وهل يكفي غسله مرة واحدة، أو تغسله لكل صلاة؟
المشهور من مذهب الشافعية ما قاله النووي: «وأما تجديد غسل الفرج وحشوه، وشده لكل فريضة، فينظر فيه: فإن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدم، ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء».اهـ (١).
وأما المشهور من المذهب الحنبلي، أنه لا يلزمها غسل الفرج لكل صلاة إذا لم تفرط (٢). وفي مذهب الحنابلة قولان آخران:
قيل: يلزمها ذلك.
وقيل: يلزمها إن خرج شيء، وإلا فلا (٣).
• أدلة الشافعية والحنابلة على وجوب غسل الفرج:
استدلوا بأدلة عامة، وخاصة.
أما الدليل الخاص.
(١٥٢١ - ٢٦٣) فاستدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس
стр. 3642
بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (فاغسلي عنك الدم وصلي).
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: واختلفوا هل يجب عليها غسل الدم، والتحفظ والتلجم عند كل صلاة؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد.
وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ وفيه خلاف مشهور، لكن الأصح هنا أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة، فإن الأمر بالاغتسال وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار، فالجواب أنه لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط». اهـ (٢).
وأما الأدلة العامة:
فهي من قبيل القياس، فيقاس غسل الفرج من دم الاستحاضة بأحاديث الاستنجاء والاستجمار، بجامع أن كلًا منها قطع للنجاسة من السبيلين. وأحاديث الاستنجاء كثيرة، ويكفي منها:
(١٥٢٢ - ٢٦٤) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال:
قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم (٣).
стр. 3643
ولا يسلم القياس إلا بتحقق أمرين:
أولهما: أن يكون غسل الفرج قاطعًا للخارج، كما أن الاستنجاء يقطع الخارج. وهذا لا يتحقق هنا؛ لأن الاستنجاء هنا لن يقطع دم الاستحاضة.
وثانيهما: أن يكون دم الاستحاضة نجسًا، كالحال في الاستنجاء من البول والغائط، وأما من رأى أن دم الاستحاضة طاهر؛ لأنه دم عرق، مثله مثل دم سائر العروق من البدن، فلا يسلم القياس، ولا يوجب غسل الفرج؛ لأنه كالمني لا يجب الاستنجاء منه، ولو كان دم الاستحاضة نجسًا لمنع الزوج من جماع امرأته كالحيض، فكل دم لا يمنع الصلاة لا يمنع الجماع، والله أعلم.
• دليل الحنفية على أن الاستنجاء لا يجب:
سقت أدلتهم في مسألة مستقلة في حكم الاستنجاء، وأجيب عنها، فانظرها غير مأمور.
* * *
стр. 3644
المبحث الثالث شد عصابة الفرج عند الوضوء
[م-٦٦٢] ذهب الحنفية (١) والشافعية (٢)
والحنابلة (٣) إلى أنه يجب على المستحاضة
стр. 3645
أن تشد فرجها وتعصبها.
وهل يجب عليها ذلك في كل صلاة؟ على الخلاف السابق في غسل الفرج.
• الأدلة على وجوب التلجم والتحفظ:
الدليل الأول:
(١٥٢٣ - ٢٦٥) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال:
لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي (١).
[والحديث رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اختلاف] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (ثم لتستثفر بثوب).
قال ابن منظور في اللسان: «وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة أو قطنة تحتشي بها، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع سيلان الدم وهو مأخوذ من: ثَفَر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها.
وفي نسخة: وتوثق طرفيها، ثم تربط فوق ذلك رباطًا، تشد طرفيه إلى حقب تشده كما تشد الثفر تحت ذنب الدابة» (١).
وقال في تاج العروس: «والاستثفار أن يدخل الإنسان إزاره بين فخذيه ملويًا ثم يخرجه، والرجل يستثفر بإزاره عند الصراع، إذا هو لواه على فخذيه فشد طرفيه في حجزته وزاد ابن ظفر في شرح المقامات: حتى يكون كالتُّبان، وقد تقدم أن التبان هو السراويل الصغير، لا ساقين له .... » إلخ كلامه (٢).
