← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

ورده الماوردي، فقال: هذا التعليل فاسد من وجهين: أحدهما: غير المبتدأة إذا بدأت برؤية الدم تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودًا. والثاني: المعتادة إذا تجاوز دمها قدر العادة تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجودًا. وإذا بطل بهذين ما علل به من هذا التجويز، وجب أن يعتبر الغالب من حالها، وهو أن ما ابتدأت برؤيته حيض (١). دليل من قال: تترك الصلاة والصيام ستة أيام أو سبعة أيام فقط: هذا القول رواية عن أحمد كما تقدم، وظاهره أنها تجلس ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي، ولو كان الدم جاريًا، ثم تغتسل عند انقطاعه حتى يتكرر ذلك ثلاثًا، ويتبين لها عادة ووقت، على قاعدة الحنابلة في معرفة العادة. قال ابن قدامة: «روى حرب، قال: سألت أبا عبد الله، قلت: امرأة أول ما حاضت استمر بها الدم. كم يومًا تجلس؟ قال: إن كان مثلها من النساء من يحضن فإن شاءت جلست ستًا أو سبعًا حتى يتبين لها حيض ووقت، وإن أرادت الاحتياط جلست يومًا واحدًا أول مرة حتى يتبين وقتها» (٢). ودليلهم على اعتبار ستة أيام أو سبعة أيام: (١٥٩٥ - ٥٧) حديث حمنة بنت جحش عند أحمد، وفيه: فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي (٣).

стр. 3852

والحديث ضعيف. وسيأتي تخريجه في باب الاستحاضة، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي وغيره (١). وفي التمهيد لابن عبد البر: «قال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول في الحيض: حديثان، والآخر في نفسي منه شيء. قال أبو داود: يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث، هي أصول هذا الباب. أحدها: مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار. والآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. والثالث: الذي في قلبه منه شيء، هو حديث حمنة بنت جحش، الذي يرويه ابن عقيل» (٢). وجه من قال: تجلس المبتدأة عادة أمها، وأختها وعمتها وخالتها: قالوا في تعليل ذلك: إن شبه المرأة بقريباتها أقرب من شبهها بغالب النساء. قال ابن قدامة: «روى الخلال بإسناده عن عطاء: في البكر تستحاض، ولا تعلم لها قرءًا، قال: لتنظر قرء أمها، أو أختها، أو عمتها، أو خالتها، فلتترك الصلاة عدة تلك الأيام، ولتغتسل وتصل.

стр. 3853

قال حنبل: قال أبو عبدالله: هذا حسن. واستحسنه جدًّا» (١). والراجح قول الجمهور، أنها تترك الصلاة إذا رأت الدم؛ لأن الأصل في الدم الذي تراه المرأة قد خرج من رحمها أنه دم حيض، ولا تترك هذا الأصل حتى تتيقن أنه استحاضة؛ ولأن ما خرج من فرج المرأة الأصل فيه أنه أذى، وقد قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. والأصل السلامة، وأنه دم طبيعة لا دم علة ومرض، لكن إن أطبق الدم على المرأة جميع الشهر، أو تجاوز أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا علم أنه استحاضة؛ لأن الأكثر له حكم الكل، وباب الاستحاضة سوف يأتي إن شاء الله في باب مستقل. * * *

стр. 3854

المبحث الثاني أن يتجاوز دم المبتدأة أكثر الحيض مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - إذا تجاوز دم المرأة المبتدأة أكثر الحيض فهي مستحاضة. [م-٦٩٨] إذا تجاوز الدم مع المبتدأة أكثر الحيض، على القول بأن لأكثره حدًّا، فكم تجلس المرأة وهي ليست لها عادة معلومة. فقيل: تجلس عشرة أيام. والباقي من الشهر طهر، وهو مذهب الحنفية (١)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم. وقيل: تجلس خمسة عشر يومًا، وهو مذهب المالكية (٢)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم. وتعليلهم: أن الدم إذا زاد على أكثر الحيض، لا يمكن جعله حيضًا، فجعلناه استحاضة.

стр. 3855

وقيل: لا تخلو المبتدأة إما أن تكون مميزة. أو لا. فإن كانت غير مميزة، وهي التي بدأ بها الدم على صفة واحدة، ففيها قولان: الأول: تجلس أقل الحيض؛ لأنه متيقن، وما زاد مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضًا، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم (١). وقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع، أو غالب عادة نسائها. وهذا مذهب الحنابلة (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣). (١٥٩٦ - ٥٨) لحديث حمنة بنت جحش، وفيه: تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي (٤). وإن كانت المبتدأة مميزة، بحيث يكون بعض دمها أسود، وبعضه أحمر، ولم يعبر الأسود أكثر الحيض، ولم ينقص عن أقله، فالأسود حيضها، والأحمر استحاضة. هذا هو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). واستدلوا بأحاديث سوف يأتي بسطها ومناقشتها في باب الاستحاضة، إن شاء الله تعالى. الراجح: أن الحيض لا بد من تحديد أكثره كالقول في النفاس، وقد قدره جمهور الفقهاء

стр. 3856

والطب بخمسة عشر يومًا، كما قدر الطب وجمهور الفقهاء أقل الطهر بخمسة عشر يومًا، والأصل في المرأة أنها تحيض وتطهر في الشهر مرة واحدة، فإذا جاوز المبتدأة دمها أكثر الحيض كانت مستحاضة، وإذا حكمنا باستحاضتها، فماذا تعمل؟ وهي ليس لها عادة. سوف يأتي بسط ذلك في كتاب الاستحاضة. * * *

стр. 3857

المبحث الثالث أن ينقطع دم المبتدأة لأدنى من أقل الحيض مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - لا حد لأقل الحيض كالنفاس. [م-٦٩٩] إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض عند الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: يعتبر حيضًا، وهو مذهب المالكية (٤). وسبب الخلاف: خلافهم في أقل الحيض. فمن حد أقل الحيض بزمن معين، وهم الجمهور، قالوا: إذا نقص عن أقله فلا يعتبر حيضًا. أما الذين قالوا: لا حد لأقله، بل تعتبر الدفعة من الدم حيضًا، فلا تأتي هذه المسألة على قواعدهم.

