عن أبيه، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا.
فأقام الطهر مقام الحمل. فقلت: فإنك ذهبت بهذا الحديث إلى أن الحامل لا تكون إلا طاهرًا؟ قال: نعم» (١).
الدليل الثالث:
قالوا: طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعًا، ولو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملًا بعموم الخبر (٢).
وأجيب بما يلي:
قال ابن القيم: في حديث ابن عمر إباحة الطلاق إذا كانت حائلًا بشرطين: الطهر، وعدم المسيس. فأين هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها.
وقولكم: إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم بدعة، وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة، وإن رأت الدم.
قلنا: إن النبي ﷺ قسم أحوال النساء التي يراد طلاقها إلى:
- حال حمل.
- حال خلو منه.
وجواز طلاق الحامل مطلقًا من غير استثناء، وأما غير ذات الحمل فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين، وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد، بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق، وأن غيرها إنما تطلق طاهرًا غير مصابة، ولا يشترط في الحمل شيء من هذا، بل تطلق عقيب الإصابة، وتطلق وإن رأت الدم فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها، لا يحرم حال حيضها، وهذا الذي تقتضية حكمة
стр. 3782
الشرع في وقت الطلاق إذنًا ومنعًا، فإن المرأة متى استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره، ولم يعرض له من الندم ما يعرض له بعد الجماع ولا يشعر بحملها، فليس ما مُنِع منه نظير ما أذن فيه لا شرعًا ولا واقعًا ولا اعتبارًا، ولا سيما من علل المنع من الطلاق في الحيض بتطويل العدة، فهذا لا أثر له في الحمل (١).
الدليل الرابع:
قالوا: إن الله أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنًا وغذاء للحمل، فالخارج وقت الحمل يكون غيره، فهو دم فساد.
وأجيب:
قال ابن القيم: «وهذا من أكبر حجتنا عليكم؛ فإن هذا الانقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم عند الوضع، وهو زمن سلطان الرضاع، وارتضاع المولود، وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض، ومع هذا لو رأت دمًا في وقت عادتها لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق، فلأن يحكم له بحكم الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه ولا تغذى الطفل به أولى وأحرى. وهب أن هذا كما تقولون، فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى التغذية باللبن، وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح، فأما قبل ذلك فإنه لا ينقلب لبنًا لعدم حاجة الحمل إليه. وأيضًا فإنه لا يستحيل كله لبنًا، بل يستحيل بعضه، ويخرج الباقي (٢).
الدليل الخامس:
قال تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة: ٢٢٨].
وقال سبحانه: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤].
قالوا: فلو كانت الحامل تحيض لكانت عدتها ثلاث حيض، فلما كان الدم الذي قد تراه الحامل لا ينقضي به العدة لم يكن حيضًا بل استحاضة.
стр. 3783
ورد هذا الاستدلال:
بأن الله جعل عدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الحائل بالأقراء، ولو أمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لأفضى ذلك بأن يملكها الثاني أو يتزوجها وهي حامل من غيره، فيسقي ماؤه زرع غيره (١).
والحمل يسيطر على ما عداه من العدد، فهو يلغي بأن يكون عدة ويلغي غيره كما لو مات رجل عن امرأته، وهي حامل، ووضعت بعد موته بلحظة فإن عدتها تنقضي، بينما المتوفى عنها زوجها بلا حمل، عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، ولهذا لو حاضت الحامل ثلاث حيض مطردة كعادتها تمامًا فإن عدتها لا تنقضي.
تبين من هذا أن إلغاء الاعتداد بالحيض زمن الحمل، ليس لأنه ليس حيضًا، وإنما لأن الحيض لا يصلح أن يكون عدة مع الحمل.
الدليل السادس:
(١٥٦٥ - ٢٧) روى الدارمي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن عطاء،
عن عائشة في الحامل ترى الدم، قالت: تغتسل وتصلي.
[حسن لغيره] (٢).
стр. 3784
الدليل السابع:
(١٥٦٦ - ٢٨) قال الزركشي: «روي عن ابن شاهين،
стр. 3785
عن ابن عباس أنه قال: إن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم رزقًا للولد (١).
[لم أقف على إسناده لأنظر في ثبوته عن ابن عباس] (٢).
وقد ناقش ابن القيم كون الحامل لا تحيض من أجل تغذية الجنين من وجهين:
أولًا: أن هذا يتصور بعد نفخ الروح فيه.
وقد يجاب عنه بأن التغذية لا يقصد بها اللبن فقط، فجدار الرحم ينمو عليه الجنين من حين علوقه إلى حين ولادته، وتتكون منه المشيمة.
وثانيًا: أنه منتقض بالمرضع، فالمرضع لا تحيض غالبًا من أجل إرضاع الولد، وإذا رأت الدم فهو حيض بالاتفاق.
الدليل الثامن:
الحس والواقع يشهد بأن الحامل لا تحيض.
قال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم (٣).
الدليل التاسع:
قياس الحامل على الآيسة. فما تراه الآيسة من الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها الحيض غالبًا، فكذلك الحامل إذا رأت الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها غالبًا.
وفي الآيسة إذا عاد لها دم الحيض بعد انقطاعه هل تترك العبادة خلاف بين أهل العلم، فبعضهم رأى أنه دم فساد؛ لأن دم الحيض ينزل مع إمكان الحمل، وانقطاعه
стр. 3786
دليل على وجود الحمل، فإذا لم يمكن أن تحمل المرأة لم يمكن أن تحيض، وبعضهم جعله حيضًا، ولم يربطه بالحمل.
