القول الثاني: مذهب المالكية في الحيضة المتقطعة (١).
قالوا: المرأة إذا أتاها دم، ثم انقطع، ثم نزل دم آخر، فإن كان بين الدمين طهر صحيح خمسة عشر يومًا فالدم الثاني حيض مستأنف، وإن كان الطهر لا يبلغ نصف شهر كأن يأتيها الدم يومًا ثم تطهر يومين ثم يأتيها يومًا آخر وهكذا، فإنها تلفق أيام الدم بعضها على بعض .. فإن كانت مبتدأة فإنها تلفق أيام الدم فقط خمسة عشر يومًا، ولا تلفق الطهر.
وإن كانت معتادة تلفق مقدار عادتها وأيام الاستظهار ثلاثة أيام، فما نزل عليها بعد ذلك فاستحاضة لا حيض.
وحكم الملفقة أنها تغتسل وجوبًا كلما انقطع دمها وتصوم، وتوطأ.
هذا ملخص مذهب المالكية.
القول الثالث: مذهب الشافعية إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء (٢).
وقبل التفصيل في المذهب نبين أن القول في المسألة كما قال النووي: فيما إذا كان النقاء زائدًا على الفترات المعتادة بين دفعات الحيض، فأما الفترات فحيض بلا خلاف. والفرق بين الفترة والنقاء، هو ما نص عليه الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد الاسفرائيني، وصاحبه القاضي أبو الطيب الطبري على أن الفترة: هي الحالة التي ينقطع فيها جريان الدم، ويبقى لوث وأثر بحيث لو أدخلت في فرجها قطنة يخرج عليها أثر الدم من حمرة أو صفرة أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض قولًا واحدًا طال ذلك أم قصر.
وأما النقاء: هو أن يصير فرجها بحيث لو جعلت القطنة فيه لخرجت بيضاء (٣).
стр. 3887
وذكر النووي أيضًا: أن الخلاف إنما هو في الصلاة والصوم والطواف والقراءة والغسل، والاعتكاف والوطء ونحوها، وأما في العدة فلا خلاف أن النقاء ليس بطهر في انقضاء العدة، وكون الطلاق سنيًا (١)، وحكاه إجماعًا صاحب مغني المحتاج (٢).
هذا إذا لم يعتبر خلاف ابن حزم، فإن ابن حزم لا يمانع أن تنقضي العدة بثلاثة أو أربعة أيام كما قدمنا في الخلاف في أقل الطهر. إذا تصور هذا، نأتي إلى المسألة في مذهب الشافعية فنقول:
المرأة إذا رأت يومًا دمًا ويومًا نقاء، فلها حالان:
الأولى: أن ينقطع دمها، ولا يتجاوز خمسة عشر يومًا.
الثانية: أن يتجاوز دمها خمسة عشر يومًا.
الحالة الأولى: إذا لم يتجاوز ففيه قولان مشهوران.
أحدها: أن أيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر.
التعليل: لأن الدم إذا دل على الحيض، وجب أن يدل النقاء على الطهر. وهذا يسمى قول اللفظ أو التلفيق.
الثاني: أن أيام الدم وأيام النقاء كلها حيض. ويسمى قول السحب واختلف الشافعية في الأصح منهما.
قال النووي: «صحح الأكثرون قول السحب» (٣).
وقال الماوردي: «الذي صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم وأيام النقاء» (٤).
стр. 3888
ووجهه: أن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زمانًا، ويرقأ زمانًا، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه حيضًا، لكونه بين دمين، كان زمان النقاء حيضًا لحصوله بين دمين. فعلى هذا تكون الخمسة عشر كلها حيضًا. يحرم عليها في أيام النقاء ما يحرم عليها في أيام الحيض.
وسواءً قلنا بالتلفيق أو بالسحب إذا رأت النقاء في اليوم الثاني عملت عمل الطاهرات بلا خلاف؛ لأنا لا نعلم أنها ذات تلفيق لاحتمال دوام الانقطاع، قالوا: فيجب عليها أن تغتسل وتصوم، وتصلي، ولها قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف، والاعتكاف، وللزوج وطؤها. فإذا عاودها الدم في اليوم الثالث تبينا أنها ملفقة فإن قلنا بالتلفيق، تبين لنا صحة الصوم والصلاة، ونحوها، وإن قلنا بالسحب تبين لنا بطلان العبادات التي فعلتها في اليوم الثاني فيجب عليها قضاء الصوم والاعتكاف والطواف، والمفعولات عن واجب.
هذا حكم الشهر الأول، فإذا جاء الشهر الثاني فرأت اليوم الأول وليلته دمًا، والثاني وليلته نقاء.
فقيل: تعمل كالشهر الأول، وهكذا لو جاءها في الشهر الثالث والرابع.
وقيل: البناء فيها على القول بثبوت العادة بمرة أو مرتين، فإن أثبتنا العادة بمرة، وقلنا بالسحب، فلا تغتسل ولا تصلي ولا تصوم في فترة النقاء.
الحالة الثاني: أن ترى يومًا دمًا ويومًا نقاء ويتجاوز خمسة عشر يومًا، فهذه مستحاضة اختلط حيضها باستحاضتها. قال النووي: «هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتاب الحيض، وقطع به جماهير الأصحاب المتقدمين والمتأخرين» (١). وسيأتي أحكام المستحاضة في باب مستقل إن شاء الله تعالى.
المذهب الحنبلي فيما إذا رأت المرأة يومًا دمًا ويوم نقاء (٢).
стр. 3889
المشهور من مذهب الحنابلة أن الدم حيض والنقاء طهر إلا أن يتجاوز مجموعهما أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، فيكون الدم المتجاوز استحاضة، ويكره وطؤها في أيام النقاء.