стр. 3858

وقد فصلنا هذه المسألة، وأدلة كل فريق في الباب الأول: في الخلاف في أقل الحيض، فارجع إليها إن شئت غير مأمور. * * *

стр. 3859

الفصل الثاني في ثبوت العادة للمبتدأة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - إذا سبق للمبتدأة حيضة صحيحة ثم استحاضت ردت إليها، وهو أقرب من ردها إلى عادة النساء. [م-٧٠٠] اختلف العلماء في ثبوت العادة للمبتدأة: فقيل: تثبت العادة بمرة للمبتدأة. وهو مذهب المالكية (١)، وقول أبي يوسف من الحنفية (٢)، وقيل الفتوى عليه عندهم (٣). والمشهور من مذهب الشافعية (٤). وقيل: تثبت العادة بمرتين، وهو قول أبي حنيفة ومحمد (٥)، ووجه للشافعية (٦)، ورواية في مذهب الحنابلة (٧).

стр. 3860

وقيل: لا تثبت العادة حتى تتكرر ثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). أدلة من قال: تثبت العادة بمرة: من القرآن قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: ٢٩]. فسمى الثاني عودًا، وهو لم يسبق إلا مرة واحدة. (١٥٩٧ - ٥٩) من السنة: ما رواه مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ : أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل (٢). [رجاله ثقات، إلا أن سليمان لم يسمعه من أم سلمة] (٣).

стр. 3861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3863

وجه الاستدلال من هذا الحديث: قوله: (قبل أن يصيبها الذي أصابها)، فأحالها على ما سبق، ولو كان مرة واحدة. وأجيب من وجوه: أحدها: أن الحديث منقطع كما قال الإمام النسائي والبيهقي وابن رجب. الثاني: أن الحديث في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، كما جاء مصرحًا به في بعض طرقه، وذكرت ذلك في التخريج، وقصة استحاضتها روتها عائشة ﵂ في الصحيحين، بلفظ: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)، وليس فيه قبل أن يصيبها ما أصابها.

стр. 3864

الثالث: أن قوله قبل أن يصيبها ما أصابها، يعني قبل أن تصاب بهذا المرض، وليس صريحًا أنه ردها إلى آخر عادة مرت عليها، حتى ولو خالف ذلك عادتها المستقرة. دليل من قال: إن العادة تثبت بمرتين: الدليل الأول: قال الشوكاني: «قد تقرر في كتب اللغة أن العادة مأخوذة من عاد إليه يعود: إذا رجع، فدل ذلك على أنه لا يقال عادة إلا لما تكرر، وأقل التكرار يحصل بمرتين» (١). وقال ابن قدامة: «والعادة مأخوذة من المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة» (٢). دليل من قال: العادة تثبت بثلاث مرات: الدليل الأول: (١٥٩٨ - ٦٠) ما رواه أبو داود: حدثنا، محمد بن جعفر بن زياد، حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، قال، ثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة (٣). [ضعيف جدًّا] (٤).

стр. 3865

وجه الاستدلال: قوله: (أيام أقرائها) الإقراء: جمع، وأقل الجمع ثلاثة. الدليل الثاني: كل شيء اعتبر فيه التكرار، اعتبر فيه الثلاث، فالأقراء في عدة الحرة لا بد فيها من ثلاثة قروء، والشهور في عدة الآيسة، والتي لا تحيض لا بد فيها من ثلاثة شهور، وخيار المصراة جعل له الخيار ثلاثة أيام، ومهلة المرتد، وتعليم الكلب في الوجه الصحيح (١). والراجح: أرى والله أعلم أن المرأة المبتدأة التي جاءتها العادة مرة واحدة، ثم استحاضت فكونها ترد إلى عادتها أقرب من كونها ترد إلى عادة غالب النساء أو إلى أقل الحيض. وأما المرأة إذا كان لها عادة مستقرة كخمسة أيام من كل شهر ثم زادت يومين في آخر حيضة حاضتها قبل استحاضتها فإنها ترد إلى عادتها المستقرة، ولا ترد إلى آخر عادتها؛ لأن ما كان متكررًا مدة طويلة لا يقدم عليه ما كان معها مرة واحدة، خاصة أن لفظ العادة اسم لما يعتاد، ولا يعتاد إلا إذا عاود مرة، ومرتين، وثلاثًا. والله أعلم. * * *

стр. 3866

الباب الثالث في الطوارئ على الحيض يقصد بالطوارئ على الحيض ما يطرأ على عادة المرأة من زيادة، أو نقص، أو تقدم أو تأخر، أو تغير للون الدم من الصفرة والكدرة ونحوهما، أو ما يحدث بفعل المرأة من استعجال للدم قبل أوانه، أو رفع له قبل نزوله، إلى غير ذلك، وسوف أذكر كلام الفقهاء في هذه المسائل إن شاء الله، مبينًا الراجح منها حسب ما ظهر لي. والله أعلم. * * *

стр. 3867

الفصل الأول إذا زاد الدم على عادة المرأة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - كل زيادة في عادة المرأة فلها حكم العادة، ما لم يصل إلى حد الاستحاضة. - إذا كانت عادة المرأة تقبل النقص فهي تقبل الزيادة، إلا أن يطبق الدم على المرأة شهرًا كاملًا، أو يزيد عن أكثر الحيض. [م-٧٠١] إذا كان للمرأة عادة مستقرة، خمسة أيام من كل شهر، فاستمر معها الدم ثمانية أيام، فماذا تصنع؟ اختلف فيها العلماء إلى أقوال منها: القول الأول: مذهب الحنفية (١). قالوا: إذا زادت عادة المرأة، فإن كانت عادتها عشرة أيام -وهي عندهم أكثر الحيض- فما زاد فهو استحاضة؛ لأن الحيض عندهم لا يمكن أن يكون أكثر من عشرة أيام. وستأتي إن شاء الله أحكام المستحاضة.

