.
• دليل من قال بالجواز مطلقًا:
قال: إن المقصود هو الإنقاء، فإذا أنقى الجلد وطهر المحل حكمنا بطهارة المحل، سواء كان الجلد مدبوغًا أم غير مدبوغ.
• والراجح:
جواز الاستنجاء به مطلقًا، ولا يوجد دليل يمنع من الاستنجاء به. وعلى فرض أن يكون الاستنجاء به ينجسه، فإن تنظيفه ممكن، كما لو وقع على الثوب نجاسة، والله أعلم.
* * *
стр. 3573
الفرع الثالث ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• منع الأدنى تنبيه على منع الأعلى.
[م-٦٥٥] لا يبول على ما منع الاستنجاء به لحرمته: كالروث والعظم والطعام (١).
• وجه القول بالمنع:
إذا نهي عن الاستنجاء به، فالبول عليه من باب أولى، وهذا ما يسميه الفقهاء بالقياس الجلي.
* * *
стр. 3574
الباب الخامس في ما يستنجى منه
الفصل الأول في الاستنجاء من البول والغائط
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الحكم بنجاسة شيء، وما يوجبه متلقى من الشارع، لا من النظر.
• المني طاهر على الصحيح ويوجب الغسل والبول نجس بالإجماع ويوجب الوضوء.
• كل شيء يجب الاستنجاء منه فهو نجس كالبول والمذي.
[م-٦٥٦] أجمع العلماء على مشروعية الاستنجاء من البول والغائط، بالماء أو بالأحجار على خلاف بينهم هل هو واجب أو مستحب -على التفصيل المذكور في حكم الاستنجاء- وذلك للإجماع على نجاسة البول والغائط، وقد نقل الإجماع على نجاستهما خلق كثير من العلماء:
منهم الطحاوي والسرخسي والعيني وعلي القارئ، وابن عبد البر وابن جزي وابن رشد، وابن المنذر والنووي والخطابي وابن تيمية وغيرهم، وإليك النقول عنهم:
стр. 3575
قال الطحاوي: لحوم بني آدم قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة (١).
وقال العيني: «بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد» (٢).
وقال علي القاري: «قال أبو حنيفة: لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول؛ أي لأنه نجس متفق عليه، والوضوء بالمني؛ لأنه نجس مختلف فيه» (٣).
وقال ابن عبد البر: «أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس» (٤).
وقال ابن رشد: «وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربع ... وذكر منها: بول ابن آدم ورجيعه» (٥).
وقال ابن جزي: «وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا».
وقال أيضًا: «النجاسات المجمع عليها في المذاهب اثنتا عشرة: بول ابن آدم الكبير ورجيعه» (٦).
وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على إثبات نجاسة البول» (٧).
وقال النووي: «فأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم، ودليله الأحاديث السابقة مع الإجماع» (٨).
стр. 3576
وقال أبو الخطاب: «البول مجمع على نجاسته» (١).
وحكى الإجماع الزركشي في شرحه (٢).
وقال ابن تيمية: «قد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار» (٣).
وجاءت أحاديث كثيرة تدل على نجاسة البول، منها:
(١٤٩٠ - ٢٣٢) ما رواه البخاري من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (٤).
فظاهر الحديث أن ترك الاستنجاء كبيرة من كبائر الذنوب، كيف والطهارة تتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، ألا وهي الصلاة.
(١٤٩١ - ٢٣٣) وروى البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
أن أبا هريرة قال: قام أعرابي، فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين (٥).
وجاء قصة بول الأعرابي من مسند أنس في الصحيحين (٦).
стр. 3577
(١٤٩٢ - ٢٣٤) وروى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه، ورواه مسلم (١).
* * *
стр. 3578
الفصل الثاني
في الاستنجاء من المذي
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الحكم بنجاسة شيء وما يوجبه متلقى من الشارع، لا دخل للنظر فيه.
• كل شيء يجب الاستنجاء منه فهو نجس، كالبول، والمذي.
• الأمر بالغسل دليل على الإجزاء به، لا على حصر الإجزاء به.
