وعلى فرض أن تكون أم عطية قد اختلف عليها، فإن هذا قد يوجب طرح ما روي عنها، ويبقى أثر عائشة صحيحًا للاحتجاج.
هذه هي أهم الأقوال في المسألة، مع بيان أدلتها، وهناك أقوال أخرى مبنية على الرأي المحض، أسوقها في ختام هذا البحث استكمالًا للفائدة، وقد ساقها النووي أوجُهًا في الروضة فقال:
أحدها: إن سبق الصفرة والكدرة دم قوي من سواد أو حمرة فالصفرة والكدرة بعد حيض، وإلا فلا.
وقيل: إن سبقها دم قوي، وتعقبها دم قوي، فهما حيض، وإلا فلا. ويكفي في تقديم القوي وتأخره أي قدر كان، ولو لحظة على الأصح.
وقيل: لا بد من يوم وليلة (١).
هذا أهم ما ورد في المسألة من أقوال. الراجح كما أشرت أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، فكل أذى يخرج من الرحم في وقت العادة فهو حيض، سواء كان الدم أسود، أو أحمر، أو كان كدرة أو صفرة.
لأنه لا عبرة في اللون زمن العادة، ولو كان الاعتماد على اللون لكان ذلك عملًا بالتمييز، وليس عملًا بالعادة، وإذا لم يعمل بالتمييز زمن اختلاط الحيض بالاستحاضة، فتجلس وقت عادتها مطلقًا، لم يعمل بالتمييز وقت العادة زمن الصحة، وعدم اختلاطه بغيره.
ثانيًا: أن ما يخرج من الرحم ليس الدم وحده؛ لأنه ليس الحيض هو سيلان عرق حتى يكون الخارج هو الدم الخالص، وإنما الحيض هو انهدام بطانة الرحم
стр. 3922
والتي تكونت استعدادًا لتلقي الجنين، فإذا لم يحصل التخصيب انهدم هذا الجدار، وهو يتكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها فلم يكن الحيض دمًا خالصًا بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضًا، وعلى هذا أعطى الشرع حكم الكدرة والصفرة حكم الدم من المستحاضة، ففي وقت العادة تجلس وتدع الصلاة والصيام، وفي غير وقت العادة لا عبرة به، كما لا عبرة في دم المستحاضة في غير وقت العادة، ويكفي أن القائلين بأن الحيض هو الدم الأسود لا يعرف هذا القول حسب اطلاعي إلا عن الظاهرية، وأما أكثر العلماء فهم يرون أن الكدرة والصفرة إما حيض مطلقًا كالمالكية والشافعية، وإما حيض وقت سلطان العادة وزمانها، كما هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكاه بعضهم إجماعًا، والله أعلم.
* * *
стр. 3923
الفرع الأول في رؤية الكدرة قبل التحقق من نزول العادة
[م-٧١٤] إذا رأت المرأة الصفرة والكدرة، وقد تحققت أنها حائض بنزول دم الحيض المعروف فلا إشكال فيه على القول الراجح.
أما لو رأت صفرة وكدرة قبل التحقق من نزول دم الحيض، فهل يحكم له بأنه دم حيض؟ وللجواب على هذا نقول:
أولًا: إن كانت في وقت العادة فلا إشكال؛ لأن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض كما رجحنا.
وإن كانت في غير وقت العادة، فقد نقول: بأنها ليست حيضًا، اعتبارًا بأنها رأتها بعد الطهر، وقد ثبت لنا حديث: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا».
وقد يقول قائل: بأن العادة قد تتقدم، وقد تتأخر، وقد تزيد، وقد تنقص، فلماذا لا تعتبر حيضًا؟
وللجواب على هذا أن نقول: إن كانت الصفرة والكدرة مصحوبة بأوجاع العادة المعروفة لدى غالب النساء، وكانت الصفرة والكدرة متصلة بالعادة المعروفة، بحيث رأت الصفرة أو الكدرة في اليوم الأول، والثاني، وفي اليوم الثالث نزل معها
стр. 3924
دم الحيض، فإنها تعتبرها حيضًا، وإن تقدمت عن زمن العادة المعروف.
أما إذا لم تكن مصحوبة بآلام العادة، أو لم يتصل بها دم الحيض، بحيث رأت صفرة أو كدرة ثم انقطعت فلا تعتبر حيضًا.
وإن شكت المرأة، فالأصل أنها طاهرة؛ لأن هذه الصفرة قد جاءت بعد الطهر ومن غير زمن العادة فلا تعتبر حيضًا. والله أعلم.
* * *
стр. 3925
الفرع الثاني في الاحتجاج بقول الصحابي كنا نفعل
[م-٧١٥] قول الصحابي: (كنا نفعل) أو (كانوا يفعلون)، كقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا). هل يكون له حكم الرفع؟ أو يكون موقوفًا؟ وهل يكون حكاية لإجماع؟ أو حكاية لأكثرهم؟
هذه مسألة اختلف فيها أهل الأصول وبُحثت في مصطلح الحديث، وسوف أشير إلى مقاصد كلامهم بإيجاز .. والأقوال فيها كالآتي:
قيل: إنه مرفوع مطلقًا -يعني له حكم الرفع- قال الحافظ: «وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري» (١).
وقيل: موقوف مطلقًا.
وقيل: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي ﷺ فيكون مرفوعًا، أولا يضيفه فلا يكون له حكم الرفع، ونسبه الحافظ إلى الجمهور (٢).
وقيل في التفصيل: الفرق بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا فيكون
стр. 3926
مرفوعًا، أو يخفى فيكون موقوفًا.
وعلى تقدير كونه موقوفًا فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟
فجزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يشعر به مثل: كان الناس يفعلون كذا فمن قبيل الإجماع وإلا فلا.
هذه عمدة الأقوال في المسألة. وأرجحها قول الجمهور بأنه: إن أضيف إلى عهد النبي ﷺ فهو على الصحيح له حكم الرفع، وأقوى دليل في ذلك:
(١٦١٨ - ٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل.
ورواه مسلم (١). وزاد: قال سفيان: «لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن».
قال الحافظ في الفتح: «استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسول ﷺ ، لكنه مشروط بعلمه بذلك. ويكفي في علمه به قول الصحابي إنه فعله في عهده. والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي: أن الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره، لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم. وهذا من الأول، فإن جابرًا صرح بوقوعه في عهده ﷺ . وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك، والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك سواء كان هو جابرًا أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يقرأ، أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره، مما يوحى إلى النبي ﷺ ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقر عليه .. » إلخ كلامه ﵀ (٢).
قلت: الظاهر من حال الصحابة ﵃، وحرصهم على إصابة الحق،
стр. 3927
والسؤال عنه أنهم لا يقدمون على أمر من أمور الدين والنبي ﷺ بين أظهرهم إلا إذا كان عالمًا به، فيكون من السنة التقريرية.
والذين ردوه إنما حجتهم أن يكون النبي ﷺ لم يطلع على ذلك حتى يكون إقرارًا. وعلى التسليم أنه لم يطلع، فقد اطلع الله ، والزمن زمن تشريع، فسكوت الوحي عن ذلك إقرار من الله سبحانه لهذا الفعل.
وأقوى دليل للمانعين من الاحتجاج:
(١٦١٩ - ٨١) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن رفاعة بن رافع، وكان عقبيًا بدريًا قال:
كنت عند عمر، فقيل له: إن زيد بن ثابت يفتي الناس برأيه في المسجد، في الذي يجامع ولا ينزل. فقال: أعجل به، فأتى به، فقال: يا عدو نفسه أوقد بلغت أن تفتي في مسجد رسول الله ﷺ برأيك؟ ! قال: ما فعلت، ولكن حدثني عمومتي عن رسول الله ﷺ ، قال: أي عمومتك؟
قال: أبي بن كعب، وأبو أيوب، ورفاعة بن رافع. فالتفت إلي: ما يقول هذا الغلام؟
فقلت: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ ، قال: فسألتم عنه رسول الله ﷺ ؟ قال: كنا نفعله في عهده فلم نغتسل، قال: فجمع الناس، واتفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا رجلين، علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل. فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن أعلم الناس بهذا أزواج رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي. فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال: فتحطم عمر -يعني: تغيظ- ثم قال:
стр. 3928
لا يبلغني أن أحدًا فعله ولا يغتسل إلا أنهكته عقوبة (١).
[في إسناده عبيد بن رفاعة لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي] (٢).
وجه الشاهد من القصة:
أن الصحابة أو كثيرًا منهم، وهم من أهل بدر، كانوا يرون أن الماء من الماء وكان بعضهم يفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لم يأت الوحي بإنكار فعلهم، وما خالفهم من الصحابة إلا رجلان وعائشة، وكان الصواب مع هذا العدد القليل. ثم إن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين حين قال له رفاعة: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ لم يعتبر ذلك حجة، واكتفى به، بل قال: هل سألتم عنه رسول الله ﷺ ؟ فلم ير عمر فعل الشيء في عهده ﷺ زمن التشريع حجة إلا إذا علم بأن الرسول ﷺ قد اطلع عليه.
والذي أرى أن هذه القصة ليس فيها حجة؛ لأن قوله: (كنا نفعله على عهد
стр. 3929
رسول الله)، من الجماع وعدم الاغتسال كان من الممكن أن يكون حجة لو أن
الرسول ﷺ لم يبلغ أحدًا من الأمة بخلافه، أما وقد بلغ فلا يلزم أن يبلغ كل فرد بعينه، فهؤلاء الذين لم يغتسلوا استصحبوا حكمًا سابقًا قد ثبت نسخه، وقد قام الرسول ﷺ بتبليغ بعض أفراد الأمة بنسخه، فكأنه بلغ الأمة كلها.
ومثل هذه القصة ما رواه البخاري:
(١٦٢٠ - ٨٢) قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد عن أيوب، عن نافع
أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يكري مزارعه على عهد النبي ﷺ
وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية، ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع، فذهبت معه، فسأله، فقال: نهى النبي ﷺ عن كراء المزارع، فقال ابن عمر: قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما على الأربعاء وبشيء من التبن (١).
(١٦٢١ - ٨٣) وفي رواية له، قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل عن
ابن شهاب، أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد الله أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئا لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض (٢). والحديث في مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
أن ابن عمر حكى عن بعض الصحابة بأنهم كانوا يكرون الأرض، ولم يكن هناك نهي من النبي ﷺ مع أنه أضاف الفعل إلى زمن التشريع، واستصحب ابن عمر هذا الحكم فكان يفعله في عهد النبي ﷺ ، واستمر على فعله زمن الخلفاء الراشدين
стр. 3930
من غير نكير، ثم علم فيما بعد من رافع بن خديج أن النبي ﷺ قد نهى عن ذلك، وكون ابن عمر حين بلغه النهي ترك ذلك إنما فعله من باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ولذلك كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال: زعم ابن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنها، ولم ينسب ذلك إلى الرسول ﷺ مباشرة، وكما أن هذا يفهم من قوله: «زعم» ولم يقل أخبرنا، أو قال لنا. والله أعلم.
ولكن الجواب عن هذا هو ما ذكرناه عن الحديث الأول، وهو أن الرسول ﷺ لا يلزمه أن يبلغ كل فرد بالأمة، فإذا بلغ من تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة كفى.
والذي تلخص لي أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون، غير مضاف إلى عهد الرسول ﷺ فإنه لا يكون مرفوعًا؛ لأن الإقرار منه ﷺ منتف في غير عهده ﷺ ، وهل يكون حجة؟
الجواب: إن خالف مرفوعًا لم يلتفت إليه أبدًا. وإن خالف موقوفًا على صحابي آخر نظر في أدلة كل قول. وإن لم يخالف فإنه حجة لا لاعتبار كونه مرفوعًا ولكن باعتبار أنه قول لبعض الصحابة لا يعلم له مخالف، وقول الصحابة مقدم على قول غيرهم، فهم أقرب من غيرهم لفهم الشرع، وقد عاصروا الوحي، وهم أهل اللسان.
وقد اختلف العلماء في عده إجماعًا.
فحكى الآمدي في الإحكام أن جمهور العلماء يعدونه إجماعًا؛ لأن الصحابي إذا قال: (كانوا يفعلون كذا) فإن هذا يفيد إضافة الفعل المحكي إلى جميع أهل الإجماع من ذلك العصر، فيكون الصحابي بتلك الصيغة قد نقل لنا الإجماع، وقد ذهب إلى ذلك أبو الخطاب في التمهيد، وشيخه أبو يعلى في العدة.
واختار بعض الأصوليين بأنه لا يفيد الإجماع ما لم يصرح الصحابي بنقل الإجماع عن أهله، وهم أهل الحل والعقد.
* * *
стр. 3931
الباب الرابع
في طهارة الحائض
الفصل الأول
في مخالطة الحائض وطهارة عرقها وسؤرها وثيابها
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- كل محدث فبدنه طاهر، وكل متنجس فحكمه لا يتعدى محل النجاسة ولا يتنشر إلى بقية البدن الطاهر، والحائض محدثة ومتنجسة.
[م-٧١٦] لا خلاف بين العلماء في طهارة جسد الحائض، وعرقها، وسؤرها، وجواز النوم معها، وأكل طبخها، وعجنها، وما مسته من المائعات، ومساكنتها من غير كراهة، إلا خلافًا لا يثبت عن ابن عباس (١)، وقولًا شاذًا لعبيدة السلماني (٢).
والأدلة على هذه المسألة كثيرة:
الدليل الأول:
(١٦٢٢ - ٨٤) ما رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت،
стр. 3932
عن أنس ﵁ قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فقال ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما (١).
وفي رواية للنسائي: وأن يصنعوا بهن كل شيء ما خلا الجماع (٢).
الدليل الثاني:
(١٦٢٣ - ٨٥) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة أن زينب بنت أم سلمة حدثته،
أن أم سلمة حدثتها قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي. قال: أنفست؟ قلت: نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. والحديث رواه مسلم (٣).
قال النووي: «فيه جواز النوم مع الحائض، والاضطجاع معها في لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة، أو يمنع الفرج وحده عند من لا يحرم إلا الفرج.
قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق
стр. 3933
السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، غير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران. وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه، في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله، ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة.
وأما قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فالمراد: اعتزال وطئهن، ولا تقربوا وطأهن» (١)، والله أعلم.
وقال ابن قدامة في المغني: «كره النخعي الوضوء بسؤر الحائض، وقال جابر بن زيد: لا يتوضأ به للصلاة» (٢).
قلت: السؤر هو البقية من الشيء، فلعلهما قالا ذلك من أجل حديث: «نهى رسول الله ﷺ عن الوضوء بفضل المرأة» وفضل المرأة وسؤرها بمعنى واحد، لكن لا ينبغي أن يخص هذا بالحائض، بل هو حكم معلق بالمرأة سواء كانت طاهرةً أو جنبًا أو حائضًا وليس هذا موضع بحث هذه المسألة، والراجح أن النهي ليس للتحريم، وعليه فيكون تخصيص هذا بالحائض ليس سديدًا.
الدليل الثالث:
(١٦٢٤ - ٨٦) روى مسلم، من طريق مسعر وسفيان، عن المقدام بن شريح عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (٣).
стр. 3934
قال القرطبي: قولها: «(أتعرق العرْق): أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى فحسب (١).
الدليل الرابع:
(١٦٢٥ - ٨٧) ما رواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن عمرة،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض. ورواه البخاري (٢).
قال الحافظ: «وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها» (٣).
الدليل الخامس:
(١٦٢٦ - ٨٨) ما رواه مسلم من طريق القاسم بن محمد،
عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (٤).
ففي هذا الحديث دلالة على أنه لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى، فكما أن حيضتها ليست في يدها، فهي ليست في شيء من جسمها إلا موضع خروج الأذى. والله أعلم.
الدليل السادس:
(١٦٢٧ - ٨٩) ما رواه مسلم من طريق طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: سمعته،
стр. 3935
عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه إلى جنبه (١).
قال النووي في شرحه لمسلم:
«وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض، وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على حائض أو غيرها».
الدليل السابع:
(١٦٢٨ - ٩٠) ما رواه أحمد (٢) قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن جابر بن الصبح، قال: سمعت خلاسًا الهجري يقول:
سمعت عائشة قالت: كنت أبيت أنا ورسول الله ﷺ في الشعار الواحد، وأنا طامث حائض، فإن أصابه مني شيء غسله، لم يعدُ مكانه وصلى فيه.
[صحيح] (٣).
стр. 3936
قال ابن منظور في اللسان: «الشعار: ما ولي شعر جسد الإنسان، والجمع: أشعره، وشعر» (١).
وفي المثل: هم الشعار دون الدثار، يصفهم بالمودة والقرب.
وفي حديث الأنصار: أنتم الشعار، والناس الدثار (٢). أي أنتم الخاصة والبطانة كما سماهم عيبته، وكرشه، والدثار: الثوب الذي فوق الشعار».اهـ
قلت: جاء في البخاري ومسلم، في قصة غسل ابنته زينب، وفي آخره: فألقى إلينا حقوه، فقال: (أشعرنها إياه) (٣).
فإذا كان الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، وكانت تبيت هي ورسول الله ﷺ في شعار واحد، وهي حائض، فإما أن يقال: هذا بالنسبة لغالب الجسم؛ لأن عائشة لا بد أن تكون قد لبست الإزار، لأنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه كان لا يباشر الحائض حتى تلبس الإزار. وقد يقال: إن هذا لمن أراد أن يباشر، وهو أخص من حالة النوم. والظاهر من حال النساء إذا حضن أن يلبسن على فروجهن ما يمنع انتشار النجاسة على سائر ثيابهن.
فإن قيل: هذه الأدلة يعارضها حديث عائشة،
(١٦٢٩ - ٩١) وهو ما رواه أبو داود (٤)، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا الأشعث، عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا أو لحفنا.
قال عبيد الله: شك أبي.
стр. 3937
[أنكره الإمام أحمد، والمعروف فيه ذكر اللحاف فقط] (١).
ويجاب عن هذا الحديث:
الجواب الأول:
أن حديث عائشة كان لا يصلي في لحاف نسائه، قد أنكره الإمام أحمد أشد الإنكار.
الجواب الثاني:
أن ترك الصلاة في لحاف المرأة ليس بواجب، فقد ورد أنه كان يصلي وعليه ثوب، وبعضه على بعض نسائه، وهي حائض (٢).
الجواب الثالث:
أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض، وإنما الخلاف في الرجال، وهذا دليل على أن الحامل على الكراهة ليس النجاسة.
جاء في فتح الباري لابن رجب: «قال أبو بكر الأثرم: أحاديث الرخصة أكثر وأشهر. قال: ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء.
وهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف، إنما الخلاف في الرجال.
стр. 3938
والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة (١).
وخرج أبو داود وابن ماجه، عن ميمونة، قالت: إن النبي ﷺ صلى وعليه مرط، وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض، وهو يصلي، وهو عليه (٢).
وخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة، قال: قام النبي ﷺ يصلي، وعليه طرف اللحاف، وعلى عائشة طرفه، وهي حائض لا تصلي (٣).
قال أبو عبيد في غريبه: الناس على هذا، يعني على عدم كراهيته». اهـ نقلًا من فتح الباري لابن رجب (٤).
القول الثاني:
قول ابن عباس وعبيدة السلماني بوجوب اعتزال الحائض (٥).
روي هذا عن ابن عباس، ولا يثبت عنه، وروي عن عبيدة السلماني وهو شاذ، واستدلوا بما يلي:
стр. 3939
الدليل الأول:
قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].
واعتزال النساء: هو اعتزال لجميع بدنها، ومن باشرها لا يصدق عليه أنه اعتزلها.
وأجيب:
بأن الذي يوضح القرآن هو الرسول ﷺ ، وقد بعثه الله ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قال ﷺ في حديث أنس عند مسلم (١): (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). وسيأتي في بحث ما يحل للرجل من امرأته استقصاء الأدلة في ذلك.
الدليل الثاني:
(١٦٣٠ - ٩٢) أخرج عبد الرزاق (٢)، وأحمد (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، وابن جرير الطبري (٦)، والبيهقي (٧)، واللفظ للبيهقي، رووه كلهم من طريق الزهري، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته
أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها، ثم ذكرت ذلك. فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليها فسألتها عن ذلك، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل فراشه عبد الله عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله ابن عباس فتغيظت عليه. وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ، فو الله إن كانت
стр. 3940
المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها، ثم يباشرها بسائر جسده.
[ضعيف] (١).
وعلى فرض صحته فإنه لا يتوقع من ابن عباس ﵄ أن تبلغه سنة المصطفى ثم يبقى على رأيه المخالف لفعل الرسول ﷺ ، بل والمخالف لقوله، فكونه لم يعترض على ميمونة دليل منه على التسليم والقبول لما أخبرته، وإذا رجحنا رجوعه عنه لم يبق قولًا له. والله أعلم.
وقد ثبت عن ابن عباس خلافه بدليل أصح منه.
(١٦٣١ - ٩٣) فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريق محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال: قال ابن عباس: إذا جعلت الحائضُ ثوبًا، أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها (٢).
[حسن] (٣).
стр. 3941
وممن رأى هذا الرأي عبيدة السلماني:
(١٦٣٢ - ٩٤) فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريقين، عن محمد ابن سيرين، قال: قلت لعبيدة السلماني:
ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا، قال: الفراش واحد، واللحاف شتى (١).
[صحيح].
وهذا موقوف عليه، ولا حجة في قول أحد مع قول الرسول ﷺ وفعله، وقول عبيدة لا يخرق الإجماع المؤيد بالسنة الصحيحة الصريحة ما دام أن الأمر لم يثبت عن ابن عباس.
قال النووي: «وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره، من أنه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف، ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة، المذكورة في الصحيحين وغيرها من مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده» (٢).
وقال الشوكاني: «وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش امرأته إذا حاضت فليس بشيء» (٣).
* * *
стр. 3942
الفصل الثاني في طهارة الحائض من الحدث
المبحث الأول في حكم غسل المرأة من الحيض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فأضاف الفعل إليهن، وليس انقطاع الحيض من فعلهن، فدل على وجوب الاغتسال بعد الحيض.
[م-٧١٧] اتفق العلماء على أن الغسل يجب من الحيض.
لقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢].
وجه الاستدلال:
أن المرأة يلزمها تمكين زوجها من الوطء، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإن قيل: أين الدلالة من الآية على أنه لا يجوز الوطء إلا بعد الاغتسال؟
стр. 3943
فالجواب:
أن الله علق الحكم بجواز إتيان الزوجة بشرطين:
الأول: انقطاع الدم لقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].
فقوله: (يَطْهُرْنَ) أي بانقطاع دم الحيض.
الشرط الثاني: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) بالتشديد: أي اغتسلن؛ لأن كلمة (تطهر) تستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله، وهو الاغتسال من الماء.
وسيأتي تحرير الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
(١٦٣٣ - ٩٥) وروى البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (١).
فقوله ﷺ : (ثم اغتسلي وصلي) أمر بالاغتسال، والأصل في الأمر الوجوب.
وقال النووي: «أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري وآخرون» (٢).
نقل الإجماع جماعة، منهم الكاساني من الحنفية (٣)، وابن مفلح من الحنابلة (٤).
* * *
стр. 3944
المبحث الثاني خلاف العلماء في الموجب للغسل
[م-٧١٨] اختلف العلماء في الموجب للغسل:
هل الموجب خروج الدم؟ أم انقطاعه؟ أم إرادة الصلاة؟ أم الموجب الجميع (خروج الدم وانقطاعه وإرادة الصلاة)؟ إلى أقوال:
فقيل: الموجب للغسل خروج الدم.
اختاره بعض الحنفية (١)، وقول العراقيين من الشافعية (٢).
وقيل: الموجب انقطاع دم الحيض.
اختاره بعض الحنفية (٣)، وأبو حامد من الشافعية (٤)، وهو مفهوم كلام الخرقي (٥).
وقيل: الموجب للغسل خروج الدم، لكن الانقطاع شرط لصحته، وهو مذهب
стр. 3945
المالكية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: الموجب للغسل إرادة القيام إلى الصلاة.
اختاره بعض الحنفية (٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: الغسل يجب بمجموع خروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة. وهو وجه في مذهب الشافعية (٥).
تعليل من قال: الموجب للغسل خروج الدم:
التعليل الأول:
قالوا: إذا خرج الدم فقد نقض الطهارة الكبرى، وإن لم يجب الغسل مع سيلان الدم؛ لأنه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل. فوجوبه من أجل الحدث السابق.
التعليل الثاني: أن الحيض أوجب الغسل من وجهين:
الأول: من حيث كونه سببًا في منع الصلاة والصيام ونحوهما.
الثاني: أننا لا يمكن أن نعتبر انقطاع الدم، وهو نوع من الطهارة موجبًا للطهارة، فمحال أن الطهارة توجب الطهارة، وإنما الموجب للطهارة هو النجاسة، إنما أجِّل الاغتسال إلى حين انقطاع الحيض، لأنه لا فائدة من الاغتسال حينئذ.
دليل من قال: الموجب للغسل انقطاع الدم:
قالوا: لأن الدم ما دام باقيًا لا يمكن الغسل، وما لا يمكن لا يكون واجبًا.
стр. 3946
ورد عليهم:
بأن الحائض لا يمكنه الصيام بخروج الدم، وهو واجب عليها.
ولأن النجاسة حصلت بخروج الدم، فوجب التطهير عنده، إذ التنجس ووجوب التطهير متلازمان.
دليل من قال: يجب بإرادة القيام إلى الصلاة:
ولعل ملحظ هذا القول هو أن الإنسان لا تجب عليه الطهارة الصغرى والكبرى إلا إذا وجب عليه فعل عبادة تشترط لها الطهارة، فإذا طهرت المرأة بعد طلوع الشمس لم يجب عليها الاغتسال إلا عند إرادة فعل صلاة الظهر في وقتها، ولعلهم ذكروا الصلاة وأرادوا بها المثال. أي ومثل الصلاة سائر العبادات التي تشترط لها الطهارة، ولأن الحدث الأصغر والأكبر إنما أمرنا بالطهارة منهما عند القيام إلى الصلاة، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) إلى قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
وأدلة هذه القول مجموع أدلة جميع الأقوال السابقة، وهي أن خروج الدم موجب للحدث الأكبر، وانقطاعه وإرادة الصلاة موجبان للطهارة كذلك.
والراجح من هذه الأقوال:
أن خروج الدم موجب للغسل، لكن انقطاعه شرط للصحة، وهذا الوجوب على التراخي، وليس على الفور، فإذا وجبت عبادة تشترط لها الصلاة وضاق وقتها ولم يبق من وقتها إلا ما يكفي للغسل والصلاة وجب الغسل حينئذ. والله أعلم.
* * *
стр. 3947
المبحث الثالث في صفة الغسل من المحيض
صفة الغسل من الحيض، كصفة الغسل من الجنابة إلا في أشياء يسيرة اختلف الفقهاء فيها وسوف نأتي على أحكام الغسل من الجنابة حكمًا حكمًا مبينًا ما هو فرض مما هو سنة؟ وخلاف العلماء في ذلك.
* * *
стр. 3948
الفرع الأول في اشتراط النية للطهارة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- العبادة المعقولة المعنى لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا كالصلاة، والوضوء فيه شبه من العبادتين، والصحيح اشتراط النية له.
- الأعمال كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب إما نواه أو أوامر، والنواهي كلها يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب لا في الخروج من العهدة.
والأوامر على قسمين: الأول منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.
والقسم الثاني من الأوامر ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات، والطهارات، والصيام، والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (١).
стр. 3949
[م-٧١٩] اختلف العلماء هل النية شرط في الطهارة من الحيض أم لا؟
فقيل: النية شرط لطهارة الحدث الأصغر والأكبر، بالماء والتيمم.
وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في التيمم، وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: يجزئ الوضوء، والغسل، والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (٣).
وسبب اختلافهم بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة، أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط، كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين (٤).
أدلة الجمهور على أن النية شرط:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)
стр. 3950
إلى أن قال: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الله قد شرط في صفة فعل الطهارة الصغرى والكبرى إرادة الصلاة، والشرطية مأخوذة من لفظ: (إِذَا) في قوله: (إِذَا قُمْتُمْ) فإذا كان قد شرط إرادة الصلاة في فعل الطهارة كان من فعله مريدًا للتبرد، أو النظافة لم يفعله على الشرط الذي شرطه الله، وذلك يوجب أن لا يجزئه.
وقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]، أي أردتم القيام إلى الصلاة، كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل: ٩٨]، أي إذا أردت قراءته.
قال ابن قدامة: «قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) أي للصلاة، كما يقال: إذا لقيت الأمير فترجل: أي له. وإذا رأيت الأسد فاحذر: أي منه» (١).
الدليل الثاني:
(١٦٣٤ - ٩٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد ابن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
قال النووي: «لفظة: (إنما) للحصر، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، ودليل آخر، وهو قوله ﷺ : (وإنما
стр. 3951
لكل امرئ ما نوى) هذا لم ينو الوضوء، فلا يكون له» (١).
وقال ابن قدامة: «نفى أن يكون له عمل شرعي بدون نية» (٢).
الدليل الثالث:
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) إلى قوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي) [الزمر: ١١، ١٤].
والإخلاص: إنما هو النية، والوضوء من الدين، فوجب أن لا يجزئ بغير نية، والدليل على أن الوضوء من الدين:
(١٦٣٥ - ٩٧) ما رواه مسلم من طريق أبي سلام،
عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها (٣).
فإذا كان المقصود بالإيمان هو الصلاة كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣]. والصلاة عبادة، فشطرها كذلك.
والوضوء مع كونه وسيلة لبعض العبادات، فهو عبادة مستقلة بنفسه أيضًا رتب الشارع عليها ثوابًا عظيمًا.
(١٦٣٦ - ٩٨) فقد روى مسلم من طريق مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل
стр. 3952
وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب (١).
فدل الحديث على أن الوضوء عبادة، والعبادات المحضة لا تصح إلا بنية، لأنها قربة إلى الله تعالى، وطاعة له، وامتثال لأمره، ولا يحصل ذلك بغير نية.
الدليل الرابع:
القياس على طهارة التيمم، بجامع أن كلًا منها طهارة عن حدث.
الدليل الخامس:
الشريعة كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب نواه وأوامر، فالنواهي يخرج الإنسان من عهدته وإن لم يشعر بها، فضلًا عن القصد إليها. فزيد المجهول حرم الله علينا دمه وعرضه، وقد خرجنا عن العهدة وإن لم نشعر به. نعم إن شعرنا بالمحرم ونوينا تركه حصل لنا الثواب مع الخروج من العهدة.
والأوامر منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون، والودائع، ونفقة الزوجات والأقارب، فإن المقصود من هذه الأمور انتفاع أربابه، وذلك لا يتوقف على قصد الفاعل، فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.
ومنها ما لا يكون صورة فعله كافية في حصول المقصود كالصلوات، والصيام، والنسك، فإن المقصود منها تعظيم الله تعالى والخضوع له، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله، وهذا هو الذي أمر الشرع فيه بالنيات، والطهارة من هذا الباب (٢).
стр. 3953
أدلة من قال: إن النية ليست شرطًا في الوضوء وفي التيمم:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) إلى قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الله أمر بالوضوء والغسل أمرًا مطلقًا دون قيد النية، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل، فمن غسل أعضاءه، ومسح رأسه فقد امتثل الأمر وصح وضوؤه، وكذلك من غسل بدنه (١).
ونوقش:
بأن القيام إلى الصلاة يعني القيام بقصد الصلاة، وهذه هي النية.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].
وجه الاستدلال:
نهى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال، وأطلق ولم يشترط النية، فيقتضي انتهاء حكم النهي عند الاغتسال، ولو لم يكن معه نية (٢).
ويناقش:
بأن اغتسال الجنب إذا قصد به الصلاة فقد نوى ما تشترط له الطهارة، وهذا كاف في تحصيل النية.
стр. 3954
الدليل الثالث:
قال تعالى بعد أن ذكر طهارة الوضوء والغسل:
(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
وحصول الطهارة لا يقف على النية، بل على استعمال المطهر في محل قابل للطهارة (١).
يوضح ذلك أيضًا أن النية إن اعتبرت بجريان الماء على الأعضاء فهو حاصل نوى أو لم ينو. وإن اعتبر لإزالة الحدث المتعلق بالأعضاء فإن الخبث المتعلق بها أقوى من الحدث، وزوال هذا الأقوى لا يتوقف على النية، فكيف للأضعف.
الدليل الرابع:
(١٦٣٧ - ٩٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم. أو «ظلم وأساء» (٢).
[حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
فهذا الرجل وهو أعرابي كما في بعض الروايات، كان يجهل الطهور، وقد سأل
стр. 3955
عن الوضوء فلو كانت النية من شرائطه التي يتوقف عليها صحة الوضوء لذكر النبي ﷺ النية له. فلما لم يذكرها علم أنها ليست بشرط.
وأجيب:
بأن النبي ﷺ قد علم المسيء صلاته كيفية الصلاة، ولم يذكر له النية، وقد قلتم بوجوبها للصلاة فما الفرق؟
الدليل الخامس:
(١٦٣٨ - ١٠٠) ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،
عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (إنما يكفيك) ساقه مساق الحصر، ولم يذكر النية.
قلت: السؤال عن الكيفية، ولذا قال ﷺ لعمار،
(١٦٣٩ - ١٠١) كما في البخاري، ومسلم (٢) في صفة التيمم: (إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا) وذكر صفة التيمم، ولم يذكر له النية، وأنتم تقولون باشتراط النية في التيمم.
الدليل السادس:
القياس على إزالة النجاسة، فإذا كانت طهارة الخبث لا تتوقف على نية فعدم توقف طهارة الحدث على النية أولى؛ وإنما قلنا إن طهارة الخبث أولى؛ لأن سببها
стр. 3956
وموجبها أمر حسي، وخبث مشاهد؛ ولأنه لا بدل لها من التراب، فقد ظهرت قوتها حسًّا وشرعًا.
وأجيب:
هناك فرق بين طهارة الحدث، وطهارة الخبث، فالأولى عبادة غير معقولة المعنى لاختصاصها بالأعضاء الأربعة، بخلاف طهارة الخبث؛ فهي معللة، وفي مكان الخبث.
وطهارة الحديث من باب فعل المأمور، وطهارة الخبث من باب ترك المحظور، فالمطلوب التخلي منها، فهي من باب التروك، ولهذا لو صلى ناسيًا حدثه أعاد، بخلاف طهارة الخبث، فما كان من باب فعل المأمور وجبت له النية كالصلاة، وما كان من باب التروك لم تجب كالنجاسة وترك الزنا ونحوهما.
الدليل السابع:
قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً) [الفرقان: ٤٨]، فإذا كان الماء خلق طهورًا، فهذه صفته وطبيعته، كما خلق الماء مرويًا، وخلق مبردًا سائلًا، كل ذلك طبعه ووصفه الذي جعل عليه، فكما أنه لا يحتاج إلى النية في حصول الري والتبريد، فكذلك في حصول التطهير، فإذا كان الماء خلق طاهرًا، وطاهريته لا تتوقف على نية، فكذلك طهوريته (١).
ويجاب:
لا نقاش بأن الماء الأصل فيه أنه طهور، ولكن الطهارة منها ما هي عبادة غير معقولة المعنى يشترط لتحصيلها النية، وعبادة غير معقولة المعنى لا تشترط لها النية.
الدليل الثامن:
المراد من الوضوء النظافة، والوضاءة، وقيام العبد بين يدي الرب ﵎
стр. 3957
على أكمل أحواله، مستور العورة، متجنبًا للنجاسة، نظيف الأعضاء وضيئها، وهذا حاصل بإتيانه بهذه الأفعال، نواها أو لم ينوها، يوضحه أن الوضوء غير مراد لنفسه، بل مراد لغيره، والمراد لغيره لا يجب أن ينوى؛ لأنه وسيلة. وإنما تعتبر النية في المراد لنفسه إذ هو المقصود المراد (١).
ونوقش:
كون الطهارة من الحدث وسيلة للعبادة لا يكفي في عدم اشتراط النية، ذلك أن الوسائل قسمان: وسيلة لغيره، وهي مقصودة بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة لذاتها كإمرار الموسى على رأس الأقرع عند التحلل، فما كان من الأول وجبت له النية بخلاف الثاني فإنه غير مشروع على الصحيح.
وقياس طهارة الحدث على طهارة الخبث لا يصح، كما تقدم، ولهذا تجد سبب الحدث ليس مرتبطًا في محل طهارة الحدث، فالبول والغائط سبب للحدث، ومحلهما الفرج قبلًا كان أو دبرًا، والطهارة من الحدث متعلقة بأربعة أعضاء، ليس منها ما هو سبب للحدث.
وأما طهارة الخبث فهي معقولة المعنى، ومحل التطهير متعلق بمحل الخبث، لهذا كانت النية ليست شرطًا فيها.
دليل من قال: النية شرط في طهارة التيمم دون طهارة الماء:
أما أدلتهم في أن النية ليست شرطًا في طهارة الماء فذكرتها فيما سبق.
وأما وجه التفريق بين التراب وطهارة الماء، فذكروا وجوهًا منها:
الأول: أن التيمم في اللغة: القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة، فإذا جرى الماء على أعضاء الوضوء، أو عم الماء جميع البدن فيصدق عليه أنه امتثل الأمر الشرعي
стр. 3958
بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].
وقوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [المائدة: ٦].
فهذا الأمر تحصيله لا يتوقف على النية.
الثاني: الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية.
ويجاب عن هذا بجوابين:
الأول: أن يقال: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد، فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود.
الوجه الثاني: لا نسلم أن التراب غير مطهر، فإنه قد ثبت أنه مطهر للحدث والخبث معًا،
فالدليل على أنه مطهر من الأحداث قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
فنص على أن الغاية من مشروعية التيمم إرادة التطهير مع نفي الحرج عن هذه الأمة.
ومن السنة، قال رسول الله ﷺ كما في حديث جابر (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... ) الحديثَ، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
стр. 3959
فحكم الرسول ﷺ على أن الأرض جعلت طهورًا للمسلم.
فهذا دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الاستجمار، ومثل طهارة النعل بالتراب، وطهارة ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، فالقول بأن التراب غير مطهر مخالف لنصوص الكتاب والسنة، والتفريق بين الوضوء والتيمم، فلا تجب النية في طهارة الوضوء، وتجب النية في طهارة التيمم تفريق بين ما جمع الله ، فقد جمع بينهما في آية المائدة، ذاكرًا الوضوء بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) إشارة إلى النية، وقال في التيمم (فَتَيَمَّمُوا) إشارة إلى قصد الصعيد، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله، وقوله في غاية الضعف.
الراجح:
أن النية شرط في طهارة الحدث مطلقًا، سواء كان بالماء أو بالتراب، وليست شرطًا في طهارة الخبث، فإذا زال الخبث ولو بنفسه فقد طهر المحل، والله أعلم.
* * *
стр. 3960
الفرع الثاني في استحباب التسمية في غسل الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- لا تشرع التسمية للدخول في الصلاة، وهي المقصودة من الطهارة، فوسيلتها (الوضوء والغسل) من باب أولى.
- لم يرد ذكر للتسمية في الغسل من الجنابة، ولا في الغسل من الحيض، لا في حديث صحيح، ولا ضعيف.
[م-٧٢٠] إذا توضأت قبل الغسل، فإن حكم التسمية في هذا الوضوء حكم التسمية في الوضوء، وقد فصلت الخلاف فيه في كتاب الوضوء، فانظره هناك، ورجحت قول مالك في رواية أن التسمية لا تشرع في الوضوء.
وأما إذا لم تتوضأ المرأة في غسلها من الحيض، فهل تسمي الحيض؟ في هذا خلاف بين أهل العلم:
فقيل: تستحب لها التسمية، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية (١).