وربما قالت عائشة هذا بما عرفت من نفسها.
(١٥٥٦ - ١٨) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂:
أن النبي ﷺ تزوجها، وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه، وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا. وهو في مسلم (١).
ولا يفهم من الحديث التحديد.
الدليل الثاني:
من النظر. قال ابن قدامة: «دم الحيض إنما خلقه الله لحكمة تربية الحمل به، فمن لا تصلح للحمل لا توجد فيها حكمته، فينتفي لانتفاء حكمته، كالمني فإنهما متقاربان في المعنى، فإن أحدهما يخلق منه الولد، والآخر يربيه ويغذيه، وكل واحد منهما لا يوجد من صغير. ووجودهما علم على البلوغ. وأقل سن تبلغ له الجارية تسع سنين فكان ذلك أقل سن تحيض له الجارية» (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: إن المرجع في هذه المسألة إلى الوجود؛ لأنه لم يأت تحديد ذلك من الشرع، ولم يوجد من النساء من يحضن عادة فيما دون هذا السن (٣).
قال الشافعي: «أعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة، يحضن لتسع سنين، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة» (٤).
стр. 3747
والشافعي أخبر بما وجد، وإلا يمكن على مذهبه أن يكون لها تسعة عشر عامًا وشيء.
وقد جاء في المبسوط للسرخسي: «ابنة أبي مطيع البلخي، صارت جدة ولها من العمر تسعة عشر عامًا» (١).
وحساب ذلك أن يكون أبو مطيع زوج ابنته، وهي بنت تسع سنين فوضعت لأقل الحمل: أي بعد ستة أشهر، وكانت أنثى، وزوجها هي الأخرى، وعمرها تسع سنين، فوضعت لأقل الحمل هي الأخرى، فأصبحت الأم جدة، وعمرها تسعة عشر عامًا.
دليل من قال: يمكن أن تحيض الجارية وعمرها ست سنوات:
لا أعلم له دليلًا، لا من الأثر، ولا من النظر. وإنما قال ذلك أبو نصر محمد بن سلام، وقد سئل كما في المبسوط: عن ابنة ست سنين إذا رأت الدم، فهل يكون هذا دم حيض؟
فأجاب: إن تمادى بها مدة الحيض، ولم يكن نزوله لآفة، فهو حيض (٢).
فهذا جواب على سؤال افتراضي لا دليل عليه، لا من الأثر، ولا من النظر ولم يكن سؤالًا عن أمر واقع حتى يبنى عليه حكم. والله أعلم.
دليل من حدد سن الحيض بسبع سنين:
(١٥٥٧ - ١٩) استدلوا بما رواه أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن
стр. 3748
شعيب عن أبيه: عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (١).
[منكر، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شواهد ضعيفة جدًّا، وأمثل حديث في الباب حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن الأصل في الأمر الوجوب، ولا يؤمرون إلا إذا كانوا بالغين؛ لأن غير البالغ قد رفع عنه القلم.
وهذا الاستدلال فيه ضعف؛ لأن الأمر لم يوجه للصبيان، وإنما خوطب به الأولياء، من باب التربية، وتعويدهم على الصلاة وتدريبهم عليها، حتى إذا بلغوا كان قيامهم بالأمر سهلًا، ولو كان الخطاب موجهًا إليهم لكان ممكنًا أن يصح الاستدلال.
ولذلك في سورة النور. قال : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ) [النور: ٥٨].
وحين بلغوا وجه الخطاب إليهم مباشرة فقال سبحانه: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) [النور: ٥٩].
دليل من قال: أدنى سن تحيض به المرأة اثنا عشر سنة:
(١٥٥٨ - ٢٠) استدلوا بما روي مرفوعًا عن أبي أمامة ﵁: ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش، شافع ومشفع، من لم يبلغ اثنتي عشرة سنة، ومن بلغ ثلاث عشرة سنة فعليه وله.
стр. 3749
[ضعيف جدًّا] (١).
ظاهره أن التكليف منوط ببلوغ هذا السن؛ ولأن لفظ الذراري يشمل الذكر والأنثى.
دليل من قال بعدم التحديد:
الدليل الأول:
التحديد يحتاج إلى توقيف ولا يوجد دليل من الكتاب، ولا من السنة على القول بالتحديد، فمتى وجد الدم الذي يمكن أن يحكم له بأنه حيض في لونه، ورائحته، وثخونته، فهو حيض، ولو كان هناك تحديد بحيث لا يعتبر الدم قبله، ولا بعده حيضًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه للأمة، ولو بينه لنقلوه، ولحفظه الله لنا؛ حيث تعهد بحفظ الشريعة.
الدليل الثاني:
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].
وجه الاستدلال:
علق الله الحكم بوجود الدم، الذي هو أذى، فإذا وجد الأذى وجد الحيض.
стр. 3750
قال شيخ الإسلام في الفتاوى: «لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، ولا لأكثره، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض، وإن كانت دون تسع سنين، أو فوق خمسين؛ وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله على وجوده، ولم يحدد الله ، ولا رسوله سنًا معينًا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، ولا دليل في ذلك» (١).
