واستحب بعض الشافعية استعمال الطيب في كل ما أصابه دم الحيض من الجسد أيضًا، لأن المقصود قطع رائحة الدم حيث كان.
ونص أحمد على أنه لا يجب غسل باطن الفرج من حيض ولا جنابة ولا استنجاء.
قال جعفر بن محمد: قلت لأحمد: إذا اغتسلت من المحيض تدخل يدها؟
قال: لا إلا ما ظهر ولم ير أن تدخل أصابعها ولا يدها في فرجها في غسل ولا وضوء» (١).
* * *
стр. 4062
الفرع التاسع صفة الغسل الكامل والمجزئ
[م-٧٣٣] ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا فرق بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فقد روى ابن أبي شيبة، قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله -يعني: ابن عمر- عن عطاء والزهري قالا: الغسل من الجنابة والحيض واحد (١).
وسنده صحيح.
ورواه الدارمي من طريق الأوزاعي، عن عطاء، والزهري به (٢).
وقال ابن عبد البر في التمهيد كما في فتح البر: قال مالك: اغتسال المرأة من المحيض كاغتسالها من الجنابة (٣).
وقال الشافعي في الأم: وغسلها من الحيض كغسلها من الجنابة لا يختلفان (٤).
ولعل قولهم: «غسل الجنابة والحيض واحد» يعني فيما يجب لا فيما يستحب، فالسدر، والمسك يستحبان في غسل الحيض والنفاس، ولا يستحبان في غسل الجنابة كما قد أوضحت.
стр. 4063
وإذا كان غسل الجنابة والحيض واحدًا، فسوف نفصل الاغتسال من الجنابة ما لم يرد ذكره مفصلًا في غسل الحيض، وسنعتمد إن شاء الله على مشروعيته والاستدلال عليه من وروده في غسل الجنابة.
فأقول وبالله التوفيق:
الغسل نوعان: كامل - ومجزئ، أما صفة الكامل.
فأولًا: أن تنوي، وقد ذكرنا موقف العلماء من حكم النية، فالجمهور على أن النية شرط، والأحناف على أن النية مستحبة، والحق مع الجمهور.
ثانيًا: لا يشرع لها التسمية.
ثالثًا: غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالها في الإناء.
(١٧٢٥ - ١٨٦) لما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ... الحديث (١). وهذا مستحب، إلا إن كانت قائمة من نوم الليل فالحنابلة يوجبونه (٢).
والجمهور على استحبابه (٣).
(١٧٢٦ - ١٨٧) وفي حديث ميمونة في البخاري، ومسلم:
فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا (٤).
стр. 4064
(١٧٢٧ - ١٨٨) وفي حديث عائشة عند مسلم: أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا (١).
رابعًا: غسل الأذى الذي على البدن.
(١٧٢٨ - ١٨٩) لما رواه مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلها ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه، وغسل عنه بشماله حتى إذا فرغ من ذلك صب على رأسه (٢).
قلت: وهذا الأذى إن كان يمنع وصول الماء كانت إزالته واجبة وإلا فمستحبة.
خامسًا: تنظيف اليد بعد غسل الأذى.
(١٧٢٩ - ١٩٠) لما روى البخاري، ومسلم، واللفظ له:
عن ميمونة ﵂ قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا ... الحديث (٣).
فيستحب بعد غسل الأذى على البدن، أن تدلك يدها لتطهرها، إما بالأرض، أو بالحائط، أو ما يقوم مقامهما من الصابون ونحوه.
سادسًا: البداءة بالغسل بأعضاء الوضوء.
وهو سنة، ومحله قبل الاغتسال، وتتوضأ إلا في رأسها فإنها تغسله بدل مسحه، ولا يشرع في هذا الوضوء غسل الأعضاء ثلاثًا بل تكتفي بغسلها مرة واحدة بنية رفع الحدث الأكبر، ثم تغسل بقية بدنها ولا تعيد غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية، ولا تنقض شعرها لغسل الجنابة والحيض ولا لغيرهما، ويستحب لها غسل ما استرسل
стр. 4065
من الشعر، وسواء دخل الماء إلى باطن الضفائر أم لا.