[م-٦٥٧] ذهب الأئمة الأربعة إلى مشروعية الاستنجاء من المذي على خلاف بينهم هل يجب الماء، أو تكفي الحجارة؟
فقيل: يجب غسل موضع الحشفة فقط، وهو مذهب الحنفية (١) والشافعية (٢)، ونسبه النووي للجمهور (٣)، ورجحه ابن عبد البر (٤).
وقيل: يجب غسل الذكر كله، ولا يجزئ الأحجار في المذي، وعليه أكثر أصحاب مالك (٥).
стр. 3579
وقيل: يجب غسل الذكر كله مع الأنثيين، وهو مذهب الحنابلة، وذكروه من المفردات (١)، وهو مذهب ابن حزم (٢).
وقيل: يجزئ الاستجمار، وهو قول في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (٤).
• أما الدليل على مشروعية الاستنجاء من المذي:
حكي الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء.
قال ابن عبد البر: «وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته» (٥).
وقال النووي: «أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي» (٦).
وسبق لنا أن الإمام أحمد في رواية عنه يرى أن المذي طاهر، فالخلاف محفوظ، لكنه خلاف شاذ.
• دليل من قال: يغسل موضع الحشفة:
(١٤٩٣ - ٢٣٥) ما رواه مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية وهشيم، عن
стр. 3580
الأعمش، عن منذر بن يعلى -ويكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية،
عن علي قال كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ، ورواه البخاري بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن من غسل مخرج المذي من الذكر يصدق عليه أنه غسل ذكره، وليس المقصود غسل الذكر كله.
الدليل الثاني:
أن ابن عباس تارة يقول: (يغسل ذكره) وتارة يقول: (يغسل حشفته) فدل على أن مراده بقوله: (يغسل ذكره) أي الحشفة، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره؛ لأنه عربي قح لم تدخل لسانه العجمة، وهو ممن روى عن علي حديث غسل الذكر من المذي، فلو كان يقتضي ذلك غسل الذكر كله لكان ابن عباس أولى بفهم ذلك من غيره، كما أن ابن عباس لم يذكر غسل الأنثيين، فلو كان غسل الأنثيين محفوظًا من حديث علي لقال به، خاصة أنه كما قلنا: ممن روى عن علي حديثه في طهارة المذي، وإليك تخريج الروايات التي جاءت عن ابن عباس.
(١٤٩٤ - ٢٣٦) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس .. من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ (٢).
[إسناده صحيح].
وهذا يفسر ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،
стр. 3581
عن ابن عباس، قال: ... فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (١).
[إسناده صحيح] (٢).
فصار مقصود ابن عباس بقوله: يغسل ذكره، أي: يغسل حشفته.
الدليل الثالث:
من النظر، قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: رأينا خروج المذي حدثًا، فأردنا أن ننظر في خروج الأحداث ما الذي يجب به؟ فكان خروج الغائط يجب به غسل ما أصاب البدن منه، ولا يجب غسل ما سوى ذلك إلا التطهر للصلاة، وكذلك خروج الدم في أي موضع خرج -في قول من جعل ذلك حدثًا- فالنظر على ذلك أن يكون كذلك خروج المذي، الذي هو حدث، ولا يجب غسل غير الموضع الذي أصاب
стр. 3582
من البدن غير التطهر للصلاة، فثبت ذلك أيضًا بما ذكرنا من طريق النظر، وهذا قول
أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى (١).
• دليل من قال: يجب غسل ذكره كله ولا يكفي الاستجمار:
(١٤٩٥ - ٢٣٧) ما رواه البخاري من طريق زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن،
عن علي قال كنت رجلًا مذاءً فأمرت رجلًا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال توضأ واغسل ذكرك (٢).
فقوله ﷺ : اغسل ذكرك، حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر.
فيغسل مخرج الذكر من أجل النجاسة، أما بقية الذكر فهل غسله تعبدي غير معقول المعنى، بحيث يحتاج الأمر إلى نية؟ أو غسله من أجل قطع مادة المذي، فهو كغسل النجاسات، لا يفتقر إلى نية، قولان في مذهب مالك (٣).
وقوله في الحديث: (يغسل ذكره) دليل على أن الاستجمار لا يكفي، قال ابن
عبد البر: «وليس في أحاديث المذي على كثرتها ذكر الاستجمار» (٤).
وقال ابن دقيق العيد: «الحديث دليل على تعين الماء فيه دون الأحجار؛ لأن ظاهره يعين الغسل، والمعين لا يقع الامتثال إلا به» (٥).
стр. 3583
• دليل من قال: يغسل ذكره وأنثييه:
الدليل الأول:
(١٤٩٦ - ٢٣٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة،
عن أبيه: قال: قال علي كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ (١).
[إسناده منقطع، وذكر غسل الأنثيين ليس محفوظًا] (٢).
الدليل الثاني:
(١٤٩٧ - ٢٣٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حزام ابن حكيم،
عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وإنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة (١).
[ضعيف] (٢).
• دليل من قال: يجزئ الاستجمار بالحجارة:
الدليل الأول:
القياس على البول، بجامع أن كلًا منهما سائل نجس، خرج من مخرج واحد، فإذا ثبتت الطهارة من البول بالحجارة ثبتت الطهارة بالحجارة من المذي، ولا فرق، ولا يجمع الشارع بين متفرقين، ولا يفرق بين متماثلين.
стр. 3589
الدليل الثاني:
أن الماء لا يتعين في إزالة النجاسات، فالنجاسة تزال بأي مزيل كان سواء كانت النجاسة مذيًا أم بولًا أم غائطًا أم غيرها من النجاسات، وقد دلت أحاديث كثيرة على اعتبار التطهير بغير الماء، أسوق منها:
تطهير ذيل المرأة، وتطهير النعل، وتطهير دم الحيض، وغيرها من النجاسات.
(١٤٩٨ - ٢٤٠) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعني ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:
يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (١).
[صحيح] (٢).
стр. 3590
(١٤٩٩ - ٢٤١) ومنها ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[صحيح] (٢).
стр. 3591
(١٥٠٠ - ٢٤٢) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:
قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فقصعته بظفرها (١).
стр. 3592
الدليل الثالث:
من النظر: أن النجاسة عين خبيثة لها طعم، أو لون، أو رائحة. والمطلوب هو إزالة كل ذلك، فإذا ذهب طعمها، ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها، وأصبح المحل طاهرًا، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
هذا ما وقفت عليه من أدلة كل قول، والحق أن غسل الأنثيين لا يثبت الأمر فيه، وأحاديث الصحيحين ليس فيها غسل الأنثيين، وأما هل تكفي الحجارة أم لا؟ فالحديث نص على الماء، فمن عمل به، فهو أسعد بالدليل، ومن طهره بغيره، فالقياس جوازه، والله أعلم.
* * *
стр. 3593
الفصل الثالث
في الاستنجاء من الودي
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل شيء يوجب الاستنجاء منه فهو نجس كالبول والمذي.
• الأمر بالغسل دليل على الاجتزاء به، لا على حصر الإجزاء به.
[م-٦٥٨] الودي نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: طاهر، وهو رواية عن أحمد (٢).
وعلى القول بنجاسته، فهل يجب الماء في الاستنجاء منه، أم يكفي فيه الحجارة؟ اختلف الفقهاء،
стр. 3594
فقيل: يجب منه ما يجب من البول، وهو قول الجمهور (١).
وقيل: لا بد من الماء في إزالته، وهو قول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب
стр. 3595
الشافعية (١).
• دليل من قال: يتعين الماء:
الدليل الأول:
(١٥٠١ - ٢٤٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري،
عن علي قال: كنت رجلا مذاء، وكانت تحتي بنت رسول الله ﷺ ، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلًا فسأله فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل (٢).
[رجاله ثقات إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ] (٣).
стр. 3596
الدليل الثاني:
(١٥٠٢ - ٢٤٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (١).