هذا ما تيسر لي جمعه من أدلة القائلين بأن الحامل لا تحيض. ونسبه ابن قدامة بأنه قول جمهور التابعين، منهم عطاء (١)، والحسن (٢)، وجابر بن زيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي (٣) ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي (٤)، وأبو حنيفة،
وابن المنذر، وأبو عبيد، وأبو ثور، واختلف فيه على عائشة (٥).
أدلة القائلين بأن الحامل تحيض:
الدليل الأول:
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد حكمه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الدليل الثاني:
(١٥٦٧ - ٢٩) روى الشيخان، من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في الحيض: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم .. الحديث قطعة من حديث طويل (٦).
وجه الاستدلال:
خرجت الصغيرة جدًّا التي لم تبلغ؛ لأن الحيض علامة على البلوغ كما بينا،
стр. 3787
وخرجت الآيسة كما في قوله تعالى: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) [الطلاق: ٤]، وبقي ما عداهما. ومن أراد إخراج الحامل، وأنها لا تحيض فعليه الدليل من الكتاب، أو من السنة، ولا دليل.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
لو كان دم الذي تراه الحامل هو دم جبلة وطبيعة لم ينقطع عن غالب النساء إذا حملن، فالشيء إذا خالف المعتاد لم يكن له حكم المعتاد، فقد كانت المرأة تحيض كل شهر مرة حتى إذا حملت انقطع ذلك عن أغلب النساء فإذا وجد منهم من خالف ذلك كان ذلك الدم دم علة ومرض، وليس دم جبلة وطبيعة.
الوجه الثاني:
القول بأنه لا يوجد دليل على أن الحامل لا تحيض فقد أوردت الحديث الصحيح في النهي عن نكاح الأمة الحائل حتى تحيض، فجعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.
الدليل الثالث:
قال ابن القيم: «لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، ولا سيما في أول حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده، وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي دليل من الشرع يرفع حكمه، والحكم إذا ثبت في محل فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه، فكيف نحكم له بأنه حيض قبل الحمل، وبعده لا نثبت له نفس الحكم، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، هذا تفريق بين متماثلين» (١).
стр. 3788
ويجاب:
بأن القول بأنه لا نزاع بأن الحامل قد ترى الدم: إن كان المقصود كل امرأة حامل أو أكثرهن، أو الكثير منهن فهذا الواقع لا يؤيده، وإن كان المقصود أن آحادًا النساء قد ترى الدم، وهي حامل فهذا صحيح، ولكن لا يعني أنه حيض، كما أن آحادًا من النساء ينزل معها الدم، وهي ليست حاملًا، ولا يكون حيضًا، بل يكون استحاضة.
الدليل الرابع:
الدم الخارج من الفرج الذي رتب الشارع عليه الأحكام قسمان: حيض، واستحاضة. ولم يجعل لهما ثالثًا. وهذا ليس باستحاضة؛ فإن الاستحاضة الدم المطلق، والزائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا ليس واحدًا منها فبطل أن يكون استحاضة فهو حيض، ولا يمكنهم إثبات قسم ثالث في هذا المحل، وجعله دم فساد؛ فإن هذا لا يثبت إلا بنص أو إجماع، أو دليل يجب المصير إليه، وهو منتف (١).
ويناقش:
بأن الدم التي تراه الحامل هو دم خارج عن العادة، فيكون استحاضة، ولا يشترط في دم الاستحاضة أن يزيد على أكثر الحيض، كما لو رأت بنت صغيرة لها خمس سنوات الدم فلا يمكن أن يعتبر حيضًا، وليس لمثلها عادة.
الدليل الخامس:
حيض المرأة: خروج دمها في أوقات معلومة لغة وشرعًا، وهذا كذلك، وقد رد النبي ﷺ المستحاضة إلى قدر عادتها، قال رسول الله ﷺ : (اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها)، فدل على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحكمه، فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتها من غير زيادة ولا نقصان، ولا انتقال دلت عادتها
стр. 3789
على أنه حيض، ووجب تحكيم عادتها وتقديمها على الفساد الخارج عن العادة (١).
ويجاب:
بأن المستحاضة ترد إلى قدر عادتها لكونها امرأة اختلط حيضها باستحاضتها، والحامل لا تحيض فلم يختلط دم الاستحاضة في دم الحيض حتى نحكم العادة.
الدليل السادس:
(١٥٦٨ - ٣٠) روى الدارمي، قال: أخبرنا حجاج، ثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة، أنها قالت: إذا رأت الحبلى الدم فلتمسك عن الصلاة فإنه حيض (٢).
[صحيح لغيره] (٣).
стр. 3790
أجاب أصحاب القول الأول عن أثر عائشة:
بأن كلامها محمول على ما تراه قريبًا من الولادة بيوم أو يومين، وأنه نفاس جمعًا بين قوليها.
قلت: هذا الجواب من الممكن أن يقبل لو قالت: لا تصلي، وأما مع التصريح بأنه حيض كما في رواية يحيى بن سعيد، عنها فلا يصح هذا الاحتمال.