стр. 3868

وإن كانت عادتها أقل من عشرة أيام، فاستمر معها الدم وزاد على عادتها وانقطع لعشرة أيام فما دون. قال ابن الهمام: «فالكل حيض بالاتفاق، وإنما الخلاف هل يصير عادة لها، أم لا؟ » (١). قلت: من اشترط في انتقال العادة التكرار، كأبي حنيفة، ومحمد لم يعتبرا الزيادة عادة، وإن اعتبراها حيضًا، حتى تتكرر الزيادة مرتين. ومن لم يشترط في انتقال العادة التكرار، اعتبر الزيادة عادة، وألغى العادة السابقة كأبي يوسف. وقد فصلت أدلتهم في مسألة مستقلة. وإذا زاد الدم على عادتها، فهل تستمر على ترك الصلاة والصيام؟ وجهان في مذهب الحنفية: الأول: أنها تصلي وتصوم؛ لاحتمال أن يجاوز الدم عشرة أيام، فتكون مستحاضة، فما دام أن الزيادة مترددة بين الحيض والاستحاضة، فلا تترك من أجلها الواجبات حتى يعلم أن الزيادة حيض، وذلك بانقطاعها لعشرة أيام فما دون، وهذا اختيار أئمة بلخ (٢). وقيل: تترك الصلاة والصيام استصحابًا للحال؛ ولأن دم الحيض دم صحة، ودم الاستحاضة دم علة، والأصل هو الصحة والسلامة من المرض. وصححه ابن الهمام في شرح فتح القدير والزيلعي في تبيين الحقائق وصححه في المجتبى. واشترط ابن نجيم أن يكون بعده طهر صحيح، وهو خمسة عشر يومًا فأكثر، قال في البحر الرائق: «لو زاد عن العادة -يعني الدم- ولم يزد على الأكثر، فالكل

стр. 3869

حيض اتفاقًا بشرط أن يكون بعده طهر صحيح، وإنما قيدناه به؛ لأنها لو كانت عادتها خمسة أيام مثلًا من أول كل شهر، فرأت ستة أيام، فإن السادس حيض أيضًا، فإن طهرت بعد ذلك أربعة عشر يومًا، ثم رأت الدم؛ فإنها ترد إلى عادتها خمسة أيام، واليوم السادس استحاضة (١). أما إذا زاد الدم على عشرة أيام؛ فإنها مستحاضة. فهل ترد إلى عادتها، أو إلى أكثر الحيض؟ الجواب: ترد إلى عادتها. (١٥٩٩ - ٦١) لقول النبي ﷺ : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها. [ضعيف جدًّا] (٢). ولأن ما رأته من الدم في أيام عادتها حيض بيقين، وما زاد على العشرة فهو استحاضة بيقين. وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضًا فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده فيكون استحاضة، والصلاة والصيام واجبان بيقين، فلا يتركان بمجرد الشك. هذا مذهب الحنفية فيما إذا زادت عادة المرأة وكانت الزيادة متأخرة عن العادة. أما إذا زادت عادة المرأة، وكانت الزيادة متقدمة عن العادة فإن الحكم عندهم يختلف. وإليك تفصيله. فقد ساق السرخسي في المبسوط مذهب الحنفية، وأسوقه ببعض التصرف. قال السرخسي: صاحبة العادة إذا رأت قبل عادتها دمًا، فهو على ثلاثة أوجه: أحدها: حيض بالاتفاق. وفي وجه: اختلفوا فيه، وفي وجه: روايتان عن أبي حنيفة.

стр. 3870

الوجه الأول: رأت قبل عادتها مالا يمكن أن يجعل حيضًا بانفراده، مثل أن ترى قبل عادتها يومًا أو يومين -لأن أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام- ورأت في عادتها ما يمكن أن يجعل حيضًا بانفراده ثلاثة أيام فأكثر، ولم يجاوز الكل عشرة أيام، فالكل حيض بالاتفاق؛ لأن ما رأته قبل أيامها غير مستقل بنفسه، فيجعل تبعًا لما رأته في أيامه. الوجه الثاني: أن ترى قبل عادتها يومًا أو يومين، وترى في عادتها يومًا أو يومين، بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما حيضًا بانفراده، ما لم يجتمعا، أو ترى قبل عادتها ثلاثة أيام، ولا ترى في عادتها شيئًا، فعند أبي يوسف ومحمد الكل حيض، وعند أبي حنيفة لا يكون شيء من ذلك حيضًا. وجه قولهما: إن الحيض مبني على الإمكان، والمتقدم قياس المتأخر، فكما جعل المتأخر عند الإمكان حيضًا، فكذلك المتقدم. وجه قول أبي حنيفة: أن المتقدم دم مستنكر، مرئي قبل وقته، فلا يكون حيضًا، كالصغيرة جدًّا إذا رأت الدم؛ ولأن العادة لا تثبت إلا بالتكرار، ولا يقاس المتقدم على المتأخر؛ لأن المتأخر استبقاء، والمتقدم ابتداء، والاستبقاء أقوى من الابتداء. الوجه الثالث: إذا رأت قبل عادتها ما يكون حيضًا بانفراده، ورأت عادتها، فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا إشكال فالجميع حيض بشرط ألا يجاوز الدم أكثر الحيض عندهم -ومقداره عشرة أيام- واعتبروه حيضًا قياسًا على ما إذا كانت الزيادة متأخرة عن العادة. وعن أبي حنيفة روايتان:

стр. 3871

فرواية محمد عن أبي حنيفة أن أيام عادتها حيض، وأما المتقدم فلا يثبت حتى يتكرر. ورواية أبي يوسف عن أبي حنيفة: الجميع حيض، والمتقدم تبع للأصل (١). قلت: هذا القول ضعيف: أولًا: لأنه مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام، وما عداه فهو استحاضة، وقد بينت في مسألة مستقلة بأنه لا حد لأكثر الحيض. ثانيًا: اشتراط أن يكون ما بعد الدم الزائد طهرًا صحيحًا، وهو خمسة عشر يومًا فأكثر، لا دليل عليه. وقد سبق أن بينت في مسألة مستقلة بأنه لا حد لأقل الطهر. القول الثاني: مذهب المالكية (٢). مذهب المالكية فيه عدة أقوال سنذكرها إن شاء الله، وهي كالتالي: القول الأول: أنها تجلس عادتها، وتستظهر ثلاثة أيام، ومحل الاستظهار بالثلاثة، ما لم تجاوز نصف الشهر، فمن اعتادت نصف الشهر فلا استظهار عليها، ومن عادتها أربعة عشر يومًا استظهرت بيوم فقط، ومن كانت عادتها ستة أيام استظهرت بثلاثة أيام، ثم اغتسلت، وصامت، وصلت. هذا قول مالك، وأصل مذهبه، والمذكور في المدونة، ولم يبين مالك ﵀ إن كان يطؤها زوجها فيما بينها وبين الخمسة عشر يومًا أم لا، ومن ثم اختلف أصحابه على قولين: الأول: أنها بعد الاستظهار تكون مستحاضة، فتغتسل وجوبًا، وتصلي، وتصوم، وتطوف إن كانت حاجة، ويأتيها زوجها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم، عن مالك في

стр. 3872

المدونة. وعلى هذه الرواية، تغتسل عند تمام خمسة عشر يومًا استحبابًا لا إيجابًا. الثاني: أنها تجلس أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل استحبابًا وتصلي احتياطًا، وتصوم، وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة، إلا بعد تمام الخمسة عشر يومًا، فإذا بلغت الخمسة عشر يومًا اغتسلت إيجابًا، وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة. والقول الأول هو الراجح من مذهب مالك، اختاره صاحب الشرح الصغير (١)، ومختصر خليل (٢). وقال في حاشية الدسوقي: «هذا مذهب المدونة» (٣). وجه اعتبار الاستظهار بثلاثة أيام: قال الباجي في المنتقي: «وجه رواية الاستظهار أن هذا خارج من الجسد أريد التمييز بينه وبين غيره، فجاز أن يعتبر فيه بثلاثة أيام. أصل ذلك لبن المصراة» (٤). ويقصدون بلبن المصراة ما رواه مسلم، قال: (١٦٠٠ - ٦٢) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر (٥). وهذا من أعجب الاستدلالات، ولا أدري ما وجه الشبه بين المصراة، وبين من زادت عادتها، ويحق لي العجب، ويطول عجبي على من فتح باب القياس، ولو لم يكن

стр. 3873

هناك أصل جامع. وهذا الغلو في القياس هو الذي فتح الباب للجمود على ظاهر النصوص، وعدم قبول القياس الصحيح. وبقي في مذهب مالك ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يومًا، ثم تغتسل، وتصلي، وتكون مستحاضة، وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا فما زاد فهو استحاضة، وقد أوضحت خلاف العلماء في أكثر الحيض، وأدلتهم في مسألة مستقلة، فارجع إليها إن شئت. الثاني: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي، وتكون مستحاضة من غير استظهار، وهذا قول محمد بن مسلمة. دليل هذا القول: قوله في الحديث الصحيح: (اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك). وبناء عليه فالعادة عنده لا تقبل الزيادة، والمرأة مأمورة إذا زادت عادتها أن تجلس قدر عادتها، وما زاد فهو استحاضة. ويجاب: بأن هذا الحديث في امرأة ثبت أنها استحاضت، لا في امرأة زادت عادتها فقط، فالعادة كما أنها عرضة للنقص، فهي عرضة للزيادة. الثالث: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم، ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يومًا، علم أنها حيضة، وانتقلت إليها، ولم يضرها ما صامت، ولا ما صلت. يريد: وتغتسل عند انقطاعه. وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يومًا علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة والصيام كان في موضعه.

стр. 3874

وجه هذا القول: أن هذه الزيادة لا يعلم هل هي حيض أو استحاضة؟ فتجلس قدر عادتها، ثم تصلي، فإن انقطع لأقل من خمسة عشر يومًا، أعادت الصيام الواجب الذي صامته؛ لأنه تبين أن الدم حين انقطع لأقل الحيض أنها صامت وهي حائض، وإن تجاوز الدم خمسة عشر يومًا، حكمنا بأن ما زاد على عادتها كانت مستحاضة. وهذا قول ضعيف؛ لأنه يوجب على المرأة الصيام مرتين، فمن صام وامتثل الأمر الشرعي بحسب طاقته فلا يلزم بالإعادة، ولم يوجب الله صيام يوم مرتين. هذه ملخص الأقوال في مذهب المالكية، وقد ساقها ابن رشد في المقدمات (١). القول الثالث: مذهب الشافعية (٢). إذا كانت للمرأة عادة، دون خمسة عشر يومًا، فرأت الدم وجب عليها الإمساك، كما تمسك عنه الحائض لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشر يومًا، ويكون الجميع حيضًا. قال النووي في المجموع: «ولا خلاف -يعني في المذهب- في وجوب هذا الإمساك، ثم إن انقطع من خمسة عشر يومًا، فما دونها، فالجميع حيض، وإن جاوز خمسة عشر يومًا، علمنا أنها مستحاضة، فترد إلى عادتها، فتغتسل بعد الخمسة عشر يومًا، فتقضي صلاة ما زاد على عادتها، وإن استمر بها الدم في الشهر الثاني، وجاوز العادة اغتسلت عند مجاوزة العادة، لأننا علمنا في الشهر الأول أنها مستحاضة (٣). وهذا القول جيد، إلا أن تحديده بخمسة عشر يومًا ضعيف؛ لأنه مبني على أن

