وموجبها أمر حسي، وخبث مشاهد؛ ولأنه لا بدل لها من التراب، فقد ظهرت قوتها حسًّا وشرعًا.
وأجيب:
هناك فرق بين طهارة الحدث، وطهارة الخبث، فالأولى عبادة غير معقولة المعنى لاختصاصها بالأعضاء الأربعة، بخلاف طهارة الخبث؛ فهي معللة، وفي مكان الخبث.
وطهارة الحديث من باب فعل المأمور، وطهارة الخبث من باب ترك المحظور، فالمطلوب التخلي منها، فهي من باب التروك، ولهذا لو صلى ناسيًا حدثه أعاد، بخلاف طهارة الخبث، فما كان من باب فعل المأمور وجبت له النية كالصلاة، وما كان من باب التروك لم تجب كالنجاسة وترك الزنا ونحوهما.
الدليل السابع:
قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً) [الفرقان: ٤٨]، فإذا كان الماء خلق طهورًا، فهذه صفته وطبيعته، كما خلق الماء مرويًا، وخلق مبردًا سائلًا، كل ذلك طبعه ووصفه الذي جعل عليه، فكما أنه لا يحتاج إلى النية في حصول الري والتبريد، فكذلك في حصول التطهير، فإذا كان الماء خلق طاهرًا، وطاهريته لا تتوقف على نية، فكذلك طهوريته (١).
ويجاب:
لا نقاش بأن الماء الأصل فيه أنه طهور، ولكن الطهارة منها ما هي عبادة غير معقولة المعنى يشترط لتحصيلها النية، وعبادة غير معقولة المعنى لا تشترط لها النية.
الدليل الثامن:
المراد من الوضوء النظافة، والوضاءة، وقيام العبد بين يدي الرب ﵎
стр. 3957
على أكمل أحواله، مستور العورة، متجنبًا للنجاسة، نظيف الأعضاء وضيئها، وهذا حاصل بإتيانه بهذه الأفعال، نواها أو لم ينوها، يوضحه أن الوضوء غير مراد لنفسه، بل مراد لغيره، والمراد لغيره لا يجب أن ينوى؛ لأنه وسيلة. وإنما تعتبر النية في المراد لنفسه إذ هو المقصود المراد (١).
ونوقش:
كون الطهارة من الحدث وسيلة للعبادة لا يكفي في عدم اشتراط النية، ذلك أن الوسائل قسمان: وسيلة لغيره، وهي مقصودة بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة لذاتها كإمرار الموسى على رأس الأقرع عند التحلل، فما كان من الأول وجبت له النية بخلاف الثاني فإنه غير مشروع على الصحيح.
وقياس طهارة الحدث على طهارة الخبث لا يصح، كما تقدم، ولهذا تجد سبب الحدث ليس مرتبطًا في محل طهارة الحدث، فالبول والغائط سبب للحدث، ومحلهما الفرج قبلًا كان أو دبرًا، والطهارة من الحدث متعلقة بأربعة أعضاء، ليس منها ما هو سبب للحدث.
وأما طهارة الخبث فهي معقولة المعنى، ومحل التطهير متعلق بمحل الخبث، لهذا كانت النية ليست شرطًا فيها.
دليل من قال: النية شرط في طهارة التيمم دون طهارة الماء:
أما أدلتهم في أن النية ليست شرطًا في طهارة الماء فذكرتها فيما سبق.
وأما وجه التفريق بين التراب وطهارة الماء، فذكروا وجوهًا منها:
الأول: أن التيمم في اللغة: القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة، فإذا جرى الماء على أعضاء الوضوء، أو عم الماء جميع البدن فيصدق عليه أنه امتثل الأمر الشرعي
стр. 3958
بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].
وقوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [المائدة: ٦].
فهذا الأمر تحصيله لا يتوقف على النية.
الثاني: الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية.
ويجاب عن هذا بجوابين:
الأول: أن يقال: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد، فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود.
الوجه الثاني: لا نسلم أن التراب غير مطهر، فإنه قد ثبت أنه مطهر للحدث والخبث معًا،
فالدليل على أنه مطهر من الأحداث قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
فنص على أن الغاية من مشروعية التيمم إرادة التطهير مع نفي الحرج عن هذه الأمة.