وورد كذلك التلجم والتحفظ في حديث حمنة بنت جحش،
(١٥٢٤ - ٢٦٦) فقد رواه أحمد، وفيه: فقلت: يا رسول الله، إني استحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي. قالت: إنما اثج ثجًا ... الحديث (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: (تلجمي)، قال ابن منظور في اللسان: تلجمت المرأة، إذا استثفرت لمحيضها. واللجام: ما تشده الحائض، وفي حديث المستحاضة: (تلجمي) أي شدي لجامًا، وهو شبيه بقوله: (استثفري) أي: ألجمي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة. (١)
وقال: نحوه في تاج العروس (٢).
وكانت النساء تستثفر ولو لم تجب عليها الصلاة حرصًا على عدم تلوثها في الدم.
(١٥٢٥ - ٢٦٧) فجاء في حديث جابر عند مسلم في صفة حج النبي ﷺ وفيه:
إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن
رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري، وأحرمي (٣)، والله أعلم.
* * *
стр. 3654
الفصل السادس في الاستنجاء من البعر الناشف والحصاة والدود
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الاستنجاء من النجاسة عبادة معقولة المعنى، مطلوب إزالتها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
[م-٦٦٣] إذا خرج البعر ناشفًا وكذلك الحصاة والدود، فاختلف الفقهاء هل يستنجي منها أم لا؟
فقيل: لا يستنجي، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والأظهر عند الشافعية، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (١).
стр. 3655
وقيل: يشرع الاستنجاء، وهو قول في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
• دليل من قال: لا يستنجي:
الدليل الأول:
الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا. فالاستنجاء والمحل نظيف شبيه بالعبث.
الدليل الثاني:
قالوا: الحصاة طاهرة خاصة إذا خرجت، وهي ناشفة، فهي تشبه الريح، بل هي
стр. 3656
أولى من الريح بعدم الاستنجاء؛ لأن الريح لها رائحة منتنة بخلاف الحصاة. وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر؟
فإن قيل: قد يتصور وجود بلة يسيرة.
قيل: إن كان يسيرًا فهو معفو عنه، كما يعفى عن أثر الاستجمار، وإن كانت البلة كثيرة خرج البحث عن مسألتنا؛ لأن البحث فيما لو خرجت الحصاة ناشفة، أو البعرة جافة.
• دليل من قال: يستنجي منها:
لا أعلم له دليلًا من كتاب أو سنة إلا القياس على البول والغائط، وهو قياس مع الفارق، لأن البول الغائط نجسان ملوثان، فيحتاج المحل إلى الإنقاء منهما، وأما الحصاة والدودة وحتى البعرة الناشفة فهي أشياء غير ملوثة، فالمحل يعتبر طاهرًا فلم يحتج إلى تطهير.
وهذا القول هو الراجح، وهو المتعين؛ لأن مشروعية الاستنجاء معلل بوجود النجاسة، فإذا لم توجد انتفى الحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته، والله أعلم.
* * *
стр. 3657
الفصل السابع
في الاستنجاء من الريح
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل فعل من العبادات توفر سببه على عهد النبي ﷺ ، ولم يفعله، ولم يكن هناك مانع من فعله، فالمشروع تركه.
• الحكم على شيء بأنه نجس وكذا ما يوجبه متلقى من الشرع، ولا مدخل للعقل فيه.
[م-٦٦٤] لا يشرع الاستنجاء من الريح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 3658
وقيل: يستنجي، اختاره حنابلة الشام (١)، وهو خلاف شاذ.
وهل الاستنجاء منها على الكراهة أو التحريم فيه خلاف:
فقيل: للتحريم، وهو ظاهر مذهب الحنفية حيث أطلقوا على الاستنجاء من الريح بأنه بدعة (٢)، واختاره بعض الشافعية (٣).