стр. 3791
والراجح:
بالرجوع إلى كلام الأطباء، وهم أهل الاختصاص، وبعد مراجعة المراجع الطبية تبين لي أن الحامل لا يمكن أن تحيض بحال، وأن ما تراه المرأة من الدم لا ينطبق عليه أنه حيض، وإليك كلامهم:
لا بد من التصور أولًا كيف يحدث الحيض؟ ثم بعد ذلك إذا عرف مصدر دم الحيض كان من السهولة معرفة هل الحامل تحيض أم لا؟
يقرر الأطباء أن الدورة تبدأ مباشرة بعد الحيض؛ حيث يكون الغشاء المبطن للرحم رقيقًا وبسيطًا، ولا تزيد ثخونته عن نصف ميليمتر، ثم تأتي مرحلة النمو بواسطة تأثير هرمون الأنوثة (الاوستروجين) الذي تفرزه حويصلة جراف من المبيض، فينمو الرحم وأوعيته الدموية، وكذلك تنمو غدد الرحم، وتبدو كالأنابيب ... ويبلغ ثخونة غشاء الرحم في هذه المرحلة خمسة ميليمترات ... ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الافراز بواسطة تأثير هرمون الحمل (البروجسترون) الذي تفرزه حويصلة جراف بالمبيض بعد خروج البويضة منها، وتدعى الحويصلة عندئذٍ الجسم الأصفر .. وينمو غشاء الرحم نموًا عظيمًا، ويبطن الغشاء بطبقات وثيرة من الدماء والغذاء، وتنمو غدد الرحم نموًا هائلًا استعدادًا لعلوق البويضة الملقحة (النطفة الأمشاج) .. وتبلغ ثخونة غشاء الرحم في هذه المرحلة ثمانية ميليمترات (أي ١٦ ضعف ما كان عليه عند بدء الدورة) (١).
стр. 3792
فإذ حصل الحمل بإذن الله، وعلقت البويضة استمر الرحم في النمو، ويصبح الجسم الأصفر هو جسم الحمل المُنَمِّي له بواسطة إفراز هرمون الحمل، إما إذا قدر الله ولم يحصل الحمل فإن الرحم تنقبض أوعيته الدموية انقباضًا شديدًا تمنع فيه تغذية الغشاء حتى يتفتت ويسقط الغشاء المبطن بالدماء والغدد على شكل دم الحيض، وينهار البناء بكامله، ويبكي الرحم دمًا هو دم الحيض (١).
هكذا يحصل حيض المرأة، فإذا كان كذلك ففي ضوء هذه المعطيات الطبية لا يمكن أن يكون الدم الخارج من المرأة، وهي حامل أن يعتبر حيضًا:
ويقول الدكتور محي الدين كحالة اختصاصي أمراض وجراحة النساء والتوليد، يؤكد أن الدورة الشهرية للمرأة (الطمث) هي القاعدة التي تهيء الرحم للحمل، وبالتالي فلا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار ما ينزل من دم على المرأة الحامل هو الحيض الطبيعي للمرأة، بل هو دم مرضي، يسمى في الفقه استحاضة.
وذكر أن ما تتوهمه الحامل حيضًا: هو في حقيقته دم خلاف طبيعة الحيض، وله أسباب كثيرة منها:
١ - نزول الدم الناتج عن انفجار حويصلة البويضة، يظهر بعد أسبوعين من حمل المرأة.
٢ - نزول دم ناتج عن انغماد البويضة في الرحم بشكل يؤثر على جدار الرحم، ويسبب نزيفًا، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من الحمل.
٣ - نزول دم قد يستمر من ثلاثة أسابيع إلى تسعة: الأولى من الحمل بسبب عدم امتلاء تجويف الرحم بالجنين.
٤ - نزيف ناتج عن التهاب في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.
٥ - نزيف ناتج عن لحمية في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.
стр. 3793
٦ - جرح في المشيمة يؤدي إلى نزيف.
٧ - مرضي سرطاني.
٨ - نزف في حالة حمل هاجر في الأنبوب، حيث يكون الرحم خاليًا، وينمو الجنين في أنبوب الرحم (١).
* * *
стр. 3794
الفصل الرابع
في أقل الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- الدفعة من الدم حيض.
- الإجماع على أنه لا حد لأقل النفاس، والحيض مثله.
- المقادير سبيلها التوقيف، وإذا لم يوجد امتنع التحديد، ولا يصح في أقل الحيض حديث.
- الحيض في النصوص مطلق، فيصدق على القليل والكثير.
[م-٦٨٩] اختلف العلماء في أقل الحيض.
فقيل: أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها. وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة (١).
وقيل: أقل مدة الحيض ثلاثة أيام بليلتيها المتخللتين، وهذه رواية الحسن عن
стр. 3795
أبي حنيفة (١).
وقيل: لا حد لأقله ولو دفعة، وهذا مذهب مالك (٢).
وقيل: أقل الحيض يوم وليلة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣)، وعليه جماهير الشافعية (٤).
وقيل: أقل الحيض يوم بدون ليلة، وهو رواية عن الشافعي، وأحمد (٥).
أدلة القائلين بأن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها:
الدليل الأول:
(١٥٦٩ - ٣١) روى الطبراني من طريق الفضل بن غانم، حدثنا حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن الحارث (٦)، عن مكحول،
стр. 3796
عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، قال: «أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر».
[ضعيف جدًّا، عبد الملك مجهول، وشيخه العلاء متروك، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة] (١).
الدليل الثاني:
(١٥٧٠ - ٣٢) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن أحمد بن أنس الشامي، حدثنا حماد ابن المنهال البصري، عن محمد بن راشد، عن مكحول،
عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام.
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 3797
الدليل الثالث:
(١٥٧١ - ٣٣) ما رواه ابن عدي (١) من طريق الحسن بن دينار، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
الحيض ثلاثة أيام، وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة، فإذا جاوزت العشرة فمستحاضة.
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 3798
الدليل الرابع:
(١٥٧٢ - ٣٤) روى ابن عدي (١)، من طريق محمد بن سعيد الشامي، حدثني عبدالرحمن ابن غنم، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين، فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين.
[موضوع، والإجماع على أنه لاحد لأقل النفاس] (٢).