والسنة في غسل الرأس أن تخلل شعرها بالماء حتى إذا ظنت أنها قد أروت بشرة رأسها أفاضت عليه الماء ثلاثًا، مبتدأة بجانب رأسها الأيمن، ثم الأيسر ثم الأوسط، تعم رأسها في كل حفنة، ولها أن تغسل رجليها مع الوضوء، ولها أن تؤخر غسل رجليها إلا بعد الفراغ من الغسل.
سابعًا: ثم تفيض الماء على ما تبقى من بدنها مرة واحدة.
ثامنًا: يستحب لها أن يكون مع الماء سدر أو ما يقوم مقامه من صابون وغيره، وهذه للحائض والنفساء خاصة.
تاسعًا: فإذا فرغت من غسلها أخذت قطعة من القطن، ووضعت فيها شيئًا من المسك ونحوه وتتبعت بها أثر الدم.
والغسل المجزي: أن تنوي وتعم بدنها بالغسل مرة.
* * *
стр. 4066
الفصل الثالث في طهارة الحائض من دم الحيض
المبحث الأول في نجاسة دم الحيض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• لا خلاف في نجاسة دم الحيض.
[م-٧٣٤] نقل الإجماع على نجاسة دم الحيض كثير من الفقهاء، وإليك النقول عن بعضهم.
قال القرافي: «وهو نجس إجماعًا» (١). يعني دم الحيض.
وقال الشوكاني: «واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين» (٢).
وحكى النووي الإجماع على نجاسة الدم، وإطلاقه يشمل الحيض.
قال النووي: «والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر،
стр. 4067
ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات» (١).
• الأدلة على نجاسة دم الحيض:
الدليل الأول:
(١٧٣٠ - ١٩١) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة
عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (٢).
قال الحافظ ﵀: (تحته): أي تحكه. كذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه.
(ثم تقرصه): أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه.
(وتنضحه) قال الخطابي: أي تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: «تقرصه بالماء». وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته. فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك. فالأحسن ما قاله الخطابي (٣).
стр. 4068
قلت: النضح يأتي في اللغة بمعنى الغسل، كما يأتي بمعنى الرش، قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (١).
(١٧٣١ - ١٩٢) قلت: الحديث قد رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ومحمد بن بشر، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (٢).
قال السيوطي في شرحه للحديث ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (٣).
وقال الطحاوي: «فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل؛ لأن النضح قد يسمى غسلًا قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها» (٤).
وهذا الحديث الذي ذكره الطحاوي.
(١٧٣٢ - ١٩٣) قد رواه أحمد من طريق جرير، عن ابن الخريت، عن أبي لبيد قال:
خرج رجل من طاحية مهاجرًا يقال له بيرح بن أسد، فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بأيام، فرآه عمر رضي الله تعالى عنه، فعلم أنه غريب، فقال له: من أنت؟ قال من أهل عمان. قال: نعم. قال: فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر رضي الله تعالى عنه. فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنى لأعلم أرضًا يقال لها عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حي من العرب، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم، ولا حجر (٥).
стр. 4069
[ضعيف] (١).
الدليل الثاني:
(١٧٣٣ - ١٩٤) ما رواه البخاري من طريق معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٢).
стр. 4070
وجه الاستدلال من الحديث:
قوله: (فاغسلي عنك الدم) أمرها بغسل الدم، وهذا يدل على أنه نجس، فإن قيل: الغسل لا يدل على النجاسة، فعائشة كانت تغسل المني من ثوبه، والمني طاهر، فالجواب عنه: أن النبي ﷺ لم يأمر عائشة بغسل المني، فهي حكاية فعل من عائشة، بخلاف الأمر بغسل الدم، فهو أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
الدليل الثالث:
(١٧٣٤ - ١٩٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال:
سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع (١)، واغسليه بماء وسدر.
[رجاله ثقات] (٢).
стр. 4071
قال السندي: حكيه بضلع بكسر معجمة وفتح لام: أي بعود وفي الأصل واحد أضلاع الحيوان أريد به العود لشبهه به، وقد تسكن اللام تخفيفًا. قال الخطابي: وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر وزيادة السدر للمبالغة وإلا فالماء يكفي، وذكر الماء لأنه المعتاد، ولا يلزم منه أن غيره من المائعات لا يجزئ، كيف ولو كان لبيان اللازم لوجب السدر أيضًا، ولا قائل به (١).
