وقت لا تسمع دعواها مطلقًا، ولا ينظر فيها، حتى ولو ادعت بينة، كما لو ادعت انقضاء عدتها بثمانية وعشرين يومًا؛ لأنهم بنوا على قواعدهم بأن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر ثلاثة عشر يومًا، فلا يمكن بناءً عليه أن تنقضي عدتها بهذه المدة فأقل.
والثاني: تقبل عادتها بلا بينة، كما لو ادعتها بزمن معتاد، كشهرين ونصف مثلًا؛ لأن المرأة مؤتمنة على عادتها.
والثالث من الأوقات: لو ادعت انقضاء عادتها بشهر مثلًا تسمع دعواها، وينظر فيها، ولا يقبل قولها إلا ببينة، اعتمادًا على قصة شريح مع علي، وسندها منقطع. كما مر معنا (١).
والذي يترجح لي أن التفريق بين العبادة والعدة قول لا دليل عليه، فما دام يحكم له بأنه حيض مانع من الصلاة والصيام فهو معتبر في العدة إلا أن قبول قول المرأة في الصورة النادرة ينبغي الاحتياط فيه، لا تفريقًا بين العبادة والعدة، وإنما حفظًا للحقوق.
فإن كانت عادتها مطردة مستمرة لا تحيض إلا يومًا، أو أقل أو أكثر، كان قبولها في العادة جاريًا على أن هذه عادتها.
وإن ادعت خلاف عادتها المعلومة المستمرة فالظاهر لا يؤيد دعواها، فكونها تدعي خلاف عادتها، وأنها جاءتها بهذه الصورة النادرة المستمرة، ثم تكررت ثلاث مرات متتالية، وهي على هذه الصورة النادرة على خلاف ما يعلم من عادتها، فهذا يحدث في النفس شيئًا من قبول دعواها، فتكلف البينة، إن لم يصدقها زوجها. والله أعلم (٢).
* * *
стр. 3817
المبحث الثاني في الدم إذا نقص عن أقل الحيض
[م-٦٩١] إذا قيل: إن أقل الحيض يوم وليلة على المذهب المرجوح، ثم وجدنا امرأة يأتيها الدم مستمرًا ومطردًا أقل من ذلك بلون دم الحيض ورائحته المعهودة.
فهل يجعلونه دم حيض، وقد خالف قواعدهم؟ أم يجعلونه دم فساد؟
اختلفوا في هذه المسألة، وذكرها النووي، وذكر فيها أوجهًا:
أحدها: لا يعتبر حال هذه، بل الحكم على ما عهد؛ لأن بحث الأولين أوفى.
قال إمام الحرمين: والذي أختار، ولا أرى العدول عنه الاكتفاء بما استقرت عليه مذاهب الماضين من أئمتنا في الأقل والأكثر، ولو فتحنا باب اتباع الوجود في كل ما يحدث، وأخذنا في تغيير ما يعهد تقليلًا وتكثيرًا، لاختلطت الأبواب، وظهر الاضطراب، والوجه اتباع ما تقرر للعلماء الباحثين قبلنا.
قلت: هذا القول إما دليل على ضعف اعتبار الوجود دليلًا في أقل الحيض؛ لأنه ثبت أنه يوجد أقل من ذلك، وأن اعتبار الوجود يؤدي إلى اضطراب الأقوال، وإما أن يكون هذا القول دعوة إلى التقليد المحض، وعدم الأخذ بالدليل، وأن بحث الأولين مقدم مطلقًا؛ لكونه صدر منهم فقط. والتقليد بدعة، وقد بدأت الأمة تتخلص من
стр. 3818
مستنقعه، معظمة للدليل الصحيح، والقول المبني عليه.
قال النووي: الوجه الثاني: أنه يعتبر حال هذه المرأة ليكون هذا حيضها وطهرها؛ لأن الاعتماد على الوجود، وقد حصل، وهذا القول يتمشي مع القول الراجح، بأنه لا حد لأقل الحيض، بل العبرة بالوجود، فمتى وجد الأذى وجد الحيض (١).
* * *
стр. 3819
الفصل الخامس
في أكثر الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- جعل الله عدة المطلقة ثلاثة قروء، وجعل مقابل ذلك في اليائسة ثلاثة أشهر، ليكون في كل شهر منها حيض وطهر.
- لا بد من المصير إلى تحديد أكثر الحيض، كما قيل في تحديد أكثر النفاس؛ لتتميز الحائض من المستحاضة.
- إذا كان الحيض لا يمكن أن يكون شهرًا كاملًا فهذا مصير إلى القول بنوع من التحديد.
- إذا كان أقل الطهر في الطب خمسة عشر يومًا وهو قول الجمهور، صار أكثر الحيض خمسة عشر يومًا؛ لأن الأصل في المرأة أن تحيض وتطهر في الشهر مرة.
- القول بأنه وجد امرأة تحيض سبعة عشر يومًا، وهو أكثر ما وجد، كالقول بأنه وجد امرأة حامل تحيض، مع قول الطب بأنه يستحيل الحيض مع الحمل.
[م-٦٩٢] اختلف العلماء في أكثر الحيض إلى أقوال.
فقيل: أكثر الحيض خمسة عشر يومًا.