стр. 3799
الدليل الخامس:
(١٥٧٣ - ٣٥) روى ابن الجوزي في العلل المتناهية، من طريق أبي داود النخعي، حدثني أبو طوالة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يومًا (١).
[موضوع فيه أبو داود النخغي معروف بالكذب] (٢).
الدليل السادس:
(١٥٧٤ - ٣٦) ذكر ابن حبان في الثقات، ولم يصل سنده، وابن الجوزي في التحقيق (٣)، والعلل المتناهية (٤)، معلقًا قالا: روى حسين بن علوان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث.
стр. 3800
[موضوع] (١).
فكل هذه الأحاديث ضعفها من النوع الشديد الذي لا ينجبر، وفيها الموضوع.
الدليل السابع:
أصح حديث استدلوا به إلا أنهم أخطؤوا الاستدلال به:
(١٥٧٥ - ٣٧) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ : قالت إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال: لا؛ إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (قدر الأيام) فالأيام جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
وأجيب:
بأن الحديث قد يكون جرى مجرى الأغلب، فلا يراد به التحديد، أو يكون ذلك في امرأة عرف أن حيضها كان أيامًا، وعلى كل فالحديث ما قيل في أقل الحيض حتى يكون دليلًا على الحصر، ولذا جاء في الأحاديث الأخرى: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، وبعضها حده في الإقبال والإدبار بدون تحديد، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل لم يصح الاستدلال.
قال ابن عبد البر: «وليس هذا عندي حجة تمنع من أن يكون الحيض أقل من ثلاث؛ لأنه كلام خرج في امرأة علم أن حيضها أيام، فخرج جوابها على ذلك، وجائز
стр. 3801
أن يكون الحيض أقل من ثلاث؛ لأن ذلك موجود في النساء غير مدفوع» (١).
وقال ابن رجب: «وأجاب من خالفهم بجوابين:
أحدها: أن المراد بالأيام الأوقات؛ لأن اليوم قد يعبر به عن الوقت، قلَّ أو كثر. قال تعالى: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) [هود: ٨].
والمراد: وقت يجيء العذاب. وقد يكون ليلًا، وقد يكون نهارًا، وقد يستمر، وقد لا يستمر. ويقال: يوم الجمل، ويقال: يوم صفين. وكل منهما كان عدة أيام.
والثاني: أن النبي ﷺ رد امرأة واحدة إلى عادتها، والظاهر أن عادتها كانت أيامًا متعددة من الشهر، إما ستة أيام، أو سبعة. فليس فيه دليل على أن حيض كل امرأة يكون كذلك» (٢).
الدليل الثامن:
ما رواه مسلم من طريق ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لذي لب منكن. فقالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي، ما تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين (٣).
وأجيب:
بأن البخاري ومسلم روياه من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: أليس إذا
стр. 3802
حاضت لم تصل ولم تصم. ولم يقل: الليالي، وقد يكون قال ذلك في حديث ابن عمر بناء على غالب النساء، والحديث لم يذكر في بيان تحديد أقل الحيض.
الدليل التاسع:
حكى بعض الحنفية الإجماع من الصحابة على أن أقل الحيض ثلاثة أيام.
قال الكاساني: «روي هذا عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم
عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵃ أنهم قالوا: الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر، ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعًا» (١).
قلت: قد علمت بأنه لا يصح في هذا الباب شيء، وهي تدور على وضاع أو متهم، ولو كان هناك إجماع ما صح خلافه عن عطاء، ومالك، وأحمد، والشافعي، وجمهور العلماء.
الدليل التاسع:
من القياس، ولولا أنهم ذكروه ما ذكرته؛ لأنه من الضعف بحيث لا يحتاج إلى جواب عنه، وكلامهم هذا يقدح في القياس، وهو من أدلة الشرع المعتبرة على الراجح إذا أحسن الاستدلال به.
قال السرخسي ﵀ في المبسوط: «إن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام اعتبارًا بأقل مدة السفر، فإن كل واحد منهما يؤثر في الصوم والصلاة، وقد ثبت أن أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها فكذلك» (٢).
دليل من قال: أقل الحيض ثلاثة أيام بليلتيها المتخللتين:
استدلوا بالأدلة السابقة من أقل الحيض ثلاثة أيام، كما روي من حديث أبي أمامة،
стр. 3803
ومعاذ، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم.
وجه الاستدلال:
أن الأحاديث ذكرت ثلاثة أيام، واليوم غير الليلة، فالأصل هي الأيام، وما يتخللها من الليالي، فإنه يتبعها ضرورة، والضرورة ترتفع بالليلتين المتخللتين، واليوم الثالث لا ضرورة في إدخال ليلته، والدليل على أن الليلة لا تدخل في اليوم، قوله تعالى (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً) [الحاقة: ٧]. فاليوم الثامن لم تدخل ليلته.
وهذا مسلم لو سلم لهم كون الحيض أقله ثلاثة أيام أما إذا علمنا أن أدلتهم ضعيفة جدًّا كان وجه الاستدلال ضعيفًا تبعًا (١).
دليل من قال: أقل الحيض يوم وليلة:
الدليل الأول:
قال ابن قدامة: «الحيض ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض والإحراز والتفرق وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يومًا.
قال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا
وقال ابن المنذر: قال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشيًا يرون أنه حيض تدع له الصلاة.
وقال الشافعي: رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يومًا» (٢).
стр. 3804
ويناقش:
بأن الحيض إذا لم يوجد له تحديد في اللغة ولا في الشرع، علق الحكم بوجوده، فإذا الأذى وجد الحيض، وإذا لم يوجد فهي طاهرة.