стр. 4072
الدليل الخامس:
(١٧٣٥ - ١٩٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله ﷺ يصلي فأشارت إلى رسول الله ﷺ بثوب، وفيه دم، فأشار إليها رسول الله ﷺ وهو في الصلاة اغسليه فغسلت موضع الدم، ثم أخذ رسول الله ﷺ ذلك الثوب فصلى فيه (١).
[ضعيف] (٢).
* * *
стр. 4073
المبحث الثاني في تعين الماء في إزالة دم الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إزالة النجاسة عبادة معقولة المعنى، والتعبد فيها بالإزالة لا بالمزيل.
• النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها.
[م-٧٣٥] اختلف العلماء في هذه المسألة.
فقيل: لا تزال النجاسة إلا بالماء، ومنها دم الحيض.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ومحمد وزفر من الحنفية (٤).
وقيل: النجاسة تزال بأي مائع مزيل طاهر، ولا يتعين الماء، وهذا هو المشهور
стр. 4074
من مذهب الحنفية (١)، وبه قال ابن تيمية إلا أنه لم يشترط أن يكون المزيل مائعًا (٢).
وقيل: إن نص الشارع على تطهيره بالماء كنجاسة دم الحيض لم يجز العدول إلى غيره.
وإن نص الشارع على غير الماء كطهارة النعلين، فيجوز الاقتصار عليه.
ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره بالتطهير.
وإن كان الشارع لم ينص على مادة التطهير، وجب الاقتصار على الماء فقط. وهذا القول اختيار الشوكاني ﵀ (٣).
• أدلة الجمهور على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء:
ذكرت أدلتهم في الطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية، في شروط الاستجمار، الشرط السادس، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
• أدلة الحنفية وابن تيمية بأنه لا يشترط الماء لإزالة النجاسة:
ذكرت أدلتهم في الطهارة من حاجة الإنسان الطبيعية، في شروط الاستجمار، الشرط السادس، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
• أدلة الحنفية على أنه يشترط أن يكون المزيل مائعًا ولو لم يكن ماء:
قالوا: إن كل مائع مزيل فإنه يطهر النجاسة، قياسًا على إزالة النجاسة بالماء بناء على أن الطهارة بالماء معلولة بعلة كونه قالعًا لتلك النجاسة، والمائع قالع فهو محصل ذلك المقصود فتحصل به الطهارة.
وقيدوا المائع بكونه مزيلًا ليخرج الدهن والسمن واللبن وما أشبه ذلك؛ لأن الإزالة إنما تكون بأن يخرج أجزاء النجاسة مع المزيل شيئا فشيئًا، وذلك إنما يتحقق
стр. 4075
فيما ينعصر بالعصر بخلاف الخل وماء الباقلاء الذي لم يثخن فإنه مزيل، وكذا الريق، وعلى هذا فرعوا طهارة الثدي إذا قاء عليه الولد ثم رضعه حتى أزال أثر القيء (١)، وكذا إذا لحس أصبعه من نجاسة بها حتى ذهب الأثر، أو شرب خمرًا ثم تردد ريقه في فيه مرارًا طهر (٢) حتى لو صلى صحت صلاته (٣).
• دليل الشوكاني على تقسيمه النجاسة إلى ثلاثة أقسام:
احتج الشوكاني: أن ما نص الشارع على تطهيره بالماء، كنجاسة دم الحيض، وبول الأعرابي إذا كان على الأرض، وبول الجارية، ونحوها. لا يجوز العدول إلى غير الماء.
والتعليل: لأن الشارع لما نص على الماء تعين، ولأن الماء لا يساويه غيره في قوة التطهير.
أما النوع الذي نص على تطهيره بغير الماء كطهارة النعلين، وذيل المرأة بالتراب، وكالاستنجاء بالحجارة، فهذا النوع يجوز الاقتصار على التراب والأحجار لورود النص به، ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره في التطهير.
وأما النجاسة التي لم ينص الشارع على مادة تطهيرها، فيجب الاقتصار على الماء؛ لأن تطهيره بالماء متيقن، وطهارته بغير الماء مشكوك فيها، فلا نترك اليقين إلى الشك (٤).
وظاهر هذا القول القوة، ولكن عند التأمل تراه ظاهرية واضحة، إذ لا فرق بين أن تكون النجاسة على ذيل المرأة فتزال بالأحجار، أو تكون على وسط الثوب فيتعين الماء كطهارة بول الجارية، فإن بول الجارية أرشد الرسول ﷺ إلى تطهيره بالماء.