стр. 3820
وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: أكثر الحيض عشرة أيام، وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: أكثر الحيض سبعة عشرة يومًا، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). وابن حزم من الظاهرية (٤).
وقيل: لا حد لأكثر الحيض، وهو اختيار ابن تيمية (٥).
أدلة الجمهور على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا:
الدليل الأول:
(١٥٧٩ - ٤١) قال السخاوي: روي عن ابن عمر مرفوعًا:
النساء ناقصات عقل ودين. قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر
стр. 3821
دهرها لا تصلي. وقال بعضهم: شطر عمرها.
[لا أصل له] (١).
وجه الاستدلال عندهم:
قالوا: الشطر النصف، ومعلوم أن المرأة تحيض غالبًا في كل شهر مرة، ولهذا جعل الله عدتها ثلاث حيض، والآيسة والتي لا تحيض لصغر ثلاثة أشهر، ومن جلست في حيضها من كل شهر خمسة عشر يومًا لا تصلي، فقد جلست شطر عمرها عن الصلاة.
стр. 3822
الدليل الثاني:
قال ابن قدامة: «الحيض ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض والإحراز والتفرق وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يومًا.
قال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا
وقال أحمد: حدثني يحيى بن آدم، قال: سمعت شريكًا يقول: عندنا امرأة تحيض كل شهر خمسة عشر يومًا حيضًا مستقيمًا» (١).
الدليل الثالث:
لا يمكن أن يزيد الحيض عن خمسة عشر يومًا لأمرين:
الأول: لو زاد الحيض عن خمسة عشر يومًا كان حيض المرأة في الشهر الواحد أكثر من طهرها، وهذا محال!!
وتعقبه ابن حزم، فقال: «من أين لكم أنه محال؟ وما المانع إن وجدنا ذلك ألا يوقف عنده؟ فما نعلم منع من هذا قرآن ولا سنة أصلًا، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قول صاحب» (٢).
الأمر الثاني: أن الحيض لو كان أكثر الشهر؛ فإن الأكثر يثبت له حكم الكل، وإذا ثبت له حكم الكل صارت مستحاضة؛ لأن من أطبق عليها الشهر كاملًا صارت مستحاضة.
وتعقب:
بأن هذا فيه تكلف إذ كيف يلحق من زاد يومًا واحدًا على خمسة عشر مثلًا، فيكون حكمها حكم من أطبق عليها الدم كل الشهر.
стр. 3823
الدليل الرابع:
التتبع والاستقراء، فقد تتبع السلف أكثر الحيض فوجدوه لا يزيد على خمسة عشر يومًا.
قال النووي: «ثبت مستفيضًا عن السلف من التابعين فمن بعدهم أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأنهم وجدوه كذلك عيانًا، وقد جمع البيهقي أكثر ذلك في كتابه الخلافيات، وفي السنن الكبير، منهم عطاء، والحسن، وعبيد الله بن عمر، ويحيى ابن سعيد، وربيعة، وشريك، والحسن بن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي ﵏» (١).
أدلة القائلين بأن أكثر الحيض عشرة أيام:
الدليل الأول:
(١٥٨٠ - ٤٢) روى ابن عدي في الكامل (٢)، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: الحيض ثلاثة أيام، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، ثمانية، وتسعة، وعشرة، فإذا جاوز العشرة فهي مستحاضة.
[ضعيف جدًّا] (٣).
الدليل الثاني:
(١٥٨١ - ٤٣) روى الطبراني (٤)، من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر.
стр. 3824
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الثالث:
(١٥٨٢ - ٤٤) روى الدارقطني، من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : أقل الحيض ثلاث أيام، وأكثره عشرة أيام.
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل الرابع:
(١٥٨٣ - ٤٥) روى ابن عدي، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة.
[موضوع] (٣).
الدليل الخامس:
(١٥٨٤ - ٤٦) حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال:
أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.
[موضوع] (٤).
الدليل السادس:
(١٥٨٥ - ٤٧) حديث عائشة ﵂، رواه ابن حبان معلقًا بلفظ: أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث (٥).
وهذه الأحاديث ضعفها شديد لا ينجبر، وبعضها موضوع.
стр. 3825
قال ابن المنذر: «ذكر الميموني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله ﷺ شيء في أقل الحيض وأكثره. قال: لا. قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب
رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء، أو قال: ليس يصح. قلت: فأعلى شيء في هذا الباب؟ فذكر حديث معقل، عن عطاء: الحيض يوم وليلة» (١).
وقال ابن رجب: «هذه الأحاديث المرفوع منها باطل، لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ» (٢).
قلت: الطرق الموقوفة سأذكر تخريجها في الأدلة الآتية، إن شاء الله تعالى.
الدليل السابع:
(١٥٨٦ - ٤٨) ما رواه الطبراني من طريق عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، ثنا عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: رسول الله ﷺ : للحائض ما بينها وبين عشر، فإذا رأت الطهر فهي طاهر، وإن جاوزت العشر فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت، وتوضأت لكل صلاة، وتنتظر النفساء ما بينها وبين الأربعين، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت وتوضأت لكل صلاة».