стр. 3875

أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وفيه خلاف سبق تحريره. القول الرابع: مذهب الحنابلة (١). أن من زادت عادتها مثل أن يكون حيضها خمسة أيام من كل شهر فيصير ثمانية، فلا تلتفت إلى الزيادة الخارجة عن العادة، فإذا مضت عادتها اغتسلت وصلت، وصامت ما وجب فيه، ثم تغتسل في المرة الثانية وجوبًا عند انقطاعه، فإذا تكررت الزيادة ثلاث مرات، صارت الزيادة عادة، وتعيد ما صامته أو طافته من طواف فرض. فالخلاصة: أن الزيادة في مذهب الحنابلة، لا تعتبر حتى تتكرر ثلاثًا، وهذا المذهب ضعيف أيضًا، وهو مذهب مهجور. الراجح: أن الزيادة حيض، ما دام أن الدم لم يستمر معها الشهر كاملًا، ولم يتجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض، وهو سبعة عشر يومًا، فإن استمر معها الشهر كاملًا، أو تجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض صارت مستحاضة. وسيأتي إن شاء الله تعالى أحكام المستحاضة. الأدلة على ذلك: الدليل الأول: (١٦٠١ - ٦٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين، أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن، حتى ترين القصة البيضاء (٢).

стр. 3876

[حسن، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على الصفرة والكدرة]. وجه الاستدلال: قال ابن قدامة في المغني: «لو لم تعد الزيادة حيضًا للزمها الغسل عند انقضاء العادة، وإن كان الدم جاريًا» (١). الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٥]، فما دام الدم موجودًا، فالأذى موجود. وكيف يقال بأن الدم قبل تمام العادة بدقائق حيض، وبعد تمامها ليس بحيض، والرائحة هي الرائحة، واللون هو اللون. الدليل الثالث: لو كان ما زاد على خمسة عشر، أو ما زاد على عشرة أيام استحاضة، أو لا يعتبر حيضًا حتى يتكرر ثلاثًا، لو كان ذلك معتبرًا لبينه الرسول ﷺ لأمته ولما وسعه تأخير بيانه؛ إذ لا يجوز تأخيره عن وقته، كيف وأزواجه وغيرهن من النساء يحتجن إلى بيان ذلك في كل وقت فلم يكن ليغفل بيانه، وما جاء عنه ﵊ ذكر العادة ولا بيانها إلا في حق المستحاضة لا غير (٢). وهذا هو الذي اختاره ابن تيمية، قال ﵀: «وكذلك المنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة، أو نقص، أو انتقال فذلك حيض حتى تعلم أنها استحاضة باستمرار الدم ... » (٣). وقال السعدي ﵀: «وأما ما ذكره الحنابلة أنها لا تنتقل إليه حتى يتكرر ثلاثًا، فهو قول ليس العمل عليه، ولم يزل عمل الناس جاريًا على القول الصحيح الذي قاله في الإنصاف: لا يسع الناس إلا العمل به، وهو أن المرأة إذا رأت الدم

стр. 3877

جلست فلم تصل ولم تصم وإذا رأت الطهر البين تطهرت واغتسلت وصلت سواء تقدمت عادتها أو تأخرت، وسواء زادت مثل أن تكون عادتها خمسة أيام، وترى الدم سبعة، فإنها تنتقل إليها من غير تكرار، وهذا هو الذي عليه عمل نساء الصحابة ﵅ والتابعين من بعدهم، حتى الذي أدركنا من مشايخنا لا يفتون إلا به، لأن القول الذي ذكروا لا تنتقل إلا بتكراره ثلاثًا قول لا دليل عليه، وهو مخالف للدليل» (١). * * *

стр. 3878

الفصل الثاني في طهارة المرأة قبل تمام عادتها مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - وجود الأذى دليل على وجود الحيض، وانقطاعه دليل على طهارة المرأة. - الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. [م-٧٠٢] اتفق الفقهاء على أن المرأة المعتادة إذا انقطع دمها دون عادتها فإنها تطهر بذلك، ولا يجب عليها إتمام عادتها بشرط ألا يكون انقطاع الدم دون أقل الحيض عندهم (١)، إلا أن الحنفية كرهوا للزوج وطأها حينئذ حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت. - التعليل عندهم: لأن عود الدم في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب (٢).

стр. 3879

وذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى أنه لا يكره وطؤها وحكمها حكم الطاهرة بعد انقطاع الدم عنها. ولا وجه لمنع الحنفية، لأننا من لم تمنع من الصلاة والصيام لم تمنع من الجماع. ولأننا حكمنا لها أنها حائض ومنعنا زوجها من إتيانها حين كان الأذى موجودًا فحين ارتفع الأذى ارتفع المنع. قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]. فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، بل إذا كان يؤذن للزوج أن يجامعها، وهي مستحاضة على الصحيح، ودم الاستحاضة ينزل، فكونه يؤذن لها والمحل طاهر لا أذى فيه من باب أولى. وكون الدم قد يعود في العادة لا يكفي هذا لمنع زوجها؛ لأن الأصل استصحاب الحال، وإذا تحققنا من رجوع الدم منع الزوج من الجماع. * * *

стр. 3880

الفصل الثالث في النقاء المتخلل بين الدمين مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - عود الدم بعد الطهارة من الحيض لا يعتبر حيضًا حتى يسبقه طهر صحيح. - توقف نزول الدم لا يعتبر جفافًا حتى يجف المحل، ويخرج القطن كما دخل. الفترة حيض، والنقاء طهر، والفرق بينهما: أن الفترة: يتوقف فيها نزول الدم، ويبقى في المحل أثر بحيث لو أدخلت فيه قطنة لخرج عليها أثر من حمرة، أو صفرة، أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض طال ذلك أم قصر، وأما النقاء: أن يصير المحل نقيًا بحيث لو حشت فيه قطنة لخرجت بيضاء. - استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع. [م-٧٠٣] إذا كانت المرأة أحيانًا ترى دمًا، وأحيانًا ترى نقاء. فهل هذا النقاء يعتبر له حكم الحيض، أم تعتبر فيه المرأة طاهرة؟ في هذا خلاف كبير بين الفقهاء .. وأحيانًا في المذهب الواحد عدة أقوال. والمهم أولًا أن أحرر الأقوال في كل مذهب دون أن أتعرض لها بالنقاش حتى يمكن أن يستوعبها القارئ، ثم أختم هذه الأقوال بالقول الراجح الذي أراه. وإليك أقوال المذاهب.

стр. 3881

القول الأول: مذهب الحنفية (١). في مذهب الحنفية خمسة أقوال، رواها خمسة من أصحاب أبي حنيفة. القول الأول: إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا، لا يكون فاصلًا بين الدمين بل يجعل كالدم المتوالي، وهذا رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. مثاله: مبتدأة رأت يومًا دمًا، وثلاثة عشر طهرًا، ويومًا دمًا. فالفاصل أقل من خمسة عشر يومًا. فعلى رواية أبي يوسف أن عشرة الأيام الأولى منذ رأت الدم يعتبر حيضًا (٢)، ويحكم ببلوغها. وجه هذا القول: أن الطهر بين الدمين يعتبر طهرًا فاسدًا؛ لأن أقل الطهر الصحيح خمسة عشر يومًا. ولأن الطهر إذا كان لا يصلح للفصل بين الحيضتين، فلا يصلح للفصل بين الدمين. قال في الهداية: «والأخذ بهذا القول أيسر» (٣). القول الثاني: عند الحنفية:

стр. 3882

رواية محمد عن أبي حنيفة، ولمحمد روايتان (١): الأولى: أن الطهر إذا تخلل بين الدمين في المدة الصالحة للحيض: عشرة فأقل، فهو كالدم المتوالي، وإلا فلا. مثاله: رأت امرأة مبتدأة يومًا دمًا، وثمانية أيام طهرًا، ويومًا دمًا فالعشرة حيض. مثال آخر: امرأة مبتدأة رأت الدم يومًا، وتسعة أيام طهرًا، ثم رأت يومًا دمًا، فالجميع إحدى عشرة، فلا يصلح أن يكون حيضًا؛ لأن أكثر الحيض عندهم عشرة أيام. وجه هذا القول: أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع، فيعتبر أوله وآخره. دليل آخر: قالوا: قياسًا على اشتراط النصاب في الزكاة، فكمال النصاب وحده شرط لوجوب الزكاة، ونقصانه في أثناء الحول لا يؤثر . ورده ابن نجيم، فقال: «قياسها على النصاب غير صحيح؛ لأن الدم منقطع في أثناء المدة بالكلية، وفي المقيس عليه يشترط بقاء جزء من النصاب في أثناء الحول، وإنما الذي اشترط وجوده في الابتداء والانتهاء تمامه» (٢). الرواية الثانية لمحمد بن الحسن، وهو القول الثالث للحنفية: قال: إذا كان الطهر المتخلل أقل من ثلاثة أيام، فإنه لا يعتبر فاصلًا مطلقًا حتى ولو كان الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، ويكون الطهر بمنزلة الدم المتوالي. وإن كان الطهر ثلاثة أيام فصاعدًا فينظر: فإن كان مقدار الطهر مساويًا لمجموع الدم الأول والثاني، أو كان الطهر أقل منهما في العشرة أيام، فإن الطهر في هذه الحال لا يكون فاصلًا، ويعتبر حيضًا.

стр. 3883

وجه هذا القول: اجتمع مبيح وحرام فغلب جانب الحرام، فالدم يوجب حرمتها، والطهر يوجب حلها، فغلب جانب التحريم. وإن كان الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، فإن الطهر حينئذ يعتبر فاصلًا. ويبقى النظر: إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضًا بنفسه جعل حيضًا، والآخر استحاضة، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضًا بنفسه جعل أسرعهما حيضًا، والثاني استحاضة. وإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضًا بنفسه، إلا أن يجمع الدم الأول مع الثاني، كان الجميع استحاضة، ولم يجعل شيء من ذلك حيضًا. أمثلة لما سبق: رأت امرأة مبتدأة يومين دمًا، وسبعة أيام طهرًا، ويومًا دمًا فلا يعتبر شيء من هذا حيضًا؛ لأن الطهر أكثر من مجموع الدم الأول والثاني، فلا يضم الثاني إلى الأول؛ لأن الطهر في هذه الحال فاصل بين الدمين، والدم الأول بنفسه لا يعتبر حيضًا، وكذلك الدم الثاني بنفسه لا يعتبر حيضًا؛ لأن أقل واحد منهما لم يبلغ أقل الحيض ثلاثة أيام. مثال آخر: رأت امرأة مبتدأة الدم ثلاثة أيام، ثم طهرت خمسة أيام، ثم رأت يومًا دمًا، فالطهر خمسة أيام، فهو أكثر من مجموع الدمين، فيعتبر فاصلًا، فلا يضم الأول للثاني، والدم الأول يصلح لأن يكون حيضًا؛ لأنه ثلاثة أيام، فهو حيضها والثاني استحاضة. مثال ثالث: رأت ثلاثة أيام حيضًا، وثلاثة أيام طهرًا، ثم رأت يومًا دمًا، فالجميع حيض؛ لأن مجموع الدم الأول والثاني أكثر من الطهر. مثال رابع: رأت يومين دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، ويومًا دمًا. فالجميع حيض؛ لأن مجموع الدم مساو للطهر، فغلب جانب الدم.

стр. 3884

هذان قولان لمحمد بن الحسن. ولا أدري كيف تعقل المرأة الأمية هذا التفصيل! ومتى كانت مسائل الحيض بهذا التعقيد. القول الرابع: رواية ابن المبارك وزفر عن أبي حنيفة. قالوا: إذا بلغ مجموع الدم في أيام الحيض العشرة أقل الحيض، وهو ثلاثة أيام، فهو حيض، ولا عبرة بالطهر في العشرة. فلو رأت يومًا دمًا في أول العشرة، ثم سبعة أيام طهرًا، ثم رأت يومين دمًا، كان الجميع حيضًا؛ لأن الدم بلغ أقل الحيض وهو ثلاثة أيام. أما لو رأت يومًا دمًا في أول العشر ثم رأت ثمانية أيام طهرًا ثم رأت يومًا دمًا فلا يعتبر الدم حيضًا؛ لأنه لم يبلغ أقل الحيض. ولو رأت يومًا دمًا في أول العشر، ويومًا في وسطها، ويومًا في آخر العشر كان الجميع حيضًا. وجه هذه الرواية: أقل الحيض عندهم ثلاثة أيام، فإذا رأت دمًا أقل من ثلاثة أيام، لم يكن الدم صالحًا لأن يكون حيضًا، فكذلك الطهر لا يصلح أن يكون حيضًا من باب أولى. وإذا كان الدم صالحًا لأن يكون في نفسه حيضًا اعتبر الدم حيضًا، فإن كان الطهر صالحًا أن يكون حيضًا اعتبر تبعًا لذلك، وإلا بقي الدم وحده حيضًا ولم يتبع الدم. القول الخامس: رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة. قال: إذا كان الطهر المتخلل بين الدمين، دون ثلاثة أيام، لا يصير فاصلًا، فكان كله كالدم المتوالي ... وإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام بلياليها كان فاصلًا مطلقًا، سواء كان الدم أكثر من الطهر، أو مساويًا له، أو أقل منه.

стр. 3885

أمثلة: لو رأت ساعة دمًا، وثلاثة أيام إلا ساعة طهرًا، وساعة دمًا، فالكل حيض؛ لأن الطهر لم يبلغ ثلاثة أيام فلم يعتبر فاصلًا، واعتبر الجميع حيضًا. مثال آخر: لو رأت يومين دمًا، وثلاثة أيام طهرًا ويومين دمًا، لم يكن شيء منه حيضًا؛ لأن الطهر حين بلغ ثلاثة أيام كان فاصلًا، فلم يضم الأول للثاني، والأول بنفسه لا يصلح أن يكون حيضًا. وكذا الثاني لا يصلح بنفسه أن يكون حيضًا، فلم يعتبر الجميع حيضًا علمًا أن مجموع الدم الأول والثاني أكثر من الطهر. مثال ثالث: رأت ثلاثة أيام دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، ثم ثلاثة أيام دمًا، فالطهر فاصل بين الدمين؛ لأنه بلغ ثلاثة أيام، ولما كان الدم الأول والدم الثاني يصلح كل واحد منهما أن يكون حيضًا بنفسه، اعتبر الأول لأنه أسرعهما إمكانًا، والثاني استحاضة. هذه هي الروايات في مذهب الحنفية، وقد أكثرت من الأمثلة ليتضح القول للقارئ، وكلها مبنية إما على مجرد الرأي المحض، أو بناء على أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وقد بينت أنه لا حد لأقل الحيض وأن حد أكثر الحيض بعشرة أيام قول ضعيف في مسألة مستقلة فارجع إليها إن شئت. والمتأخرون من الحنفية يرجحون رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. على رواية محمد بن الحسن، قال ابن نجيم: «الأخذ بقول أبي يوسف أيسر، وكثير من المتأخرين أفتوا به؛ لأنه أسهل على المفتي، والمستفتي، ولأن في قول محمد وغيره، تفاصيل يحرج الناس في ضبطها، وقد ثبت أن الرسول ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما» (١)، وقال الزيلعي والعيني: نحوه (٢).

стр. 3886

القول الثاني: مذهب المالكية في الحيضة المتقطعة (١). قالوا: المرأة إذا أتاها دم، ثم انقطع، ثم نزل دم آخر، فإن كان بين الدمين طهر صحيح خمسة عشر يومًا فالدم الثاني حيض مستأنف، وإن كان الطهر لا يبلغ نصف شهر كأن يأتيها الدم يومًا ثم تطهر يومين ثم يأتيها يومًا آخر وهكذا، فإنها تلفق أيام الدم بعضها على بعض .. فإن كانت مبتدأة فإنها تلفق أيام الدم فقط خمسة عشر يومًا، ولا تلفق الطهر. وإن كانت معتادة تلفق مقدار عادتها وأيام الاستظهار ثلاثة أيام، فما نزل عليها بعد ذلك فاستحاضة لا حيض. وحكم الملفقة أنها تغتسل وجوبًا كلما انقطع دمها وتصوم، وتوطأ. هذا ملخص مذهب المالكية. القول الثالث: مذهب الشافعية إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء (٢). وقبل التفصيل في المذهب نبين أن القول في المسألة كما قال النووي: فيما إذا كان النقاء زائدًا على الفترات المعتادة بين دفعات الحيض، فأما الفترات فحيض بلا خلاف. والفرق بين الفترة والنقاء، هو ما نص عليه الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد الاسفرائيني، وصاحبه القاضي أبو الطيب الطبري على أن الفترة: هي الحالة التي ينقطع فيها جريان الدم، ويبقى لوث وأثر بحيث لو أدخلت في فرجها قطنة يخرج عليها أثر الدم من حمرة أو صفرة أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض قولًا واحدًا طال ذلك أم قصر. وأما النقاء: هو أن يصير فرجها بحيث لو جعلت القطنة فيه لخرجت بيضاء (٣).

стр. 3887

وذكر النووي أيضًا: أن الخلاف إنما هو في الصلاة والصوم والطواف والقراءة والغسل، والاعتكاف والوطء ونحوها، وأما في العدة فلا خلاف أن النقاء ليس بطهر في انقضاء العدة، وكون الطلاق سنيًا (١)، وحكاه إجماعًا صاحب مغني المحتاج (٢). هذا إذا لم يعتبر خلاف ابن حزم، فإن ابن حزم لا يمانع أن تنقضي العدة بثلاثة أو أربعة أيام كما قدمنا في الخلاف في أقل الطهر. إذا تصور هذا، نأتي إلى المسألة في مذهب الشافعية فنقول: المرأة إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء، فلها حالان: الأولى: أن ينقطع دمها، ولا يتجاوز خمسة عشر يومًا. الثانية: أن يتجاوز دمها خمسة عشر يومًا. الحالة الأولى: إذا لم يتجاوز ففيه قولان مشهوران. أحدها: أن أيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر. التعليل: لأن الدم إذا دل على الحيض، وجب أن يدل النقاء على الطهر. وهذا يسمى قول اللفظ أو التلفيق. الثاني: أن أيام الدم وأيام النقاء كلها حيض. ويسمى قول السحب واختلف الشافعية في الأصح منهما. قال النووي: «صحح الأكثرون قول السحب» (٣). وقال الماوردي: «الذي صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم وأيام النقاء» (٤).

стр. 3888

ووجهه: أن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانًا، ويرقأ زمانًا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه حيضًا، لكونه بين دمين، كان زمان النقاء حيضًا لحصوله بين دمين. فعلى هذا تكون الخمسة عشر كلها حيضًا. يحرم عليها في أيام النقاء ما يحرم عليها في أيام الحيض. وسواءً قلنا بالتلفيق أو بالسحب إذا رأت النقاء في اليوم الثاني عملت عمل الطاهرات بلا خلاف؛ لأنا لا نعلم أنها ذات تلفيق لاحتمال دوام الانقطاع، قالوا: فيجب عليها أن تغتسل وتصوم، وتصلي، ولها قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف، والاعتكاف، وللزوج وطؤها. فإذا عاودها الدم في اليوم الثالث تبينا أنها ملفقة فإن قلنا بالتلفيق، تبين لنا صحة الصوم والصلاة، ونحوها، وإن قلنا بالسحب تبين لنا بطلان العبادات التي فعلتها في اليوم الثاني فيجب عليها قضاء الصوم والاعتكاف والطواف، والمفعولات عن واجب. هذا حكم الشهر الأول، فإذا جاء الشهر الثاني فرأت اليوم الأول وليلته دمًا، والثاني وليلته نقاء. فقيل: تعمل كالشهر الأول، وهكذا لو جاءها في الشهر الثالث والرابع. وقيل: البناء فيها على القول بثبوت العادة بمرة أو مرتين، فإن أثبتنا العادة بمرة، وقلنا بالسحب، فلا تغتسل ولا تصلي ولا تصوم في فترة النقاء. الحالة الثاني: أن ترى يومًا دمًا ويومًا نقاء ويتجاوز خمسة عشر يومًا، فهذه مستحاضة اختلط حيضها باستحاضتها. قال النووي: «هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتاب الحيض، وقطع به جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين» (١). وسيأتي أحكام المستحاضة في باب مستقل إن شاء الله تعالى. المذهب الحنبلي فيما إذا رأت المرأة يومًا دمًا ويوم نقاء (٢).

стр. 3889

المشهور من مذهب الحنابلة أن الدم حيض والنقاء طهر إلا أن يتجاوز مجموعهما أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، فيكون الدم المتجاوز استحاضة، ويكره وطؤها في أيام النقاء. دليل الحنابلة على كون النقاء طهرًا: نصٌ، ونظرٌ . أما النص فقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ... ) [البقرة: ٢٢٢]. فإذا ارتفع الأذى زال حكمه. (١٦٠٢ - ٦٤) ومن الأثر ما رواه الأثرم عن أحمد كما في شرح ابن رجب للبخاري (١)، قال أحمد: حدثنا ابن علية، ثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين، قال: استحيضت امرأة من آل آنس فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل. [صحيح] (٢). قال ابن رجب: البحراني قيل: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد. وأما النظر؛ فإننا إنما حكمنا على المرأة بكونها حائضًا لوجود الدم، فكذلك نحكم على المرأة بالطهارة لانقطاعه، فإذا كان الدم دليلًا على وجود الحيض، فكذلك انقطاعه دليل على الطهارة.

стр. 3890

وقيل: إذا كان انقطاع الدم أقل من يوم فليس بطهر، وإن بلغ يومًا فأكثر فهو معتبر. وهو رواية عن أحمد (١). دليلهم: قالوا: لأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة حرج، ينتفي بقوله : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]. ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرًا، ولا تلتفت إلى ما بعده من الدم أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرًا إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء (٢). وإذا قلنا بانقطاع الدم لا نعني مجرد وقوف جريان الدم فقط، بل المقصود أنها لو احتشت بقطنة في فرجها رجعت القطنة بيضاء، لا أثر فيها من صفرة أو كدرة، أما إذا عادت القطنة وفيها أثر صفرة أو كدرة أو نحوهما فلا يعتبر الحيض منقطعًا كما أسلفنا في الكلام على مذهب الشافعية، وكما سوف نبين أن الصفرة والكدرة حيض، ولأن محل الإيلاج في الحيض لا يعتبر من باطن البدن، بل يعتبر من خارج البدن، فوجود الأذى في هذا المحل يدل على وجود الحيض، ولذلك منع الرجل من الجماع ما دام الأذى موجودًا في موضع الإيلاج. وهذا القول أقربها للصواب. والله أعلم. * * *
следующие страницы →