ومن السنة، قال رسول الله ﷺ كما في حديث جابر (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... ) الحديثَ، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
стр. 3959
فحكم الرسول ﷺ على أن الأرض جعلت طهورًا للمسلم.
فهذا دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الاستجمار، ومثل طهارة النعل بالتراب، وطهارة ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، فالقول بأن التراب غير مطهر مخالف لنصوص الكتاب والسنة، والتفريق بين الوضوء والتيمم، فلا تجب النية في طهارة الوضوء، وتجب النية في طهارة التيمم تفريق بين ما جمع الله ، فقد جمع بينهما في آية المائدة، ذاكرًا الوضوء بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) إشارة إلى النية، وقال في التيمم (فَتَيَمَّمُوا) إشارة إلى قصد الصعيد، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله، وقوله في غاية الضعف.
الراجح:
أن النية شرط في طهارة الحدث مطلقًا، سواء كان بالماء أو بالتراب، وليست شرطًا في طهارة الخبث، فإذا زال الخبث ولو بنفسه فقد طهر المحل، والله أعلم.
* * *
стр. 3960
الفرع الثاني في استحباب التسمية في غسل الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- لا تشرع التسمية للدخول في الصلاة، وهي المقصودة من الطهارة، فوسيلتها (الوضوء والغسل) من باب أولى.
- لم يرد ذكر للتسمية في الغسل من الجنابة، ولا في الغسل من الحيض، لا في حديث صحيح، ولا ضعيف.
[م-٧٢٠] إذا توضأت قبل الغسل، فإن حكم التسمية في هذا الوضوء حكم التسمية في الوضوء، وقد فصلت الخلاف فيه في كتاب الوضوء، فانظره هناك، ورجحت قول مالك في رواية أن التسمية لا تشرع في الوضوء.
وأما إذا لم تتوضأ المرأة في غسلها من الحيض، فهل تسمي الحيض؟ في هذا خلاف بين أهل العلم:
فقيل: تستحب لها التسمية، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية (١).
стр. 3961
وقيل: التسمية من الفضائل، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١).
وقيل: تجب التسمية: وهو مذهب الحنابلة (٢).
والراجح أنها لا تشرع، وهي مخرجة على قول عند المالكية بعدم استحبابها في الوضوء (٣).
دليل الجمهور على استحباب التسمية:
(١٦٤٠ - ١٠٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله، فهو أبتر أو قال: أقطع (٤).
[إسناده ضعيف ومتنه مضطرب] (٥).
الدليل الثاني من القياس:
قالوا: إذا كانت التسمية مشروعة في الطهارة الصغرى كانت مشروعة في
стр. 3962
الطهارة الكبرى من باب أولى، لأنها صغرى وزيادة (١).
دليل الحنابلة على وجوب التسمية:
لما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى أوجبوها في الطهارة الكبرى من باب القياس (٢).
والراجح أنها لا تشرع:
أولًا: الأصل في العبادات الحظر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث الاغتسال من الجنابة ومن الحيض ليس فيها ذكر التسمية (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤].
واستحباب التسمية في كل شيء ليس على إطلاقه، فهناك أمور تكون التسمية فيها من البدع: كالتسمية للأذان، والتسمية للصلاة، والتسمية لرمي الجمرات، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يسمي لهذه العبادات، فإذا لم ترد التسمية في غسل الجنابة لم تستحب في غسل الحيض؛ لأن صفة الغسل الواجبة فيهما واحدة، وقد ينفرد الحيض باستحباب بعض الأفعال الخاصة كما سيأتي إن شاء الله.
وإليك بعض أحاديث الاغتسال من الحيض والجنابة، لترى أن التسمية لم ترد فيهما.
الحديث الأول:
(١٦٤١ - ١٠٣) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث، عن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فَتَطَهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه
стр. 3963
دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فَتَطَهَّرُ بها. فقالت أسماء وكيف تَطَهَّرُ بها؟ فقال: سبحان الله تطهرين بها. فقالت عائشة، وكأنها تخفي ذلك: تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماءً فتطهر فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليه الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (١).
ورواه البخاري بأخصر من هذا (٢).
ووجه الدلالة ظاهر، وهو أنه قد وقع هذا الحديث جوابًا عن كيفية الغسل من المحيض، وقد ذكر أمورًا مستحبة كالسدر، فلو كانت التسمية مشروعة لأرشد عليها النبي ﷺ .
الحديث الثاني:
(١٦٤٢ - ١٠٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده. ورواه مسلم (٣).
فهذه صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة وليس فيها ذكر البسملة.
الحديث الثالث:
(١٦٤٣ - ١٠٥) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال:
стр. 3964
حدثتني خالتي ميمونة، قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بمنديل فرده. ورواه البخاري (١).
وهذا الحديث كغيره ليس فيه التسمية، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة ثم لا تنقل من قوله ﷺ ولا من فعله.
الحديث الرابع:
(١٦٤٤ - ١٠٦) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجناية؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأس ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٢).
وهذا الحديث كغيره ليس فيه ذكر للتسمية.
* * *
стр. 3965
الفرع الثالث في وضوء الغسل
المسألة الأولى حكم الوضوء في الغسل الواجب
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- الأصغر يندرج في الأكبر.
[م-٧٢١] اختلف العلماء في حكم الوضوء في الحدث الأكبر كالحيض والجنابة.
فقيل: الوضوء سنة.
وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 3966
وقيل: الوضوء شرط في صحة الغسل، وهو رأي داود الظاهري (١).
وقيل: سنة في غسل الجنابة، وليس مشروعًا في غسل الحيض، وهو اختيار ابن حزم (٢).
أدلة الجمهور على أن الوضوء في الغسل سنة:
الدليل الأول:
لم يذكر الوضوء في القرآن، بل قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، ولو كان الوضوء واجبًا لذكره الله في كتابه.
الدليل الثاني:
(١٦٤٥ - ١٠٧) ما رواه البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ : خذ هذا فأفرغه عليك (٣).
ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ له، ولم يطلب منه الرسول ﷺ إلا مجرد إفراغه عليه.
الدليل الثالث:
(١٦٤٦ - ١٠٨) ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله ابن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٤).
стр. 3967
وجه الدلالة:
عبر بـ (إنما) الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر الوضوء.
الدليل الرابع:
حكى بعضهم الإجماع على عدم وجوب الوضوء.
قال الحافظ في الفتح: «قام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب» (١).
وقال ابن عبد البر: الله إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء، بقوله : (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، وقوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦] (٢).
ولا تصح دعوى الإجماع مع خلاف داود الظاهري.
دليل من قال: الوضوء شرط في صحة الغسل:
لعل داود الظاهري رأى أن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
فقوله سبحانه: (فَاطَّهَّرُوا) أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وهو مجمل، وكل فعل يقع بيانًا لهذا المجمل يكون له حكم المجمل، فيكون واجبًا مثله.
وهذا الاستدلال ممكن أن يسلم لو أنه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على صحة الغسل بلا وضوء، كحديث الأعرابي، وحديث أم سلمة، وقد سقناهما في أدلة الجمهور.
دليل ابن حزم على أن الوضوء لا يشرع في غسل الحيض:
رأى ابن حزم أن الدليل الذي جاء فيه ذكر الوضوء في غسل الحيض كان عن طريق إبراهيم بن المهاجر وهو ضعيف. ولا يرى ابن حزم قياس الحيض على الجنابة (٣).
стр. 3968
والحديث الذي ضعفه ابن حزم رواه ابن أبي شيبة، قال:
(١٦٤٧ - ١٠٩) حدثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية ابنة شيبة، عن عائشة قالت: دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟
قال: تأخذ سدرتها وماءها فتوضأ، وتغسل رأسها وتدلكه حتى تبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض الماء على جسدها، ثم تأخذ فرصتها فتطهر بها. فقالت: يا رسول الله كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قالت: عائشة: فعرفت الذي يكني عنه فقلت لها تتبعي أثر الدم (١). [صحيح، وذكر الوضوء فيه حسن] (٢).
المسألة الثانية في موضع الوضوء من الاغتسال
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- الوضوء في الجنابة قبل الاغتسال، وغسل الحيض مقيس عليه.
[م-٧٢٢] أما في الجنابة فالأحاديث صريحة في أن الوضوء قبل الاغتسال.
وأما في الحيض فهل يكون الوضوء قبل الاغتسال أم بعده؟
فالأصل أن الحيض مقيس على الجنابة، لكن قال ابن رجب: «وقال يعقوب ابن بختان: سألت أحمد عن الحائض متى تتوضأ؟ قال: إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأت.
وظاهر هذا أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره، فإنه لم يرد في السنة تقديمه كما في غسل الجنابة، وإنما ورد في حديث أبي الأحوص عن إبراهيم بن المهاجر: (توضأ وتغسل رأسها وتدلكه) بالواو، وهي لا تقتضي ترتيبًا، فيحصل من هذا أن غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه.
أحدها: أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره، وغسل الجنابة
стр. 3972
السنة تقديم الوضوء فيه على الغسل» (١).
قلت: حديث أبي الأحوص جاء بالترتيب أيضًا في رواية أبي داود، قال:
(١٦٤٨ - ١١٠) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا سلام بن سليم، عن إبراهيم ابن مهاجر، عن صفية بنت شيبة،
عن عائشة، قالت: دخلت أسماء على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ فقال: تأخذ سدرتها وماءها فتوضأ، ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها .. وذكر الحديث (٢).
فقوله: (توضأ ثم تغسل رأسها) دليل على تقديم الوضوء على الغسل، إلا أن الحديث قد رواه البغوي من طريق أبي داود نفسه (٣)، ورواه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص به (٤) بلفظ: (توضأ وتغسل رأسها) ورواية (الواو) لا تعارض رواية (ثم) خاصة أنه قد قدم الوضوء بالذكر، وعلى فرض أن الترتيب بين الوضوء والاغتسال لم يرد في الحيض، فإنه مقيس على الجنابة.
ولا أرى لها أن تتوضأ بعد الاغتسال إذا لم تتوضأ قبله؛ لأنه لم يرد عن الرسول ﷺ أنه توضأ بعد غسله من الجنابة، والغسل وحده كاف في رفع الحدث إلا إن مست فرجها فقد انتقضت الطهارة الصغرى ومس الفرج على الراجح ناقض للوضوء مطلقًا سواء كان بشهوة أم بغير شهوة.
* * *
стр. 3973
المسألة الثالثة
في غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية في الغسل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لم يحفظ في وضوء الغسل من الجنابة تكرار لغسل أعضائه.
• التكرار في الغسل لا فضيلة فيه إلا في غسل الكفين وفاقًا، وغسل الرأس على قول.
• إذا توضأ الجنب والحائض قبل الغسل نوى بوضوئه الجنابة، ولا يلزمه إعادة غسل أعضاء الوضوء عند الاغتسال.
[م-٧٢٣] إذا توضأت المرأة لغسل الحيض، فهل تغسل بقية بدنها دون أعضاء الوضوء؟ أو يلزمها غسل بدنها مع أعضاء الوضوء؟ فتكون غسلت أعضاء الوضوء مرتين، مرة في الوضوء، ومرة في الغسل. هاتان مسألتان:
الأولى: هل تكرر غسل أعضاء الوضوء مرة في الوضوء، ومرة في الغسل.
والثانية: هل يشرع التثليث في غسل البدن، بحيث يغسل بدنه ثلاثًا عند الغسل.
وسوف أناقش المسألة الأولى أعني: هل تكرر غسل أعضاء الوضوء مرة في الوضوء، ومرة في الغسل، وأما المسألة الثانية فسوف يأتي الحديث عنها في مبحث خاص.
стр. 3974
(١٦٤٩ - ١١١) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بين شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم (١).
فقولها: (ثم غسل سائر جسده) أي بقية جسده، وقد ذكر الزبيدي: أن كلمة سائر الناس: أي الباقي من الناس (٢).
وله شاهد من حديث ميمونة من رواية مسلم له، في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة.
(١٦٥٠ - ١١٢) وفيه: (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده) (٣).
стр. 3975
وقال ابن رجب: الجنب له حالتان:
إحداهما: أنه لا يلزمه سوى الغسل، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر، فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل، فإن بدأ بأعضاء الوضوء فغسلها لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه بغير تردد، وينوي بوضوئه الغسل لا رفع الحدث الأصغر، وهو ظاهر.
الثاني: أن يجتمع عليه حدث أصغر وجنابة، كأن يحدث، ثم يجنب، فهل يتداخل الوضوء مع الغسل أم لا؟ في ذلك خلاف بين العلماء». اهـ بتصرف (١).
قلت: وملخص الأقوال في المسألة كالآتي:
قيل: إذا نوى الطهارة الكبرى، أجزأه عن نية الطهارة الصغرى، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: يجزئ ولو لم ينو أحدهما، باعتبار أن النية ليست بشرط، وهو مذهب الحنفية (٤).
وقيل: لا تتداخل الطهارتان الكبرى والصغرى إلا بنية، فعلى هذا إما أن يتوضأ قبل الغسل أو ينوي بغسله الطهارة من الحدثين، وهو مذهب الحنابلة (٥)، ووجه في مذهب الشافعية (٦).
وقيل: يجب الوضوء، إما قبل الغسل وإما بعده، ولا تتداخل النيتان، وسواء
стр. 3976
وجد منه الحدث الأصغر أو لم يوجد، وهو رواية في مذهب أحمد (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
وعلى هذه الرواية تغسل أعضاء الوضوء مرتين، مرة في الوضوء، ومرة في الغسل.
وقيل: يجب الوضوء وغسل بقية البدن، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
وفرق ابن حزم بين غسل الجنابة وبين غيره كغسل الجمعة ونحوها فقال في غسل الجنابة: إذا نوى الوضوء أجزأه، وإن لم ينوه لم يجزه، وقال في غيره من الاغتسالات: لا بد أن يأتي بالوضوء مفردًا بنية الوضوء (٤).
هذا ملخص الأقوال في المسألة، وإليك الأدلة.
• دليل القائلين بأن نية الطهارة الكبرى تجزئ عن نية الصغرى:
الدليل الأول:
قال تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].
وجه الاستدلال:
جعل الله الغسل غاية المنع من الصلاة، فإذا اغتسل يجب ألا يمنع منها، ولو كانت نية الحدث الأصغر شرطًا لذكرها سبحانه.
الدليل الثاني:
(١٦٥١ - ١١٣) ما رواه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه:
стр. 3977
قال النبي ﷺ للرجل الذي أصابته جنابة: خذ هذا فأفرغه عليك (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا الرجل كان يجهل التيمم حتى أخبره ﷺ ، فلو كانت نية الحدث الأصغر شرطًا لأخبره النبي ﷺ ؛ لأن جهله بذلك قد يكون أولى من جهله مشروعية التيمم.
الدليل الثالث:
(١٦٥٢ - ١١٤) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،
عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (إنما يكفيك) فهذا دليل على الحصر، وقوله: (فتطهرين) الطهارة هنا مطلقة، فتشمل جميع أنواعها، الصغرى والكبرى، فدل على أن فعلها هذا يجزئ في حصول الطهارة ولو كانت نية الحدث الأصغر شرطًا لبينه لها النبي ﷺ .
الدليل الرابع:
(١٦٥٣ - ١١٥) ما رواه أحمد من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد،
عن جبير بن مطعم قال: تذاكر غسل الجنابة عند النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثًا، فأصب على رأسي، ثم أفيضه بعد على سائر جسدي (٣).
стр. 3978
وقد صرح أبو إسحاق بالتحديث عند البخاري (١).
الدليل الخامس:
(١٦٥٤ - ١١٦) ما رواه عبد الرزاق (٢)، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير.
[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (٣).
وجه الاستدلال من الحديث:
قوله ﷺ : فليمسه بشرته ولم يذكر اشتراط نية الحدث الأصغر، فإذا مسه بشرته فقد تطهر.
الدليل السادس:
حكى بعض العلماء الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، قال ابن عبد البر: «الله إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء ... وهذا إجماع لا خلاف فيه بين العلماء» (٤).
стр. 3979
وقال في الفتح: «نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل. قال الحافظ: «وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للحدث» (١).
الدليل السابع:
من حيث التعليل، قالوا: بأنهما عبادتان من جنس واحد، فتدخل الصغرى في الكبرى كما لو حج قارنًا.
• دليل الحنفية بأن نية الحدث الأصغر والأكبر ليست واجبة:
ذكرت أدلة الحنفية في خلاف العلماء عن حكم النية في الاغتسال من الحيض، وأجبت عنها، فارجع إليها، فلا داعي لإعادتها.
• دليل الحنابلة على وجوب الوضوء أو نيته في غسل الحيض:
(١٦٥٥ - ١١٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على المنبر، قال سمعت رسول الله ﷺ ، يقول:
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (٢).
وجه الاستدلال:
أنه إذا لم ينو الحدث الأصغر لم يصح منه؛ لأن الحديث صريح بأن صحة الأعمال متوقفة على النية، وأن لكل امرئ ما نوى، وما دام أنه لم ينوه فكيف يحسب له عمل.
واستثنوا الموت، فإنه يجب غسل الميت، والوضوء في غسله سنة فقط.
стр. 3980
• وعللوا هذا الاستثناء:
بأن غسل الميت تعبد، وليس عن حدث، لأنه لو كان حدثًا لم يرتفع مع بقاء سببه كالحائض لا تغتسل مع جريان الدم، وليس غسل الميت عن نجاسة، لأنه لو كان عنه لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس، وهو الموت، وكون الوضوء مستحبًا في حق الميت.
(١٦٥٦ - ١١٨) لما رواه البخاري من طريق خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن
أم عطية، قالت: قال النبي ﷺ لهن في غسل ابنته:
ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها. ورواه مسلم (١).
• دليل من قال لا يجب غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى:
استدلوا بدليلين: أثري ونظري.
(١٦٥٧ - ١١٩) أما الأثر ففيما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده (٢).
وقد قدمت أن كلمة: (سائر جسده) تعني: بقية جسده.
الدليل الثاني:
قد يستدل له بأنه لا يمكن رفع الحدث الأصغر والأكبر باق، وعليه فتكون نيته في الوضوء، هي نية الغسل، وإنما بدأ بمواضع الوضوء لشرفها، وإذا كانت نيته هي الغسل لم يحسن تكرار غسل مواضع الوضوء؛ لأن الحدث قد ارتفع عنها، ولا يشرع التكرار إلا في حق الرأس. والفرق بين أن يتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر، وبين أن يغسل أعضاء الوضوء بنية الغسل أنه لو أحدث أثناء الوضوء فمن قال: يتوضأ بنية
стр. 3981
رفع الحدث عليه أن يعيد الوضوء إذا أراد أن يأتي بسنة الوضوء، أما من قال: أنه مجرد تقديم أعضاء الوضوء لشرفها، والنية هي نية الغسل فإنه لو أحدث في أثنائه بنى.
قال النووي: «لم يذكر الجمهور ماذا ينوي بهذا الوضوء، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: لم أجد في مختصر ولا مبسوط تعرضًا لكيفية نية هذا الوضوء إلا لمحمد بن عقيل الشهرزوري فقال: يتوضأ بنية الغسل، قال: إن كان جنبًا من غير حدث أصغر فهو كما قال (١)، وإن كان جنبًا محدثًا كما هو الغالب، فينبغي أن ينوي هذا بوضوئه هذا رفع الحدث الأصغر، لأنا إن أوجبنا الجمع بين الوضوء والغسل فظاهر، لأنه لا يشرع وضوءان، فيكون هذا هو الواجب، وإن قلنا بالتداخل كان فيه خروج من الخلاف» (٢).
وقال ابن الحاجب المالكي في جامع الأمهات: «ويجزئ الغسل عن الوضوء، والوضوء عن غسل محله».
قال خليل في التوضيح شارحًا هذه العبارة: «ويجزئ ... الوضوء عن غسل محله، ما لو توضأ، ثم ذكر أنه جنب، أنه لا يلزمه أن يأتي في غسله على أعضاء الوضوء، وقد نص اللخمي على ذلك أيضًا» (٣).
وقال اللخمي في التبصرة: «ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، وينوي الجنابة، وإن نوى الوضوء أجزأه» (٤).
стр. 3982
• دليل ابن حزم في التفريق بين غسل الجنابة وبين غيره:
قال ابن حزم: «وأما غسل الجنابة والوضوء فإنه أجزأ فيهما عمل واحد بنية واحدة لهما جميعًا، للنص الوارد في ذلك، ثم ذكر حديث ميمونة من رواية مسلم له وفيه: ثم غسل سائر جسده، فقال: فهذا رسول الله ﷺ لم يعد غسل أعضاء الوضوء في غسله للجنابة، ونحن نشهد أن رسول الله ﷺ ما ضيع نية كل عمل افترضه الله عليه، فوجب ذلك في غسل الجنابة خاصة، وبقيت سائر الأغسال على حكمها» (١).
يعني: فلا يجزئ عمل واحد عن عملين أو عن أكثر.
ويناقش ابن حزم في كون نية الحدث الأصغر فرضًا من حديث ميمونة، فلا يستطيع أن يثبت أن الرسول ﷺ قد نوى الحدث الأصغر، وإذا لم يثبت ذلك فليس في الحديث حجة له. والله أعلم.
• الراجح:
بعد استعراض الأقوال والأدلة أجد أن القول بأن نية الحدث الأكبر تكفي عن نية الحدث الأصغر أقوى من حيث الدليل، والله أعلم (٢).
* * *
стр. 3983
المسألة الرابعة:
حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل إذا لم تتوضأ
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• إذا كان الوضوء ليس واجبًا في الطهارة الكبرى، فكذلك المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما جزء منه.
[م-٧٢٤] إذا رجحنا بأن الوضوء ليس بواجب في غسل الجنابة والحيض، فهل المضمضة والاستنشاق واجبان فيهما، أو حكمهما حكم الوضوء باعتبار أنهما جزء من الوضوء.
هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل مسنونان في الوضوء وهو مذهب الحنفية (١).
стр. 3984
وقيل: مسنونان فيهما، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: واجبان في الطهارتين الصغرى والكبرى، وهو مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (٤).
وقيل: الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة سنة (٥).
• دليل من أوجب المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
فأوجب الله تطهير جميع البدن من المكلف، فدخل فيه كل ما يمكن إيصال إليه، إلا ما كان فيه حرج ومشقة كداخل العينين، والقلفة، لنفي الحرج عن هذه الملة، ولا حرج في داخل الفم والأنف، فشملهما نص الكتاب من غير معارض، ولهذا افترض غسلهما عن النجاسة لكونهما في حكم الخارج من البدن، وليس الباطن، فيفترض أيضًا غسلهما في غسل الجنابة والحيض (٦).
стр. 3985
الدليل الثاني:
(١٦٥٨ - ١٢٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا نصر بن علي، أخبرنا الحارث بن وجيه، حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 3986
وجه الاستدلال عندهم:
أن الأنف لا يخلو من شعر، فيجب إيصال الماء إلى أصول هذا الشعر؛ لأن تحت كل شعرة جنابة، وقوله: (وأنقوا البشرة) ففي الفم بشرة، وعليه فيجب إيصال الماء إلى داخل الفم، وهذا يعني: وجوب المضمضة والاستنشاق.
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف، ولو صح لحمل على الشعر النابت على البشرة الظاهرة. وقوله: «وأنقوا البشرة» أي البشرة الظاهرة.
الدليل الثالث:
(١٦٥٩ - ١٢١) ما رواه الدارقطني (١)، من طريق بركة بن محمد، أخبرنا يوسف ابن أسباط، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، (عن ابن سيرين) (٢)،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة.
[الحديث موضوع] (٣).
стр. 3987
ومتنه يدل عليه، فإنه جعل المضمضة والاستنشاق ثلاثًا فريضة، ومعلوم أن الواجب على صحة القول به مرة إجماعًا.
الدليل الرابع:
(١٦٦٠ - ١٢٢) ما رواه أحمد (١)، قال: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله:
من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله به كذا وكذا من النار. قال علي: ومن ثم عاديت شعري.
[المرفوع ضعيف، وصُحح وقفه] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (من ترك موضع شعرة .. )، فكلمة (شعرة) نكرة في سياق الشرط، فيعم كل شعرة، حتى شعر الأنف.
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته فإنه محمول على الشعر الظاهر، ولذلك قال علي بن أبي طالب: ومن ثم عاديت شعر رأسي.
الدليل الخامس:
قالوا: الفم والأنف عضوان يجب غسلهما من النجاسة، فكذا من الجنابة كما في الأعضاء.
• وأجيب بما يلي:
قال النووي: «هذا منتقض بداخل العين، أما قولهم: داخل الفم والأنف في حكم ظاهر البدن، بدليل عدم الفطر، ووجوب غسل نجاستهما. فجوابه: أنه لا يلزم من كونهما في حكم الظاهر في هذين الأمرين أنه يجب غسلهما، فإن داخل العين كذلك بالاتفاق، فإنه لا يفطر بوضع طعام فيها، ولا يجب غسلها في الطهارة، ويحكم بنجاستها بوقوع نجاسة فيها.
وأما قول: لا تنجس العين عند أبي حنيفة، فإنه لا يوجب غسلها.
قال الشيخ أبو حامد: قلنا هذا غلط، فإن العين عنده تنجس، وإنما لا يجب غسلها
стр. 3991
عنده لكون النجاسة الواقعة فيها لا تبلغ قدر درهم ... » إلخ كلامه ﵀ (١).
• أدلة القائلين بأن المضمضة والاستنشاق سنة في الغسل مطلقًا:
استدلوا بأدلة كثيرة سقناها في مسألة: هل تكفي نية الطهارة الكبرى، عن نية الطهارة الصغرى، وذكرنا تلك الأدلة للاحتجاج للمالكية والشافعية على أن نية الطهارة الكبرى كافية في رفع الحدثين: الأصغر والأكبر.
ومن تلك الأدلة:
قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، ولم يذكر مضمضة ولا استنشاقًا.
(١٦٦١ - ١٢٣) ومنها قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين الطويل للرجل الذي أصابه جنابة ولا ماء: فناوله الرسول ﷺ ماءً، وقال له: «اذهب فأفرغه عليك». رواه البخاري (٢).
(١٦٦٢ - ١٢٤) ومنها ما رواه مسلم، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٣).
وإذا كان الوضوء ليس واجبًا في الطهارة الكبرى، فكذلك المضمضة والاستنشاق لأنهما جزء منه.
ولا يقال: إذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الطهارة الصغرى وجبت في الطهارة الكبرى من باب أولى؛ لأن هناك فروضًا في الطهارة الصغرى لا تجب في الكبرى كالترتيب، والموالاة، وهذا القول هو الراجح. والله أعلم.
стр. 3992
• دليل من قال: بوجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل:
هذا القول هو مذهب الحنابلة، ولما كان دليل الحنابلة في وجوب المضمضة والاستنشاق في الطهارة الكبرى اعتمادًا على وجوبهما في الطهارة الصغرى أصبحت مضطرًا لذكر أدلتهم على وجوب المضمضة الاستنشاق في الطهارة الصغرى لينظر أولًا هل يصح القول بوجوبهما في الطهارة الصغرى؟ وإذا صح هل يسلم لهم قياس الكبرى على الصغرى؟ وإليك أدلتهم.
الدليل الأول:
(١٦٦٣ - ١٢٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين، قالوا: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة،
عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (١).
والحديث قطعة من حديث طويل، والشاهد من هذا الحديث، قوله: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).
وفي رواية لأبي داود، وزاد فيه: (إذا توضأت فمضمض) (٢).
[الحديث صحيح وزيادة الأمر بالمضمضة شاذة] (٣).
الدليل الثاني:
(١٦٦٤ - ١٢٦) ما رواه الدارقطني من طريق عصام بن يوسف، أخبرنا عبد الله ابن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه (١).
[ضعيف، والمعروف أنه سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلًا] (٢).