وقال ابن رشد في المقدمات الممهدات: «فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس له حد من السن، إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض، وأما اليفعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض، وكان ذلك دلالة على البلوغ» (٢).
وقال في مواهب الجليل: «وسن النساء قد يختلف في البلوغ، فالواجب أن يرجع في ذلك إلى ما يعرفه النساء، فهن على الفروج مؤتمنات، فإن شككن أخذ في ذلك بالأحوط» (٣).
وقال السعدي: «الحيض هو دم طبيعة وجبلة، وذلك يختلف باختلاف النساء والأحوال والفصول، والقوة والضعف، وغيرها، فكونه يربط بسن معين، ومقدار معين، ويلغى ما سواه مع مماثلته له، فمع كونه مخالفًا لظاهر النصوص الشرعية، فإنه مناف للأحوال الطبيعية.
يوضح هذا القول الصحيح، أن القول الذي تقولونه، مع أنه لا يدل عليه كتاب ولا سنة، فإنه لا يمكن أن يبنى على قاعدة من القواعد، ولا أصل من الأصول ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى (٤).
стр. 3751
وهذا القول هو الراجح، إلا أنني أقطع أن سن السابعة لا يمكن أن يكون زمن حيض؛ لأن الرسول ﷺ جعل الخطاب فيه للأولياء، فقال: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، وسبق تخريجه، ولم يؤمر الولي بعقاب الولد في تلك السن؛ لأنها ليست سنًا صالحة للتكليف.
* * *
стр. 3752
المبحث الأول التحديد بالسن تقريب لا تحديد
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
السن الذي تحيض فيه المرأة تقريب لا تحديد؛ لتفاوت النساء.
[م-٦٨٣] علمنا في المسألة السابقة خلاف العلماء في أقل سن تحيض فيه المرأة، فكان العلماء على قولين: أحدهما يذهب إلى تقديره بالسن، والآخر يذهب إلى عدم التحديد.
فأما القائلون بالتحديد بالسن فقد اختلفوا هل هذا تحديد أم تقريب؟ على قولين:
القول الأول:
أنه تحديد، فلو نقص عن التسع ما نقص فليس بحيض، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
قال في الإنصاف: «وحيث قلنا: أقل سن تحيض له كذا فهو تحديد، فلا بد من
стр. 3753
تمام تسع سنين» (١).
القول الثاني:
أنه تقريب. وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، وصححه الروياني، والرافعي، وغيرهما.
فعلى هذا قال صاحب الحاوي: لا يؤثر نقص اليوم، واليومين.
قال الدارمي: لا يؤثر الشهر، والشهران (٢).
وقال النووي في الروضة: «وهذا الضبط للتقريب على الأصح، فلو كان بين رؤية الدم، واستكمال التسع على الصحيح، ما لا يسع حيضًا وطهرًا، كان ذلك الدم حيضًا، وإلا فلا» (٣).
* * *
стр. 3754
المبحث الثاني المعتبر بالتحديد السنون القمرية
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
لا عبرة في الأمور الشرعية بتوقيت غير التوقيت القمري، قال عن الأهلة: (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩].
[م-٦٨٤] لم يختلف القائلون بتحديد السن الذي تحيض فيه المرأة أن المراد بالسنين: هي السنون القمرية.
قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩].
فقوله سبحانه: (مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) إشارة إلى أنها مواقيت عالمية، لعموم الناس مسلمهم وكافرهم. ولا عبرة بتوقيت غير التوقيت القمري. وقد أشار سبحانه بأنه توقيت منذ خلق السموات والأرض.
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) الآية [التوبة: ٣٦].
(١٥٥٩ - ٢١) ومن السنة ما رواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن
стр. 3755
المسيب،
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا. ورواه البخاري (١).
* * *
стр. 3756
المبحث الثالث في دم الصغيرة التي لا يمكن أن تحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل دم لا يكون حيضًا، ولا نفاسًا فهو دم استحاضة وفساد.
- الدم الخارج من الفرج ثلاثة: دم حيض، ودم نفاس، ودم فساد، ويقال له دم استحاضة.
- كل امرأة لا يمكن أن تحمل إما لصغرها، وإما لهرمها، فما تراه من الدم لا يمكن أن يكون حيضًا.
- إذا وجد الحيض كان علامة على إمكان الحمل من المرأة إلا لعلة.
- الآيسة والصغيرة التي لا يمكن حملها لا يحيضان.
[م-٦٨٥] إذا قلنا بالتحديد، وأن أدنى سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، أو اثنتا عشرة سنة، فرأت الدم قبل ذلك، فماذا يكون؟
فقيل: دم علة وفساد.
وقيل: دم استحاضة،
стр. 3757
وقيل: لا فرق بين دم العلة والفساد، وبين دم الاستحاضة، فكل واحد منهما يطلق على الآخر؛ لأن دم الاستحاضة دم علة ومرض.
وإذا كان الفساد يقابله الصحيح، أو الصحة؛ فإن دم الاستحاضة ليس عن صحة، بل هو عن علة ومرض فيكون فسادًا.
وهل الخلاف لفظي، لا يتجاوز المصطلح؟ أم بينهما فرق في الأحكام؟ قد يقال: إن الخلاف لفظي؛ لأن دم الفساد، ودم الاستحاضة كل منهما لا يمنع الصلاة والصيام ونحوهما.
