الدليل الخامس:
(١٥٠٨ - ٢٥٠) ما رواه مسلم من طريق أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود،
أن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه.
وجه الاستدلال:
قال القرطبي: وهذا من عائشة يدل على أن المني نجس، وأنه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنها قالت: إنما: وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه قولها: فإن لم تر نضحت حوله، فإن النضح إنما مشروعيته حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁، حيث أصبح يغسل جنابة من ثوبه، فقال: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر (١).
فإن قيل: ألم تقل: ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، فيصلي فيه، ألا يدل هذا على طهارته؟
قيل: لا يدل؛ لأن النجاسة تزال بأي مزيل، والفرك في حق النجاسة اليابسة كاف في تطهيرها، كما كانت طهارة النعل بدلكه في الأرض، وسنذكره إن شاء الله مخرجًا في أدلة القول الثاني.
الدليل الثالث:
قالوا: إن المني فضلة مستحيلة عن الغذاء، يخرج من مخرج البول، فكانت نجسة كالبول، ولا يرد علينا البصاق والمخاط والدمع والعرق؛ لأنها لا تخرج من مخرج البول (٢).
стр. 3607
• وأجيب:
بأن حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء، أو للخروج من مخرج البول، أو لمجموع الأمرين:
فالأول باطل؛ إذ مجرد استحالة الفضله عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها، كالدمع والمخاط والبصاق.
وإن كان لخروجه من مخرج البول، فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه، لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه، وهو فاسد؛ فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة، وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال، ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه ومقره، وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين، والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحيلة عن الغذاء تنقسم إلى:
طاهر: كالبصاق والعرق والمخاط.
ونجس: كالبول والغائط، فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة، ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث وجودا وعدمًا فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار، تنفر منهما النفوس، وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن، فلا يلحق المني بالبول والغائط بل يلحق بالمخاط والبصاق (١).
الدليل الرابع:
قالوا: إن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة كالبول والغائط والمذي. والمني من الأحداث الموجبة للطهارة، فيكون نجسًا.
стр. 3608
• وأجيب:
لا نسلم أن الأحداث الموجبة للطهارة كلها نجسة، فأكل لحم الإبل حدث على الصحيح يوجب الطهارة، وليس بنجس.
ومس الفرج على الصحيح حدث، ولم يكن ثمة نجاسة، بل لو مس بولًا أو غائطًا لم ينتقض وضوؤه، بخلاف ما لو مس ذكره.
والريح طاهرة، ومع ذلك هي حدث إجماعًا، ولم يوجب كونها حدثًا أن يستنجى منها، ولا أن تغسل الثياب والأبدان بسببها.
وهذا الجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه، ولم يدل على حصول نجاسة.
قال الشافعي ﵀: «أرأيت الرجل إذا غيب ذكره في الفرج الحلال، ولم يأت منه ماء، فأوجبت عليه الغسل، وليست في الفرج نجاسة، وإن غيب ذكره في دم خنزير أو خمر أو عذرة، وذلك كله نجس، أيجب عليه الغسل؟ فإن قال: لا.
قيل: فالغسل، إن كان إنما يجب من نجاسة كان هذا أولى أن يجب عليه الغسل مرات ومرات من الذي غيبه في حلال نظيف، ولو كان يكون لقذر ما يخرج منه كان الخلاء والبول أقذر منه، ثم ليس يجب عليه غسل موضعهما الذي خرجا منه، ويكفيه من ذلك المسح بالحجارة، إلخ كلامه ﵀» (١).
فدل على إن إيجاب الغسل ليس معناه نجاسة المني، وإلا لوجب الغسل من البول والغائط، للإجماع على نجاستهما.
الدليل الخامس:
قالوا: إن المني خارج من أحد السبيلين، فكان نجسًا كسائر النجاسات من البول والغائط والمذي والودي.
стр. 3609
ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة، وفي أسافله تكون نجسة.