قال الطبراني: لم يروه عن عبدة إلا ابن علاثة، تفرد به عمرو (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
стр. 3826
الدليل الثامن:
(١٥٨٧ - ٤٩) روى الدارقطني من طريق خلاد بن أسلم، أخبرنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن الحسن،
عن عثمان بن أبي العاص، قال: لا تكون المرأة مستحاضة في يوم ولا يومين، ولا ثلاثة أيام، حتى تبلغ عشرة أيام، فإذا بلغت عشرة أيام كانت مستحاضة (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 3827
الدليل التاسع:
(١٥٨٨ - ٥٠) ما رواه الدارقطني من طريق هارون بن زياد القشيري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: الحيض ثلاث، وأربع، وخمس، وست، وسبع، وثمان، وتسع، وعشر، فإن زاد فهي مستحاضة.
قال الدارقطني: لم يروه عن الأعمش بهذا الإسناد غير هارون بن زياد القشيري، وهو ضعيف الحديث. وليس لهذا الحديث عند الكوفيين أصل عن الأعمش. والله أعلم (١).
هذا ما وقفت عليه من أدلة الحنفية، وعلى كثرتها إلا أن المرفوع منها ضعيف لا ينجبر، والموقوف ضعيف لا حجة فيه. والله أعلم.
دليل من قال: أكثر الحيض سبعة عشر يومًا:
الدليل الأول:
يرى ابن حزم أن ما زاد على سبعة عشر يومًا فإنه ليس بحيض إجماعًا!!
قال ﵀: «قد صح عن رسول الله ﷺ أن دم الحيض أسود، فإذا رأته المرأة لم تصل، ووجب الانقياد لذلك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض، لها حكم الحيض ما لم يأت نص أو إجماع في دم أسود أنه ليس حيضًا، فقد صح النص بأنه قد يكون دم أسود، وليس حيضًا، ولم يوقت لنا في أكثر عدة الحيض من شيء، فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يومًا، وقلنا بذلك، وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الأسود هذه المدة لا مزيد فأقل، وكان ما زاد على ذلك إجماعًا متيقنًا أنه ليس حيضًا» (٢).
стр. 3828
قلت: لا تثبت دعوى الإجماع مع وجود الخلاف؛ لأن هناك من قال: لا حد لأكثر الحيض ما لم يطبق عليها الدم كل الشهر، ثم إن قوله: إن دم الحيض دم أسود يعرف، إن كان مبنيًا على حديث: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) كما هو معلوم من تصحيح ابن حزم له، فالراجح أنه حديث ضعيف، مضطرب الإسناد، ومنكر المتن، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في باب الاستحاضة. وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي. وإن كان مبنيًا على الرأي المحض؛ فإنه مخالف لما جاء من أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، ولهذه المسألة بحث مستقل إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني:
قال ابن حزم: «قد روي من طريق عبد الرحمن بن مهدي أن الثقة أخبره أن امرأة كانت تحيض سبعة عشر يومًا. ورويناه عن أحمد بن حنبل، قال: أكثر ما سمعناه سبعة عشر يومًا. وعن نساء الماجشون: أنهن كن يحضن سبعة عشر يومًا (١).
قلت: ليس في هذا ما يدل على التحديد.
دليل من قال: لا حد لأكثر الحيض:
الدليل الأول:
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].
فعلق الله أحكام الحيض على وجود هذا الأذى، فمتى وجد الأذى فالحيض موجود، ولم يعلقه على مضي خمسة عشر يومًا، أو على سبعة عشر يومًا، أو أقل أو أكثر.
الدليل الثاني:
القول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما دام لم يثبت في هذا شيء فلا يجوز القول به. والقائلون بالتحديد معترفون بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء عدا
стр. 3829
الحنفية وأدلتهم شديدة الضعف، وإنما حكّموا العادة والوجود في زمانهم، ولا دليل من القرآن ولا من السنة على الرجوع إلى العادة حتى تصير حدًا بحيث يُجْعل الدم الذي قبل تمام خمسة عشر يومًا بساعة يُجْعَل حيضًا مانعًا من الصلاة والصوم، والدم الذي بعد تمام خمسة عشر يومًا يُجْعَل استحاضة. والدم هو الدم، واللون هو اللون، والرائحة هي الرائحة. فهذا تفريق في الحكم بين متماثلين، بلا دليل واضح من الشرع.
الدليل الثالث:
(١٥٨٩ - ٥١) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقباله، وعلق أحكام الطهارة على إدباره، ولو كان له حد لا يتجاوزه لقال: فإذا مضى خمسة عشر يومًا، أو سبعة عشر يومًا فاغتسلي وصلي.
الدليل الرابع:
لو كان التحديد معتبرًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه للأمة، لكونه يتعلق به أعظم العبادات وهي الصلاة، بل يتعلق به ركنان من أركان الإسلام: الصلاة والصيام، ويتعلق به ما يتعلق من استحلال الفروج، وخروج المرأة من عدتها، والحكم لها ببراءة رحمها إلى غير ذلك من الأحكام، فلو كان التحديد معتبرًا لبينه
стр. 3830
الرسول ﷺ لعموم البلوى به، فلما لم يبينه علم أن هذا التحديد غير معتبر شرعًا.
قال ابن تيمية: «اسم الحيض علق الله به أحكامًا متعددة من الكتاب والسنة، ولم يقدر لأكثره ولا لأقله، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك قدرًا، فقد خالف الكتاب والسنة» (١).