وقيل: يكره الاستنجاء من الريح، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥).
وقيل: لا يكره الاستنجاء من الريح إن خرجت والمحل رطب، قاله بعض الشافعية (٦).
• دليل من قال: لا يستنجي:
الدليل الأول:
الإجماع على أن الاستنجاء لا يجب من الريح، حكى الإجماع جماعة منهم النووي في المجموع (٧)، وابن قدامة في المغني (٨) وغيرهما.
الدليل الثاني:
الأصل عدم الوجوب حتى يوجد دليل من كتاب أو سنة أو إجماع على مشروعية
стр. 3659
الاستنجاء، ولم ينقل أن الرسول ﷺ استنجى من الريح، ولا صحابته الكرام، ولا أنه أمر بالاستنجاء منها، وهذا كاف في عدم المشروعية.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الريح ليس بنجس، ولو وجب منه الاستنجاء لوجب غسل الثوب؛ لأنه يلقاه. فإن قيل: تصحبه أجزاء نجسة، قيل: هذا لا سبيل إلى علمه، ولو ثبت فقدر ذلك وأكثر منه يبقى بعد مسح الأحجار، ومع ذلك يحكم بطهارة المحل بعده (١).
الدليل الرابع:
من النظر قالوا: إن الاستنجاء مأخوذ من النجو فإذا لم يكن نجو لم يشرع الاستنجاء، فإذا خرجت الريح لم يكن على السبيل منها شيء من الغائط، فيكون الاستنجاء عبثًا؛ لأن المحل نظيف.
وبعضهم يعلل بقوله: إن الريح عرض بإجماع الأصوليين (٢).
الدليل الخامس:
(١٥٢٦ - ٢٦٨) ما رواه ابن عدي (٣)، ومن طريقه أبو القاسم الجرجاني في تاريخ جرجان (٤)، من طريق محمد بن زياد بن زبار، حدثنا شرقي بن قطامي، عن أبي الزبير،
عن جابر أن النبي ﷺ قال: من استنجى من الريح فليس منا.
[ضعيف جدًا] (٥).
стр. 3660
• دليل من قال: يشرع الاستنجاء منها:
ذهب إلى أن الريح نجسة، وأنها خرجت وقد لا مست النجاسات.
قالوا: ولأن الفرج ترمص كما ترمص العين!!
والصحيح الأول، وأنها طاهرة، وكون رائحتها خبيثة لا يكفي دليلًا على نجاستها، ولو كانت نجسة لوجب غسل الثياب إذا خرجت الريح ولاقت ثيابًا رطبة، والله أعلم.
* * *
стр. 3661
الباب السادس في الاستنجاء بالماء
الفصل الأول خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• بذل المال في مقابل المنفعة لا يعد إتلافًا.
• إذا صح بذل الماء لتطهير الثوب صح بذله لتطهير البدن بل هو أولى.
• الماء أنزله الله طاهرًا مطهرًا، وبذله في ذلك موافق لمقصد الشارع قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً) وقال: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً).
[م-٦٦٥] يجوز الاستنجاء بالماء، ويجوز تركه إلى الحجارة ولو كان قادرًا على الماء، وهو مذهب الجمهور (١).
стр. 3662
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بالماء، حكي هذا القول عن بعض السلف، وهو مرجوح (١).
• دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالماء:
الدليل الأول:
(١٥٢٧ - ٢٦٩) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،
سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (٢).
стр. 3663
الدليل الثاني:
(١٥٢٨ - ٢٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء دعا بماء، فاستنجى، ثم مسح بيده على الأرض ثم توضأ (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 3664
الدليل الثالث:
(١٥٢٩ - ١٧١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، عن معاذة،
عن عائشة قالت: مرن أزواجكن يغسلوا عنهم أثر الخلاء والبول، فإنا نستحيي أن ننهاهم عن ذلك، وإن رسول الله ﷺ كان يفعله (١).