وقد يقال: إن الخلاف ليس لفظيًا؛ فإن دم الاستحاضة له أحكام من العمل بالعادة إذا أقبلت، أو العمل بالتمييز، بينما دم الفساد هو كالجرح، وكمن به سلس بول؛ لأنه قد يحصل من الصغيرة التي لا تحيض فلا يمكن أن ينزل عليه أحكام الحيض، كما لا يمكن أن ينزل عليه أحكام الاستحاضة.
إذا عرفت ذلك، فإليك النقول عن أهل العلم.
قال ابن نجيم في البحر الرائق: «قال بعضهم إن ما تراه المرأة قبل استكمال تسع سنين فهو دم فساد، ولا يقال له استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على صفة لاتكون حيضًا؛ ولهذا قال الأزهري: الاستحاضة سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة» (١).
قلت: التعليل ليس بجيد؛ لأن الدم الذي تراه قبل تسع سنين على القول بالتحديد يصدق عليه أنه على صفة لا تكون حيضًا.
وقال الشافعي كما في المجموع: «لو رأت الدم قبل استكمال تسع سنين، فهو دم فساد. ولا يقال له استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على إثر حيض -ثم قال في فصل المميزة-: «ولو رأت الدم خمسة عشر يومًا دمًا أسود، ثم رأت أحمر، فالأسود
стр. 3758
حيض وفي الأحمر وجهان:
قال أبو إسحاق: هو استحاضة.
وقال ابن جريج: هو دم فساد لا استحاضة؛ لأن الاستحاضة ما دخل على إثر حيض في زمانه، ثم جاوز خمسة عشر» (١).
وقال الماوردي في الحاوي الكبير: «النساء على أربعة أضرب: طاهر، وحائض، ومستحاضة، وذات فساد.
فأما الطاهر: فهي التي ترى النقاء. ومعناه: أن تستدخل القطن فيخرج نقيًا.
وأما الحائض فهي التي ترى الدم في زمان يكون حيضًا.
وأما المستحاضة: فهي التي ترى الدم في إثر الحيض على صفة لا تكون حيضًا.
وأما ذات الفساد فهي التي تبتدئ بدم لايكون حيضًا» (٢).
قال النووي بعد نقله لكلام الحاوي: «وحاصله أن الاستحاضة لا تطلق إلا على دم متصل بالحيض، وليس بحيض، وأما ما لا يتصل بالحيض فدم فساد، ولا يسمى استحاضة، وقد وافقه عليه جماعة.
وقال الأكثرون: يسمى الجميع استحاضة. قالوا: والاستحاضة نوعان: نوع يتصل بدم الحيض. وقد سبق بيانه.
ونوع لا يتصل به، كصغيرة لم تبلغ تسع سنين رأت الدم، وكبيرة رأته وانقطع لدون يوم وليلة. فحكمه حكم الحدث.
قال النووي: وهو الأصح الموافق لما سبق عن الأزهري وغيره من أهل اللغة، أن الاستحاضة دم يجري في غير أوانه» (٣).
стр. 3759
وقال ابن رشد في المقدمات: «والدم الذي تراه المرأة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: دم حيض، ودم استحاضة ويسمونه دم علة وفساد، ودم نفاس» (١).
* * *
стр. 3760
الفصل الثاني
منتهى سن الحيض عند النساء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل امرأة لا يمكن حملها لهرمها فما تراه من الدم بعد انقطاعه لا يكون حيضًا.
- استمرار الحيض مع المرأة علامة على إمكان حملها.
- إذا استمر الحيض مع المرأة لم تكن آيسة إذا أمكن أن يأتي منها الولد.
- ما تراه العجوز من الدم بعد اليأس منه لا يكون حيضًا؛ لتعذر الحمل.
- كل من انقطع حيضها فهي آيسة حتى يرجع، ولو كانت شابة.
وقيل:
- لا حد لمنتهى سن الحيض عند النساء، والمرجع فيه إلى قنوط المرأة من عودة الدم.
- علق الله نهاية الحيض باليأس منه، واليأس، هو القنوط، وهو ضد الرجاء، ولم يعلقه ببلوغ سن معينة.
- كل دم لا يكون عن نفاس، ولا علة فهو دم حيض بشرط أن يسبقه طهر صحيح.
- وصف الله الحيض بأنه أذى، فمتى وجد وجد حكمه.
стр. 3761
[م-٦٨٦] اختلف العلماء في منتهى سن الحيض إلى أقوال:
فقيل: لا حيض بعد خمسين سنة، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، واختاره ابن شعبان من المالكية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق (١).
وقيل: منتهى الحيض خمس وخمسون سنة، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية (٢).
وقيل: لاحيض بعد ستين سنة. حكاه ابن نجيم عن أكثر المشايخ (٣)، وهو رواية عن أحمد (٤)، واختاره المحاملي من الشافعية (٥).
وقيل: لا حيض بعد سبعين سنة، وقبلها يسأل عنها النساء، وهو المشهور المعتمد في مذهب المالكية (٦).