وهذا القول هو القول الراجح، ومع ذلك إذا أطبق على المرأة الحيض، واستمر شهرًا كاملًا فهي مستحاضة؛ لأن الله ﵎ جعل عدة المرأة ذات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء.
فقال سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]، وجعل عدة اليائسة من المحيض والصغيرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر، فقال سبحانة: (وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَاّئِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق: ٤] فجعل بإزاء كل شهر طهرًا وحيضًا، فكونه يطبق عليها الدم الشهر كاملًا نعلم أن هذا الدم منه ما هو حيض، ومنه ما هو استحاضة وليس بحيض».
والطب يؤكد حقيقة أن الحيض لا يمكن أن يأتي في الشهر مرتين:
ففي سؤال وجه لإحدى أخصائيات النساء والولادة، يقول السؤال:
دورتي الشهرية منتظمة، ولكنها تأتي في الشهر مرتين: أي في بدايته ونهايته، فهل يمكن أن يتم التبويض مرتين في الشهر؟
وكان جواب الدكتورة: لا يمكن أن تتم عملية التبويض مرتين في الشهر الواحد، حتى وإن جاءت الدورة الشهرية مرتين أو ثلاث مرات في الشهر الواحد، كما في بعض الحالات المرضية. إلخ كلامها (٢).
стр. 3831
وأرى والله أعلم أن السائلة لم تأتها الدورة في الشهر مرتين؛ لأنها ذكرت أنها تأتيها في بداية الشهر ونهايته، فالحيضة النازلة في نهاية الشهر هي للشهر المستقبل، وليس للشهر الماضي، فتكون دورة واحدة كل شهر.
* * *
стр. 3832
الفصل السادس
في غالب الحيض
[م-٦٩٣] ذهبت الشافعية، والحنابلة إلى أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة (١). وحكاه النووي اتفاقا (٢).
الأدلة على أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة .
الدليل الأول:
(١٥٩٠ - ٥٢) ما رواه أحمد من طريق عبد الله بن محمد يعنى ابن عقيل بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة،
стр. 3833
عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت: يا رسول الله إن لي حاجة، فقال: وما هي؟ فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام؟ قال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي قالت: إنما أثج ثجا. فقال لها: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فان قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت انك قد طهرت، واستيقنت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فان ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر، وتصلين وكذلك فافعلي، وصلي، وصومي إن قدرت على ذلك وقال رسول الله: وهذا أعجب الأمرين إلى (١).
[ضعيف، وله أكثر من علة].
قوله في الحديث: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام)، ثم قال: (كما تحيض النساء وكما يطهرن). والمقصود به: غالب النساء؛ لاستحالة إرادة كلهن لاختلافهن.
قال النووي: «واختلفوا في (أو) في قوله (ستة أيام أو سبعة أيام).
فقيل: شك من الراوي، هل قال: هذا، أو قال: هذا.
وقيل: (أو) للتخيير، واختلفوا في معناه.
فقيل: تخيير تشهي، إن شاءت جلست ستة أيام، وإن شاءت جلست سبعة.
стр. 3834
وقيل: تخيير بما يليق بالمرأة، وذلك بأن ترجع إلى عادة أختها، وأمها، ولداتها من أقاربها، فإذا كان أكثر أقاربها ستة أيام قدمتها، أو سبعة فكذلك.
وقيل: يحتمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها عادة فيما تقدم ستة أيام أو سبعة أيام إلا أنها قد نسيتها، فلا تدري أيهما كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد، وتبني أمرها على ما تيقنته، أو غلب على ظنها من أحد العددين، لقوله: (في علم الله) أي فيما علم الله من أمرك.
وقيل: إن هذه المرأة عادتها تارة تكون ستة أيام، وتارة تكون سبعة أيام.
والقولان الأخيران فيهما ضعف؛ لأنهما على افتراض أمر، والظاهر خلافه.
والراجح: أنها ترجع إلى عادة لداتها من أقاربها، والله أعلم».
* * *
стр. 3835
الفصل السابع
في أقل الطهر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- لا بد من طهر يفصل بين الحيضتين.
- إذا كان الحيض انهدام بطانة الرحم، فأقل الطهر ما يتمكن فيه الجسم من بناء بطانة جديدة للرحم، وأقله عند الأطباء وجمهور الفقهاء خمسة عشر يومًا.
[م-٦٩٤] اختلف العلماء في أقل الطهر
فقيل: أقل الطهر خمسة عشر يومًا.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
стр. 3836
وقيل: أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: أقل الطهر بين الحيضتين تسعة عشر يومًا، اختاره من الحنفية أبو حازم القاضي، وأبو عبد الله البلخي (٢).
وقيل: أقله خمسة أيام، وهذا القول هو رواية ابن الماجشون عن مالك (٣).
وقيل: أقله ثمانية أيام. وهي رواية سحنون عن مالك (٤).
وقيل: أقله عشرة أيام، وهي رواية ابن القاسم عن مالك (٥).
وقيل: لا حد لأقل الطهر، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، وأحد القولين عن إسحاق، ورجحه ابن حزم وابن تيمية (٦).
دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا:
الدليل الأول:
(١٥٩١ - ٥٣) ما يروى عن ابن عمر مرفوعًا: تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي.
[لا أصل له] (٧).
