← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

عنده لكون النجاسة الواقعة فيها لا تبلغ قدر درهم ... » إلخ كلامه ﵀ (١). • أدلة القائلين بأن المضمضة والاستنشاق سنة في الغسل مطلقًا: استدلوا بأدلة كثيرة سقناها في مسألة: هل تكفي نية الطهارة الكبرى، عن نية الطهارة الصغرى، وذكرنا تلك الأدلة للاحتجاج للمالكية والشافعية على أن نية الطهارة الكبرى كافية في رفع الحدثين: الأصغر والأكبر. ومن تلك الأدلة: قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، ولم يذكر مضمضة ولا استنشاقًا. (١٦٦١ - ١٢٣) ومنها قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين الطويل للرجل الذي أصابه جنابة ولا ماء: فناوله الرسول ﷺ ماءً، وقال له: «اذهب فأفرغه عليك». رواه البخاري (٢). (١٦٦٢ - ١٢٤) ومنها ما رواه مسلم، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٣). وإذا كان الوضوء ليس واجبًا في الطهارة الكبرى، فكذلك المضمضة والاستنشاق لأنهما جزء منه. ولا يقال: إذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الطهارة الصغرى وجبت في الطهارة الكبرى من باب أولى؛ لأن هناك فروضًا في الطهارة الصغرى لا تجب في الكبرى كالترتيب، والموالاة، وهذا القول هو الراجح. والله أعلم.

стр. 3992

• دليل من قال: بوجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل: هذا القول هو مذهب الحنابلة، ولما كان دليل الحنابلة في وجوب المضمضة والاستنشاق في الطهارة الكبرى اعتمادًا على وجوبهما في الطهارة الصغرى أصبحت مضطرًا لذكر أدلتهم على وجوب المضمضة الاستنشاق في الطهارة الصغرى لينظر أولًا هل يصح القول بوجوبهما في الطهارة الصغرى؟ وإذا صح هل يسلم لهم قياس الكبرى على الصغرى؟ وإليك أدلتهم. الدليل الأول: (١٦٦٣ - ١٢٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين، قالوا: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (١). والحديث قطعة من حديث طويل، والشاهد من هذا الحديث، قوله: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا). وفي رواية لأبي داود، وزاد فيه: (إذا توضأت فمضمض) (٢). [الحديث صحيح وزيادة الأمر بالمضمضة شاذة] (٣).

стр. 3993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3995

الدليل الثاني: (١٦٦٤ - ١٢٦) ما رواه الدارقطني من طريق عصام بن يوسف، أخبرنا عبد الله ابن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه (١). [ضعيف، والمعروف أنه سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلًا] (٢).

стр. 3996

الدليل الثالث: (١٦٦٥ - ١٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق علي بن يونس عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا يتم الوضوء إلا بهما، والأذنان من الرأس (١). [الحديث ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الرابع: (١٦٦٦ - ١٢٨) ما رواه الدارقطني، من طريق هدبة بن خالد، وداود بن المحبر، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال:

стр. 3997

أمرنا رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق (١). [ضعيف] (٢). الدليل الخامس: أحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمنًا؛ لأنهما كالعضو الواحد، فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر. ألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة

стр. 3998

والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا. فهذا يدل على أنهما في حكم العضو الواحد، فالأمر بأحدهما أمر بالآخر. ومن الأحاديث الآمرة بالاستنشاق والاستنثار: (١٦٦٧ - ١٢٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. وفي رواية لمسلم من طريق معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ : إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر (١). وحاول النووي أن يحمل الأمر على الاستحباب، مع أنه خلاف الأصل، فقال: «من لم يوجبه حمل الأمر على الندب، بدليل أن المأمور به حقيقة وهو الانتثار ليس بواجب بالاتفاق، فإن قالوا: ففي الرواية الأخرى: إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر، فهذا فيه دلالة ظاهرة للوجوب، لأن حمله على الندب محتم ليجمع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب». وتعقب الشوكاني في النيل (٢)، دعوى النووي حكاية الإجماع على أن الانتثار ليس بواجب فقال: «ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد وأبو ثور، وابن المنذر، ومن أهل البيت الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله إلى وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ليلى، وحماد بن سليمان».

стр. 3999

ثم قال الشوكاني: «وما نقل من الإجماع على عدم وجوب الاستنثار متعقب بهذا» (١). قلت: قد يسلم بوجوب الاستنشاق للأمر به، لكن لا يسلم قياس المضمضة على الاستنشاق، فإن الأنف يحتاج إلى التنظيف أكثر من الفم، وهو موضع أذى، وهو بمثابة منق للهواء، مما يحمله من أتربة وغبار، فيحتاج إلى تعاهده بالتنظيف، ولذلك أمر المسلم إذا استيقظ من نوم الليل كما في الصحيحين أن يستنثر ثلاثًا، بينما الفم هو نظيف أبدًا بما فيه من اللعاب، ولذا لم أقف على حديث صحيح يأمر بالمضمضة بخلاف الاستنشاق. هذه أدلة الحنابلة على وجوب المضمضة والاستنشاق، ورأينا أن الأدلة على وجوب المضمضة ضعيفة، فإذا كانت كذلك فلا يصح قياس الحدث الأكبر على الحدث الأصغر، على أنها لو كانت الأدلة صحيحة وسالمة من القدح لم يسلم لهم قياس الحدث الأكبر على الأصغر، فإن هناك فروضًا في الحدث الأصغر لا تجب في الحدث الأكبر، والعكس، وجميع أحاديث الغسل ليس فيها الأمر في المضمضة والاستنشاق، ولو كانا واجبين لبينه الرسول ﷺ . • دليل من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة: (١٦٦٨ - ١٣٠) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر. ورواه مسلم (٢).

стр. 4000

قال ابن المنذر: «والذي به نقول: إيجاب الاستنشاق خاصة دون المضمضة، لثبوت الأخبار عن النبي ﷺ أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة» (١). وقال ابن عبد البر: «وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي ﷺ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها، ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنثار وأمر به، وأمره على الوجوب أبدًا، إلا أن يتبين غير ذلك من مراده» (٢). وهذا القول أقرب من القول بوجوب المضمضة والاستنشاق، وإن كان قد يقال: إذا لم يصح في المضمضة دليل، فالاستنشاق جزء منه، فيكون الأمر به للاستحباب، وليس للوجوب، وعلى القول بوجوب الاستنشاق في الوضوء فإنه لا يصح دليلًا على وجوبه في الغسل. • دليل من قال: المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء دون الغسل: أدلة هذا القول مركبة من أدلة قولين قد سبقا. فأدلتهم على وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء هي أدلة الحنابلة، وأدلتهم على كونها سنة في الغسل هي أدلة المالكية والشافعية. والراجح عندي أن المضمضة سنة في الوضوء والغسل، وأما الاستنشاق فقد يقال بوجوبه في الوضوء دون الغسل، كما هو ظاهر النصوص، وقد يقال بأن المضمضة إذا لم تثبت في الوضوء فالاستنشاق جزء منها، فيكون الأمر بالاستنشاق للاستحباب، وأما قياس الغسل على الوضوء فلا يصح، والله أعلم. * * *

стр. 4001

المسألة الخامسة في غسل الرأس في وضوء الغسل مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه؛ لمخالفته السنة، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه؛ لأن غسل الرأس فرض، والمسح يندرج في الغسل. • لم أقف على حديث واحد يصرح بمسح الرأس في غسل الجنابة. • كل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح. [م-٧٢٥] وهذه المسألة هي مقيسة على غسل الجنابة. فإذا توضأ المجنب وبلغ في الوضوء رأسه فهل يمسحه؟ أو يقال: لا داعي لمسحه ما دام أنه سوف يغسله؟ أما الوضوء بدون اغتسال فالمشروع فيه المسح، واختلفوا: هل يجزئ الغسل؟ على ثلاثة أقوال:

стр. 4002

الجواز مع الكراهة، والمنع مطلقًا، والجواز إن مر بيده على رأسه وليس هذا موضع بحثها. أما في الاغتسال للجنابة والحيض. فالحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، يرون مسح الرأس؛ لأنهم يرون إتمام الوضوء قبل غسل الرأس وإفاضة الماء. وذكر ابن رجب: عن ابن عمر أنه لم يكن يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صبًا ويكتفي بذلك، ونص عليه إسحاق (٥)، ونقله أبو داود عن أحمد كما في المسائل (٦). وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٧)، ورواية ابن وهب عن مالك (٨). ولم يأت دليل صريح بمسح الرأس في الوضوء، وإنما الأدلة إما أن تذكر بأنه توضأ وضوءه للصلاة، وهذا مجمل، أو تذكر بأنه توضأ غير رجليه، وهذا الاستثناء قد يكون فيه دلالة على مسح الرأس، وقد يكون الراوي لم يستثن الرأس لأنه قد غسل وهو مسح وزيادة، وأما الأحاديث التي تأتي صريحة بذكر الوضوء مفصلًا فإنها

стр. 4003

تذكر غسل الرأس بدل مسحه، فهل يقال إن في الرأس صفتين: له أن يمسحه ثم يغسله، وله أن يكتفي بغسله. أو يقال يجب رد الأحاديث المجملة بذكر الوضوء إلى الأحاديث التي فصلت الوضوء وذكرت غسل الرأس ولم تذكر مسحه، المسألة محتملة، وإن كنت أميل إلى الاقتصار على غسل الرأس، لأنه لا معنى لمسحه وهو سوف يغسل فرضًا. (١٦٦٩ - ١٣١) وهذا نص حديث ميمونة كما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه (١). وهو في مسلم (٢) بغير هذا اللفظ. وأما حديث عائشة ففيه: (توضأ وضوءه للصلاة) فحملها بعضهم على أن المراد الوضوء الكامل بما في ذلك مسح الرأس. (١٦٧٠ - ١٣٢) لما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده رواه البخاري واللفظ له ومسلم (٣). فقولها: (توضأ وضوءه للصلاة). قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال باعتبار

стр. 4004

الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: (توضأ وضوءه للصلاة). والمراد غير رجليه. فإذا صح إطلاق الوضوء على غسل جميع أعضاء الوضوء غير الرجلين، صح إطلاق الوضوء على الوضوء الكامل غير الرجلين والرأس، خاصة أن الرأس لم يترك بل غسل غسلًا وهو مسح وزيادة، وكوننا نحمل حديث عائشة على حديث ميمونة في صفة غسل الرأس أولى من حمله على صفتين، خاصة أننا لم نقف على حديث واحد عن رسول الله ﷺ يصرح بالمسح للرأس. والله أعلم. وحديث ميمونة الذي فيه بأن النبي ﷺ توضأ وضوءه للصلاة وتبين أنه لم يغسل رجليه إلا في آخر غسله. (١٦٧١ - ١٣٣) رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري، واللفظ له ومسلم (١). فإذا صح أن تقول ميمونة: توضأ وضوءه للصلاة والمراد غير رجليه صح أن قول عائشة: (توضأ وضوءه للصلاة) أي وغسل رأسه بدل مسحه، وحمل ما أجمل م (٢) ن حديث عائشة على ما فسر من حديث ميمونة. بل جاء الوضوء مفصلًا عند أحمد (٣)، بسند حسن من حديث عائشة، وصرحت بغسل الرأس بدل مسحه. * * *

стр. 4005

المسألة السادسة في تثليث الوضوء في الغسل مدخل في ذكر الضابط الفقهي: (١) • استحباب التثليث يرجع إلى الخلاف في حقيقة الوضوء، هل هذا الوضوء هو جزء من غسل البدن، وإنما صورته صورة الوضوء، وقدم في هذا الغسل أعضاء الوضوء لشرفها، وإذا كان الوضوء غسلًا لم يكن التثليث فيه مشروعًا، أو أن هذا الوضوء قبل الغسل هو وضوء بنية رفع الحدث قبل ارتفاع الحدث الأكبر، فيأخذ حكم الوضوء، ومنها التثليث؟ [م-٧٢٦] اختلف العلماء في مشروعية تكرار غسل الأعضاء في وضوء الغسل: فقيل: يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثًا ثلاثًا.

стр. 4006

وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال سفيان الثوري (٤)، وإسحاق بن راهويه (٥)، ووجه في مذهب المالكية (٦). وقيل: يتوضأ مرة مرة، وهو وجه في مذهب المالكية (٧). ورجحه القاضي عياض، قال في الإكمال: «لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه» (٨). قال خليل تعليقًا: «لا فضيلة في تكراره، يريد؛ لأنه -أي وضوء الجنب- من الغسل، ولا فضيلة في تكراره» (٩). وقال ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا وعلى تثليث صب الماء على الرأس (١٠). • دليل الجمهور على استحباب التثليث في وضوء الغسل . (١٦٧٢ - ١٣٤) ما رواه أحمد (١١)، قال: حدثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة،

стр. 4007

عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلًا حسنًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم يصب الماء على رأسه ثلاثًا، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه. [انفرد بذكر التثليث في الوضوء عطاء بن السائب على اختلاف عليه، وليس ذلك بمحفوظ] (١).

стр. 4008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4009

• دليل من قال: الوضوء في الغسل مرة مرة إلا الكفين والرأس: أما دليل من استحب تثليث الكفين والرأس فقط دون أعضاء الوضوء. فقد استدلوا بحديث ميمونة. (١٦٧٣ - ١٣٥) روى البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه. رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري (١). فصار عندنا الآن: أولًا: غسل الكفين قبل البداءة بالوضوء. وثانيًا: أعضاء الوضوء ما عدا الرأس. ثالثًا: الرأس. أولًا: السنة في غسل الكفين. أما الكفان فالمشروع في حقهما غسلهما ثلاثًا كما في حديث عائشة عند مسلم، من طريق وكيع حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا .. الحديث (٢). وفي حديث ميمونة السابق: «فغسلهما مرتين أو ثلاثًا».

стр. 4010

وهذه السنة ثابتة في كل وضوء وغسل، ومنه إذا قام من الليل، وأراد غمس يده في الإناء للوضوء. ثانيًا: السنة في أعضاء الوضوء ما عدا الرأس. أما أعضاء الوضوء ما عدا الرأس فيغسلان مرة واحدة كما قدمنا من حديث ميمونة .. حيث لم تذكر التثليث إلا في الكفين والرأس. ومعنى ذلك أن ما عداهما كان يغسل مرة واحدة. والذي يجعلنا نرجح أنه لا يثلث في وضوء الغسل، لأننا نقول لا يشرع في غسل البدن من الجنابة التثليث إلا في الرأس على الراجح من أقوال أهل العلم. وسبق لنا قول القاضي عياض في الإكمال: «لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه» (١). وقال خليل تعليقًا «لا فضيلة في تكراره، يريد؛ لأنه -أي وضوء الجنب- من الغسل، ولا فضيلة في تكراره» (٢). وقال ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا وعلى تثليث صب الماء على الرأس (٣). وإذا سلم هذا، فإن الوضوء كذلك لا يشرع فيه التثليث؛ لأن الوضوء يكون بنية رفع الحدث الأكبر، لا بنية رفع الحدث الأصغر؛ لأن الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، وإذا كان كذلك فإن أعضاء الوضوء سوف يكتفى بغسلها في الوضوء، ولن تغسل مرة ثانية في غسل الجنابة بل يغسل بقية البدن، والوضوء في الحقيقة غسل للبدن من الجنابة، إلا أنه قدم أعضاء الوضوء في الغسل لشرفها كما قال ﷺ في تغسيل ابنته في حديث أم عطية:

стр. 4011

اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (١). وإذا كان لا يشرع التثليث في البدن على الصحيح، فلا يشرع التثليث في الوضوء. والبخاري ﵀ لا يرى غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل يتوضأ ثم يغسل بقية بدنه، قال ﵀ في صحيحه: (باب: من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده، ولم يعد غسل مواضع الوضوء فيه مرة أخرى) (٢). وقال الحافظ: «واستدل به البخاري على أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة، وعلى أن من توضأ بنية الغسل، ثم أكمل باقي أعضاء بدنه لا يشرع له تجديد الوضوء من غير حدث» (٣). (١٦٧٤ - ١٣٦) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (٤). فقولها: (ثم غسل سائر جسده) أي بقية جسده. فتبين من هذا الكلام: أن الوضوء قبل الغسل نيته رفع الحدث الأكبر، وإن غسل أعضاء الوضوء لا يعاد غسلها مرة أخرى عند غسل البدن، وأن البدن كما أنه لا يشرع فيه التثليث، لا يشرع أيضًا في وضوء الغسل كما هو ظاهر حديث ميمونة، وأن التثليث في الوضوء لم يُرو في شيء من الأحاديث المرفوعة إلا ما كان من رواية عطاء بن السائب، عن أبي سلمة عن عائشة، وقد خالف بكير الأشج عطاء بن

стр. 4012

السائب فلم يذكر التثليث، وأن أصحاب عطاء قد اختلفوا عليه، فأحفظهم شعبة لم يرو عنه التثليث. والله أعلم. ثالثًا: السنة في غسل الرأس. أما السنة في الرأس: فالذي تدل عليه الأحاديث أنه يخلل أولًا شعره بالماء حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته صب الماء على شعر رأسه ثلاثًا، فكان التخليل أولًا لغسل بشرة الرأس، وصب الماء بعده ثلاثًا لغسل الشعر (١). وهذه الصفة مستحبة أحيانًا وليست واجبة. وهي مما ذكر في حديث عائشة دون ميمونة. (١٦٧٥ - ١٣٧) فقد رواه البخاري من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله (٢). ورواه مسلم، من طريق أبي معاوية عن هشام به، وفيه: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه) (٣). قال ابن رجب في شرحه للبخاري: «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة ثابتة عن النبي ﷺ لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وآدابه، ولم أر من صرح به منهم إلا صاحب المغني من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد:

стр. 4013

الغسل على حديث عائشة وكذلك ذكره صاحب المهذب من الشافعية» (١). وصفة غسل الرأس في الثلاث غرفات، هل يعم رأسه في كل غرفة؟ أو يفرغ واحدة على شقه الأيمن وأخرى على شقه الأيسر؟ وثالثة على وسطه؟ من غير تعميم للرأس بكل واحدة. (١٦٧٦ - ١٣٨) فقد رواه الشيخان من طريق القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. هذا لفظ مسلم (٢). ولفظ البخاري: «فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر فقال بهما على وسط رأسه». ورواه مسلم. قال القرطبي كما في المفهم: «ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع، لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه كما في حديث عائشة» (٣). وتعقب ابن رجب كلام القرطبي في شرحه للبخاري: فقال عن كلامه «وهو خلاف الظاهر» قال: «والظاهر والله أعلم أنه يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى» (٤). والثلاث غرفات قد جاءت من حديث عائشة بدون تفصيل.

стр. 4014

(١٦٧٧ - ١٣٩) فرواه البخاري: «ثم صب على رأسه ثلاث غرف بيديه» (١). ولفظ مسلم: «حفن على رأسه ثلاث حفنات» (٢). (١٦٧٨ - ١٤٠) وروى مسلم من طريق جبير بن مطعم قال: «تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف» رواه مسلم. ولفظ البخاري: «فأفيض على رأسي ثلاثًا» وأشار بيديه كلتيهما (٣). وهل هناك فرق بين المرأة والرجل؟ (١٦٧٩ - ١٤١) روى البخاري، قال: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة ﵂ قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن وبيدها الأخرى على شقها الأيسر (٤). قال ابن رجب: «وظاهر هذا أن المرأة يستحب لها بعد أن تصب على رأسها ثلاثًا، أن تأخذ حفنة بيدها فتصب على شق رأسها الأيمن، ثم تأخذ حفنة أخرى، فتصبها على شقه الأيسر، فيصير على رأسها خمس حفنات» (٥). وهذا الاستدلال لا يسلم إلا بعد التسليم أن قول الصحابي: (كنا نفعل) ولم يضفه إلى زمن النبي ﷺ أن له حكم الرفع. قال في الفتح: «وللحديث حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك،

стр. 4015

وهو مصير من البخاري إلى القول بأن لقول الصحابي: (كنا نفعل كذا) حكم الرفع سواء صرح بإضافته إلى زمنه ﷺ أم لا. وبه جزم الحاكم» (١). وقد عرضت أقوال الأصوليين في قول الصحابي: (كنا نفعل) عند الكلام على الصفرة والكدرة، فارجع إليه. فإن سلمت دعوى أن لها حكم الرفع كان في غسل رأس المرأة صفتان: تارة بثلاث غرفات، وتارة بخمس حفنات، وإن كان قول الصحابي: (كنا نفعل) موقوفًا عليه فإن الثلاث مقدمة على الخمس؛ لأن الثلاث صريحة بالرفع. (١٦٨٠ - ١٤٢) فقد روى مسلم من طريق عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٢). (١٦٨١ - ١٤٣) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير عبيد ابن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (٣). فهذان الحديثان صريحان بالرفع، وأن المقدار للرأس ثلاث غرفات كالرجل. (١٦٨٢ - ١٤٤) وأما ما رواه أحمد (٤)، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا

стр. 4016

زائدة، عن صدقة (رجل من أهل الكوفة)، حدثنا جميع بن عمير (١)، حدثني عبد الله بن ثعلبة، قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة فسألت إحداهما: كيف كنتن تصنعن عند الغسل؟ فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤوسنا خمسًا من أجل الضفر. [ضعيف] (٢).

стр. 4017

فهذا الحديث مع ضعفه، وكونه ليس صريحًا في الرفع، وصيغته مختلف فيها هل تكون مرفوعة أو موقوفة، إلا أنه يشهد له ما رواه البخاري عن عائشة (١). * * *

стр. 4018

الفرع الرابع في نقض المرأة رأسها في غسل الحيض مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • لا يجب على المرأة نقض رأسها في حيض أو جنابة. [م-٧٢٧] اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل: لا تنقض رأسها في غسل الجنابة والحيض. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). وقيل: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة، وهو مذهب الحنفية (٤).

стр. 4019

وقيل: لا يجب نقضه في الجنابة ويجب في غسل الحيض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، واختاره الباجي من المالكية (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣). • دليل من قال: لا تنقض رأسها مطلقًا في الحيض والجنابة: الدليل الأول: (١٦٨٣ - ١٤٥) ما رواه مسلم: حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، عن أيوب ابن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٤). [زيادة والحيضة شاذة] (٥).

стр. 4020

الدليل الثاني: (١٦٨٤ - ١٤٦) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء -إذا اغتسلن- أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد،

стр. 4021

ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (١). والحديث لم يتعرض لغسل الجنابة، بل للغسل، فهو مطلق يشمل كل غسل، فهي أنكرت عليه كونه يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، لو كان هناك فرق بين غسل وغسل لبينته ﵂. الدليل الثالث: (١٦٨٥ - ١٤٧) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة، أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، فقالت أسماء: وكيف تطهر بها، فقال: سبحان الله تطهرين بها، فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك-: تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (٢). وجه الإستدلال: في الحديث أمر الرسول ﷺ أسماء أن تدلك رأسها دلكًا شديدًا، ولو كان النقض واجبًا لبينه النبي ﷺ لها. والله أعلم. الدليل الرابع: ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله -يعني العمري- عن نافع:

стр. 4022

أن نساء ابن عمر وأمهات أولاده كن يغتسلن من الجنابة والحيض، فلا ينقضن رؤوسهن، ولكن يبالغن في بلها. [صحيح] (١). الدليل الخامس: (١٦٨٦ - ١٤٨) ما رواه أبو داود: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عبد الله بن داود، عن عمر بن سويد، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ قالت: كنا نغتسل وعلينا الضماد، ونحن مع رسول الله ﷺ محلات ومحرمات. [صحيح] (٢). • دليل من قال: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة: (١٦٨٧ - ١٤٩) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عوف، قال: قرأت في أصل إسماعيل (ابن عياش)، قال ابن عوف: وحدثنا محمد بن إسماعيل، عن أبيه، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، قال: أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة أن ثوبان حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال:

стр. 4023

أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها. [إسناده حسن لغيره، وكون المرأة لا تنقض شعرها صحيح من غير هذا الحديث] (١). • دليل من فرق بين الجنابة والحيض: (١٦٨٨ - ١٥٠) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة. وفي الحديث «فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بحج». الحديث، والحديث رواه مسلم أيضًا (٢). وترجم له البخاري: (باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض). وانتقد ابن رجب هذا الاستدلال فقال: «وهذا الحديث لا دلالة فيه، فإن غسل عائشة الذي أمرها النبي ﷺ به لم يكن من الحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذٍ موجود، فإنه لو كان قد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها، وتهل بالحج فهو غسل الإحرام في حال

стр. 4024

الحيض، كما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل» (١). ثم قال: «وقد يحمل مراد البخاري ﵀ على وجه صحيح، وهو أن النبي ﷺ إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام؛ لأن غسل الإحرام لا يتكرر، ولا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فكذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر» (٢). قلت: كونه أمر عائشة في غسل الإحرام بنقضه لا يقال بأن نقضه واجب في غسل الحيض؛ لأنه لم يثبت إلا في غسل الإحرام، وغسل الإحرام سنة، وكونه في حديث عائشة في قصة أسماء بنت شكل لم يأمرها بنقضه دليل على أنه ليس بواجب في غسل الحيض، وكذلك لا يقال إن الحائض مأمورة بالامتشاط عند غسل المحيض. والله أعلم. الدليل الثاني: (١٦٨٩ - ١٥١) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق سلمة بن صبيح اليحمدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اغتسلت المرأة من حيضها، نقضت شعرها وغسلته بخطمي وأشنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته (٣).

стр. 4025

[ضعيف] (١). الدليل الثالث: الأصل وجوب نقض الشعر ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله فعفي عنه في غسل الجنابة، لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه فبقي على مقتضى الأصل في الوجوب (٢). • ويجاب عنه: بأن الواجب هو غسل الشعر على خلاف في هذا، فإذا تحققنا من وصول الماء إلى باطن الشعر فقد فعل الواجب، سواء كان الشعر مظفورًا، أو غير مظفور. الدليل الرابع: من القياس، وقد سبق الإشارة إليه، وهو أن الرسول ﷺ أمر عائشة عند الاغتسال للإحرام أن تنقض شعر رأسها، فإذا أمرت بنقض شعرها في غسل الإحرام وهو سنة، فكونها تؤمر بنقضه في غسل الحيض وهو واجب من باب أولى (٣).

стр. 4026

• وأجيب: بأن القول باستحبابه لا بأس به، أما القول بوجوبه فليس بظاهر، وقد أمرها أن تمتشط فهل تقولون بوجوبه أيضًا؟. فالقول الراجح أنها لا تنقض رأسها لا في الحيض ولا في الجنابة. * * *

стр. 4027

الفرع الخامس في غسل المسترسل من الشعر مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الواجب غسل الرأس، ولم يرد في النصوص غسل الشعر إلا أن يراد بالرأس الشعر. إذا رجحنا أن المرأة لا يجب عليها نقض ضفائرها، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أم هل يجب غسل ظاهره فقط؟ أم يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟ [م-٧٢٨] هذه مسألة اختلف فيها العلماء: فقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).

стр. 4028

وقيل: لا يجب، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٢). • أدلة الجمهور على وجوب غسل المسترسل: (١٦٩٠ - ١٥٢) ما رواه أبو داود من طريق الحارث بن وجيه، حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة (٣). [ضعيف، وسبق تخريجه] (٤). الدليل الثاني: (١٦٩١ - ١٥٣) ما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي ابن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله به كذا وكذا من النار، قال علي: ومن ثم عاديت شعري (٥). [المرفوع ضعيف، وصحح وقفه] (٦). قلت: ولا دلالة فيه؛ لأن التوعد على ترك موضع الشعرة، لا ترك الشعر نفسه، وموضع الشعر هو بشرة الرأس، وهذه يجب غسلها اتفاقًا.

стр. 4029

الدليل الثالث: (١٦٩٢ - ١٥٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة، كفارة لما بينها قلت: وما أداء الأمانة؟ قال: غسل الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة (١). [ضعيف] (٢). ولا دلالة فيه، فإن قوله: (تحت كل شعرة) دليل على وجوب غسل البشرة من الرأس وليس هذا محل نزاع.

стр. 4030

الدليل الرابع: ثبت أن الرسول ﷺ كان يخلل شعره في غسل الجنابة، وتخليل الشعر إيصال الماء إلى باطنه، وفعله ﷺ بيان للمجمل في قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. (١٦٩٣ - ١٥٥) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (١). • وأجيب: أن التخليل ليس للشعر حتى يقال: إنه من أجل إيصال الماء إلى باطنه، بل التخليل كان لغسل بشرة الرأس، وقول عائشة صريح في هذا: (حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء). ولو سلم فإنه فعل لا يدل على الوجوب، وليس له حكم المجمل حتى يكون بيانًا للمجمل، لأنكم لا تقولون بوجوب التخليل، وليس النزاع في الاستحباب. الدليل الخامس: (١٦٩٤ - ١٥٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من جنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير، قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب. وهو في البخاري، بنحوه (٢).
следующие страницы →