دليل الحنابلة على كون النقاء طهرًا: نصٌ، ونظرٌ .
أما النص فقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ... ) [البقرة: ٢٢٢].
فإذا ارتفع الأذى زال حكمه.
(١٦٠٢ - ٦٤) ومن الأثر ما رواه الأثرم عن أحمد كما في شرح ابن رجب للبخاري (١)، قال أحمد: حدثنا ابن علية، ثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين، قال: استحيضت امرأة من آل آنس فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل.
[صحيح] (٢).
قال ابن رجب: البحراني قيل: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد.
وأما النظر؛ فإننا إنما حكمنا على المرأة بكونها حائضًا لوجود الدم، فكذلك نحكم على المرأة بالطهارة لانقطاعه، فإذا كان الدم دليلًا على وجود الحيض، فكذلك انقطاعه دليل على الطهارة.
стр. 3890
وقيل: إذا كان انقطاع الدم أقل من يوم فليس بطهر، وإن بلغ يومًا فأكثر فهو معتبر. وهو رواية عن أحمد (١).
دليلهم:
قالوا: لأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة حرج، ينتفي بقوله : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].
ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرًا، ولا تلتفت إلى ما بعده من الدم أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرًا إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء (٢).
وإذا قلنا بانقطاع الدم لا نعني مجرد وقوف جريان الدم فقط، بل المقصود أنها لو احتشت بقطنة في فرجها رجعت القطنة بيضاء، لا أثر فيها من صفرة أو كدرة، أما إذا عادت القطنة وفيها أثر صفرة أو كدرة أو نحوهما فلا يعتبر الحيض منقطعًا كما أسلفنا في الكلام على مذهب الشافعية، وكما سوف نبين أن الصفرة والكدرة حيض، ولأن محل الإيلاج في الحيض لا يعتبر من باطن البدن، بل يعتبر من خارج البدن، فوجود الأذى في هذا المحل يدل على وجود الحيض، ولذلك منع الرجل من الجماع ما دام الأذى موجودًا في موضع الإيلاج. وهذا القول أقربها للصواب. والله أعلم.
* * *
стр. 3891
الفصل الرابع
إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- إذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء تقدم أو تأخر.
- علقت أحكام الحيض على وجوده بشرط أن يسبقه طهر صحيح، وأحكام الطهر على انقطاعه تقدم الحيض أو تأخر.
- كل دم وجد من الفرج فهو حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة.
[م-٧٠٤] إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت، وهو ما يسمى بانتقال العادة عن موضعها، وقد سبق لنا بحث بما تثبت به عادة المبتدأة؟
هل تثبت بمرة، أو بمرتين، أو بثلاث؟
وهذه المسألة مفرعة عليها؛ لأن من يرى أن العادة تثبت بمرة يقول: إذا تقدمت العادة، أو تأخرت، وصلح الدم أن يكون حيضًا لها فهو عادتها، وكذا إذا تأخرت.
وأما من يرى التكرار فلا يراه عادة حتى تتكرر.
والحنفية يفرقون بين تقدم العادة بالموضع، وبين تقدمها بالعدد ... فإذا رأت قبل عادتها دمًا أو بعد عادتها متصلة بها، فهذا عندهم يبحث في زيادة العادة ونقصها،
стр. 3892
وقد بحثناه في مسألة مستقلة، لكن الكلام على الانتقال في الموضع لا على زيادة العادة والأقوال في المسألة كالتالي:
قيل: إذا تقدمت العادة أو تأخرت فهي عادتها بشرط أن يتقدمها طهر صحيح، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وأبي يوسف من الحنفية (١).
وقيل: لا يكون عادة حتى يتكرر مرتين، وهو مذهب أبي حنيفة، وصاحبه محمد (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: لا يكون حيضًا حتى يتكرر ثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).
دليل القائلين بأن العادة إذا تقدمت أو تأخرت فهي حيض:
الدليل الأول:
من القرآن، قوله تعال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء تقدم أو تأخر.
الدليل الثاني:
(١٦٠٣ - ٦٥) روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ ، وأنا أبكي، فقال ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات
стр. 3893
آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. والحديث رواه أيضًا مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن قدامة: «والظاهر أنه لم يأت في العادة؛ لأن عائشة استكرهته، واشتد عليها، وبكت حين رأته، وقالت: وددت أني لم أكن حججت العام، ولو كانت لها عادة تعلم مجيئه فيها، وقد جاء فيها ما أنكرته، ولا صعب عليها» (٢).
الدليل الثالث:
لو كانت العادة إذا تقدمت أو تأخرت لا تعتبر عادة ولا حيضًا حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا، لبينه الرسول ﷺ لأمته، ولو بينه لنقل إلينا، وما دام أنه لم يبينه فليس التكرار بشرط، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط.
دليل من قال يشترط التكرار مرتين:
الدليل الأول:
قال السرخسي: «العادة مشتقة من العود، ولن يحصل العود بدون تكرار» (٣).
قلت: تسميتها عادة تسمية عرفية، ولم أقف على هذه التسمية من الشارع وقد راجعت في الحاسب الآلي الموسوعة الحديثية لأربعمائة كتاب، كما راجعت المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي فلم أجد فيه تسمية الحيض عادة مرفوعًا، أو موقوفًا، ولم أجد إلا قولًا لعطاء في سنن الدارمي: قال: إن كان للنفساء عادة، وإلا جلست أربعين ليلة (٤).
ومثل هذا التعليل المشتق من تسمية عرفيه لا يصلح أن يلغي الدم الذي تراه
стр. 3894
المرأة مطابقًا لدم الحيض في اللون والصفة والرائحة ثم لا تعتبره حيضًا لمجرد تقدمه أو تأخره.
الدليل الثاني:
قال السرخسي: «الشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه.