[صحيح مرفوعًا من طريق قتادة، وموقوفًا من طريق يزيد الرشك] (٢).
الدليل الرابع:
(١٥٣٠ - ٢٧٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط قط إلا مس ماء (١).
[المحفوظ أنه عن إبراهيم، عن رسول الله مرسل] (٢).
стр. 3667
الدليل الخامس:
(١٥٣١ - ٢٧٣) ما رواه إسحاق بن راهوية في مسنده، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، نا شريك، عن جابر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ غسل مقعدته ثلاثًا. وقال ابن عمر: قد فعلناه فوجدناه دواءً وطهورًا (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
ولا أعلم دليلًا في مشروعية العدد في الاستنجاء بالماء، إنما جاء العدد في الاستجمار بالحجارة في أحاديث صحيحة سوف نعرض لها إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال: لا يستنجي بالماء:
الدليل الأول:
أن الماء مطعوم، فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.
• ويناقش:
بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون نظرًا فاسدًا، فقد ثبت تطهير دم الحيض بالماء، وتطهير بول الأعرابي بالماء، وأحاديثهما في الصحيحين، فدل على أن ذلك لا يعتبر امتهانًا للماء، وقد أنزل الله الماء مطهرًا قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً)
стр. 3668
[الفرقان: ٤٨]، فامتن الله علينا بكونه مطهرًا لنا من النجاسات والأحداث، فترك التطهر بالماء مخالف للمقصد الشرعي من إنزاله.
الدليل الثاني:
أن في الاستنجاء بالماء تلفًا للماء.
• ويناقش:
بأن إتلاف الماء في مقابل منفعة، وأي منفعة تحصيل الطهارة الواجبة لأعظم أركان الإسلام العملية وهي الصلاة، فلا يعتبر ذلك منهيًا عنه، وإنما المنهي عنه إتلاف المال بلا منفعة، ولذلك الوضوء والغسل فيه استهلاك للماء، ولا يعتبر ذلك إتلافًا منهيًا عنه.
الدليل الثالث:
أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.
وأجيب:
بأن هذا التعليل لا يرجع إلى استعمال الماء، وإنما لمباشرة اليد بالنجاسة، ويمكن علاج ذلك بتنظيف اليد بعده بالصابون ونحوه، وغاية ما فيه تفضيل الحجارة على الماء، مع أن الماء أبلغ في التطهير، ويمكن إرسال الماء على المحل بدون مباشرة النجاسة، فلا يبقى باليد نتن، والله أعلم.
* * *
стр. 3669
الفصل الثاني
أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار ؟
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الغاية من الاستنجاء التطهير، والماء أبلغ في ذلك؛ لأنه قالع للنجاسة، والحجر مخفف لها.
[م-٦٦٦] الاستنجاء بالماء أفضل، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: الاستجمار أفضل، وهو رواية عن أحمد (٢)، ومنقول عن بعض السلف (٣).
стр. 3670
• دليل من قال: الماء أفضل:
الدليل الأول:
قالوا: إن الماء قالع للنجاسة، والحجر مخفف لها، وما كان قالعًا للنجاسة فهو أفضل.
الدليل الثاني:
(١٥٣٢ - ٢٧٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا، معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: إن الماء هو الأصل في تطهير النجاسات، وقد نص عليه في تطهير بول الأعرابي، وفي تطهير الثوب من دم الحيض، وفي تطهير المذي وفي غيرها، بينما يرى كثير من الفقهاء أن الاستجمار على خلاف الأصل، وأنه رخصة تخفيفًا عن الأمة؛ لأن الماء قد لا يكون موجودًا في كل مكان، والبول والغائط قد يأتي فجأة.
• تعليل من قال: الحجر أفضل:
التعليل الأول:
أنه هو المعروف عند أكثر الصحابة.
ويجاب:
بأن الحجر في بلاد الحجاز متوفر أكثر من الماء والذي يجلب من الآبار.
стр. 3671
التعليل الثاني:
أن الماء مطعوم، فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.