стр. 3762
وقيل: إن رأت الدم بعد الخمسين إلى الستين فمشكوك فيه، تصوم، وتصلي، وتقضي الصوم احتياطًا. وهو اختيار الخرقي من الحنابلة (١).
وقيل: نساء العجم إلى خمسين، ونساء العرب إلى الستين؛ لأنهن أقوى جبلة. وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: لا تحديد لمنتهى سن الحيض عند النساء، وهو رواية عن أبي حنيفة (٣)، واختاره ابن رشد من المالكية (٤)، والماوردي من الشافعية (٥) وكذلك ابن تيمية من الحنابلة (٦).
دليل من قال: لا حيض بعد الخمسين:
(١٥٦٠ - ٢٢) قال ابن قدامة: روي عن عائشة أنها قالت: إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض (٧).
قال الزركشي: ذكره أحمد في رواية حنبل عنه (٨).
وروي عنها أنها قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدًا بعد الخمسين.
قال الزركشي: رواه الدارقطني (٩). ولم أقف عليه (١٠).
стр. 3763
ولا يعلم ثبوت ذلك عن عائشة، وعلى فرض ثبوت ذلك عنها؛ فإنها قد تكون قالت ذلك بناء على غالب النساء، أو بناء على من التقت بهن من النساء، وليس عامًا في كل النساء.
قال ابن قدامة: «وما ذكر عن عائشة لا حجة فيه؛ لأن وجود الحيض أمر حقيقي، المرجع فيه إلى الوجود، والوجود لا علم لها به، ثم قد وجد بخلاف ما قالته؛ فإن موسى بن عبد الله بن حسن قد ولدته أمه بعد الخمسين، ووجد الحيض بعد الخمسين فلا يمكن إنكاره.
فإن قيل: هذا الدم ليس بحيض مع كونه على صفته وفي وقته وعادته بغير نص، فهذا تحكم لا يقبل».اهـ
* دليل من حد سن اليأس بالستين أو السبعين أو نحوهما:
قال في شرح العمدة: «لا يختلف المذهب أن لانقطاع الحيض غاية إذا بلغتها المرأة لم تحض بعدها، بل يكون الدم حينئذٍ دم فساد؛ لأن الله تعالى قال: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) [الطلاق: ٤]، ولو أمكن أن الحيض لا ينقطع أبدًا، لم ييئسن أبدًا؛ ولأنه لم يوجد حيض معتاد في بنت المائة ونحوها فإن وجود شيء من ذلك فهو دم فساد
стр. 3764
كالصغيرة. وهذه الغاية ستون سنة في إحدى الروايات؛ لأن ما قبل ذلك قد وجد حيض معتاد بنقل نساء ثقات». اهـ
وإذا رأيت هذا الاختلاف بينهم، فبعضهم يقول: خمس وخمسون سنة، وبعضهم ستون، وبعضهم سبعون. رأيت أن كل واحد منهم قال بحسب ما كان غالبًا في بيئته، ومشهورًا بين نسائه، وكلها تدل على أنه ليس في المسألة نص وإلا لما كان هذا الاختلاف، واليأس ليس سنًا محددًا متى ما بلغته أصبحت يائسة، بل هو وصف يلحق المرأة، كما أن الحيض ليس سنًا بمجرد بلوغه تكون حائضًا حتى تتصف به. فاليأس من المحيض كما تقتضيه معنى الكلمة لغة: هو القنوط من رجوعه، وانقطاع الرجاء بنزوله، ولهذا سوى الله في العدة بين المرأة التي لا تحيض، وبين المرأة اليائسة من المحيض بجامع أن كلًا منهما لا تحيض.
* دليل من قال: الدم من الخمسين إلى الستين مشكوك فيه:
قال الخرقي: «وإذا رأت الدم ولها خمسون سنة، فلا تدع الصوم ولا الصلاة، وتقضي الصوم احتياطًا. فإن رأته بعد الستين فقد زال الإشكال، وتيقن أنه ليس بحيض، فتصوم وتصلي ولا تقضي» (١).
ولعل الخرقي حين رأى أن في مذهب أحمد قولين:
الأول: أنه لا حيض بعد خمسين سنة.
الثاني: أن الغاية في الحيض ستون سنة.
تعارض عنده هذان القولان، فأعرض عنهما، وقال: إن ما بينهما مشكوك فيه، لا تترك له الصلاة ولا الصوم؛ لأن وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك، وتقضي الصوم المفروض احتياطًا؛ لأن وجوبه كان متيقنًا، وما صامته في زمن الدم مشكوك في
стр. 3765
صحته، فلا يسقط به ما تيقن وجوبه (١).
وقال الزركشي: «كأن الخرقي ﵀ تعارضت عنده هذه الأقوال فأعرض عنها وقال: إن ما بينهما مشكوك فيه، فتصوم وتصلي؛ لاحتمال كونه دم حيض، وأداء الصلاة لا يلزمها، والصوم الواجب تقضيه لعدم صحته منها على هذا التقدير» (٢).