قال تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦].
والأول متأكد بالتكرار فلا ينسخه إلا ما هو مثله في التأكد» (١).
والاستدلال هذا عجيب، والقياس على الآية أعجب؛ لأن المذكور في النسخ هو في الآيات، لا في الدماء، وعلى التنزل فإن عادة تكررت سنوات. يلغيها عندهم عادة جديدة تكررت مرتين، فلا هي مثلها ولا هي خير منها.
دليل الحنابلة على اشتراط التكرار:
انظر أدلة الحنابلة على اشتراط التكرار ثلاث مرات في مبحث، متى تكون المبتدأة معتادة.
والعجيب أن الحنابلة لا يعتبرون التكرار في نقص العادة ويشترطونه في زيادتها وتقدمها وتأخرها، مع أن النقص نوع من تغير العادة فإذا نقصت عادة المرأة ولو مرة واحدة انتقلت إليها وأصبحت هي عادتها، وألغت عادتها السابقة فلو استحيضت بعده جلست عادتها الناقصة، ولم تجلس عادتها المتكررة.
* والراجح: القول الأول بأن العادة إذا تقدمت أو تأخرت فهي حيض، وأن الحكم يدور مع علته، فإذا انقطع الدم فهي طاهرة، وإذا جاءها الدم فهي حائض، هذا هو الأصل. ولا نجعله دم استحاضة إلا إذا تبين أنه دم علة ومرض كما لو استمر عليها الشهر كاملًا، أو تجاوز أكثر ما قيل في أكثر الحيض، أو لم يسبقه طهر صحيح. والله أعلم.
* * *
стр. 3895
الفصل الخامس
في تعاطي دواء يقطع الحيض أو يعجل نزوله
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله يتوقف على الباعث على ذلك، فإن كان الباعث مباحًا جاز، وإلا منع.
أولًا: تعاطي المرأة ما يقطع حيضها.
أما تعاطي المرأة ما يقطع حيضها، فإن الحكم يختلف تبعًا للحامل على ذلك.
فقد يكون الحامل على ذلك المحافظة على صحة الأم، أو على مصلحة الولد.
وقد يكون الحامل على ذلك تنظيم الحمل.
وقد يكون الحامل عليه الحرص على إتمام المناسك.
وقد تتعاطاه من أجل قطع النسل إما لعدم رغبة في الولد مطلقًا، أو اكتفاء بعدد معين، أو لغير ذلك من الدوافع، وسوف أناقش هذه الأمور حالة حالة.
الحالة الأولى:
[م-٧٠٥] إذا تعاطت المرأة ما يقطع الحيض عنها خوفًا على صحتها بأن أخبرها طبيب ثقة أن الحمل فيه خطورة على حياتها، سواء كان ذلك أثناء الحمل أو عند
стр. 3896
الولادة، فإنه يجوز للمرأة بل قد يتعين منع الحمل؛ لأن تعاطي ما يضر بحياتها لا يجوز، وكذلك لو أخبرها طبيب ثقة أنها إذا حملت فسوف يولد الولد متشوهًا تشوهًا غير محتمل يصعب معه الحياة. ولكن يجب التأكد من خبر الطبيب؛ فإن كثيرًا ما يقرر الطبيب شيئًا ولا يتحقق، وكم من امرأة أخبرها طبيب بأنه سوف يكون لها كذا وكذا وكتب الله لها الحمل، ولم يعرض لها شيء مما قالوا، فمن المهم أن يكون الطبيب قويًا أمينًا غير متهم، ولا يشترط أن يكون مسلمًا.
جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، جاء فيه: «أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق، ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية لإخراج الجنين، فإنه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخر شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين» (١).
الحال الثانية:
[م-٧٠٦] إذا كان الحامل على ذلك تنظيم الحمل، لكون المرأة يتتابع حملها، وتريد أن تباعد بين فترات الحمل لتتمكن من القيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها، وكان ذلك برضا الزوج، وكان الدواء المتعاطي لا ضرر فيه على صحة المرأة، ولا يتسبب في منع الحمل مستقبلًا، وكان ذلك مبنيًا على خبر طبيب ثقة، والمقصود بالثقة أن يكون قويًا بعمله أمينًا فيه غير متهم. ولا يكون في هذا الدواء عدوان على حمل قائم فلا بأس.
[م-٧٠٧] والخلاف في هذه المسألة مبني على حكم جواز العزل عن المرأة. وهي مسألة اختلف فيها أهل العلم.
стр. 3897
فقيل: لا يجوز العزل مطلقًا. اختاره ابن حزم (١).
وقيل: بالجواز مطلقًا، إلا أن تركه أفضل. وهو أصح القولين في مذهب الشافعي (٢).
وقيل: يجوز إن أذنت الزوجة الحرة، وهو قول الجمهور (٣).
دليل من قال بمنع العزل:
(١٦٠٤ - ٦٦) ما رواه مسلم من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة،
عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا، ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ ذلك الوأد الخفي. زاد عبيد الله في حديثه عن المقرئ وهي (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨] (٤).
دليل جواز العزل:
(١٦٠٥ - ٦٧) ما رواه البخاري من طريق سفيان، قال: عمرو: أخبرني عطاء سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل.
ورواه مسلم (٥)، وزاد: قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن.
стр. 3898
وقد بينت فيما سبق: أن قول سفيان: قاله من عند نفسه استنباطًا (١).
(١٦٠٦ - ٦٨) وفي رواية لمسلم، قال: حدثني أبو غسان المسمعي، حدثنا معاذ يعني ابن هشام، حدثني أبي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا (٢).
دليل من علقه بإذن الزوجة:
الدليل الأول:
قال ابن عبد البر: «لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، ووافقه في نقل الإجماع ابن هبيرة» (٣).