• وأجيب:
بأن قياسه على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن في المخرج ليس دليلًا شرعيًّا، وهو منقوض بالدبر، فإنه مخرج الريح الطاهر، ومخرج الغائط النجس، وبالفم فإنه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين، ومخرج القيء النجس على قول.
الدليل السادس:
قياس المني على المذي، فالمني من جنس المذي؛ وذلك أن المذي يخرج عند مقدمات الشهوة، والمني يخرج عند استكمالها.
قال الباجي: «دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجسًا كالمذي» (١).
• وأجيب:
بأن المني غير المذي، فالأول يتكون منه الولد الذي هو أصل الإنسان، والمذي بخلافه، ألا ترى أن عدم الإمناء عيب، وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضًا، وكون الجامع بين المني والمذي هو الشهوة قياس لا يصح؛ وذلك لأن الشهوة ليست هي مناط التنجيس حتى تكون علة في إلحاق الفرع بالأصل.
قال ابن القيم: المني والمذي هما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعوى أن المذي مبدأ المني، وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة (٢).
стр. 3610
• دليل من قال بطهارة المني:
الدليل الأول:
الأصل في الأعيان الطهارة، ولا يقال بنجاسة شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح سالم من المعارضة، ولا دليل على نجاسة المني.
الدليل الثاني:
قالوا: لو كان المني نجسًا لجاء الأمر من الرسول ﷺ بغسله، خاصة أن البلوى فيه شديدة في الأبدان والثياب والفرش وغيرها، فلما لم يأمرهم ﷺ بغسل ما أصابهم علم أن المني طاهر، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد أمر النبي ﷺ الحائض أن تغسل ما أصاب ثوبها من دم الحيض، مع أن البلوى في المني أكثر وأشد، وأمر بغسل المذي أيضًا، ولم يأمر بغسل المني، فعلم أن غسله ليس واجبًا، وأن عينه ليست نجسة.
الدليل الثالث:
(١٥٠٩ - ٢٥١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أحمد بن جواس الحنفي أبو عاصم، حدثنا أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبي، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها، فبعثت إلي عائشة، فقالت:
ما حملك على ما صنعت بثوبيك. قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه. قالت: هل رأيت فيهما شيئًا. قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري (١).
وجه الاستدلال:
أن عائشة كانت تفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا، وهذا دليل على طهارته؛ إذ
стр. 3611
لو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النجاسات.
• وأجيب بأجوبة منها:
أولًا: ثبت في طهارة النعل الدلك بالتراب، وكان ذلك طهارة له.
(١٥١٠ - ٢٥٢) فقد روى أحمد، قال: يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[صحيح] (٢).
فإذا كان الدلك في النعل لم يدل على طهارة الأذى الذي في النعل، لم يكن ذلك المني دليلًا على طهارة المني. نعم يصح الاستدلال على طهارة المني لو أن عائشة تركت المني على ثوب رسول الله ﷺ فلم تغسله رطبًا، ولم تفركه يابسًا، أو اكتفت بفركه، وهو رطب، أما ما دامت تغسله رطبًا، وتفركه يابسًا فليس فيه دليل على طهارته، والله أعلم.
ثانيًا: ذكر بعض الحنفية: أن هذه الآثار إنما جاءت في ذكر ثياب ينام فيها، ولم تأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، وأما الثياب الذي يصلي فيها فإن عائشة كانت تغسله من الثوب، فقد قالت ﵂: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه (٣).
стр. 3612
(١٥١١ - ٢٥٣) وقد روى أحمد، قال: ثنا حجاج وشعيب بن حرب قالا: ثنا ليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج،
عن معاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الواحد الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى (١).
[صحيح] (٢).
стр. 3613
وقد روي عن عائشة ما يوافق ذلك،
(١٥١٢ - ٢٥٤) فقد روى أبو داود، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا الأشعث، عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق،
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا أو لحفنا.