قلت: هذا القول في غاية الضعف؛ لأن الله لم يوجب على العبد صيام يوم واحد مرتين؛ ولأن الشك ليس في أحكام الله، وإنما هو وصف عارض يطرأ على الشخص إما لقصور في البحث، أو لتردد في أدلة ظاهرها التعارض، وما يكون عند فلان من شك وتردد لا يكون عند الآخر.
دليل من قال: لا حد بالسن لمنتهى الحيض:
الدليل الأول:
من القرآن الكريم قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].
فأخبر الله عن المحيض بأنه هو الأذى الخارج من الفرج، فإذا وجد هذا الأذى وجد حكمه، فكيف نحكم لهذا الدم قبل تمام الخمسين بشهر بأنه حيض وبعد تمام الخمسين نحكم بأنه دم فساد، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، ومثله يقال لمن حد سن اليأس بالستين أو بالسبعين أو بغيرهما.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ) [الطلاق: ٤].
فعلق الله سبحانه نهاية الحيض باليأس، ولم يعلقه ببلوغ سن معينة، والمرأة التي ما زال حيضها مطردًا مستمرًا على صفته ولونه كيف يقال عنها بأنها آيسة من المحيض
стр. 3766
لمجرد بلوغها خمسين سنة أو ستين سنة ولو كان لليأس سن معين لقال: واللائي بلغن خمسين سنة.
قال ابن تيمية: «واليأس المذكور في قوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) [الطلاق: ٤] ليس هو في الوصول إلى سن معين، ولو كان ذلك في بلوغ سن لبينه النبي ﷺ ، وإنما هو أن تيئس المرأة نفسها من أن تحيض، فإذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فقد يئست من المحيض، ولو كانت بنت أربعين، ثم إذا تربصت وعاد الدم تبين أنها لم تكن آيسة ... ومن لم يجعل هذا هو اليأس فقوله مضطرب» (١).
الدليل الثالث:
اليأس في اللغة هو القنوط، وهو نقيض الرجاء (٢). فكيف يقال للمرأة وهي ترجو الحيض في أوقاته، ويأتيها على صفته المعهودة بأنها يائسة.
قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) [يوسف: ٨٠]: أي لما يئسوا من استخلاصه.
وقال تعالى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون) [يوسف: ٨٧]: أي لا يقنط من رحمته وفرجه (٣)، فإذا انقطع رجاء المرأة من نزول الحيض فقد بلغت سن اليأس منه، أما تفسير اليأس بالآية في قوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ)) [الطلاق: ٤] ببلوغ سن معينة فهو غير معروفة باللغة، والمرجع إنما هو إلى اللغة حيث لم ترد له حقيقة شرعية.
الدليل الرابع:
لم يأت في الكتاب ولا في السنة تحديد لمنتهى سن الحيض بغير اليأس، فأحكام
стр. 3767
الحيض علقها الله ورسوله على وجوده، وأحكام الطهارة علقت على إدباره، ولم يحدد الله ورسوله لذلك سنًا معينًا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علقت الأحكام عليه، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من السنة، ولا دليل على ذلك.
الدليل الخامس:
(١٥٦١ - ٢٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.
ورواه مسلم إلا قوله: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة ... إلخ (١).
وجه الاستدلال:
علق الرسول ﷺ أحكام الحيض على إقباله، كما علق أحكام الطهارة على إدباره، ولم يعلقها على بلوغ سن معين، فإذا أقبل الحيض في أي زمن حتى ولو بعد الخمسين تركت الصلاة، وإذا أدبر الحيض حكم بطهارتِها.
الدليل السادس:
(١٥٦٢ - ٢٤) ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن محمد، -يعنى: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قالت: إنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ :
إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي.
стр. 3768
[الحديث فيه انقطاع واضطراب بالإسناد، ومخالف لما في الصحيحين من قصة فاطمة].
وانظر تخريجه في أحكام الاستحاضة، ح (١٩٦٩).
وجه الاستدلال:
في الحديث أَمر المرأة إذا رأت الدم الأسود المعروف بأنه دم حيض بأن تترك الصلاة، وإطلاق الحديث يشمل المسنة.
الدليل السابع:
اضطراب أقوال القائلين بالتحديد دليل على ضعفها، فبعضهم حدد ذلك بخمسين، وبعضهم بالستين، وبعضهم بالسبعين، كل هذا يدل على أنه ليس في المسألة نص قاطع، وسنة واضحة، وهي أقوال مبنية على الرأي المحض وأحسن أحوالها أن يكون كل واحد منهم حكم بحسب أهل بلده، وهذا يختلف باختلاف حرارة البلاد وبرودتِها، وقوة طبيعة النساء وضعفها في تلك البلاد (١).
ورغم قوة أدلة هذا الفريق إلا أنه مبني على الافتراض فلم توجد امرأة في السبعين تحيض، ويأتي منها الولد، ووجد بعد الخمسين بشكل نادر جدًّا، والحيض والحمل متلازمان، فلا يوجد حمل من امرأة لا تحيض ولو كانت شابة، وإنما يظهر استعداد المرأة للحمل والنكاح بظهور الحيض وانتظامه، لهذا إذا انقطع الرجاء من حمل المرأة كان علامة على دخولها سن اليأس ولو كان ذلك مبكرًا من عمرها. والله أعلم.
стр. 3769
قال ابن رشد: «وأما العجوز التي لا تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض» (١).
* * *
стр. 3770
فرع
إذا انقطع الدم عن الكبيرة ثم عاد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل امرأة لا يمكن حملها لهرمها فما تراه من الدم بعد انقطاعه لا يكون حيضًا.
- الآيسة والصغيرة التي لا يمكن حملها لا يحيضان.
- كل امرأة لا يمكن أن تحمل إما لصغرها، وإما لهرمها، فما تراه من الدم لا يمكن أن يكون حيضًا.
[م-٦٨٧] إذا انقطع الدم عن المرأة الكبيرة لكونها كبيرة، ودام انقطاعه سنوات ثم عاودها الدم فما الحكم؟
الجواب: إذا كانت صفرة أو كدرة فلا تلتفت إليه؛ لأن الصفرة والكدرة في سلطان الحيض وزمانه، ووقت نزول العادة حيض، أما هذه فقد يئست، كما أن الدم إن كان مجرد قطعة من الدم لم يكن متصلًا فكذلك لا تلتفت إليه؛ لأن ذلك ربما كان ناتجًا عن حمل المرأة شيئًا ثقيلًا نزل على أثره قطعة من الدم. فإن كان الدم جاريًا، ولا تعلم له سبب، فقد اختلف العلماء هل يكون دم فساد مثله مثل من به سلس بول، أو يكون حيضًا؟ والأقوال لا تخرج عن ثلاثة أقوال:
стр. 3771
القول الأول: أنه دم فساد، يكون حكمه حكم من به حدث دائم، فلا تترك الصلاة والصيام، وهذا أحد القولين في مذهب المالكية، وبه قال أحمد وإسحاق.
قال أحمد في المرأة الكبيرة ترى الدم: لا يكون حيضًا، هو بمنزلة الجرح، وإن اغتسلت فحسن (١)، فلم يجعل حكمها كحكم الاستحاضة، وذلك بالعمل بالتمييز، أو العادة؛ لأنه لا يرى أن يتأتى منها الحيض، وهي بهذا السن.
وقال ابن رشد: «وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض، فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر، كما ينتفي مع الصغر» (٢).
- وجه القول بأنه دم فساد:
أنه دم امرأة لا يمكن أن تحمل، فلم يمنع الصلاة والصيام.
قال إسحاق: حكمها حكم المستحاضة إذا جاوزت الخمسين؛ لأنها لا تلد بعد الخمسين أبدًا (٣).
وهذا التعليل لا يبعد من جهة الطب، ذلك أن الحيض هو جدار يبطن به الرحم استعدادًا لتخصيب البويضة، حتى تعلق به، ومن ثم ينمو الجنين وتتكون المشيمة، كما سيأتي بيانه عند الكلام كيف تحيض المرأة، وما دام أن المرأة لا يمكن أن تحمل، فلا يمكن أن تحيض.
القول الثاني:
إن كان الدم على صفة دم الحيض، فإنه حيض، اختاره بعض المالكية، ورجحه ابن حزم، وابن تيمية (٤).
стр. 3772
وجه هذا القول:
بأن كل دم يحمل صفات دم الحيض فهو حيض.
ولأن الطهر لا حد له، فقد يطول بالمرأة حتى تظن أنها آيسة، وبعود الدم تبين أنها لم تكن كذلك.
ولأن الله أخبر عن الحيض بأنه أذى، فإذا وجد الأذى فقد وجد الحيض.
قال في المحلى: «وإن رأت العجوز المسنة دمًا أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء، برهان ذلك قوله ﷺ -الذي ذكرناه قبل بإسناده-: (إن دم الحيض أسود يعرف).
وأمر رسول الله ﷺ إذا رأته بترك الصلاة، وقوله ﵇ في الحديث: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) فهذا دم أسود، وهي من بنات آدم، ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس حيضًا، كما جاء به النص في الحامل، فإن ذكروا قول الله (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) [الطلاق: ٤]. قلنا: إنما أخبر الله تعالى عنهن بيأسهن، ولم يخبر تعالى أن يأسهن حق قاطع لحيضهن، ولم ننكر يأسهن من الحيض لكن قلنا: إن يأسهن من الحيض ليس مانعًا من أن يحدث الله تعالى لهن حيضًا، ولا أخبر تعالى بأن ذلك لا يكون ولا رسوله ﷺ ، وقد قال تعالى (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَاّتِي لا يَرْجُونَ) [النور: ٦٠]. فأخبر تعالى أنهن يائسات من النكاح، ولم يكن ذلك مانعًا من أن ينكحن بلا خلاف من أحد، ولا فرق بين ورود الكلامين من الله تعالى من اللائي يئسن من المحيض، واللائي لا يرجون نكاحًا، فكلاهما حكم وارد في اللواتي يظنن هذين الظنين، وكلاهما لا يمنع مما يئسن منه من المحيض والنكاح» (١).
وقال ابن تيمية: «إذا انقطع دمها ويئست من أن يعود، فقد يئست من المحيض،
стр. 3773
ولو كانت بنت أربعين، فإذا تربصت وعاد الدم، تبين أنها لم تكن آيسة» (١).
ودليل آخر أن الله علق أحكام الحيض على وجوده، فقال : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]. فإذا وجد الأذى وجد حكمه، ولا فرق بين كونه يتقدمه طهر طويل، أو طهر قصير، ما دام أن هذا الدم له لون دم الحيض، ورائحته النتنة التي تعرفها المرأة من عادتها.
القول الثالث:
لا نحكم له بأنه حيض حتى يتكرر ثلاث مرات، وقد جاء في مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله «سألت أبي عن امرأة قد أتى عليها نيف وخمسون سنة، ولم تحض منذ سنة، وقد رأت منذ يومين دمًا ليس بالكثير، ولكنها إذا استنجت رأته، ولم تفطر، ولم تترك الصلاة. ما ترى لها؟
فقال أبي: لا تلتفت إليه، تصوم وتصلي، فإن عاودها بعد ذلك مرتين أو ثلاثًا فهذا حيض، وقد رجع تقضي الصوم. قلت: فالصلاة؟ قال: لا» (٢).
* * *
стр. 3774
الفصل الثالث
في إمكان الحيض من الحمل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
-الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.
- الحيض والحمل لا يجتمعان.
[م-٦٨٨] اختلف العلماء في الحامل هل تحيض أم لا؟
فقيل: لا تحيض، وهو المشهور من مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢) والقديم من قول الشافعي (٣).
стр. 3775
وقيل: بل تحيض، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية في الجديد (٢)، ورواية عن أحمد، بل حكي أنه رجع إليه (٣).
- أدلة من قال: الحامل لا تحيض:
(١٥٦٣ - ٢٥) روى الدارقطني، قال: أخبرنا أبو محمد بن صاعد، أخبرنا عبد الله بن عمران العائذي بمكة، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مسلم الجندي، عن عكرمة عن ابن عباس قال:
نهى ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض.
قال لنا ابن صاعد: وما قال لنا في هذا الإسناد أحد عن ابن عباس إلا العائذي (٤) اهـ يعني أنه انفرد بوصله وغيره يرسله.
[صحيح بمجموع طرقه] (٥).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ جعل وجود الحيض علمًا على براءة الرحم، ولو كانت الحامل تحيض ما جاز وطؤها بمجرد الحيض.
وأجيب:
قال ابن عبد البر: «ليس في قوله ﵇: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض) ما ينفي أن يكون حيض على حمل؛ لأن الحديث إنما ورد في سبي أوطاس، حين أرادوا وطأهن، فأخبر أن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع، والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض، لا أن الحامل لا تحيض» (١).
وقال ابن القيم: «النبي ﷺ قسم النساء إلى قسمين:
حامل، فعدتها وضع الحمل، وحائل، فعدتها بالحيض.
ونحن قائلون بموجب هذا، غير منازعين فيه، ولكن أين فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصوم وتصلي، هذا أمر آخر لا تعرض للحديث به. ولهذا يقول القائل بأن دمها دم حيض هذه العبارة بعينها، ولا يعد هذا تناقضًا ولا خللًا في العبارة.
وقال أيضًا: قولكم إنه جعله دليلًا على براءة الرحم من الحمل في العدة والاستبراء. جعله دليلًا ظاهرًا أو قطعيًّا؟
الأول: صحيح. والثاني: باطل؛ فإنه لو كان دليلًا قطعيًا لما تخلف عن مدلوله،
стр. 3780
ولكانت أول مدة الحمل من حين انقطاع الحيض، وهذا لم يقله أحد، بل أول مدة الحمل من حين الوطء، ولو حاضت بعده عدة حيض، فلو وطئها، ثم جاءت لولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء، ولأقل منها من حين انقطاع الحيض لحقه نسبه اتفاقًا، فعلم أنه أمارة ظاهرة، وقد يتخلف عنها مدلولها تخلف المطر عن الغيم الرطب.
وبهذا يخرج الجواب عما استدللتم به من السنة، فإنّا بها قائلون، وإلى حكمها صائرون، وهي الحكم بين المتنازعين (١).
ولا أرى أن جواب ابن عبد البر وابن القيم قد أجاب عن الإشكال، فإن الرسول ﷺ منع من إتيان الحامل، وأذن في إتيان الأمة بعد الحيض، ولو كان مما يصح أن تكون حاملًا لمنع من إتيانها كما منع من إتيان الحامل، فلما أذن في إتيانها بعد الحيض كان هذا دليلًا على عدم وجود الحمل.
الدليل الثاني:
(١٥٦٤ - ٢٦) ما رواه مسلم ﵀ من طريق سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر:
أنه طلق امرأته وهى حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا (٢).
جاء في التنقيح: «قال أبو بكر الأثرم لأبي عبد الله ما ترى في الحامل ترى الدم تمسك عن الصلاة؟
قال: لا. قلت: أي شيء أثبت في هذا الباب؟
فقال: أنا أذهب في هذا إلى حديث محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم،
стр. 3781
عن أبيه، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا.
فأقام الطهر مقام الحمل. فقلت: فإنك ذهبت بهذا الحديث إلى أن الحامل لا تكون إلا طاهرًا؟ قال: نعم» (١).