стр. 3837
فإذا كانت المرأة تمكث شطر (نصف) عمرها لا تصلي، والحيض مرة واحدة في الشهر، معنى ذلك أنها تحيض خمسة عشر يومًا من كل شهر، وإذا كان كذلك كان الطهر خمسة عشر يومًا.
الدليل الثاني:
قالوا: الشهر لا يخلو غالبًا من حيض وطهر، وقد أثبتنا أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وإذا كان كذلك لزم أن يكون أقل الطهر ما تبقى من الشهر، وهو خمسة عشر يومًا.
الدليل الثالث:
قال النووي: لأنه ـ يعني كون الطهر خمسة عشر يومًا ـ أقل ما ثبت وجوده (١).
وهذه الأدلة ضعيفة؛ لأنها مبنية على أمر ضعيف، فليس مسلمًا أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، كما أنه غير مسلم أنه أقل ما ثبت وجوده، بل هذا الكلام دعوى لا دليل عليها.
دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا:
الدليل الأول:
(١٥٩٢ - ٥٤) روى الدارمي، قال: أخبرنا يعلى، ثنا إسماعيل، عن عامر قال:
جاءت امرأة إلى علي تخاصم زوجها طلقها، فقالت: قد حضت في شهر ثلاث حيض فقال علي لشريح: اقض بينهما. قال يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا. قال: اقض بينهما. قال: يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا. قال: اقض بينهما، فقال: إن جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته تزعم أنها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلي جاز لها وإلا فلا، فقال علي: قالون، وقالون بلسان الروم أحسنت (٢).
стр. 3838
[منقطع] (١).
وجه الاستدلال:
أن هذه المرأة حاضت أقل الحيض يومًا وليلة، وطهرت ثلاثة عشر يومًا، ثم حاضت أقل الحيض يومًا وليلة، ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا، فالمجموع ثمانية وعشرون يومًا، ثم حاضت يومًا وليلة، فخرجت من العدة بشهر.
وأجيب بما يلي:
أولًا: أن هذا الأثر ضعيف لانقطاع إسناده.
ثانيًا: قدمنا في بحث أقل الحيض أنه على فرض صحة الأثر فإن هذا التفسير لا يتعين، ولذا فسره ابن المبارك كما في شرح صحيح البخاري لابن رجب أنها حاضت ثلاثًا وطهرت عشرًا، وذكر هذا التفسير عن إسحاق أيضًا (٢).
ثالثًا: من أين لكم من الأثر أنها لو ادعت أقل من شهر أنه لن يسمع دعواها، ولن يطلب منها بينة، فهذا لا سبيل إليه من الأثر.
الدليل الثاني:
لقد ثبت أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.
قال الإمام أحمد: أكثر ما سمعناه سبعة عشر يومًا. وقد خرجته في بحث أكثر الحيض، وإذا كان أكثر الحيض كذلك، والمرأة تحيض وتطهر في الشهر، فعليه يكون الباقي من الشهر ثلاثة عشر يومًا، وهو أقل الطهر.
وقد ضعفت القول بأن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا في بحث أكثر الحيض.
دليل من قال: أقل الطهر تسعة عشر يومًا:
استدل له بما ذكره النووي: «أكثر الحيض عندهم عشرة، والشهر يشتمل على
стр. 3839
طهر وحيض، وقد يكون الشهر تسعة وعشرين يومًا، منها عشرة للحيض، فيكون الباقي للطهر» (١).
وأجيب:
بأن هذا القول مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام، وقد استدلوا لذلك بأحاديث باطلة، وآثار موقوفة ضعيفة، وإذا كان لا يثبت في أكثر الحيض شيء كما قدمنا، يكون ما بني عليه ضعيفًا أيضًا.
دليل من قال: أقل الطهر عشرة أو ثمانية أو خسمة:
هذه الأقوال ساقها ابن رشد في المقدمات (٢)، وضعفها، ورجح عليها ما روى عن مالك موافقًا لقول الجمهور، ثم تلمس دليلًا لهذه الأقوال، فقال:
«وأما سائر الأقاويل -يعني بأن أقل الطهر عشرة أو ثمانية، أو خمسة- لا ملحظ عليها في القياس وإنما أخذت من عادة النساء؛ لأن كل ما وجب تحديده في الشرع، ولم يرد به نص لزم الرجوع فيه إلى العادة كنفقة الزوجات، وشبه ذلك، وقد حكى ابن المعدل عن ابن الماجشون أنه وجد من النساء من يكون طهرها خمسة أيام وعرف ذلك بالتجربة من جماعة النساء». اهـ
قلت: كونه يوجد من النساء من يكون طهرها خمسة أيام دليل على أنه لا يوجد حد لأقل الطهر، فهو شاهد على ضعف القائلين بالتحديد، ولا يصح دليلًا على أن أقله خمسة أيام؛ لأنه قد يوجد من يكون طهرها أقل من ذلك.
دليل من قال: لا حد لأقل الطهر:
الدليل الأول:
القول بالتحديد لا يجوز إلا بدليل، ولا دليل على التحديد.
стр. 3840
الدليل الثاني:
الحيض هو إقبال دم الحيض، والطهر هو انقطاعه، إما بالجفاف أو برؤية القصة البيضاء. هذه حقيقة الطهر، سواء طال أم قصر، إلا أن انقطاع دم الحيض الساعة والساعتين لا يسمى طهرًا.
(١٥٩٣ - ٥٥) روى البخاري (١) ومسلم (٢)، من حديث عائشة ﵂ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. قال ﷺ :
فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي.
إلا أن أصحاب هذا القول قد اختلفوا فيما لو ادعت انقضاء عدتها في شهر فأقل هل تكلف البينة أم لا؟ على قولين:
الأول: رأي ابن حزم، بأنه لا فرق في أقل الطهر بين العبادة والعدة.
الثاني: رأي ابن تيمية ﵀ أنها إن ادعت خلاف الظاهر كلفت البينة.
قال ابن تيمية كما في الاختيارات: «ويتوجه أنها إذا ادعت الانقضاء في أقل من ثلاثة أشهر كلفت البينة».
وقد فصلت الخلاف في هذه المسألة في بحث مستقل. ورجحت أن المرأة مصدقة مؤتمنة على ما في رحمها.
قال : (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨]، والأصل أن من كان مؤتمنًا يقبل قوله مع يمينه، لكن إن كان لها عادة مستقرة، وادعت خلافها كلفت البينة؛ لأن الأصل بقاء عادتها على ما هي عليه، فكونها تدعي خلاف عادتها، ويتكرر ذلك ثلاث مرات منها فهذا بعيد جدًّا لا يؤيده الظاهر.
* * *
стр. 3841
الفصل الثامن
في أكثر الطهر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- لا حد لأكثر الطهر؛ لأن من النساء من لا تحيض.
- الطهارة هي الأصل، والحيض عارض، فإذا لم يظهر العارض يجب بناء الحكم على الأصل وإن طال.
[م-٦٩٥] أجمعوا على أن أكثر الطهر لا حد له، وإليك النقول من كتب الفقهاء.
قال في بدائع الصنائع، وهو من الحنفية: «وأما أكثر الطهر فلا غاية له، حتى إن المرأة إذا طهرت سنين كثيرة فإنها تعمل ما يعمل الطاهرات بلا خلاف بين الأئمة؛ لأن الطهارة في بنات آدم أصل، والحيض عارض، فإذا لم يظهر العارض يجب بناء الحكم على الأصل، وإن طال» (١).
وقال ابن رشد، وهو من المالكية، في المقدمات: «وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، طال زمان ذلك أو قصر» (٢).
стр. 3842
وقال النووي من الشافعية في المجموع: «أكثر الطهر لا حد له، ودليلها في الإجماع، ومن الاستقراء أن ذلك موجود ومشاهد، ومن أظرفة ما نقله القاضي
أبو الطيب في تعليقه، قال: أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد» (١).
وقال ابن تيمية الحنبلي ﵀: «وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن من النساء من تطهر الشهر والسنة، كما أن منهن من لا تحيض أبدًا» (٢).
فصارت مسألة لا حد لأ كثر الطهر محل إجماع لا خلاف فيه.
* * *
стр. 3843
الفصل التاسع
في غالب الطهر
[م-٦٩٦] نص الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، على أن غالب الطهر ثلاثة وعشرون، أو أربعة وعشرون يومًا؛ لأنه سبق أن دللنا أن في كل شهر حيضًا وطهرًا، وإذا كان غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام، فالباقي من الشهر يكون طهرًا.
(١٥٩٤ - ٥٦) لما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم ابن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت:
كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض
стр. 3844
حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم، فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوبًا. فقالت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجًّا. قال رسول الله ﷺ سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك، قال رسول الله ﷺ وهذا أعجب الأمرين إلي.
[ضعيف] (١).
* * *
стр. 3845
الباب الثاني في المبتدأة
تمهيد في تعريف المبتدأة وبيان أقسامها
تعريف المبتدأة:
هي من رأت الدم أول مرة في سن من يصلح أن يأتيها الحيض.
أقسام المبتدأة:
تنقسم المبتدأة إلى ثلاثة أقسام:
الأولى: أن يأتيها الدم ويتجاوز أقل الحيض، ولا يتجاوز أكثره.
الثانية: أن يأتيها الدم ويتجاوز أكثر الحيض.
الثالثة: أن يأتيها الدم، وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض (١).
* * *
стр. 3846
الفصل الأول في حكم المبتدأة
المبحث الأول في المبتدأة إذا لم يتجاوز دمها أكثر الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل دم تراه المرأة فهو حيض حتى يتيقن أنه استحاضة.
- كل دم أطبق على المرأة شهرًا كاملًا فهو استحاضة.
- إذا كان لا بد من تحديد أكثر الحيض كالنفاس، فما جاوز أكثر الحيض فهو استحاضة؛ لأن للأكثر حكم الكل.
[م-٦٩٧] اختلف العلماء في حكم المبتدأة التي انقطع دمها لأكثر الحيض فما دون:
فقيل: حيض تترك له الصلاة والصيام، ما دام أنه لم يتجاوز أكثر الحيض، على خلاف بينهم في أكثر الحيض.
стр. 3847
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).
وقيل: تترك الصلاة والصيام يومًا وليلة، ثم تغتسل وتصلي، وتتوضأ لوقت كل صلاة، ولا توطأ، فإذا انقطع دمها لأكثر الحيض فما دونه اغتسلت مرة ثانية عند انقطاعه، ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني والثالث، فما تكرر ثلاثًا فهو عادتها، ووجب عليها إعادة ما صامته فيه من صيام واجب؛ لأنه تبين أنها صامته في زمن الحيض. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا تترك الصلاة ولا الصيام حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض، وهذا القول رواية عن محمد بن الحنفية، ووجه لابن سريج من الشافعية (٣).
وقيل: تترك الصلاة والصوم ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي وتصوم وإن استمر بها الدم، وهو رواية عن أحمد (٤).
وقيل: تجلس عادة نسائها كأمها، وعمتها، وخالتها، وهذا القول رواية عن
стр. 3848
أحمد (١).
وقيل: دم المبتدأة حيض، سواء كان أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يومًا، ما لم تكن مستحاضة وذلك أن يطبق عليها الدم شهرًا كاملًا، وهو اختيار ابن تيمية (٢).
دليل من قال: لا تصلي ولا تصوم حتى يتجاوز أكثر الحيض:
الدليل الأول:
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].
فالأصل في الدم الذي تراه المرأة أنه أذى، وأنه حيض حتى نتيقن أنه استحاضة.
قال ابن رشد: «ما تراه المرأة من الدم محمول على أنه دم حيض، ومحكوم له بحكمه حتى يعلم أنه ليس دم حيض» (٣).
الدليل الثاني:
قالوا: لأننا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض، مع جواز أن يكون استحاضة، فكذلك الحكم في أثنائه ما دام لم يتجاوز أكثر الحيض، فكل دم في أيام الحيض يمكن أن يجعل حيضًا فإنه حيض (٤).
الدليل الثالث:
دم الحيض دم جبلة وطبيعة، ودم الاستحاضة دم عارض لمرض عارض، والأصل الصحة والسلامة من المرض (٥).
стр. 3849
الدليل الرابع:
احتمال كونه دم استحاضة، وأنه قد يستمر معها، هذا احتمال وشك، والاحتمال والشك لا يقدم على الأصل.
دليل الحنابلة على التكرار ثلاثًا:
الحنابلة يقولون: تجلس أقل الحيض يومًا وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جاريًا، ودليلهم على جلوسها أقل الحيض؛ لأن الصلاة واجبة في ذمتها بيقين، وقد شكت في الزائد، فقد يكون حيضًا، وقد يكون استحاضة، فلا تترك اليقين بالشك.
وأما كونها تغتسل بعد مضي يوم وليلة؛ فلأنه آخر حيضها حكمًا، أشبه آخر حيضها حسًا.
وأما كون زوجها لا يطأها؛ لاحتمال أن تكون حائضًا، وإنما أوجبنا العبادات احتياطًا.
وأما كونها تغتسل وتصلي عند انقطاع دمها إذا انقطع لأكثر الحيض فما دون؛ فلأنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها، فلا تكون طاهرًا بيقين إلا بالغسل حينئذ.
وأما كونها تفعل ذلك ثلاثًا، فالتعليل فيه أن التكرار اعتبر فيه الثلاث كالمعتدة لا يحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة، وكالمعتدة في الشهور، وخيار المصراة، ونحوها.
فعلى هذا إن تكرر في الثلاث على قدر واحد، صار ذلك عادة لتكراره ثلاثًا، وإلا فلا لما ذكرنا.
وإن تكرر مختلفًا، مثل أن يكون في الشهر عشرة، وفي الثاني اثني عشر، وفي الثالث ثلاثة عشر، فالعشرة متكررة ثلاثًا، فهي عادة، وما عدا ذلك ليس بعادة إلا أن يتكرر بعد ذلك.
стр. 3850
ولو فرضنا أن عادتها أصبحت عشرة أيام، وكانت تصلي وتصوم فيما بين اليوم واليلة وبين العشرة، وتبين لنا بالتكرار أنها أيام حيض، فيجب عليها أن تقضي كل صوم واجب صامت فيه؛ لأنها تبين أنها صامت وهي حائض، فلا يصح الصوم منها، وعلى هذا يلزمها إعادة الصيام مرة أخرى، أما الصلاة فلكونها لا تقضى، لا يجب عليها إعادتها.
هذا ملخص مذهب الحنابلة، وهو من أضعف الأقوال، وفيه حرج ومشقة، وأظن أن هذا المذهب مهجور عمليًّا، وإن كان هو المشهور من المذهب، ولولا أن هذا الكتاب يعنى بذكر مذهب الأئمة ما عرجت عليه.
قال ابن تيمية: «وهذا القول باطل لوجوه:
أحدها: أن الله تعالى يقول:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١٥٠]، فالله تعالى بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ما تتقيه من الصلاة والصيام، في زمن الحيض، فكيف يقال: إن في الشريعة شكًّا مستمرًا يحكم به الرسول ﷺ وأمته، نعم قد يكون شك خاص ببعض الناس، فأما أن يكون شك في نفس الشريعة فهذا باطل.
الثاني: أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين، ولا الصيام مرتين إلا بتفريط من العبد، فالصواب الذي عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه، فلا إعادة عليه» (١).
دليل من قال: لا تصلي حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض:
قالوا: لأن رؤية الدم قد يجوز أن تكون حيضًا تدع فيه الصلاة، ويجوز أن يكون دم فساد، تلزم فيه الصلاة، فلم يجز إسقاط فرض الصلاة بالشك والتجويز (٢).