الدليل الثاني:
التتبع والاستقراء، حيث لم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من الأعصار، فلا يكون حيضًا.
قال الشافعي: «قد رأيت امرأة أُثبت لي أنها لم تزل تحيض يومًا، ولا تزيد عليه» (١).
وأجيب بما يلي:
قال الشيخ إبراهيم البيجوري: «الاستقراء كان من الإمام الشافعي ﵀ لنساء العرب، ومعلوم أنه لم يتتبع نساء العالمين حتى يكون استقراء تامًا، بل ولا نساء زمانه كلهن، بل تتبع بعضهن حتى غلب على ظنه عموم الحكم، فهو استقراء ناقص، وهو إنما يفيد الظن، فهو دليل ظني» (٢).
قلت: حتى كلمة الشافعي لا تدل على أنه كان عن بحث واستقراء، بل إنه أفاد أنه وجد امرأة تحيض يومًا، ولا يعني أن هذا كان نتيجة بحث، واستقراء، ولذا وجد غيره من تحيض أقل من يوم،
فقد روى الدارقطني (٣)، والبيهقي (٤) من طريق العباس بن محمد، حدثنا محمد بن مصعب، قال: سمعت الأوزاعي يقول: عندنا امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية (٥).
стр. 3805
وقول الشافعي: تحيض يومًا، الظاهر أنه يعني مع ليلته، فإنه إذا أطلق اليوم دخلت الليلة، وإذا أطلقت الليلة دخل اليوم.
قال تعالى: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزًا) [آل عمران: ٤١]، مع قوله سبحانه: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) [مريم: ١٠].
فأطلق اليوم وأريد به مع ليلته.
الدليل الثالث:
(١٥٧٦ - ٣٨) ما رواه الدارمي (١)، أخبرنا يعلى، ثنا إسماعيل، عن عامر -يعني الشعبي- قال: جاءت امرأة إلى عليّ، تخاصم زوجها طلقها. فقالت: قد حضت في شهر ثلاث حيض. فقال علي لشريح: اقض بينهما.
قال: يا أمير المؤمنين، وأنت ها هنا. قال: اقض بينهما. قال: إن جاءت من بطانة
стр. 3806
أهلها ممن يرضى دينه وأمانته، تزعم أنها حاضت ثلاث حيض، تطهر عند كل قرء وتصلي، جاز لها، وإلا فلا. قال علي: قالون. وقالون بلسان الروم أحسنت.
[رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، فالشعبي لم يسمعه من علي] (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: قد اتفق شريح وعلي ﵄، والإمام علي له سنة متبعة على أن أقل الحيض يوم وليلة، ولا يمكن أن تحيض في شهر ثلاث مرات إلا في هذه الصورة؛ وذلك بأن تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة، وتطهر ثلاثة عشر يومًا، فالمجموع ثمانية وعشرون يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة فتخرج من العدة بعد تسعة وعشرين يومًا.
стр. 3807
ويجاب عن هذا:
أولًا: أن الأثر إسناده منقطع، والمنقطع ضعيف.
ثانيًا: ليس في القصة ما يدل على أنها حاضت يومًا وليلة، وطهرت ثلاثة عشر يومًا، ولذلك جاء في شرح ابن رجب لصحيح البخاري (١): «قال حرب الكرماني، حدثنا إسحاق، أخبرنا أبي، قال: سألت ابن المبارك، فقال: أرأيت قول سفيان: تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر، كيف هذا؟ وما معناه؟
قال: قل ثلاثًا حيضًا، وعشرًا طهرًا، وثلاثًا حيضًا. كذا قال». اهـ
وبناءً على هذا التفسير على أن أقل الحيض ثلاث، فيكون مجموع الحيض ثلاث مرات، كل واحد منها ثلاثة أيام، فمجموعها تسعة أيام، ويكون مجموع الطهر عشرين يومًا، كل طهر عشرة أيام، فالمجموع تسعة وعشرون يومًا. وهذا أيضًا تفسير إسحاق بن راهويه، كما ذكره ابن رجب عنه في شرحه.
وثالثًا: الأثر لا يدل على التحديد، فلو ادعت المرأة انقضاء عدتها بأقل من شهر، فأين الدليل من الأثر على أنه لن يسمع بينتها، فقد يقع من امرأة أقل من شهر. والأثر لا يمنع منه.
وممن قال بأن أقل الحيض يوم وليلة عطاء بن أبي رباح.
(١٥٧٧ - ٣٩) فقد روى الدارمي، أخبرنا الحكم بن المبارك، نا مخلد بن يزيد، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء، قال: أدنى الحيض يوم (٢).
[حسن] (٣).
стр. 3808
والقول بتحديد أقل الحيض قول ضعيف.
قال ابن رجب: «لم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع، ولا موقوف، وإنما رجعوا فيه إلى ما حكي من عادات النساء خاصة، وعلى مثل ذلك اعتمد الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم» (١).
قلت: تحكيم عادة النساء إنما تعطي حكمًا أغلبيًا، وهي لا تدل على التحديد في كل النساء، فأين الدليل على أن هذا الحكم الأغلبي حدًا، فما نقص عنه فلا يمنع من الصلاة ولا من الصيام، حتى ولو كان في لون دم الحيض، وطبيعته، ورائحته، فلا شك في ضعف هذا القول.
دليل من قال: أقل الحيض يوم بدون ليلة:
قال الماوردي: «كان الشافعي يرى أن أقله يوم وليلة، إلى أن أخبره عبد الرحمن ابن مهدي أن عندهم امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية» (٢).
وقد قال الشافعي: «قد رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يومًا، ولا تزيد عليه» (٣).