[صحيح] (٢).
• دليل من قال: يكفي فيه الاستجمار:
ذكرنا أدلتهم في باب الخلاف في الاستنجاء من المذي، فارجع إليها إن شئت، فلا داعي لإعادتها هنا، والله أعلم.
• دليل من قال: إن الودي طاهر:
قالوا: لا نعلم في الكتاب، ولا في السنة المرفوعة نصًا بأن الودي نجس، وإذا كان كذلك فالأصل طهارته، ولا يكفي في كونه يخرج من مخرج البول حتى يعطى حكمه، فهذا المني يخرج من نفس المخرج، ومع ذلك فهو طاهر، وإذا كان يخرج عقب البول، كان الاستنجاء منه بسبب البول، لا بسببه.
قلت: لا شك أن أكثر الأقوال على أن الودي يخرج عقب البول، لكن قال بعض
стр. 3597
الفقهاء أن خروج الودي بعد البول غالب لا دائم، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب (١).
* * *
стр. 3598
الفصل الرابع
في الاستنجاء من المني
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الأشياء الطهارة.
• كل شيء لم نؤمر بغسله، لا يجب الاستنجاء منه.
• غسل المني مجرد فعل لا يدل على الوجوب، ولم يصح في الأحاديث الأمر بغسله.
• المني أصل الآدمي فكان طاهرًا كالتراب.
وقيل:
• لا يعتبر الشيء بفرعه فالمني كالعلقة أصل الحيوان الطاهر، وهما نجسان.
• وسبب الخلاف:
تردد المني بين أن يشبه بالأحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة كالعرق ونحوه:
فمن حمل الغسل، وهو مجرد فعل على النظافة، واستدل من الفرك على الطهارة وعلى أصله في أن الفرك لا يطهر المتنجس ألحقه بالعرق فلم يره نجسا.
ومن رجح حديث الغسل على الفرك، وفهم منه النجاسة، أو كان من أصله أن النجاسة تزول بالفرك قال: الفرك يدل على نجاسته كما يدل الغسل.
стр. 3599
[م-٦٥٩] إذا علم ذلك نأتي إلى تحرير الأقوال بأدلتها:
اختلف العلماء في الاستنجاء من المني لاختلافهم في طهارته.
فقيل: يستنجي منه إن كان رطبًا بكل مائع مزيل (١)، ولا يكفي الاستجمار بالحجارة، وإن كان يابسًا ففيه قولان في مذهب الحنفية:
فقيل: يكفي فركه، اختاره الكرخي من الحنفية.
وقيل: لا يكفي بل لا بد من غسله، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٢).
стр. 3600
وقيل: يتعين الماء وحده، ولا يجزئ الفرك، اختاره أبو يوسف من الحنفية (١)،
وهو مذهب المالكية (٢).
وقيل: لا يستنجي منه بناء على أن المني طاهر، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)،
стр. 3601
ورجحه ابن حزم (١).
• دليل من قال يستنجى من المني وأنه نجس:
الدليل الأول:
(١٥٠٣ - ٢٤٥) ما رواه البخاري من طريق سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،
أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري ومسلم واللفظ للأول (٢).
قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (٣).
стр. 3602
الدليل الثاني:
الأدلة الدالة على نجاسة المني، وإذا كان نجسًا كان الاستنجاء منه مشروعًا، ومن هذه الأدلة.
(١٥٠٤ - ٢٤٦) ما رواه أبو يعلى من طريق ثابت بن حماد أبي زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،
عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت، فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
(١٥٠٥ - ٢٤٧) ومنها أيضًا ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريبًا من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر بن الخطاب: واعجبًا لك يا عمرو ابن العاص، لئن كنت تجد ثيابًا أفكل الناس يجد ثيابًا؟ والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (١).
[إسناده منقطع] (٢).