وسبق لك أن الشافعية يرون جواز العزل مطلقًا في أصح القولين في مذهبهم، فلا يصح الإجماع.
الدليل الثاني:
(١٦٠٧ - ٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرر بن أبي هريرة، عن أبيه،
عن عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها.
[ضعيف] (٤).
стр. 3899
الدليل الثالث: من الآثار .
(١٦٠٨ - ٧٠) أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مهدي، ويزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير عن سوار الكوفي، عن عبد الله قال: يستأمر الحرة، ويعزل عن الأمة.
[ضعيف] (١).
الدليل الرابع:
(١٦٠٩ - ٧١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء،
عن ابن عباس، قال: تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر الأمة.
стр. 3900
[رجاله ثقات، وتكلم ابن معين في حديث عبد الكريم عن عطاء] (١).
ولا تعارض بين حديث جابر، وبين حديث جدامة بنت وهب؛ لأن الرجل إنما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده ذلك مجرى الوأد، لا أنه وأد شرعًا. وأن حقيقة الوأد أن يجتمع فيه القصد والفعل، والعزل ليس فيه إلا مجرد القصد، ولهذا وصفه بكونه خفيًا، فجعله وأدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة. وإذا لم يكن وأدًا ظاهرًا لم يكن له حكم الوأد. نعم يدل على كراهية العزل؛ لأن تكثير النسل مقصود من جهة الشرع، مرغب فيه، وإذا كان هناك حاجة للعزل لم يكن هناك كراهية؛ لأن من القواعد أن لا كراهة مع الحاجة ولا تحريم مع الضرورة.
الحالة الثالثة: إذا كان الحامل على منع الحيض منع الولد خوف الفقر.
إذا كان الحامل على منع الدورة خوف الفقر، سواء كان الفقر متحققًا أو مخوفًا، فإن هذا لا يجوز؛ وهو من سوء الظن بالله فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
قال سبحانه: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: ٦].
стр. 3901
وأنكر الله على أهل الجاهلية قتل أولادهم دفعًا للفقر أو خوفًا منه. فقال سبحانه: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) [الأنعام: ١٥١]. وقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم) [الإسراء: ٣١].
الحالة الرابعة: إذا كان منع الحيض من أجل إتمام النسك.
[م-٧٠٨] إذا كان الحامل على المرأة في تعاطيها ما يمنع عادتها من أجل حرصها على إتمامها مناسكها وتخشى أن تعيق رفقة. أو تخشى عدم تمكنها من إتمام مناسكها فلا حرج عليها إن شاء الله تعالى.
(١٦١٠ - ٧٢) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج،
قال: سئل عطاء عن امرأة تحيض يجعل لها دواء فترتفع حيضتها، وهي في قرئها كما هي، تطوف؟ قال: نعم، إذا رأت الطهر، فإذا هي رأت خفوقًا ولم تر الطهر الأبيض فلا.
[صحيح إلى عطاء، وابن جريج مكثر عن عطاء فلا يشترط تصريحه بالسماع] (١).
(١٦١١ - ٧٣) وروى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنا واصل، مولى
ابن عيينة، عن رجل سأل ابن عمر، عن امرأة تطاول بها دم الحيضة فأرادت أن تشرب دواء يقطع الدم عنها فلم ير ابن عمر بأسًا، ونعت ابن عمر ماء الأراك.
قال معمر: وسمعت ابن أبي نجيح يسأل عن ذلك فلم ير به بأسًا (٢).
[ضعيف عن ابن عمر للرجل المبهم، صحيح إلى ابن أبي نجيح].
مع أن الدم إذا تطاول بالمرأة حتى صارت مستحاضة، فإنها تكون مريضة، وتعاطي ما يقطع الدم عنها يكون من قبيل التداوي المباح.
стр. 3902
الحالة الخامسة:
[م-٧٠٩] إذا كان منع الحيض من أجل الصيام في شهر رمضان مع المسلمين، فإني أكره لها هذا لأن الحيض أمر كتبه الله عليها.
(١٦١٢ - ٧٤) روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول: سمعت عائشة تقول:
خرجنا لا نرى إلا الحج فلما كنا بسرف حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ... والحديث رواه مسلم (١).
وجه الشاهد من الحديث:
قوله ﷺ : (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم). وقلنا فيما سبق: أن الكتابة هذه قدرية، فلترضَ المرأة بما قدر الله لها، وقد تضطرب عادة المرأة بعد تركها لهذه الأدوية، ولا تنتظم لها عادة، وقد تقلق في عباداتها من صلاة وغيره بحيث لا يستقيم لها طهر فالأولى اجتنابها في مثل هذه الحالة.
الحالة السادسة: إذا كان منع الحيض لقطع النسل مطلقًا.
[م-٧١٠] إذا كان الحامل على تعاطيها ما يمنع حيضها منع الحمل منعًا مستمرًا فإن هذا لا يجوز، حتى ولو رضي الزوج.
وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي (٢)، وفيه: أن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس في الكويت من: ١ إلى ٦ جمادي الأولى ١٤٠٩ هـ بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تنظيم النسل واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبناء على أن من مقاصد الزواج في
стр. 3903
الشريعة الإسلامية الإنجاب، والحفاظ على النوع الإنساني، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل، والحفاظ عليه، والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها.
قرر ما يلي:
أولًا: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.
ثانيًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يعرف بـ (الإعقام) أو (التعقيم) ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.
ثالثًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة. ولا يكون فيها عدوان على حمل قائم. والله أعلم (١).
الحالة السابعة:
[م-٧١١] إذا كان منع الحيض بنية الإضرار بالآخرين فلا يجوز كما لو تناولت المانع، وكانت معتدة لرجل يجب عليه نفقتها فأرادت إطالة المدة لتزداد النفقة فهذا الفعل محرم. هذا فيما يتعلق بمنع نزول الحيض.
ثانيًا: الكلام فيما إذا تناولت المرأة دواء يعجل بنزول دم الحيض.
إذا تناولت المرأة دواء يعجل بنزول دم الحيض، جاز لها إذا كان لها غرض صحيح، والغرض الصحيح لا يكون إلا بشرطين:
الأول: ألا يكون ذلك حيلة لإسقاط حق عليها، سواء كان هذا الحق لله أو لآدمي.
стр. 3904
فمثال حق الله: أن تتناول ما يعجل بعادتها، أو يطيلها هربًا من صيام رمضان في أيام الحر، وتريد أن يكون قضاؤها في أيام البرد فهذا لا يجوز؛ لأن التحايل على إسقاط الواجبات لا يسقطها، والتحايل على فعل المحرمات لا يبيحها.
ومثال حق الآدمي: أن تكون مطلقة طلاقًا رجعيًا. وتحاول أن تعجل بحيضها لتسقط حق الزوج في الرجعة فهذا أيضًا لا يجوز.
وقد ذهب الحطاب في مواهب الجليل: أن الدم يكون ملغيًا في باب العدة، وإن كان مانعًا من أداء الصلاة والصيام (١).
الشرط الثاني: أن يكون ذلك بموافقة الزوج؛ لأن الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع، والله أعلم.
* * *
стр. 3905
الفصل السادس في الصفرة والكدرة
المبحث الأول ألوان الدم الخارج من المرأة
[م-٧١٢] قبل أن نبحث عن حكم الصفرة والكدرة ينبغي أن نعرف ألوان الدم في كل مذهب
الأول: مذهب الحنفية: قسموا ألوان الدم إلى ستة أقسام:
الأول: السواد، الثاني: الحمرة، الثالث: الصفرة، الرابع: الكدرة، الخامس: التربية، السادس: الخضرة.
والدم الأسود، والأحمر معروفان، وهما الأصل في لون الدم، بل الأصل في الدم أن يكون لونه أحمر، إلا أنه قد يغلب عليه السواد فيصير دم الحيض أسود.
وأما الصفرة والكدرة، فقال النووي: نقلًا عن الشيخ أبي حامد، هما ماء أصفر وماء كدر، وليسا بدم.
وقال إمام الحرمين: هما شيء كالصديد يعلوه صفرة وكدرة، وليس على لون شيء من الدماء القوية ولا الضعيفة.
стр. 3906
وأما التربية: وهو ما يكون لونه كلون التراب، وهو نوع من الكدرة (١).
وأما الخضرة فلم يثبت هذا اللون إلا الحنفية، وهم مختلفون فيه، فأنكره بعضهم، وقال مستبعدًا وجوده: كأنها أكلت فصيلًا؛ لأن الدم في الأصل لا يكون أخضر، وقيل: هو نوع من الكدرة (٢).
هذه ألوان الدماء عند الحنفية.
القول الثاني: ألوان الدماء عند المالكية أربعة أنواع (٣).
الأول: الأسود، الثاني: الصفرة، الثالث: الكدرة، الرابع: الترية.
وقد تم تفسير الثلاثة الأول، أما الترية فقيل: الترية: فعيلة من لفظ الوراء؛ لأنها ترى بعد الصفرة والكدرة، فعلى هذا هي دون الصفرة.
وقيل: دم فيه غبرة يشبه لون التراب، فيكون على هذا مساويًا للتربية عند الحنفية.
وقال أحمد بن المعدل: الترية، هي الدفعة من دم الحيض لا يتصل بها من دم الحيض ما يكون حيضة كاملة (٤).
وقال ابن عبد البر (٥): أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم ترية، ثم كدرة، ثم يكون ريقًا كالفضة، ثم ينقطع (٦).
стр. 3907
والذي يظهر أن الترية ترجع إلى الصفرة والكدرة،
فقد روى الدارقطني، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا يحيى بن
أبي طالب، ثنا عبد الوهاب، أنا هشام بن حسان عن حفصة،
عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئًا، وهي الصفرة والكدرة (١).
[والإسناد فيه ضعف] وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
القول الثالث: مذهب الشافعية في ألوان الدم.
قسم بعض الشافعية الدماء إلى خمسة: الأول الأسود، الثاني الأحمر، الثالث الأشقر، الرابع الأصفر، الخامس الأكدر (٢).
القول الرابع:
قسم الحنابلة الدماء إلى أربعة أقسام:
الأول: الأسود، الثاني: الحمرة، الثالث: الصفرة، الرابع: الكدرة (٣).
* * *
стр. 3908
المبحث الثاني حكم الصفرة والكدرة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- من ألغى الكدرة في أيام العادة فقد عمل بالتمييز في امرأة صحيحة، وليست مستحاضة، وفي وقت عادة المرأة، وهذا خلاف النصوص الصحيحة.
- إذا كان التمييز لم يقدم على العادة في المستحاضة، وقد اختلط حيضها باستحاضتها فكونه لا يقدم التمييز على الصحيحة في وقت العادة من باب أولى.
- حديث (إن دم الحيض دم أسود يعرف) حديث منكر، لا يمكن أن يبنى عليه أصل، وهو مخالف سندًا ومتنًا لأحاديث الصحيحين.
[م-٧١٣] اختلف العلماء في الصفرة والكدرة:
فقيل: الصفرة والكدرة حيض مطلقًا في أيام العادة وغيرها، وهو مذهب المدونة (١)، والأصح عند الشافعية (٢).
стр. 3909
وقيل: الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقا، وهو اختيار الظاهرية (١).
وقيل بالتفصيل: الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض، وبعد الطهر ليست بحيض، وهو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن الماجشون من المالكية (٤)، وجعله المازري والباجي هو المذهب عند المالكية، واختاره أبو سعيد الاصطخري من الشافعية (٥).
ونسب ابن بطال وابن رجب القول به إلى جمهور العلماء، وقال ابن رجب: حتى إن منهم من نقله إجماعًا كعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه (٦).
واختلفوا في الصفرة والكدرة إذا زادت على أيام العادة متصلة بها ولم تكن في أيام العادة، ولم تتجاوز أكثر الحيض، على ثلاثة أقوال:
فقيل: حيض، وهو قول أبي حنيفة، وبه يقول كل من رأى أن الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، كمالك والشافعي.
стр. 3910
وقيل: ليس بحيض، وهو قول أبي سعيد الاصطخري من الشافعية، وبه يقول كل من يرى أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا مطلقًا كالظاهرية.
وثالثها لا يلتفت إليه حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا، وهو قول الإمام أحمد (١).
وقيل: الصفرة حيض، وأما الكدرة فليست بحيض إلا أن يتقدمها دم، وهذا هو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٢).
هذا ملخص الأقوال في المسألة.
دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض مطلقًا:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].
والمرأة التي ينزل منها الكدرة والصفرة لم تطهر بعد.
الدليل الثاني:
(١٦١٣ - ٧٥) استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا في حجرها مع بنات ابنتها، فكانت إحدانا تطهر، ثم تصلي، ثم تنكس بالصفرة اليسيرة، فتسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصًا.
[حسن] (٣).
стр. 3911
وجه الاستدلال:
أن أسماء ﵂ أمرتهن باعتزال الصلاة من الصفرة، ولو كانت بعد الطهر والاغتسال حتى ولو كانت الصفرة يسيرة.
وأجيب:
بأن هذا مخالف لما روي عن عائشة، وعلي بن أبي طالب، وأم عطية، بل ظاهر كلام أم عطية أن له حكم الرفع كما سيأتي تقريره. وقد يفسر قولها: (كانت إحدانا تطهر) أي تطهر بالجفاف لا برؤية البياض، فكانت الواحدة منهن إذا طهرت بالجفاف اغتسلت
стр. 3912
وصلت ثم يرين بعد ذلك الصفرة اليسيرة فتنهاهن عن الاستعجال، وأن يعتزلن الصلاة حتى يرين البياض خالصًا، والمقصود بها القصة البيضة، ليكون مطابقًا لما روي عن عائشة، ولو كان المقصود بقولها: (إحدانا تطهر) بالقصة البيضاء ما تشوفت لرؤيته مرة ثانية؛ لأن المرأة ترى القصة مرة واحدة عقب الحيضة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
إذا كانت الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيضًا، فكذلك إذا كانت بعد الطهر؛ لأنكم إما أن تقولوا: بأنها حيض مطلقًا، في العادة وبعدها، أو تقولوا: ليست بحيض مطلقًا، فأما أن تعتبروها في زمن مانعة من الصلاة والصيام، وفي زمن ليست مانعة، فهذا خطأ يخالف القواعد.
وأجيب:
بأن التفريق بين زمن العادة وغيرها إنما قلناه تبعًا للنصوص، لا أن ذلك وفقًا للقياس، والنص مقدم على القياس.
وقد يقال: إن الصفرة والكدرة على وفق القياس، وذلك أنهما إذا كانا في زمن العادة والحيض، كان هذا وقت سلطان الدم، فهما أثر من آثاره؛ لأن العادة تبدأ ضعيفة، ثم تشتد ثم تتدرج بالضعف حتى تطهر المرأة، وما دامت في وقت الدم فقد أعطيت حكمه؛ لأن الكدرة أثر من آثاره، بخلاف ما إذا كان بعد الطهر فإنها ليست من أثر الحيض.
ولأن الرسول ﷺ في المستحاضة لم يردها إلى التمييز، بل ردها إلى عادتها، بصرف النظر عن لون الدم، هل كان أسود أو أحمر، هل له رائحة، أو ليس له رائحة، فقدم الشرع العادة على اللون، ومن ألغى الكدرة في أيام العادة فقد عمل بالتمييز في وقت عادة المرأة، وهذا خلاف النصوص، كما سيأتي بيانه في المستحاضة، والله أعلم.
стр. 3913
دليل من قال: بأن الصفرة والكدرة ليست حيضًا مطلقًا:
(١٦١٤ - ٧٦) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد ابن أبي عدي، عن محمد -يعني: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قال: إنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (١).
[حديث منكر] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم يأمرها بالإمساك عن الصلاة إلا إذا رأت الدم الأسود، وأما
стр. 3914
إذا رأت غيره فإنها تصلي، والصفرة والكدرة ليست دمًا أسود، وبالتالي فهي مأمورة بالصلاة إذا رأته.
وأجيب:
أولًا: الحديث منكر، منقطع الإسناد، مخالف لما في الصحيحين في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، حيث ردها النبي إلى العادة، وأمرها أن تجلس قدر عادتها، ولم يردها إلى العمل بالتمييز، فكيف نردها إلى الدم الأسود، ونلغي العادة، فظاهر من الشرع أنه يقدم سلطان العادة على التمييز، ومن ألغى الكدرة في أيام العادة فقد قدم سلطان اللون على سلطان العادة، وهذا مخالف لما في الصحيحين.
ثانيًا: أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، وهي التي اختلط دم حيضها بدم استحاضتها وكان التمييز بين الدمين لا يمكن إلا باللون، لا أن هذا حكم مطلق لكل امرأة، ولو لم تكن غير مستحاضة، فضلًا أن يدعى أن هذا في امرأة ليس لها عادة، أو نسيت عادتها، فردها النبي ﷺ إلى التمييز، مع أن الحديث واحد في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، ومع أنه لم يجر ذكر للعادة مطلقًا في حديث محمد ابن عمرو، ولم يسألها النبي ﷺ هل أنت مبتدأة ليس لك عادة؟ فضلًا أن يفترض أن لها عادة ونسيتها، فالمستحاضة إذا عملت بحديث فاطمة بنت أبي حبيش إما أن تأخذ بالعادة كما في الصحيحين، وهو حديث مجمع على صحته، أو تأخذ بالتمييز مطلقًا كما في هذا الحديث المخالف لما في الصحيحين، ولا خيار ثالث.
ثالثًا: أنه مقيد بحديث أم عطية: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا) وسيأتي تخريجه. ومقيد بأثر عائشة: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) وسيأتي إن شاء الله تخريجه، وعليه فيكون ما عدا الدم الأسود ليس حيضًا، إلا في زمن العادة فإنه حيض حتى ولو كان صفرة وكدرة جمعًا بين هذا الحديث وما روي عن أم عطية وعائشة. والله أعلم.
стр. 3915
الدليل الثاني:
(١٦١٥ - ٧٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد -يعني ابن سيرين-.
عن أم عطية قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا (١).
فكلمة (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم، فلا تعد الصفرة شيئًا لا قبل الطهر ولا بعد الطهر.
قلت: قد روته حفصة بنت سيرين عن أم عطية بزيادة: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا). وهي زيادة وإن لم يخرجها البخاري، إلا أنه اعتمدها في فقه ترجمته، فقال: باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.
وإذا اختلف على أم عطية بين حفصة وأخيها، وكل منهما ثقة، فإما أن يكون هذا الاختلاف سببًا في رد الأثر والحكم عليه بالاضطراب، وإما نسلك مسلك الترجيح بينهما، وإذا كان هناك نظر للترجيح فأثر حفصة أولى للأسباب التالية:
أولًا: أن حفصة امرأة، وتروي هذا الأثر عن امرأة مثلها، وفيما يخص النساء فقط، ولا شك أن اهتمام المرأة في نقل ما يخصها، ودخول المرأة على مثلها، وسماعها منها أيسر من دخول الرجل على المرأة وسماعه منها.
ثانيًا: أن أثر حفصة يتفق مع أثر عائشة، لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، كما يتفق مع أثر أسماء، اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصًا، وكل هؤلاء نساء، وهن أعلم في نقل ما يخصهن، فإذا رأيت مجموعة هذه الآثار رأيتها مرجحًا آخر لأثر حفصة، عن أم عطية، بينما ابن سيرين لم يشهد له أي أثر من آثار الصحابة.
ثالثًا: أن الطب يشهد لأثر حفصة؛ لأن الحيض ليس دمًا خالصًا كدم العرق،
стр. 3916
وإنما الدم مكون منه، فجدار الرحم يبطن من أوعية دموية، وغدد، ونحوها، لهذا فيه اللون الأسود، واللون الكدر، والأحمر، والأصفر، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. فالأذى: هو النجس، ولا نجس إلا الدم.
وأجيب:
على التسليم بأن الصفرة والكدرة ليست بنجسة، فإن الأذى يطلق على غير النجاسة، قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ) [البقرة: ١٩٦]، فالأذى يطلق على ما يتأذى منه، سواء كان طاهرًا أو نجسًا على أننا لا نسلم بطهارة الصفرة والكدرة، وهي من بقايا دم الحيض، فإذا كنا عرفنا كيف يحدث الحيض للمرأة، وأن الحيض عبارة عن انهدام الغشاء المبطن للرحم، وهو متكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها فلم يكن الحيض هو الدم الخالص بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضًا، وهو يتفاوت في أول الحيض وفورته، وآخره.
هذه أدلة من رأى أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا، وعمدتهم حديث (إن دم الحيض دم أسود يعرف) وهو حديث منكر كما تقدم.
قال ابن حزم: «إذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم، وحرم وطؤها على بعلها وسيدها، فإن رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة، أو الكدرة أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت» (١).
وقال أيضا: «وجدنا النص قد ثبت وصح أنه لا حيض إلا الدم الأسود، وما عداه ليس حيضًا، لقوله ﵇: (إن دم الحيض أسود يعرف) فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة، لا مدخل لها في حكم الاستحاضة، وأنه لا فرق بين الدم
стр. 3917
الأحمر، والقصة البيضاء» (١).
دليل من فرق بين الكدرة في أول الحيض وفي آخر الحيض:
قال أبو يوسف: إن الكدرة لا تكون حيضًا إلا إذا كانت في آخر أيام الحيض.
وجه ذلك ما ذكره الكاساني، قال: «إن الحيض، هو الدم الخارج من الرحم، لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه زمان الطهر، ثم يخرج الصافي منه، ثم الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولًا ثم الصافي، فينظر: إن خرج الصافي أولًا علم أنه من الرحم فيكون حيضًا، وإن خرج الكدر أولًا علم أنه من العرق فلا يكون حيضًا» (٢).
وهذا التعليل مبني على الرأي المحض، لا على قول الأطباء، ولا على نص شرعي، والنصوص لم تفرق إلا بين الكدرة في زمن العادة، وبين الكدرة بعد الطهر، بل إن دم المرأة ينزل أول ما ينزل ضعيفًا في غزارته ولونه، ثم يشتد، ثم يضعف حتى ينقطع، والضعف كما يكون في سيلانه، يكون في لونه ورائحته. والله أعلم.
دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض إن كانت في زمن الحيض:
(١٦١٦ - ٧٨) استدلوا بما رواه مالك، قال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت:
كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (٣).
[حسن] (٤).
стр. 3918
وجه الاستدلال:
أنها اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضًا، حتى ترى علامة الطهر.
وأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا بعد الطهر:
(١٦١٧ - ٧٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، عن قتادة عن أم الهذيل (حفصة بنت سيرين).
عن أم عطية -وكانت بايعت النبي ﷺ قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا (١).
وعلى فرض أن تكون أم عطية قد اختلف عليها، فإن هذا قد يوجب طرح ما روي عنها، ويبقى أثر عائشة صحيحًا للاحتجاج.
هذه هي أهم الأقوال في المسألة، مع بيان أدلتها، وهناك أقوال أخرى مبنية على الرأي المحض، أسوقها في ختام هذا البحث استكمالًا للفائدة، وقد ساقها النووي أوجُهًا في الروضة فقال:
أحدها: إن سبق الصفرة والكدرة دم قوي من سواد أو حمرة فالصفرة والكدرة بعد حيض، وإلا فلا.
وقيل: إن سبقها دم قوي، وتعقبها دم قوي، فهما حيض، وإلا فلا. ويكفي في تقديم القوي وتأخره أي قدر كان، ولو لحظة على الأصح.
وقيل: لا بد من يوم وليلة (١).
هذا أهم ما ورد في المسألة من أقوال. الراجح كما أشرت أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، فكل أذى يخرج من الرحم في وقت العادة فهو حيض، سواء كان الدم أسود، أو أحمر، أو كان كدرة أو صفرة.
لأنه لا عبرة في اللون زمن العادة، ولو كان الاعتماد على اللون لكان ذلك عملًا بالتمييز، وليس عملًا بالعادة، وإذا لم يعمل بالتمييز زمن اختلاط الحيض بالاستحاضة، فتجلس وقت عادتها مطلقًا، لم يعمل بالتمييز وقت العادة زمن الصحة، وعدم اختلاطه بغيره.
ثانيًا: أن ما يخرج من الرحم ليس الدم وحده؛ لأنه ليس الحيض هو سيلان عرق حتى يكون الخارج هو الدم الخالص، وإنما الحيض هو انهدام بطانة الرحم
стр. 3922
والتي تكونت استعدادًا لتلقي الجنين، فإذا لم يحصل التخصيب انهدم هذا الجدار، وهو يتكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها فلم يكن الحيض دمًا خالصًا بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضًا، وعلى هذا أعطى الشرع حكم الكدرة والصفرة حكم الدم من المستحاضة، ففي وقت العادة تجلس وتدع الصلاة والصيام، وفي غير وقت العادة لا عبرة به، كما لا عبرة في دم المستحاضة في غير وقت العادة، ويكفي أن القائلين بأن الحيض هو الدم الأسود لا يعرف هذا القول حسب اطلاعي إلا عن الظاهرية، وأما أكثر العلماء فهم يرون أن الكدرة والصفرة إما حيض مطلقًا كالمالكية والشافعية، وإما حيض وقت سلطان العادة وزمانها، كما هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكاه بعضهم إجماعًا، والله أعلم.
* * *
стр. 3923
الفرع الأول في رؤية الكدرة قبل التحقق من نزول العادة
[م-٧١٤] إذا رأت المرأة الصفرة والكدرة، وقد تحققت أنها حائض بنزول دم الحيض المعروف فلا إشكال فيه على القول الراجح.
أما لو رأت صفرة وكدرة قبل التحقق من نزول دم الحيض، فهل يحكم له بأنه دم حيض؟ وللجواب على هذا نقول:
أولًا: إن كانت في وقت العادة فلا إشكال؛ لأن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض كما رجحنا.
وإن كانت في غير وقت العادة، فقد نقول: بأنها ليست حيضًا، اعتبارًا بأنها رأتها بعد الطهر، وقد ثبت لنا حديث: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا».
وقد يقول قائل: بأن العادة قد تتقدم، وقد تتأخر، وقد تزيد، وقد تنقص، فلماذا لا تعتبر حيضًا؟
وللجواب على هذا أن نقول: إن كانت الصفرة والكدرة مصحوبة بأوجاع العادة المعروفة لدى غالب النساء، وكانت الصفرة والكدرة متصلة بالعادة المعروفة، بحيث رأت الصفرة أو الكدرة في اليوم الأول، والثاني، وفي اليوم الثالث نزل معها
стр. 3924
دم الحيض، فإنها تعتبرها حيضًا، وإن تقدمت عن زمن العادة المعروف.
أما إذا لم تكن مصحوبة بآلام العادة، أو لم يتصل بها دم الحيض، بحيث رأت صفرة أو كدرة ثم انقطعت فلا تعتبر حيضًا.
وإن شكت المرأة، فالأصل أنها طاهرة؛ لأن هذه الصفرة قد جاءت بعد الطهر ومن غير زمن العادة فلا تعتبر حيضًا. والله أعلم.
* * *
стр. 3925
الفرع الثاني في الاحتجاج بقول الصحابي كنا نفعل
[م-٧١٥] قول الصحابي: (كنا نفعل) أو (كانوا يفعلون)، كقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا). هل يكون له حكم الرفع؟ أو يكون موقوفًا؟ وهل يكون حكاية لإجماع؟ أو حكاية لأكثرهم؟
هذه مسألة اختلف فيها أهل الأصول وبُحثت في مصطلح الحديث، وسوف أشير إلى مقاصد كلامهم بإيجاز .. والأقوال فيها كالآتي:
قيل: إنه مرفوع مطلقًا -يعني له حكم الرفع- قال الحافظ: «وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري» (١).
وقيل: موقوف مطلقًا.
وقيل: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي ﷺ فيكون مرفوعًا، أولا يضيفه فلا يكون له حكم الرفع، ونسبه الحافظ إلى الجمهور (٢).
وقيل في التفصيل: الفرق بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا فيكون