وقد اختلف أصحاب الشافعي في تفسير عبارة إمامهم: «لم تزل تحيض يومًا» مع قوله أقل الحيض يوم وليلة، هل هما قول واحد، أم قولان؟
قال في المهذب: «وأقل الحيض يوم وليلة. وقال في موضع آخر: يوم. فمن أصحابنا من قال: هما قولان. ومنهم من قال: هو يوم وليلة قولًا واحدًا، وقوله: يوم، أراد بليلته.
ومنهم من قال: يوم قولًا واحدًا، وإنما قال: يوم وليلة قبل أن يثبت عنده اليوم،
стр. 3809
فلما ثبت عنده رجع إليه. والدليل عليه أن المرجع في ذلك إلى الوجود، وقد ثبت الوجود في هذا القدر.
وقال الأوزاعي: ﵀: عندنا امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية.
وقال عطاء ﵀: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا.
وقال أبو عبد الله الزبيري ﵀: كان في نسائنا من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا» (١).
وهذه الأقوال فيها رد على من أدعى أن أقل الحيض ثلاثة أيام.
دليل من قال: لا حد لأقله:
الدليل الأول:
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]، فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء كان أكثر من يوم وليلة، أو أقل، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وقد أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ولم يحده بحد، بل علق الحكم على وجوده، فيجب اعتزالها ولو كان الدم أقل من يوم وليلة.
الدليل الثاني:
قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].
وجه الاستدلال:
نهى الله عن إتيان الحائض حتى تطهر، ولو كان الحيض له حد معين إذا نقص أو زاد بحيث يتحول إلى استحاضة، لجعل غاية النهي إلى مضي أيام معينة: عشرة أيام، أو خمسة عشر يومًا، ولم يعلقه على الطهارة.
стр. 3810
الدليل الثالث:
القول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما دام لم يثبت في هذا دليل فلا يجوز القول به.
قال ابن القيم: «ولم يأت عن الله ولا عن رسوله، ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحد أبدًا، ولا في القياس ما يقتضية» (١).
والذين قالوا: بأن أقله يوم وليلة معترفون بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة في هذا شيء، وإنما حكموا العادة.
وأين الدليل على تحكيم العادة في مثل هذا حتى يصير حدًّا إن نقص عنه لم يمنعها الصلاة والصيام.
الدليل الرابع:
(١٥٧٨ - ٤٠) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي، ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة، فعلم أن لا تحديد لأقل الحيض.
الدليل الخامس:
لو كان تحديد الفقهاء معتبرًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه، لحاجة الأمة إليه،
стр. 3811
ولعموم البلوى فيه، فلما لم يبينه، علم أنه ليس من الشرع.
قال ابن تيمية: «علق الله باسم الحيض أحكامًا متعددة، في الكتاب وفي السنة، ولم يقدر لأقله، ولا لأكثره، ولا الطهر بين الحيضتين. مع عموم بلوى الأمة في ذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حدًا فقد خالف الكتاب والسنة» (١).
الدليل السادس:
الحيض نوع من الحدث، فلا يتقدر أقله بشيء كسائر الأحداث (٢).
الدليل السابع:
القياس على النفاس، فكما أن النفاس لا حد لأقله، فكذلك الحيض. والحيض والنفاس أحكامهما متشابهة.
الراجح:
أرى -والله أعلم- أن القول الراجح هو القول بعدم التحديد؛ لأنه لم يثبت فيه شيء، وكل شيء ورد في الشرع مطلقًا فهو على إطلاقه، وكذا النصوص العامة هي على عمومها حتى يأتي ما يخصصها، وتقييد المطلق، وتخصيص العام لا يجوز إلا بنص مثله أو إجماع؛ لأنه إخراج لبعض أفراده، وتحكيم عادة النساء في أقل الحيض وأكثره ضعيف، لتفاوت النساء في مثل هذا، وصعوبة استقراء مثل ذلك والاطلاع عليه، وبناء الأحكام عليه. وكيف يكون للرجال أن يقفوا على حقيقة أقل الحيض عند النساء، والأمر يتعلق بالنساء والرجال لا يشبهونهن في ذلك؟!
* * *
стр. 3812
المبحث الأول أثر الاختلاف في أقل الحيض على عدة المطلقة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- لا فرق بين العبادة والعدة في أقل الحيض.
- كل حيض منع من الصلاة والصوم فهو معتبر في العدة.
- إذا كان للمرأة عادة معلومة فادعت خلاف ما عرف من عادتها طلبت منها البينة؛ لدعوها خلاف الظاهر.
- حقوق الخلق يحتاط لها أكثر من حقوق الخالق.
[م-٦٩٠] القائلون بتحديد أقل الحيض، وهم الجمهور اعترضوا على من قال: بأنه لا حد لأقل الحيض، بأن المرأة المطلقة قد تدعي خروجها من العدة خلال ثلاثة أيام، بل ربما أقل، وبالتالي فلا بد من القول بتحديد أقل الحيض، وأقل الطهر.
وللجواب على هذا الإشكال، أن يقال:
القائلون بأنه لا حد لأقل الحيض قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين أو ثلاثة:
منهم من فرق بين العدة والاستبراء، وبين العبادة كالمالكية.
стр. 3813
ومنهم من لم يفرق بينهما مطلقًا كابن حزم.
وآخر وقف موقفًا متوسطًا، قال: إذا ادعت خلاف الظاهر كلفت البينة، وهذا رأي ابن تيمية.
وهذا الرأي وإن كان يبدو قويًا إلا أن البينة في مثل هذا تكاد تتعذر، ثم إن المرأة مؤتمنة على عدتها، والمؤتمن على شيء يقبل قوله.