الدليل الثالث:
قالوا: طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعًا، ولو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملًا بعموم الخبر (٢).
وأجيب بما يلي:
قال ابن القيم: في حديث ابن عمر إباحة الطلاق إذا كانت حائلًا بشرطين: الطهر، وعدم المسيس. فأين هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها.
وقولكم: إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم بدعة، وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة، وإن رأت الدم.
قلنا: إن النبي ﷺ قسم أحوال النساء التي يراد طلاقها إلى:
- حال حمل.
- حال خلو منه.
وجواز طلاق الحامل مطلقًا من غير استثناء، وأما غير ذات الحمل فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين، وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد، بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق، وأن غيرها إنما تطلق طاهرًا غير مصابة، ولا يشترط في الحمل شيء من هذا، بل تطلق عقيب الإصابة، وتطلق وإن رأت الدم فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها، لا يحرم حال حيضها، وهذا الذي تقتضية حكمة
стр. 3782
الشرع في وقت الطلاق إذنًا ومنعًا، فإن المرأة متى استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره، ولم يعرض له من الندم ما يعرض له بعد الجماع ولا يشعر بحملها، فليس ما مُنِع منه نظير ما أذن فيه لا شرعًا ولا واقعًا ولا اعتبارًا، ولا سيما من علل المنع من الطلاق في الحيض بتطويل العدة، فهذا لا أثر له في الحمل (١).
الدليل الرابع:
قالوا: إن الله أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنًا وغذاء للحمل، فالخارج وقت الحمل يكون غيره، فهو دم فساد.
وأجيب:
قال ابن القيم: «وهذا من أكبر حجتنا عليكم؛ فإن هذا الانقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم عند الوضع، وهو زمن سلطان الرضاع، وارتضاع المولود، وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض، ومع هذا لو رأت دمًا في وقت عادتها لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق، فلأن يحكم له بحكم الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه ولا تغذى الطفل به أولى وأحرى. وهب أن هذا كما تقولون، فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى التغذية باللبن، وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح، فأما قبل ذلك فإنه لا ينقلب لبنًا لعدم حاجة الحمل إليه. وأيضًا فإنه لا يستحيل كله لبنًا، بل يستحيل بعضه، ويخرج الباقي (٢).
الدليل الخامس:
قال تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة: ٢٢٨].
وقال سبحانه: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤].
قالوا: فلو كانت الحامل تحيض لكانت عدتها ثلاث حيض، فلما كان الدم الذي قد تراه الحامل لا ينقضي به العدة لم يكن حيضًا بل استحاضة.
стр. 3783
ورد هذا الاستدلال:
بأن الله جعل عدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الحائل بالأقراء، ولو أمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لأفضى ذلك بأن يملكها الثاني أو يتزوجها وهي حامل من غيره، فيسقي ماؤه زرع غيره (١).
والحمل يسيطر على ما عداه من العدد، فهو يلغي بأن يكون عدة ويلغي غيره كما لو مات رجل عن امرأته، وهي حامل، ووضعت بعد موته بلحظة فإن عدتها تنقضي، بينما المتوفى عنها زوجها بلا حمل، عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، ولهذا لو حاضت الحامل ثلاث حيض مطردة كعادتها تمامًا فإن عدتها لا تنقضي.
تبين من هذا أن إلغاء الاعتداد بالحيض زمن الحمل، ليس لأنه ليس حيضًا، وإنما لأن الحيض لا يصلح أن يكون عدة مع الحمل.
الدليل السادس:
(١٥٦٥ - ٢٧) روى الدارمي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن عطاء،
عن عائشة في الحامل ترى الدم، قالت: تغتسل وتصلي.
[حسن لغيره] (٢).
стр. 3784
الدليل السابع:
(١٥٦٦ - ٢٨) قال الزركشي: «روي عن ابن شاهين،
стр. 3785
عن ابن عباس أنه قال: إن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم رزقًا للولد (١).
[لم أقف على إسناده لأنظر في ثبوته عن ابن عباس] (٢).
وقد ناقش ابن القيم كون الحامل لا تحيض من أجل تغذية الجنين من وجهين:
أولًا: أن هذا يتصور بعد نفخ الروح فيه.
وقد يجاب عنه بأن التغذية لا يقصد بها اللبن فقط، فجدار الرحم ينمو عليه الجنين من حين علوقه إلى حين ولادته، وتتكون منه المشيمة.
وثانيًا: أنه منتقض بالمرضع، فالمرضع لا تحيض غالبًا من أجل إرضاع الولد، وإذا رأت الدم فهو حيض بالاتفاق.
الدليل الثامن:
الحس والواقع يشهد بأن الحامل لا تحيض.
قال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم (٣).
الدليل التاسع:
قياس الحامل على الآيسة. فما تراه الآيسة من الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها الحيض غالبًا، فكذلك الحامل إذا رأت الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها غالبًا.
وفي الآيسة إذا عاد لها دم الحيض بعد انقطاعه هل تترك العبادة خلاف بين أهل العلم، فبعضهم رأى أنه دم فساد؛ لأن دم الحيض ينزل مع إمكان الحمل، وانقطاعه