وجه الاستدلال:
قال الباجي: قوله (فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر) يريد أنه تتبع ما كان في ثوبه من المني حتى أسفر الصبح، رأى أن تطهير ثوبه الذي هو فرض، أولى من مبادرة أول الوقت الذي هو أفضل، وهذا يدل على نجاسة المني؛ لأن اشتغاله به وتتبعه له حتى ذهب أكثر الوقت وخيف عليه من ضيقه، وأنكر عليه عمرو بن العاص التأخير، وأمره باستبدال ثوب دليل على نجاسة الثوب عندهم، ولو لم يكن نجسًا عندهم لما اشتغل عمر بغسله، ولو اشتغل به لقيل له: تشتغل عن الصلاة بإزالة ما لم تلزم إزالته (٣).
стр. 3605
• ويجاب:
ربما كان مصحوبًا بمذي، فغسله من أجل ذلك، وقد كان يفرك من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه.
(١٥٠٦ - ٢٤٨) ومنها ما استدل به فقهاء الحنفية مما يروى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: إذا وجدت المني رطبًا فاغسليه، وإذا وجدته يابسًا فحتيه.
[لا أصل له] (١).
(١٥٠٧ - ٢٤٩) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا
عبد الله، قال: أخبرنا عمرو بن ميمون الجزري، عن سليمان بن يسار،
عن عائشة قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه. ورواه مسلم بنحوه (٢).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن غسل المني دليل على نجاسته؛ لأن الطاهر لا يطهر، ولا يقال: إن غسله للنظافة؛ لأن الأصل في الغسل أنه للنجاسة، إذ هي المأمور بغسلها.
• وتعقب هذا:
بأن عائشة ﵂ كانت تفركه يابسًا، ولا تغسله، فلو كان نجسًا لما اكتفت بفركه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا مجرد فعل من عائشة، وفعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، فكيف بفعل غيره، ثم إن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق وكل ما يستقذر، ولا يكون هذا كافيًا في الدلالة على نجاسته.
стр. 3606
الدليل الخامس:
(١٥٠٨ - ٢٥٠) ما رواه مسلم من طريق أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود،
أن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه.
وجه الاستدلال:
قال القرطبي: وهذا من عائشة يدل على أن المني نجس، وأنه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنها قالت: إنما: وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه قولها: فإن لم تر نضحت حوله، فإن النضح إنما مشروعيته حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁، حيث أصبح يغسل جنابة من ثوبه، فقال: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر (١).
فإن قيل: ألم تقل: ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، فيصلي فيه، ألا يدل هذا على طهارته؟
قيل: لا يدل؛ لأن النجاسة تزال بأي مزيل، والفرك في حق النجاسة اليابسة كاف في تطهيرها، كما كانت طهارة النعل بدلكه في الأرض، وسنذكره إن شاء الله مخرجًا في أدلة القول الثاني.
الدليل الثالث:
قالوا: إن المني فضلة مستحيلة عن الغذاء، يخرج من مخرج البول، فكانت نجسة كالبول، ولا يرد علينا البصاق والمخاط والدمع والعرق؛ لأنها لا تخرج من مخرج البول (٢).
стр. 3607
• وأجيب:
بأن حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء، أو للخروج من مخرج البول، أو لمجموع الأمرين:
فالأول باطل؛ إذ مجرد استحالة الفضله عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها، كالدمع والمخاط والبصاق.
وإن كان لخروجه من مخرج البول، فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه، لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه، وهو فاسد؛ فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة، وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال، ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه ومقره، وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين، والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحيلة عن الغذاء تنقسم إلى:
طاهر: كالبصاق والعرق والمخاط.
ونجس: كالبول والغائط، فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة، ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث وجودا وعدمًا فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار، تنفر منهما النفوس، وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن، فلا يلحق المني بالبول والغائط بل يلحق بالمخاط والبصاق (١).
الدليل الرابع:
قالوا: إن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة كالبول والغائط والمذي. والمني من الأحداث الموجبة للطهارة، فيكون نجسًا.
стр. 3608
• وأجيب:
لا نسلم أن الأحداث الموجبة للطهارة كلها نجسة، فأكل لحم الإبل حدث على الصحيح يوجب الطهارة، وليس بنجس.