هذا ملخص الأقوال، وإليك النقول عنهم جميعًا، سواء من ادعى بأن أقل الحيض له حد معين، أو من قال: بأنه لا حد لأقل الحيض.
كلام القائلين بأنه لا حد لأقل الحيض:
قال الكشناوي من المالكية: «وأقله -يعني الحيض- في العبادة دفعة واحدة، فيجب عليها الغسل بالدفعة، ويبطل صومها، وتقضي ذلك اليوم، وأما في العدة والاستبراء فلا يعد حيضًا إلا ما استمر يومًا، أو بعض يوم له بال» (١).
فإذا كان أقل الطهر عند المالكية خمسة عشر يومًا، فلا يمكن أن تنقضي عدتها إلا بأكثر من شهر، سواء قلنا: (القرء) هو الحيض، أو قلنا: المراد به الطهر.
وقال ابن تيمية: «قال في المحرر: وإذا ادعت انقضاء عدتها بالأقراء، أو الولادة قبل قولها إذا كان ممكنًا، إلا أن تدعيه بالحيض في شهر فلا يقبل قولها إلا ببينة.
قال أبو العباس: قياس المذهب المنصوص: أنها إذا ادعت ما يخالف الظاهر كلفت البينة، لا سيما إذا أوجبنا عليها البينة فيما إذا علق طلاقها بحيضها، فقالت: حضت، فإن التهمة في الخلاص من العدة كالتهمة في الخلاص من النكاح، فيتوجه أنها إذا ادعت الانقضاء في أقل من ثلاثة أشهر كلفت البينة» (٢).
ويشكل على قول ابن تيمية ﵀ أن الله جعل النساء مؤتمنات
стр. 3814
على عددهن. قال تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: ٢٢٨].
وذكر ابن رجب قال: روى الأعمش، عن مسروق، عن أبي بن كعب، قال: إن من الأمانة أن ائتمنت المرأة على رحمها (١).
وكل من كان مؤتمنًا فإنه يقبل قوله مع يمينه.
ووافق ابن القيم شيخه ابن تيمية، فقال ﵀: «فإن قيل: ينبغي إن كان ليس لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها في أربعة أيام تباح للأزواج.
قيل: إن العدة ليس من هذا؛ لأن قوله: (ثَلاثَةَ قُرُوَءٍ) يريد الأقراء الكاملة، وأقل الكاملة أن تكون في شهر، لحديث علي مع شريح» (٢).
قلت: لا أعلم أن هناك قرءًا كاملًا، وآخر ناقصًا، فالقرء هو القرء، قد يطول وقد يقصر، لكن لا يوصف بالكمال والنقص.
وخالفهم ابن حزم، فلم يفرق بين العبادة، وبين العدة والاستبراء، فقال ﵀: وأما من فرق بين الصلاة والصوم وتحريم الوطء، وبين العدة، فقول ظاهر الخطأ، ولا نعلم له حجة أصلًا، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا إجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس، ولا من احتياط، ولا من رأي له وجه! ! فوجب تركه.
وأشار ابن حزم إلى أن القول بعدم التفريق بين العبادة وبين العدة هو قول الأوزاعي، وداود الظاهري، وأحد قولي الشافعي (٣).
كلام القائلين بتحديد أقل الحيض.
اختلف الجمهور القائلون بتحديد أقل مدة الحيض، متى تصدق المرأة في دعوى
стр. 3815
انقضاء عدتها، وذلك لاختلافهم في أقل الحيض، وفي أقل الطهر. وإليك النقول عنهم.
قال ابن رجب: «ومذهب أبي حنيفة لا تصدق في دعوى انقضاء العدة في أقل من ستين يومًا. واختلف عنه في تعليل ذلك، فنقل عنه أبو يوسف أنها تبدأ بطهر كامل خمسة عشر يومًا، ويجعل كل حيضة خمسة أيام، والأقراء عندهم حيض.
ونَقَلَ عنه -أي عن أبي حنيفة- الحسن بن زياد أنه اعتبر أكثر الحيض، وهو عندهم عشرة أيام، وأقل الطهر، وهو خمسة عشر يومًا، وبدأ بالحيض.
وقال صاحباه: أبو يوسف ومحمد: لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يومًا؛ بناءً على أقل الحيض، وهو عندهم ثلاثة، وأقل الطهر وهو خمسة عشر.
وقال سفيان الثوري: لا تصدق في أقل من أربعين يومًا، وهو أقل ما تحيض النساء فيه وتطهر، وهذا كقول أبي يوسف ومحمد ... ومنهم من قال: إنما يقبل ذلك بغير بينة في حق من ليس لها عادة مستقرة، وأما من لها عادة منتظمة فلا تصدق إلا ببينة عل الأصح. كذا قال صاحب الترغيب.
وقال ابن عقيل في فنونه: لا يقبل مع فساد النساء، وكثرة كذبهن دعوى انقضاء العدة في أربعين ولا خمسين يومًا إلا ببينة تشهد أن هذه عادتها، أو أنها رأت الحيض على هذا المقدار، وتكرر ثلاثًا.
وقال إسحاق وأبو عبيد: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، إلا أن تكون لها عادة معلومة قد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهن وأمانتهن فيعمل بها حينئذٍ، ومتى لم يكن كذلك فقد وقعت الريبة فتحتاط، ويعدل الأقراء بالشهور، كما في حق الآيسة والصغيرة». انتهى كلامه ﵀ (١).