стр. 3851
ورده الماوردي، فقال: هذا التعليل فاسد من وجهين:
أحدهما: غير المبتدأة إذا بدأت برؤية الدم تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودًا.
والثاني: المعتادة إذا تجاوز دمها قدر العادة تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودًا. وإذا بطل بهذين ما علل به من هذا التجويز، وجب أن يعتبر الغالب من حالها، وهو أن ما ابتدأت برؤيته حيض (١).
دليل من قال: تترك الصلاة والصيام ستة أيام أو سبعة أيام فقط:
هذا القول رواية عن أحمد كما تقدم، وظاهره أنها تجلس ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي، ولو كان الدم جاريًا، ثم تغتسل عند انقطاعه حتى يتكرر ذلك ثلاثًا، ويتبين لها عادة ووقت، على قاعدة الحنابلة في معرفة العادة.
قال ابن قدامة: «روى حرب، قال: سألت أبا عبد الله، قلت: امرأة أول ما حاضت استمر بها الدم. كم يومًا تجلس؟
قال: إن كان مثلها من النساء من يحضن فإن شاءت جلست ستًا أو سبعًا حتى يتبين لها حيض ووقت، وإن أرادت الاحتياط جلست يومًا واحدًا أول مرة حتى يتبين وقتها» (٢).
ودليلهم على اعتبار ستة أيام أو سبعة أيام:
(١٥٩٥ - ٥٧) حديث حمنة بنت جحش عند أحمد، وفيه:
فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي (٣).
стр. 3852
والحديث ضعيف. وسيأتي تخريجه في باب الاستحاضة، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي وغيره (١).
وفي التمهيد لابن عبد البر: «قال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول في الحيض: حديثان، والآخر في نفسي منه شيء.
قال أبو داود: يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث، هي أصول هذا الباب.
أحدها: مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار.
والآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
والثالث: الذي في قلبه منه شيء، هو حديث حمنة بنت جحش، الذي يرويه ابن عقيل» (٢).
وجه من قال: تجلس المبتدأة عادة أمها، وأختها وعمتها وخالتها:
قالوا في تعليل ذلك: إن شبه المرأة بقريباتها أقرب من شبهها بغالب النساء.
قال ابن قدامة: «روى الخلال بإسناده عن عطاء: في البكر تستحاض، ولا تعلم لها قرءًا، قال: لتنظر قرء أمها، أو أختها، أو عمتها، أو خالتها، فلتترك الصلاة عدة تلك الأيام، ولتغتسل وتصل.
стр. 3853
قال حنبل: قال أبو عبدالله: هذا حسن. واستحسنه جدًّا» (١).
والراجح قول الجمهور، أنها تترك الصلاة إذا رأت الدم؛ لأن الأصل في الدم الذي تراه المرأة قد خرج من رحمها أنه دم حيض، ولا تترك هذا الأصل حتى تتيقن أنه استحاضة؛ ولأن ما خرج من فرج المرأة الأصل فيه أنه أذى، وقد قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢].
والأصل السلامة، وأنه دم طبيعة لا دم علة ومرض، لكن إن أطبق الدم على المرأة جميع الشهر، أو تجاوز أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا علم أنه استحاضة؛ لأن الأكثر له حكم الكل، وباب الاستحاضة سوف يأتي إن شاء الله في باب مستقل.
* * *
стр. 3854
المبحث الثاني أن يتجاوز دم المبتدأة أكثر الحيض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- إذا تجاوز دم المرأة المبتدأة أكثر الحيض فهي مستحاضة.
[م-٦٩٨] إذا تجاوز الدم مع المبتدأة أكثر الحيض، على القول بأن لأكثره حدًّا، فكم تجلس المرأة وهي ليست لها عادة معلومة.
فقيل: تجلس عشرة أيام. والباقي من الشهر طهر، وهو مذهب الحنفية (١)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم.
وقيل: تجلس خمسة عشر يومًا، وهو مذهب المالكية (٢)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم.
وتعليلهم:
أن الدم إذا زاد على أكثر الحيض، لا يمكن جعله حيضًا، فجعلناه استحاضة.
стр. 3855
وقيل: لا تخلو المبتدأة إما أن تكون مميزة. أو لا.
فإن كانت غير مميزة، وهي التي بدأ بها الدم على صفة واحدة، ففيها قولان:
الأول: تجلس أقل الحيض؛ لأنه متيقن، وما زاد مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضًا، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم (١).
وقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع، أو غالب عادة نسائها. وهذا مذهب الحنابلة (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣).
(١٥٩٦ - ٥٨) لحديث حمنة بنت جحش، وفيه:
تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي (٤).
وإن كانت المبتدأة مميزة، بحيث يكون بعض دمها أسود، وبعضه أحمر، ولم يعبر الأسود أكثر الحيض، ولم ينقص عن أقله، فالأسود حيضها، والأحمر استحاضة. هذا هو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
واستدلوا بأحاديث سوف يأتي بسطها ومناقشتها في باب الاستحاضة، إن شاء الله تعالى.
الراجح:
أن الحيض لا بد من تحديد أكثره كالقول في النفاس، وقد قدره جمهور الفقهاء