قال عبيد الله: شك أبي (١).
] أنكره الإمام أحمد أشد الإنكار، والمعروف فيه ذكر اللحاف فقط] (٢).
стр. 3614
فثبت بما ذكرنا أن رسول الله ﷺ لم يكن يصلي في الثوب الذي ينام فيه إذا أصابه شيء من الجنابة، وثبت أن ما ذكرته عائشة، من فرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إنما هو في ثوب النوم، لا في ثوب الصلاة (١).
وأن أم حبيبة زوج النبي ﷺ أطلقت على المني اسم الأذى، والأذى هو النجس، كما قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].
• ورد هذا بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
أن حديث عائشة كان لا يصلي في لحاف نسائه، قد أنكره الإمام أحمد أشد الإنكار، ونقلنا عنه ذلك في تخريج الحديث.
ولو صح لم يكن هذا دليلًا على نجاسة المني، فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها، وهي لا تشعر.
الجواب الثاني:
أن ترك الصلاة في لحاف المرأة ليس بواجب، فقد ورد أنه كان يصلي وعليه ثوب، وبعضه على بعض نسائه، وهي حائض (٢).
стр. 3615
الجواب الثالث:
أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض، وإنما الخلاف في الرجال، وهذا دليل على أن الحامل على الكراهة ليس النجاسة.
جاء في فتح الباري لابن رجب: «قال أبو بكر الأثرم: أحاديث الرخصة أكثر وأشهر. قال: ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء.
وهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف، إنما الخلاف في الرجال.
والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة:
ففي صحيح مسلم، عن عائشة، قالت: كان النبي يصلي من الليل وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، على مرط، وعليه بعضه إلى جنبه (١).
وخرج النسائي، عن عائشة، قالت: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد، وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسلت ما أصابه، لم يعده إلى غيره، ثم صلى فيه (٢).
وخرج أبو داود وابن ماجه، عن ميمونة، قالت: إن النبي ﷺ صلى وعليه مرط، وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض، وهو يصلي، وهو عليه (٣).
стр. 3616
وخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة، قال: قام النبي ﷺ يصلي، وعليه طرف اللحاف، وعلى عائشة طرفه، وهي حائض لا تصلي (١).
قال أبو عبيد في غريبه: الناس على هذا، يعني على عدم كراهيته». اهـ نقلًا من فتح الباري لابن رجب (٢).
الوجه الرابع:
أن قول أم حبيبة: (إذا لم يكن فيه أذى) لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يكن فيه أذى، فلو قال قائل: بأن المراد بالأذى: دم الحيض كان أقرب. وعلى التنزل أن مرادها المني، فالأذى ليس نصًا في النجاسة، فقد قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) [البقرة: ١٩٦]، والأذى في الآية ليس النجس.
الدليل الرابع:
بأنه ورد أن النبي كان يسلت المني من ثوبه، وهو رطب، من غير غسل، وهذا يدل على طهارته؛ لأن سلت الرطب لا يزيل العين بالكلية، بخلاف ما قد يقال في فرك اليابس.
(١٥١٣ - ١٥٥) فقد روى أحمد، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، قال: حدثنا عكرمة ابن عمار، عن عبد الله بن عبيد بن عمير،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم
стр. 3617
يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه.
[حسن] (١).
الدليل الخامس:
ورد أن النبي ﷺ ربما صلى، وهو في ثوبه، فتحته عائشة من ثوبه، وهو في الصلاة، وهذا فيه إشارة إلى أن إزالته من باب الاستقذار؛ لأنه لم يكن يتفقد ثوبه قبل صلاته.
(١٥١٤ - ١٥٦) فقد روى ابن خزيمة، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا إسحاق، يعني: الأزرق، قال: حدثنا محمد بن قيس، عن محارب بن دثار،
عن عائشة، أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله ﷺ ، وهو يصلي (٢).
[صحيح].
стр. 3618
الدليل السادس:
قالوا: كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه، ومعلوم أن المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم، فهو طواف الفضلات، بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط حتى لا يصيب ثيابه، ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع، وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته لو كان المقتضي للتنجيس قائمًا، ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد مع أن إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني لا سيما في الشتاء في حق الفقير، ومن ليس له إلا ثوب واحد (١).
الدليل السابع:
(١٥١٥ - ٢٥٧) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار وابن جريج، كلاهما يخبر عن عطاء،
عن ابن عباس أنه قال في المني يصيب الثوب: أمطه عنك. قال أحدهما: بعود أو إذخرة، وإنما هو بمنزلة البصاق أو المخاط (٢).
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولم يصح] (٣).
стр. 3619
الدليل الثامن:
قال الشافعي في الأم: بدأ الله جل وعز خلق آدم من ماء وطين، وجعلهما معًا طهارة، وبدأ خلق ولده من ماء دافق، فكان في ابتدائه خلق آدم من الطهارتين اللتين هما الطهارة دلالة أن لا يبدأ خلق غيره إلا من طاهر لا من نجس.
• وأجيب:
بأن قولكم إن المنى مبدأ خلق بشر، فكان طاهرًا كالتراب غريب، فالتراب وضع طهورًا ومساعدًا للطهور في الولوغ، ويرفع الحدث أو حكمه، فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه؟ على أن الاستحالات تعمل عملها، فأين الثواني من المبادئ، وهل الخمر إلا ابنة العنب، والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة، ثم إلى الدم، ثم إلى المني (١).
• ورد هذا الجواب:
أما كون المني يتطهر منه، فقد أجبنا على هذا، وأن هذا لا يقتضي تنجيسه.
وأما اعتبار الإحالة، فهذا صحيح، وهو حجة عليكم، فالاستحالة تقلب الطيب إلى خبيث، كالغذاء ينقلب إلى عذرة، وتقلب الخبيث إلى طيب، كاللبن من دم الحيض، فلو اعتبرنا الإحالة لحكمنا بطهارة المني، فإن كان المني قد استحال من الدم، فالدم على الصحيح طاهر، وسوف نذكر الخلاف فيه إن شاء الله في باب النجاسات.
وإن كان قد استحال من البول والغائط، فأين الغائط النتن من المني ذي الرائحة
стр. 3620
الطيبة، فلو أعطينا الاستحالة حكمها لحكمنا بطهارة المني، والله أعلم.
الدليل التاسع:
قالوا: إن المني مبتدأ خلق الأنبياء والرسل وبني آدم الذين كرمهم الله، فلا يليق أن يكون أصل هؤلاء نجسًا.
قال ابن القيم: الله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسة، فهو أكرم من ذلك، وأيضا فإن الله تعالى أخبر عن هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن، ووصفه مرة بعد مرة، وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب، وأنه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين، ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره، ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي، فالمهين ههنا الضعيف، وليس هو النجس الخبيث، وأيضا فلو كان المني نجسًا، وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات، ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب، فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا: أصله خبيث، وهو خبيث الأصل (١).
وتعقب هذا الاستدلال:
بأنه ليس عيبًا أن يكون أصل خلق الإنسان نجسًا، ولا يلحقهم عيب من ذلك، كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفًا وأوعيةً للنجاسة كالبول والغائط والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدًا عليهم بالعيب والذم.
ورد هذا الجواب:
بأن الإنسان ليس ظرفًا للنجاسة البتة، وإنما تصير الفضلة بولًا وغائطًا إذا فارقت
стр. 3621
محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة، وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث، فالمؤمن لا ينجس كما أخبر المصطفى ﷺ ، ولا يكون وعاء للنجاسة (١).
الراجح من الخلاف.
القول بطهارة المني قول قوي جدًا، والاستنجاء منه ليس بواجب، ويكفي حجة لهذا القول أن الشارع لم يأت منه أمر بغسله، ولو كان نجسًا لجاء الأمر بغسله والتوقي منه كما جاء الأمر بالاستتار من البول، وغسل دم الحيض، وغسل المذي، وغيرها من سائر النجاسات، ولا مع من قال بنجاسته إلا مجرد أن عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ ، وتفركه إذا كان يابسًا، ولو كان الفاعل هو النبي ﷺ لم يكن ذلك حجة على نجاسة المني؛ لأن أفعال النبي ﷺ المجردة لا تقتضي الوجوب، فكيف بفعل عائشة ﵂، والله أعلم.
* * *
стр. 3622
الفصل الخامس في الاستنجاء من الحدث الدائم
المبحث الأول هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة حدثًا أم يعفى عنه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الوقت سبب في وجوب الصلاة، وليس حدثًا يوجب خروجه الوضوء.
• الوضوء إذا لم يكن رافعًا للحدث لم يكن واجبًا.
• كل خارج لا ينقض الحدث في الصلاة، لا ينقض خارج الصلاة.
• لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء في الحدث.
[م-٦٦٠] اختلف العلماء هل يعتبر خروج دم الاستحاضة، وكذا من به حدث دائم هل يعتبر حدثًا يوجب الوضوء، وبالتالي يكون الاستنجاء منه مشروعًا أم لا؟
فقيل: يعتبر حدثًا، على خلاف بينهم هل يجب الوضوء منه لوقت كل صلاة كما هو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، أو لكل فريضة مؤداة أو مقضية بخلاف النافلة،
стр. 3623
كما هو مذهب الشافعية (١)، أو يجب الوضوء لكل صلاة مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهو اختيار ابن حزم (٢).
وقيل: لا يعتبر خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب، وبالتالي لا يستنجي منه. وهو مذهب المالكية، وهو الراجح (٣).
• دليل من اعتبر الخروج الدائم للبول ونحوه حدثًا:
الدليل الأول:
(١٥١٦ - ٢٥٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: ثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
стр. 3624
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
[زيادة قال هشام: قال أبي، الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (٢).
الدليل الثاني:
(١٥١٧ - ٢٥٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة،
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير (١).
[الحديث ضعيف، وفيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وعروة مختلف فيه، قيل: عروة المزني، وهو مجهول، وقيل: عروة بن الزبير] (٢).
الدليل الثالث:
(١٥١٨ - ٢٦٠) ما رواه الدرامي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، ثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال:
المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها في كل شهر، فإذا كان عند انقضائها اغتسلت وصلت، وصامت، وتوضأت عند كل صلاة (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
الدليل الرابع:
(١٥١٩ - ١٦١) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق بشر بن الوليد الكندي، ثنا أبو يوسف القاضي، عن عبد الله بن علي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل،
عن جابر: عن رسول الله ﷺ أنه أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي أيوب الأفريقي، وهو عبدالله بن علي، إلا أبو يوسف (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 3636
الدليل الخامس:
(١٥٢٠ - ٢٦٢) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبدالله، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم بن عتيبة عن جعفر، عن سودة بنت زمعة قالت: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3637
المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا ثم تتوضأ لكل صلاة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
فتبين أن الأمر بالوضوء لكل صلاة من حديث عائشة، المحفوظ أنه موقوف على عروة، ورفعه شاذ، والشاذ غير صالح للاعتبار.
ومن حديث غيرها ضعيف، ومن يحسن بالشواهد مطلقًا، فإن الحديث عنده قد يرقى إلى الحسن.
فحمل الحنفية والحنابلة على أن المراد: توضئي لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة.
وحمل الشافعية على أن المراد: توضئي لكل صلاة فريضة، بخلاف النافلة، فاعتبروه خروجه حدثًا في صلاة الفرض، ولم يعتبروه حدثًا في صلاة النفل.
وحمله ابن حزم على ظاهره، فقال بوجوب الوضوء لكل صلاة، وقد ذكرنا دليل كل قول في كتابي الحيض والنفاس، فليراجعه من شاء؛ لأن البحث هنا هو في اعتبار الخارج حدثًا، وليس في ما يترتب على ذلك من حيث الصلاة، والله أعلم.
• دليل المالكية على أن الخارج الدائم لا يجب منه الوضوء:
الدليل الأول:
قالوا: إن من كان به حدث دائم لو تطهر فلن يرتفع حدثه، وإذا كان كذلك، كانت طهارته مستحبة لا واجبة.
الدليل الثاني:
إذا كان دم الاستحاضة لايبطل الطهارة بعد الوضوء، وقبل الصلاة، لم يكن
стр. 3638
حدثًا يوجب الوضوء عند تجدد الصلاة أو خروج الوقت، ولذا حملنا الأمر على الاستحباب.
الدليل الثالث:
دم العرق لاينقض الوضوء، فلو خرج دم من عرق اليد، أو الرجل لم ينتقض وضوؤه على الصحيح، فكذلك دم الاستحاضة، فإنه دم عرق كما في أحاديث الصحيحين، ولا يقال: إن خروجه من الفرج جعل حكمه يختلف؛ لأن المني يخرج من الفرج، ومع ذلك هو طاهر.
الدليل الرابع:
من النظر، قال ابن المنذر في الأوسط: «والنظر دال على ما قال ربيعة -يعني: في عدم وجوب الوضوء- إلا أنه قول لا أعلم أحدًا سبقه إليه. وإنما قلت: النظر يدل عليه؛ لأنه لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء؛ لأن دم الاستحاضة إن كان يوجب الوضوء فقليل ذلك وكثيره في أي وقت كان يوجب الوضوء، فإذا كان هكذا، وابتدأت المستحاضة في الوضوء، فخرج منها دم بعد غسلها بعض أعضاء الوضوء، وجب أن ينتقض ما غسلت من أعضاء الوضوء؛ لأن الدم الذي يوجب الطهارة في قول من أوجب على المستحاضة الطهارة قائم.
وإن كان ما يخرج منها بين أضعاف الوضوء، وما خرج منها قبل أن تدخل الصلاة، وما حدث في الصلاة منه لاينقض طهارة، وجب كذلك أن ما خرج منها بعد فراغها من الصلاة لا تنقض طهارة إلا بحدث غير دم الاستحاضة هذا الذي يدل عليه النظر». اهـ (١).
فالراجح ما ذهب إليه مالك ﵀، ولا ينهض عندي تحسين الأحاديث
стр. 3639
الضعيفة بالشواهد؛ لأن اللفظ في حديث عائشة بالأمر بالوضوء لكل صلاة شاذ، والشاذ لا يصلح للشواهد، وما عداه لا يكفي للتحسين بمثل هذه المسألة التي يحتاج إليها، وقد وقعت في عهد النبي ﷺ ، وتكرر وقوعه مرات، فلو كان الأمر بها محفوظًا لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تبين وجوب الوضوء بصورة تقوم بمثلها الحجة. والله أعلم.
ولو قلنا: بموجب حديث: توضئي لكل صلاة، لكان الوضوء واجبًا لكل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهذا رأي ابن حزم، للأمر بالوضوء لكل صلاة.
وأما حمل الأمر بالوضوء لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة، كما هو مذهب الحنفية فيحتاج الأمر إلى دليل على أن المراد الوقت، وليس خروج الوقت حدثًا، ويكفي أن حملهم خلاف ظاهر اللفظ بلا مسوغ.
والجواب عما قاله الحنفية ﵏: أن إطلاق الصلاة قد يطلق ويراد بذلك الوقت إذا صح إنما يصح لقرينة تمنع من إرادة الصلاة نفسها، وإلا فالأصل في الكلام عدم الحذف وعدم التقدير، ولا قرينة هنا تمنع من إرادة الصلاة، أي فعلها، فوجب حمل اللفظ على ظاهره، لو قلنا بصحة الحديث.