وأما المذهب الحنبلي فيقسمون الوقت إلى ثلاثة أقسام:
стр. 3816
وقت لا تسمع دعواها مطلقًا، ولا ينظر فيها، حتى ولو ادعت بينة، كما لو ادعت انقضاء عدتها بثمانية وعشرين يومًا؛ لأنهم بنوا على قواعدهم بأن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر ثلاثة عشر يومًا، فلا يمكن بناءً عليه أن تنقضي عدتها بهذه المدة فأقل.
والثاني: تقبل عادتها بلا بينة، كما لو ادعتها بزمن معتاد، كشهرين ونصف مثلًا؛ لأن المرأة مؤتمنة على عادتها.
والثالث من الأوقات: لو ادعت انقضاء عادتها بشهر مثلًا تسمع دعواها، وينظر فيها، ولا يقبل قولها إلا ببينة، اعتمادًا على قصة شريح مع علي، وسندها منقطع. كما مر معنا (١).
والذي يترجح لي أن التفريق بين العبادة والعدة قول لا دليل عليه، فما دام يحكم له بأنه حيض مانع من الصلاة والصيام فهو معتبر في العدة إلا أن قبول قول المرأة في الصورة النادرة ينبغي الاحتياط فيه، لا تفريقًا بين العبادة والعدة، وإنما حفظًا للحقوق.
فإن كانت عادتها مطردة مستمرة لا تحيض إلا يومًا، أو أقل أو أكثر، كان قبولها في العادة جاريًا على أن هذه عادتها.
وإن ادعت خلاف عادتها المعلومة المستمرة فالظاهر لا يؤيد دعواها، فكونها تدعي خلاف عادتها، وأنها جاءتها بهذه الصورة النادرة المستمرة، ثم تكررت ثلاث مرات متتالية، وهي على هذه الصورة النادرة على خلاف ما يعلم من عادتها، فهذا يحدث في النفس شيئًا من قبول دعواها، فتكلف البينة، إن لم يصدقها زوجها. والله أعلم (٢).
* * *
стр. 3817
المبحث الثاني في الدم إذا نقص عن أقل الحيض
[م-٦٩١] إذا قيل: إن أقل الحيض يوم وليلة على المذهب المرجوح، ثم وجدنا امرأة يأتيها الدم مستمرًا ومطردًا أقل من ذلك بلون دم الحيض ورائحته المعهودة.
فهل يجعلونه دم حيض، وقد خالف قواعدهم؟ أم يجعلونه دم فساد؟
اختلفوا في هذه المسألة، وذكرها النووي، وذكر فيها أوجهًا:
أحدها: لا يعتبر حال هذه، بل الحكم على ما عهد؛ لأن بحث الأولين أوفى.
قال إمام الحرمين: والذي أختار، ولا أرى العدول عنه الاكتفاء بما استقرت عليه مذاهب الماضين من أئمتنا في الأقل والأكثر، ولو فتحنا باب اتباع الوجود في كل ما يحدث، وأخذنا في تغيير ما يعهد تقليلًا وتكثيرًا، لاختلطت الأبواب، وظهر الاضطراب، والوجه اتباع ما تقرر للعلماء الباحثين قبلنا.
قلت: هذا القول إما دليل على ضعف اعتبار الوجود دليلًا في أقل الحيض؛ لأنه ثبت أنه يوجد أقل من ذلك، وأن اعتبار الوجود يؤدي إلى اضطراب الأقوال، وإما أن يكون هذا القول دعوة إلى التقليد المحض، وعدم الأخذ بالدليل، وأن بحث الأولين مقدم مطلقًا؛ لكونه صدر منهم فقط. والتقليد بدعة، وقد بدأت الأمة تتخلص من
стр. 3818
مستنقعه، معظمة للدليل الصحيح، والقول المبني عليه.
قال النووي: الوجه الثاني: أنه يعتبر حال هذه المرأة ليكون هذا حيضها وطهرها؛ لأن الاعتماد على الوجود، وقد حصل، وهذا القول يتمشي مع القول الراجح، بأنه لا حد لأقل الحيض، بل العبرة بالوجود، فمتى وجد الأذى وجد الحيض (١).
* * *
стр. 3819
الفصل الخامس
في أكثر الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- جعل الله عدة المطلقة ثلاثة قروء، وجعل مقابل ذلك في اليائسة ثلاثة أشهر، ليكون في كل شهر منها حيض وطهر.
- لا بد من المصير إلى تحديد أكثر الحيض، كما قيل في تحديد أكثر النفاس؛ لتتميز الحائض من المستحاضة.
- إذا كان الحيض لا يمكن أن يكون شهرًا كاملًا فهذا مصير إلى القول بنوع من التحديد.
- إذا كان أقل الطهر في الطب خمسة عشر يومًا وهو قول الجمهور، صار أكثر الحيض خمسة عشر يومًا؛ لأن الأصل في المرأة أن تحيض وتطهر في الشهر مرة.
- القول بأنه وجد امرأة تحيض سبعة عشر يومًا، وهو أكثر ما وجد، كالقول بأنه وجد امرأة حامل تحيض، مع قول الطب بأنه يستحيل الحيض مع الحمل.
[م-٦٩٢] اختلف العلماء في أكثر الحيض إلى أقوال.
فقيل: أكثر الحيض خمسة عشر يومًا.
стр. 3820
وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: أكثر الحيض عشرة أيام، وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: أكثر الحيض سبعة عشرة يومًا، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). وابن حزم من الظاهرية (٤).
وقيل: لا حد لأكثر الحيض، وهو اختيار ابن تيمية (٥).
أدلة الجمهور على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا:
الدليل الأول:
(١٥٧٩ - ٤١) قال السخاوي: روي عن ابن عمر مرفوعًا:
النساء ناقصات عقل ودين. قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر