← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

• وأجيب: بأن القول باستحبابه لا بأس به، أما القول بوجوبه فليس بظاهر، وقد أمرها أن تمتشط فهل تقولون بوجوبه أيضًا؟. فالقول الراجح أنها لا تنقض رأسها لا في الحيض ولا في الجنابة. * * *

стр. 4027

الفرع الخامس في غسل المسترسل من الشعر مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الواجب غسل الرأس، ولم يرد في النصوص غسل الشعر إلا أن يراد بالرأس الشعر. إذا رجحنا أن المرأة لا يجب عليها نقض ضفائرها، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أم هل يجب غسل ظاهره فقط؟ أم يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟ [م-٧٢٨] هذه مسألة اختلف فيها العلماء: فقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).

стр. 4028

وقيل: لا يجب، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٢). • أدلة الجمهور على وجوب غسل المسترسل: (١٦٩٠ - ١٥٢) ما رواه أبو داود من طريق الحارث بن وجيه، حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة (٣). [ضعيف، وسبق تخريجه] (٤). الدليل الثاني: (١٦٩١ - ١٥٣) ما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي ابن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله به كذا وكذا من النار، قال علي: ومن ثم عاديت شعري (٥). [المرفوع ضعيف، وصحح وقفه] (٦). قلت: ولا دلالة فيه؛ لأن التوعد على ترك موضع الشعرة، لا ترك الشعر نفسه، وموضع الشعر هو بشرة الرأس، وهذه يجب غسلها اتفاقًا.

стр. 4029

الدليل الثالث: (١٦٩٢ - ١٥٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة، كفارة لما بينها قلت: وما أداء الأمانة؟ قال: غسل الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة (١). [ضعيف] (٢). ولا دلالة فيه، فإن قوله: (تحت كل شعرة) دليل على وجوب غسل البشرة من الرأس وليس هذا محل نزاع.

стр. 4030

الدليل الرابع: ثبت أن الرسول ﷺ كان يخلل شعره في غسل الجنابة، وتخليل الشعر إيصال الماء إلى باطنه، وفعله ﷺ بيان للمجمل في قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. (١٦٩٣ - ١٥٥) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (١). • وأجيب: أن التخليل ليس للشعر حتى يقال: إنه من أجل إيصال الماء إلى باطنه، بل التخليل كان لغسل بشرة الرأس، وقول عائشة صريح في هذا: (حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء). ولو سلم فإنه فعل لا يدل على الوجوب، وليس له حكم المجمل حتى يكون بيانًا للمجمل، لأنكم لا تقولون بوجوب التخليل، وليس النزاع في الاستحباب. الدليل الخامس: (١٦٩٤ - ١٥٦) ما رواه مسلم من طريق جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من جنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير، قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب. وهو في البخاري، بنحوه (٢).

стр. 4031

وجه الاستدلال: أن جابرًا ﵁، حين اعترض عليه بأن الشعر كثير فلا تكفي ثلاث حفنات لم يقل: لا يجب غسل الشعر، بل قال: إن شعر الرسول ﷺ أكثر، مما يدل على أنه مستقر غسل الشعر. • وأجيب: بأن المرفوع من حديث جابر: (صب على رأسه ثلاث حفنات) ولم يقل: (صب على شعره) فالواجب غسل الرأس، وحين اعترض الحسن بن محمد بأن شعره كثير، كان يحتمل أمرين: الأول: بأن شعري كثير فيمنع وصول الماء إلى بشرة الرأس. والثاني: يحتمل قوله: (إن شعري كثير) فيتطلب ماءً أكثر من أجل غسله، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، فرجعنا إلى القدر المرفوع من الحديث وهو: كون الصب على الرأس فقط، ثم إننا نقول بوجوب غسل الشعر، ولكن نشترط أن يكون على بشرة تجب غسلها الدليل السادس: قالوا: شعر الرأس شعر نابت في محل الغسل، فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين. ورده ابن قدامة: «وأما الحاجبان فيجب غسلهما؛ لأن من ضرورة غسل بشرتهما غسلهما، وكذا كل شعر، من ضرورة غسل بشرته غسله، فيجب غسله ضرورة لأن الواجب لا يتم إلا به» (١). الدليل السابع: (١٦٩٥ - ١٥٧) ما رواه أحمد من طريق زائدة، عن صدقة (رجل من أهل

стр. 4032

الكوفة)، ثنا جميع بن عمير، حدثني عبد الله بن ثعلبة، قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة، فسألت إحداهما: كيف كنت تصنعين عند الغسل؟ فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤسنا خمسًا من أجل الضفر (١). وجه الاستدلال: أنها زادت في غسل رأسها من أجل الضفر، وهذا يدل على وجوب غسله. • وأجيب: بأن الحديث ضعيف، وقد سبق تخريجه (٢). وفي الصحيحين عن عائشة وصف الغسل للرأس، ولم تذكر الضفر. (١٦٩٦ - ١٥٨) فقد روى البخاري من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة ﵂، قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر (٣). وفي هذا الحديث ذكرت عائشة أن ثلاثًا فوق رأسها، وواحدة لشق رأسها الأيمن، وأخرى لشقه الأيسر. (١٦٩٧ - ١٥٩) وروى البخاري من طريق القاسم، عن عائشة: قالت: كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بها على وسط رأسه. ورواه مسلم أيضًا (٤).

стр. 4033

فصار الغسل لفوق الرأس، ولشقه الأيمن، ولشقه الأيسر، وليس به تعرض للضفائر. الدليل الثامن: (١٦٩٨ - ١٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة، قال، قال لامرأته: خللي رأسك بالماء، لا تخلله النار، قليل بقاياه عليه (١). [صحيح] (٢). • والجواب عن الأثر: أولًا: أنه موقوف على صحابي. ثانيًا: أنه طلب تخليل الرأس، لا تخليل الشعر، وبينهما فرق، فتخليل الرأس من أجل إيصال الماء إلى بشرة الرأس، وهو مشروع كما كان الرسول ﷺ يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه أروى بشرته، أفاض الماء ثلاث مرات، ثم أفاض الماء على سائر جسده. فتبين من هذه الأدلة أن الصحيح منها ليس بصريح، وأن الصريح منها ليس بصحيح.

стр. 4034

• أدلة من قال: لا يجب غسل باطن الضفائر ولا المسترسل من الشعر: الدليل الأول: أن الأحاديث كلها في غسل الجنابة تنص على غسل الرأس، وفرق بين غسل الرأس وغسل الشعر، فلو كان الواجب غسل الشعر لذكر. (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤]. وهي أحاديث كثيرة أسوق بعضها: (١٦٩٩ - ١٦١) حديث جبير بن مطعم في البخاري، ومسلم: ولفظ البخاري قال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض. وقال مسلم: فأفرغ على رأسي ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما. وفي رواية لمسلم: فيه أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف (١). (١٧٠٠ - ١٦٢) ومنها حديث جابر في البخاري، ومسلم، وفيه: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاث أكف فيفيضها على رأسه .. وذكر بقية الحديث. هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء (٢). (١٧٠١ - ١٦٣) وحديث جابر في مسلم، أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟ فقال ﷺ : أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا (٣). (١٧٠٢ - ١٦٤) وفي حديث عائشة في صفة غسل الرسول ﷺ من الجنابة كما في

стр. 4035

البخاري: ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات (١). ولفظ مسلم: حفن على رأسه ثلاث حفنات (٢). (١٧٠٣ - ١٦٥) وفي حديث ميمونة في البخاري: ثم أفاض على رأسه الماء (٣). ولفظ مسلم: «ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات» (٤). (١٧٠٤ - ١٦٦) وحديث أم سلمة في مسلم: إنما يكفي أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات .. الحديث (٥). وسوف أسوقه بتمامه في الدليل الثاني. (١٧٠٥ - ١٦٧) وحديث عائشة في مسلم: لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (٦). وإذا كان لا يجب مسح المسترسل من الشعر في الطهارة الصغرى، لأن الله قال: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦]. ولم يقل: بشعوركم. فكذلك لا يجب غسل المسترسل منه في الطهارة الكبرى؛ لأن الأحاديث لا تذكر إلا غسل الرأس، ولا تذكر غسل الشعر، وليس الاحتياط في إيجاب غسل المسترسل منه، بل الاحتياط عدم الجزم بالوجوب، وتأثيم الناس حتى يثبت دليل صحيح صريح خال من النزاع. فإن قيل: أليس قوله تعالى: (فَاطَّهَّرُوا) يشمل جميع البدن؟ قيل: بلى، ولكن المسترسل من الشعر ليس من البدن، فنحن نوجب غسل ما كان ساترًا للبدن متصلًا به من أصول الشعر وليس المسترسل منه

стр. 4036

الدليل الثاني: (١٧٠٦ - ١٦٨) ما رواه مسلم، من طريق سفيان - عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفي أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١). وجه الاستدلال: أن أم سلمة ﵂ أخبرت رسول الله ﷺ أنها تشد ضفر رأسها، فلم يأمرها بنقض ضفرها، ولو وجب غسل باطن الشعر، لوجب نقضه ليعلم أن الماء قد وصل إليه، ولما كفاه ثلاث حثيات. قال ابن قدامة: «ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضفره في العادة» (٢). ولو كان واجبًا لقال: «أن تحثي على شعرك» بدلًا من قوله: «على رأسك». الدليل الثالث: (١٧٠٧ - ١٦٩) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (٣).

стр. 4037

وجه الاستدلال منه كوجه الاستدلال من حديث أم سلمة. الدليل الرابع: قال ابن قدامة: «ولأن الشعر ليس من أجزاء الحيوان -يعني المتصل بل هو في حكم المنفصل- بدليل أنه لا ينجس بموته، ولا حياة فيه -يعني حياة حيوانية بل حياته كحياة الزرع- ولا ينقض الوضوء مسه من المرأة، ولا تطلق بطلاقة، فلم يجب غسله للجنابة كثيابها» (١). الدليل الخامس: (١٧٠٨ - ١٧٠) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية بنت شيبة، تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، فقالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ فقال: سبحان الله تطهرين بها فقالت عائشة -كأنها تخفي ذلك-: تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماءً فتطهر فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها من الماء، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (٢). وجه الاستدلال: قوله: (ثم تصب على رأسها فتدلكه) أي تدلك رأسها، فلم يأمرها إلا بدلك الشعر الذي على رأسها، بدليل قوله: (حتى تبلغ شؤون رأسها) والشؤون كما قال

стр. 4038

ابن الأثير: هي عظامه، وطرائقه ومواصل قبائله (١)، وكذا هو في اللسان (٢). والمقصود من ذلك أصول شعر رأسها حتى يبلغ بشرة الرأس، ولم يذكر غسل ضفائرها. وهذا القول هو الراجح. والله أعلم. والقول الأول أحوط. * * *

стр. 4039

مسألة في استحباب التيامن في الاغتسال مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • لا يشرع التثليث في الغسل إلا في موضعين: في غسل الكفين، وهذا صريح، وفي غسل الرأس على احتمال، هل قصد بذلك التكرار، أو الاستيعاب؟ [م-٧٢٩] أما التيامن في غسل الرأس ففيه دليل خاص: (١٧٠٩ - ١٧١) فقد روى مسلم من طريق القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. ورواه البخاري بنحوه (١). وأما التيامن في البدن فليس فيه حديث صريح في غسل الجنابة والحيض، ولكن فيه حديث أم عطية ﵂: (١٧١٠ - ١٧٢) قال البخاري: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا خالد، عن حفصة بنت سيرين،

стр. 4040

عن أم عطية، قالت: قال النبي ﷺ لهن في غسل ابنته: ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها. رواه البخاري ومسلم (١). (١٧١١ - ١٧٣) وفيه حديث عائشة ﵂ عند البخاري، ومسلم (٢) من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله (٣). * * *

стр. 4041

الفرع السادس في التثليث في غسل البدن مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • لا يشرع التثليث في غسل الجنابة إلا في موضعين: في غسل الكفين قبل الاستنجاء، وهذا صريح، وفي غسل الرأس على احتمال، هل قصد بذلك التكرار، أو الاستيعاب؟ [م-٧٣٠] اختلف العلماء في تثليث البدن في الغسل: فقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: لا يستحب، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤). واختاره ابن تيمية من

стр. 4042

الحنابلة (١)، وهو الراجح. وقيل: يستحب التكرار في غسل الحيض دون الجنابة، وهو رواية عن أحمد (٢). • أدلة الجمهور في استحباب غسل البدن ثلاثًا: الدليل الأول: (١٧١٢ - ١٧٤) روى مسلم من طريق هشام، عن أبيه عن عائشة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا (٣). والوضوء جزء من غسل الجنابة، فإذا ثلث فيه غسل الكفين كان التثليث في سائره مشروعًا. الدليل الثاني: (١٧١٣ - ١٧٥) ما رواه أحمد، قال: من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء ابن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلًا حسنًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم

стр. 4043

يصب الماء على رأسه ثلاثًا، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه (١). وجه الاستدلال: إذا ثبت التثليث في الوضوء، وهو جزء من غسل الجنابة، كان التثليث في سائر البدن مقيسًا عليه. • وأجيب: أما التثليث في الوضوء من الحدث الأصغر فهذا ثابت في السنة الصحيحة، ولكن لا يسلم القياس لاختلاف الموجب. وما يجب في هذا قد لا يجب في ذاك، كالترتيب والموالاة، وإذا اختلفا فيما يجب اختلفا فيما يستحب. وأما التثليث في وضوء الغسل من الجنابة فالصحيح أنه لا يشرع، وقد بينا في مسألة مستقلة شذوذ حديث عطاء بن السائب عن أبي سلمة فقد رواه بكير الأشج عن أبي سلمة به وليس فيه ذكر التثليث كما في مسلم، كما اختلف أصحاب عطاء في ذكر التثليث، فرواه شعبة عن عطاء، وهو من أثبت من روى عنه ولم يذكر التثليث، وحديث ميمونة في غسل الجنابة فيه تفصيل الوضوء ولم تذكر تثليثًا. انظر مسألة الخلاف بين العلماء: هل يسن تثليث أعضاء الوضوء؟ وما هو الراجح منها؟ الدليل الثالث: (١٧١٤ - ١٧٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن حرب الواشحي، ومسدد قالا: حدثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة -قال سليمان- يبدأ فيفرغ بيمينه على شماله، وقال مسدد: غسل يديه يصب الإناء على يده اليمنى، ثم اتفقا: فيغسل فرجه. وقال مسدد: يفرغ الإناء على شماله -وربما كنّت عن الفرج- ثم يتوضأ وضوءه

стр. 4044

للصلاة، ثم يدخل يديه في الإناء، فيخلل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا فضل فضلة صبها عليه (١). [الحديث صحيح، إلا زيادة: (فإذا فضل فضلة صبها عليه) فليست محفوظة] (٢).

стр. 4045

وجه الاستدلال: قوله: (فإذا فضل فضلة صبها عليه). لا تسمى فضلة إلا بعد الفراغ من الاغتسال، وكونه صبها على بدنه بعد الفراغ من الاغتسال فيه تكرار الغسل للموضع الذي أصابه الماء، وإذا جاز تكراره أكثر من مرة جاز ثلاثًا. الدليل الرابع: (١٧١٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: سأله رجل عن الغسل من الجنابة، فقال: ثلاثًا، فقال: إني كثير الشعر، قال أبو سعيد: كان رسول الله ﷺ أكثر شعرًا منك وأطيب (١). [ضعيف] (٢). وقال ابن رجب في شرح البخاري: «عطية هو العوفي، فيه ضعف مشهور، ولعله أراد الثلاث في غسل الرأس ولهذا قال له السائل: إن شعري كثير». وقد خرجه أبو نعيم: الفضل بن دكين في كتاب الصلاة له، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: سأل رجل أبا سعيد الخدري، كم يكفي لغسل رأسه؟ قال: ثلاث حفنات، وجمع يديه، وذكر بقية الحديث» (٣).

стр. 4046

الدليل الخامس: (١٧١٦ - ١٧٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة -يعني مولى لابن عباس- قال: إن ابن عباس كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري، فقال: لا أم لك وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر (١). [ضعيف] (٢). وكأن الإمام أحمد ﵀ فهم من الحديث التسبيع في غسل البدن. قال ابن رجب: «وحكى الإمام أحمد أن ابن عباس كان يغتسل من الجنابة بسبع مرار وقال: هو من حديث شعبة يعني: مولى ابن عباس مشهور عنه» (٣). وهكذا فهم أبو الطيب محمد شمس الحق أبادي، قال: «الظاهر من هذا الحديث

стр. 4047

أن النبي ﷺ كان يغسل أعضاءه في الغسل سبع مرار» (١). والظاهر أن التسبيع كان في غسل الفرج، لأنه لم يذكر التسبيع إلا في غسل اليد اليسرى، واليد اليسرى هي التي يغسل بها المرء فرجه قبل الاغتسال. قال ابن رجب: «وليس في هذه الرواية التسبيع سوى في غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء، ويحتمل أن المراد به التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر» (٢). وذكر ابن عبد البر في التمهيد، قال: عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعًا وفرجه سبعًا». فنص على غسل الفرج، وإن كان هذا الاحتمال يضعفه أن شعبة كان يفرغ على ابن عباس، ولا يمكن أن يكشف ابن عباس عورته لشعبة وعلى كل فالحديث ضعيف فلا حجة فيه (٣). • دليل من قال: لا يستحب التثليث في غسل البدن من الحدث الأكبر: قالوا: الأحاديث الصحيحة في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة لم يرد فيها أنه غسل بدنه ثلاثًا، وإذا لم يرد، لم يكن مشروعًا، فحديث عائشة، وحديث ميمونة في الصحيحين وحديث أم سلمة في مسلم وغيرها من الأحاديث لا تذكر التثليث. قال ابن رجب: «حكت ميمونة غسل النبي ﷺ ، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عددًا إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل، مع شك الراوي هل كان غسلهما مرتين أو ثلاثًا؟ وهذا الشك هو من الأعمش»، ثم قال: «وأطلقت الغسل في الباقي، فظاهره أنه لم يكرر غسل شيء من جسده بعد ذلك، لا في الوضوء ولا في الغسل بعد» (٤).

стр. 4048

وقال البخاري: باب الغسل مرة، ثم ذكر حديث ميمونة وفيه: (ثم أفاض على جسده) (١). قال الحافظ: «قال ابن بطال، لم يقيده بعدد، فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها». وهو اختيار ابن تيمية ﵀ (٢). وقال السعدي ﵀: «والصحيح أن التثليث لا يشرع في الغسل إلا في غسل الرأس؛ لأن ذلك هو الوارد في صفة غسله، فلم يثبت عنه سوى هذا، وقياس الوضوء على الغسل غير مسلم لوجود الفارق من وجوه كثيرة» انتهى كلامه ﵀ (٣). قلت: يضاف إلى الرأس غسل الكفين ثلاثًا في ابتداء الغسل، فإنه قد ثبت فيه التثليث. • دليل التفريق بين غسل الحيض وبين غسل الجنابة: وفرق بعضهم بين غسل الحيض وبين غسل الجنابة، فقال في التكرار في غسل الحيض ولم يستحبه في غسل الجنابة. فقد نقل ابن رجب عن يعقوب بن بهتان: سألت أحمد عن النفساء والحائض كم مرة يغتسلان؟ قال: كما تغسل الميتة (٤). وقال ابن رجب أيضًا: «غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة، بخلاف غسل الجنابة. هذا ظاهر كلام أحمد» (٥). • والدليل على استحبابه التثليث في غسل الميتة: (١٧١٧ - ١٧٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبدالله، قال:

стр. 4049

حدثني مالك، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية: ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه. ورواه مسلم (١). ولعل من ألحق الحيض بغسل الميت رأى أنهما غسلان يستحب فيهما استعمال السدر، ولا يستحب في غسل الجنابة، والراجح مذهب المالكية، وأنه لا يشرع التثليث في غسل الحيض ولا في غسل الجنابة، ولا حاجة إلى استعمال القياس مع ورود صفة الغسل من الجنابة والحيض من الشارع. والله أعلم. * * *

стр. 4050

الفرع السابع في صفة غسل الرجلين مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • إن غسل رجليه في الوضوء لم يعد غسلهما في الغسل، وإن لم يغسل رجليه في الوضوء غسلهما في الغسل. • غسل الرجلين سواء قدمهما أو أخرهما هما يغسلان بنية رفع الحدث الأكبر، لا بنية رفع الحدث الأصغر. [م-٧٣١] إذا اغتسلت المرأة للحيض، وبدأت بالوضوء، فهل تغسل رجليها مع الوضوء، أم تؤخر غسلهما إلى تمام الغسل؟ اختلف الفقهاء في ذلك. فقيل: لا تغسلهما مع الوضوء، بل تؤخر غسلهما إلى تمام الغسل. وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)،

стр. 4051

ورواية عن أحمد (١). وقيل: تغسلهما مع الوضوء، وهو مذهب المالكية (٢)، والمشهور عند الشافعية (٣). وقيل: يغسلهما مع الوضوء، ويعيد غسلهما بعد تمام الغسل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). وقيل: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم (٥). وقيل: التقديم في غسل الرجلين والتأخير سواء. وهو رواية عن أحمد (٦). • دليل من قال يؤخر غسل رجليه: (١٧١٨ - ١٧٩) استدلوا بما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه. ورواه مسلم أيضًا بنحوه (٧).

стр. 4052

• دليل من قال: لا يؤخر غسل القدمين: (١٧١٩ - ١٨٠) استدلوا بما رواه البخاري ﵀ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. ورواه مسلم بنحوه (١). • دليل من قال: التقديم والتأخير سواء: لعل من خير بينهما رأى أن حديث عائشة وحديث ميمونة صفتان في الغسل، فأيهما فعل فقد فعل السنة. • دليل من قال: إن التقديم والتأخير يتعلق بالمكان: قال: الظاهر أنه غسل قدميه في حديث ميمونة عند الحاجة كما لو كانت الأرض طينًا، ولو لم يغسلهما لتلوثت رجلاه بالطين، ويدل لهذا أن النبي ﷺ لم يغسل قدميه في حديث عائشة بعد الغسل. قال النووي: كان النبي ﷺ يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين، لا لأجل الجنابة (٢). • دليل من قال يغسل القدمين مرتين مع الوضوء وفي نهاية الغسل: (١٧٢٠ - ١٨١) استدلوا بحديث عائشة عند مسلم من طريق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على

стр. 4053

شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه (١).

стр. 4054

الشاهد قوله ﷺ : (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، ثم قال: (ثم غسل رجليه) فالحديث ظاهره أنه غسل رجليه مرتين، مرة مع الوضوء، ومرة بعد تمام الغسل. والله أعلم. • الراجح من هذه الأقوال: القولان: بتقديم الرجلين أو تأخيرهما هما اللذان لهما حظ من النظر، أما بقية الأقوال في المسألة كتعليقه بالحاجة كالطين ونحوه فلا يظهر لي رجحانه. وحديث عائشة وقوله: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) ظاهره الوضوء كاملًا، لكن لا يمنع من إطلاق الوضوء ويراد به أكثره، كما جاء في حديث ميمونة، فإنهم لا يختلفون أنه توضأ إلا رجليه، ومع ذلك جاء في حديث ميمونة أنه توضأ للصلاة. (١٧٢١ - ١٨٢) فقد روى البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. فهنا في الحديث ذكر أنه توضأ وضوءه للصلاة، ثم ذكر بعد تمام الغسل غسل الرجلين، فالمراد توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، فأطلق الوضوء والمراد غير رجليه، فلا يمنع أن يكون الوضوء في حديث عائشة المراد به غير رجليه. خاصة إذا قلنا إن رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في صحيح مسلم تؤيد ما ذكر، تؤيدها أيضًا رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة. قال الحافظ في الفتح متعقبًا النووي في قوله: «أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه، قال: لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك». اهـ كلام النووي.

стр. 4055

قال ابن حجر معقبًا: «كذا قال، وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة كرواية: (توضأ وضوءه للصلاة) أو ظاهرة في تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة، وشاهدها من طريق أبي سلمة، ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب -يعني رواية التصريح في رواية ميمونة: وفيه: (توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه) - وراويها مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش، وقول من قال: إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز، متعقب، فإن رواية أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش ما يدل على المواظبة: ولفظه: كان رسول إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، فذكر الحديث، وفي آخره: (ثم يتنحى فيغسل رجليه)» (١) وأبو معاوية من أثبت الناس في الأعمش، وحديثه عنه في الصحيحين. وقول الحنفية: إن الحامل على غسل الرجلين؛ لأن المكان كان قد اجتمع فيه ماء مستعمل، فيغسل القدمان من الغسالة (٢)، قول ضعيف؛ لأن الماء المستعمل طهور على الصحيح. والله أعلم. * * *

стр. 4056

الفرع الثامن الفرق بين غسل الحيض وغسل الجنابة [م-٧٣٢] قال ابن رجب: «غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه: أحدهما: أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيه على الغسل». وأخذه ابن رجب من سؤال يعقوب بن بختان لأحمد: وسألت أحمد عن الحائض متى توضأ؟ قال: إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأت». وعلق على هذا ابن رجب فقال: «وظاهر هذا أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره، فإنه لم يرد في السنة تقديمه -كما في غسل الجنابة- وإنما ورد في حديث أبي الأحوص، عن إبراهيم بن المهاجر: «توضأ وتغسل رأسها وتدلكه» بالواو، وهي لا تقتضي ترتيبًا» (١).

стр. 4057

قلت: قد قدمت بأن تقديم الوضوء على غسل الحيض ثابت، وناقشت هذه المسألة في فصل مستقل، وهذا الذي ذكره لا يصح ذكره من الفروق بين الغسلين. والثاني: قال ابن رجب موصولًا بما تقدم: «أن غسل الحيض يستحب أن يكون بماء وسدر، ويتأكد استعمال السدر فيه، بخلاف غسل الجنابة». قلت: الدليل على استعمال السدر مع الماء في غسل الحيض. (١٧٢٢ - ١٨٣) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء» وذكر بقية الحديث. وقد خرجته فيما سبق. وقد فهم القرطبي ﵀ في المفهم أن السدر يستعمل لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، لا أنها تستعمله في غسل بدنها. قال ﵀: «قوله: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها» السدر: هنا هو الغسول المعروف، وهو المتخذ من ورق شجر النبق، وهو السدر، وهذا التطهر الذي أمر باستعمال السدر فيه، هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني للحيض» (١). فجعل القرطبي أن قوله ﷺ : (فتطهر فتحسن الطهور) هو إزالة ما عليها من نجاسة دم الحيض بالماء والسدر. وقوله: (ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء) هذا وهو غسل الحيض وهو بالماء وحده.

стр. 4058

والذي يظهر لي أن قوله: (تأخذ ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور) المقصود به الوضوء خاصة بدليل الرواية المفصلة عند أبي داود: (تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها» الحديث ... (١). فالصحيح أن السدر تستعمله في غسل بدنها كما يستعمل في غسل الميت، فتغسل به بدنها. ففي شرح البخاري لابن رجب «قال الميموني: قرأت على ابن حنبل: أيجزئ الحائض الغسل بالماء؟ فأملى علي: إذا لم تجد إلا هو وحده اغتسلت به، قال النبي ﷺ : (ماءك وسدرتك)، وهو أكثر من غسل الجنابة. قلت: وإن كانت قد اغتسلت بالماء ثم وجدته؟ قال: أحب إلي أن تعود لما قال» (٢). فهذا فارق صحيح بين غسل الحيض وغسل الجنابة، وإذا لم تجد السدر يكفي ما ينوب منابه من الصابون ونحوه من المطهرات. الفارق الثالث: يستحب للحائض أن تأخذ شيئًا من مسك فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها ومثلها النفساء. (١٧٢٣ - ١٨٤) لما روى البخاري من طريق منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة ﵂ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض فأمرها أن تغتسل، قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري بها، فاجتبذتها، فقلت:

стр. 4059

تتبعي بها أثر الدم. ورواه مسلم أيضًا (١). قال ابن رجب: «وعلل أحمد ذلك بأنه يقطع زفورة الدم، وهذا هو المأخذ الصحيح عند أصحاب الشافعي أيضًا». وشذ الماوردي فحكى في ذلك وجهين: أحدهما: أن المقصود بالطيب تطييب المحل ليكمل استمتاع الزوج بإثارة الشهوة وكمال اللذة. والثاني: لكونه أسرع إلى علوق الولد. قال: فإن فقدت المسك، وقلنا بالأول أتت بما يقوم مقامه في دفع الرائحة. وإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما قال: واختلف الأصحاب في وقت استعماله، فمن قال بالأول: قال: بعد الغسل. ومن قال بالثاني: فقبله، ثم قال: «والصواب أن المقصود به تطييب المحل، وأنها تستعمل بعد الغسل، ثم ذكر حديث عائشة أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها) (٢). قال: وقد اتفقوا على استحبابه للزوجة وغيرها، والبكر والثيب. والله أعلم.

стр. 4060

قال: واستعمال الطيب سنة متأكدة يكره تركه بلا عذر (١). وقول النبي ﷺ : (خذي فرصة ممسكة فتطهري بها)، وفي رواية: (توضئي بها) يدل على أن المراد به التنظيف والتطيب والتطهير. ولذلك سماه تطهيرًا وتوضئًا، والمراد الوضوء اللغوي الذي هو النظافة. وقد ترجم البخاري ﵀ فقال: باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض. (١٧٢٤ - ١٨٥) وساق البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية عن النبي ﷺ . قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيض في نبذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «المراد بالترجمة أن تطيب المرأة عند الغسل من المحيض متأكد بحيث أنه رخص للحادة التي حرم عليها استعمال الطيب في شيء منه مخصوص»، ثم نقل عن النووي: «ليس القسط والظفر من مقصود الطيب، وإنما رخص فيه للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة. وقال المهلب: رخص لها في التبخر لدفع رائحة الدم عنها لما تستقبله من صلاة» (٣). وقال ابن رجب: «كذلك قول عائشة: «تتبعي به مجاري الدم» إشارة إلى إدخاله الفرج.

стр. 4061

واستحب بعض الشافعية استعمال الطيب في كل ما أصابه دم الحيض من الجسد أيضًا، لأن المقصود قطع رائحة الدم حيث كان. ونص أحمد على أنه لا يجب غسل باطن الفرج من حيض ولا جنابة ولا استنجاء. قال جعفر بن محمد: قلت لأحمد: إذا اغتسلت من المحيض تدخل يدها؟ قال: لا إلا ما ظهر ولم ير أن تدخل أصابعها ولا يدها في فرجها في غسل ولا وضوء» (١). * * *

стр. 4062

الفرع التاسع صفة الغسل الكامل والمجزئ [م-٧٣٣] ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا فرق بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فقد روى ابن أبي شيبة، قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله -يعني: ابن عمر- عن عطاء والزهري قالا: الغسل من الجنابة والحيض واحد (١). وسنده صحيح. ورواه الدارمي من طريق الأوزاعي، عن عطاء، والزهري به (٢). وقال ابن عبد البر في التمهيد كما في فتح البر: قال مالك: اغتسال المرأة من المحيض كاغتسالها من الجنابة (٣). وقال الشافعي في الأم: وغسلها من الحيض كغسلها من الجنابة لا يختلفان (٤). ولعل قولهم: «غسل الجنابة والحيض واحد» يعني فيما يجب لا فيما يستحب، فالسدر، والمسك يستحبان في غسل الحيض والنفاس، ولا يستحبان في غسل الجنابة كما قد أوضحت.

стр. 4063

وإذا كان غسل الجنابة والحيض واحدًا، فسوف نفصل الاغتسال من الجنابة ما لم يرد ذكره مفصلًا في غسل الحيض، وسنعتمد إن شاء الله على مشروعيته والاستدلال عليه من وروده في غسل الجنابة. فأقول وبالله التوفيق: الغسل نوعان: كامل - ومجزئ، أما صفة الكامل. فأولًا: أن تنوي، وقد ذكرنا موقف العلماء من حكم النية، فالجمهور على أن النية شرط، والأحناف على أن النية مستحبة، والحق مع الجمهور. ثانيًا: لا يشرع لها التسمية. ثالثًا: غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالها في الإناء. (١٧٢٥ - ١٨٦) لما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ... الحديث (١). وهذا مستحب، إلا إن كانت قائمة من نوم الليل فالحنابلة يوجبونه (٢). والجمهور على استحبابه (٣). (١٧٢٦ - ١٨٧) وفي حديث ميمونة في البخاري، ومسلم: فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا (٤).

стр. 4064

(١٧٢٧ - ١٨٨) وفي حديث عائشة عند مسلم: أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا (١). رابعًا: غسل الأذى الذي على البدن. (١٧٢٨ - ١٨٩) لما رواه مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلها ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه، وغسل عنه بشماله حتى إذا فرغ من ذلك صب على رأسه (٢). قلت: وهذا الأذى إن كان يمنع وصول الماء كانت إزالته واجبة وإلا فمستحبة. خامسًا: تنظيف اليد بعد غسل الأذى. (١٧٢٩ - ١٩٠) لما روى البخاري، ومسلم، واللفظ له: عن ميمونة ﵂ قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا ... الحديث (٣). فيستحب بعد غسل الأذى على البدن، أن تدلك يدها لتطهرها، إما بالأرض، أو بالحائط، أو ما يقوم مقامهما من الصابون ونحوه. سادسًا: البداءة بالغسل بأعضاء الوضوء. وهو سنة، ومحله قبل الاغتسال، وتتوضأ إلا في رأسها فإنها تغسله بدل مسحه، ولا يشرع في هذا الوضوء غسل الأعضاء ثلاثًا بل تكتفي بغسلها مرة واحدة بنية رفع الحدث الأكبر، ثم تغسل بقية بدنها ولا تعيد غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية، ولا تنقض شعرها لغسل الجنابة والحيض ولا لغيرهما، ويستحب لها غسل ما استرسل

стр. 4065

من الشعر، وسواء دخل الماء إلى باطن الضفائر أم لا. والسنة في غسل الرأس أن تخلل شعرها بالماء حتى إذا ظنت أنها قد أروت بشرة رأسها أفاضت عليه الماء ثلاثًا، مبتدأة بجانب رأسها الأيمن، ثم الأيسر ثم الأوسط، تعم رأسها في كل حفنة، ولها أن تغسل رجليها مع الوضوء، ولها أن تؤخر غسل رجليها إلا بعد الفراغ من الغسل. سابعًا: ثم تفيض الماء على ما تبقى من بدنها مرة واحدة. ثامنًا: يستحب لها أن يكون مع الماء سدر أو ما يقوم مقامه من صابون وغيره، وهذه للحائض والنفساء خاصة. تاسعًا: فإذا فرغت من غسلها أخذت قطعة من القطن، ووضعت فيها شيئًا من المسك ونحوه وتتبعت بها أثر الدم. والغسل المجزي: أن تنوي وتعم بدنها بالغسل مرة. * * *
следующие страницы →