وأما حمل الشافعية الصلاة بأن المراد بها الفريضة دون النافلة، فهذا من أضعف الأقوال.
* * *
стр. 3640
المبحث الثاني الكلام في غسل فرج من به حدث دائم عند الوضوء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأمر المطلق هل يقتضي التكرار؟
[م-٦٦١] لم يذكر ذلك الحنفية، ولعل ذلك لأن الاستنجاء ليس بواجب عندهم (١) وغسله إنما هو من قبيل الاستنجاء (٢).
وأوجب غسل الفرج الشافعية، والحنابلة (٣).
стр. 3641
وهل يكفي غسله مرة واحدة، أو تغسله لكل صلاة؟
المشهور من مذهب الشافعية ما قاله النووي: «وأما تجديد غسل الفرج وحشوه، وشده لكل فريضة، فينظر فيه: فإن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدم، ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء».اهـ (١).
وأما المشهور من المذهب الحنبلي، أنه لا يلزمها غسل الفرج لكل صلاة إذا لم تفرط (٢). وفي مذهب الحنابلة قولان آخران:
قيل: يلزمها ذلك.
وقيل: يلزمها إن خرج شيء، وإلا فلا (٣).
• أدلة الشافعية والحنابلة على وجوب غسل الفرج:
استدلوا بأدلة عامة، وخاصة.
أما الدليل الخاص.
(١٥٢١ - ٢٦٣) فاستدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس
стр. 3642
بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (فاغسلي عنك الدم وصلي).
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: واختلفوا هل يجب عليها غسل الدم، والتحفظ والتلجم عند كل صلاة؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد.
وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ وفيه خلاف مشهور، لكن الأصح هنا أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة، فإن الأمر بالاغتسال وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار، فالجواب أنه لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط». اهـ (٢).
وأما الأدلة العامة:
فهي من قبيل القياس، فيقاس غسل الفرج من دم الاستحاضة بأحاديث الاستنجاء والاستجمار، بجامع أن كلًا منها قطع للنجاسة من السبيلين. وأحاديث الاستنجاء كثيرة، ويكفي منها:
(١٥٢٢ - ٢٦٤) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال:
قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم (٣).
стр. 3643
ولا يسلم القياس إلا بتحقق أمرين:
أولهما: أن يكون غسل الفرج قاطعًا للخارج، كما أن الاستنجاء يقطع الخارج. وهذا لا يتحقق هنا؛ لأن الاستنجاء هنا لن يقطع دم الاستحاضة.
وثانيهما: أن يكون دم الاستحاضة نجسًا، كالحال في الاستنجاء من البول والغائط، وأما من رأى أن دم الاستحاضة طاهر؛ لأنه دم عرق، مثله مثل دم سائر العروق من البدن، فلا يسلم القياس، ولا يوجب غسل الفرج؛ لأنه كالمني لا يجب الاستنجاء منه، ولو كان دم الاستحاضة نجسًا لمنع الزوج من جماع امرأته كالحيض، فكل دم لا يمنع الصلاة لا يمنع الجماع، والله أعلم.
• دليل الحنفية على أن الاستنجاء لا يجب:
سقت أدلتهم في مسألة مستقلة في حكم الاستنجاء، وأجيب عنها، فانظرها غير مأمور.
* * *
стр. 3644
المبحث الثالث شد عصابة الفرج عند الوضوء
[م-٦٦٢] ذهب الحنفية (١) والشافعية (٢)
والحنابلة (٣) إلى أنه يجب على المستحاضة
стр. 3645
أن تشد فرجها وتعصبها.
وهل يجب عليها ذلك في كل صلاة؟ على الخلاف السابق في غسل الفرج.
• الأدلة على وجوب التلجم والتحفظ:
الدليل الأول:
(١٥٢٣ - ٢٦٥) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال:
لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي (١).
[والحديث رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اختلاف] (٢).