ومس الفرج على الصحيح حدث، ولم يكن ثمة نجاسة، بل لو مس بولًا أو غائطًا لم ينتقض وضوؤه، بخلاف ما لو مس ذكره.
والريح طاهرة، ومع ذلك هي حدث إجماعًا، ولم يوجب كونها حدثًا أن يستنجى منها، ولا أن تغسل الثياب والأبدان بسببها.
وهذا الجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه، ولم يدل على حصول نجاسة.
قال الشافعي ﵀: «أرأيت الرجل إذا غيب ذكره في الفرج الحلال، ولم يأت منه ماء، فأوجبت عليه الغسل، وليست في الفرج نجاسة، وإن غيب ذكره في دم خنزير أو خمر أو عذرة، وذلك كله نجس، أيجب عليه الغسل؟ فإن قال: لا.
قيل: فالغسل، إن كان إنما يجب من نجاسة كان هذا أولى أن يجب عليه الغسل مرات ومرات من الذي غيبه في حلال نظيف، ولو كان يكون لقذر ما يخرج منه كان الخلاء والبول أقذر منه، ثم ليس يجب عليه غسل موضعهما الذي خرجا منه، ويكفيه من ذلك المسح بالحجارة، إلخ كلامه ﵀» (١).
فدل على إن إيجاب الغسل ليس معناه نجاسة المني، وإلا لوجب الغسل من البول والغائط، للإجماع على نجاستهما.
الدليل الخامس:
قالوا: إن المني خارج من أحد السبيلين، فكان نجسًا كسائر النجاسات من البول والغائط والمذي والودي.
стр. 3609
ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة، وفي أسافله تكون نجسة.
• وأجيب:
بأن قياسه على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن في المخرج ليس دليلًا شرعيًّا، وهو منقوض بالدبر، فإنه مخرج الريح الطاهر، ومخرج الغائط النجس، وبالفم فإنه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين، ومخرج القيء النجس على قول.
الدليل السادس:
قياس المني على المذي، فالمني من جنس المذي؛ وذلك أن المذي يخرج عند مقدمات الشهوة، والمني يخرج عند استكمالها.
قال الباجي: «دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجسًا كالمذي» (١).
• وأجيب:
بأن المني غير المذي، فالأول يتكون منه الولد الذي هو أصل الإنسان، والمذي بخلافه، ألا ترى أن عدم الإمناء عيب، وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضًا، وكون الجامع بين المني والمذي هو الشهوة قياس لا يصح؛ وذلك لأن الشهوة ليست هي مناط التنجيس حتى تكون علة في إلحاق الفرع بالأصل.
قال ابن القيم: المني والمذي هما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعوى أن المذي مبدأ المني، وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة (٢).
стр. 3610
• دليل من قال بطهارة المني:
الدليل الأول:
الأصل في الأعيان الطهارة، ولا يقال بنجاسة شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح سالم من المعارضة، ولا دليل على نجاسة المني.
الدليل الثاني:
قالوا: لو كان المني نجسًا لجاء الأمر من الرسول ﷺ بغسله، خاصة أن البلوى فيه شديدة في الأبدان والثياب والفرش وغيرها، فلما لم يأمرهم ﷺ بغسل ما أصابهم علم أن المني طاهر، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد أمر النبي ﷺ الحائض أن تغسل ما أصاب ثوبها من دم الحيض، مع أن البلوى في المني أكثر وأشد، وأمر بغسل المذي أيضًا، ولم يأمر بغسل المني، فعلم أن غسله ليس واجبًا، وأن عينه ليست نجسة.
الدليل الثالث:
(١٥٠٩ - ٢٥١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أحمد بن جواس الحنفي أبو عاصم، حدثنا أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبي، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها، فبعثت إلي عائشة، فقالت:
ما حملك على ما صنعت بثوبيك. قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئًا. قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري (١).
وجه الاستدلال:
أن عائشة كانت تفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، وهذا دليل على طهارته؛ إذ