التعليل الثالث:
أن في الاستنجاء بالماء تلفًا للماء.
التعليل الرابع:
أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.
وقد أجبت عن هذه الأدلة في ما سبق. والقول الأول هو الراجح.
* * *
стр. 3672
الفصل الثالث
في الجمع بين الحجارة والماء
مباشرة النجاسة إن كان الأصل فيها المنع وإنما جازت من أجل التخلص منها، فاستعمال الحجارة قبل الاستنجاء يخفف أثر النجاسة قبل مباشرتها، وهذا مطلوب في الجملة.
وإن كانت مباشرة النجاسة ليست ممنوعة في الشرع إلا في وقت تكون الطهارة من النجاسة مطلوبة للصلاة لم تكن هذه المصلحة ظاهرة.
[م-٦٦٧] إذا علم ذلك نأتي إلى أقوال أهل العلم في الجمع بين الحجارة والماء.
ذهب الجمهور إلى استحباب الجمع بين الحجارة والماء، فيقدم الحجارة لتخفيف النجاسة، ثم يتبعها الماء (١).
стр. 3673
وقيل: لا تجزئ الحجارة مع القدرة على الماء، اختاره ابن حبيب من المالكية (١).
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بالماء، وهو مذهب قديم مهجور لبعض السلف، وسبق ذكر دليله والجواب عنه.
ومنع بعض العلماء المعاصرين الجمع بينهما، واعتبر الجمع بين الحجارة والماء من البدع، حيث لم يثبت في السنة الجمع بينهما (٢).
• دليل من قال باستحباب الجمع بين الحجارة والماء:
ذكروا دليلين، صريح ضعيف، وصحيح غير صريح.
الدليل الأول:
(١٥٣٣ - ٢٧٥) ما رواه البزار، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد ابن محمد بن عبد العزيز، وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فسألهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء.
قال البزار: «لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه». اهـ
[ضعيف جدًا، والمعروف من حديث أهل قباء ذكر الاستنجاء بالماء دون ذكر الحجارة] (٣).
الدليل الثاني:
وأما الدليل الصحيح في الجمع بين الحجارة والماء، إلا أنه ليس صريحًا.
(١٥٣٤ - ٢٧٦) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،
عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: أبغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت. فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا (١).
стр. 3679
وجه الاستدلال:
قوله: (كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته) فالماء كان للوضوء والحاجة، أي لطهارة الحدث والخبث، قال: فقال: (أبغني أحجارًا استنفض بها) وقد طلب الرسول ﷺ الحجارة، فيبعد أن يسعى أبو هريرة بحمل الماء لحاجة النبي ﷺ ، ثم لا يستعمله، وهو أولى من الحجارة، وأشد أنقاء، فربما طلب الحجارة ليخفف أثر النجاسة، ثم يزيل عينها بالماء، وهو ليس صريحًا بأنه استعملهما معًا.
الدليل الثالث:
أن الرسول ﷺ ربما جمع بين التراب والماء في طهارة غير الاستنجاء، والاستنجاء مقيس عليها.
(١٥٣٥ - ٢٧٧) قال البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (١). صحيح البخاري: (٣٨٦٠)
ولفظ مسلم: ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة. الحديث.
الدليل الرابع:
(١٥٣٦ - ٢٧٨) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال علي: إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعرًا، وإنكم تثلطون ثلطًا، فأتبعوا الحجارة بالماء (٢).
стр. 3680
[إسناده ضعيف] (١).
• دليل من قال: لا يجمع بين الحجارة والماء:
قال بعض العلماء المعاصرين: «الجمع بين الحجارة والماء في الاستنجاء لم يصح عنه ﷺ ، فأخشى أن يكون من الغلو في الدين؛ لأن هديه ﷺ الاكتفاء بأحدهما، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها» (٢).
وأخشى أن يكون المنع منه فيه غلو أيضًا، وإزالة النجاسة ليست كالعبادات