* * *
стр. 4076
المبحث الثالث في وجوب تكرار الغسل من دم الحيض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها.
• لم يرد التكرار في إزالة الخبث إلا في طهارة الإناء من ولوغ الكلب، وهو غير مقيس، وفي طهارة الاستجمار، إذا أنقى دون الثلاث؛ لضعف المطهر.
[م-٧٣٦] اختلف العلماء في وجوب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض،
فقيل: إن كانت النجاسة مرئية، كالدم يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها، وإن كانت غير مرئية، وجب غسلها ثلاثًا، وذلك مثل نجاسة ولوغ الكلب، ونحوها، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يجب العدد في غسل النجاسات مطلقًا ما عدا الكلب، وهو مذهب مالك (٢)، والشافعية إلا أنهم ألحقوا الخنزير بالكلب (٣).
стр. 4077
وقيل: يجب غسل جميع النجاسات سبعًا، إلا نجاسة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، والنجاسة التي على الأرض. وهو مذهب الحنابلة (١).
• دليل من قال: لا يشترط التكرار في غسل النجاسات:
الدليل الأول:
(١٧٣٦ - ١٩٧) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت:
أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
فهنا الرسول ﷺ لم يذكر عددًا في غسل نجاسة دم الحيض، والمقام مقام بيان، وجواب عن سؤال كيف يطهر الثوب، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى حته، وقرصه، وغسله، مع أن الحت ليس بواجب مع الغسل، فدل على أن التكرار ليس بواجب.
الدليل الثاني:
(١٧٣٧ - ١٩٨) روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٣).
стр. 4078
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمرها بغسل الدم، بقوله ﷺ : (واغسلي عنك الدم، ثم صلي). ولو كان العدد معتبرًا لبينه النبي ﷺ .
الدليل الثالث:
(١٧٣٨ - ١٩٩) ما رواه أحمد من طريق الثوري، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال:
سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء والسدر.
[رجاله ثقات] (١).
وجه الاستدلال:
الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله، وقد ذكر السدر مع كونه ليس واجبًا، فكيف يترك ذكر العدد مع وجوبه.
الدليل الرابع:
من النظر، قالوا: النجاسة عين محسوسة، ووجوب غسلها معلل ببقائها، فإذا زالت من الغسلة الأولى ارتفع حكمها. والله أعلم.
• دليل الحنابلة على وجوب غسل النجاسات سبعًا:
الدليل الأول:
(١٧٣٩ - ٢٠٠) قال ابن قدامة: روي عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا (٢).
стр. 4079
• والجواب على هذا من وجهين:
الأول: أن هذا الأثر لا يعرف مسندًا في كتب الحديث، إنما ذكره الحنابلة في كتبهم الفقهية، فلا حجة فيه.
الثاني: على فرض صحته فقد روي ما يدل على أنه منسوخ.
(١٧٤٠ - ٢٠١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أيوب بن جابر، عن عبد الله، يعنى ابن عصمة،
عن ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 4080
الدليل الثاني:
قالوا: ثبت الأمر بغسل نجاسة الكلب سبعًا، وغيرها من النجاسات مقيس عليها.
• والدليل على وجوب غسل نجاسة الكلب سبعًا:
(١٧٤١ - ٢٠٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: إن رسول الله ﷺ ، قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا. ورواه مسلم (١).
• وأجيب:
بأن نجاسة الكلب مغلظة، ولا تقاس النجاسة المعتادة على النجاسة المغلظة. أرأيت دم الحيض مع أنه مجمع على نجاسته كما قدمنا إلا أنه لم يرد فيه تكرار الغسل، ولم يرد ذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا نجاسة الكلب، والرواية التي فيها ذكر التراب.
(١٧٤٢ - ٢٠٣) رواها مسلم من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (٢).
• دليل الحنفية على التفريق بين النجاسة المرئية وغير المرئية:
قالوا: بأن النجاسة إذا كانت مرئية كالدم ونحوه فطهارتها زوال عينها،
стр. 4081
ولا عبرة فيها بالعدد؛ لأن النجاسة في العين، فإذا زالت العين زالت النجاسة، وإن بقيت بقيت.
وأما إن كانت النجاسة غير مرئية فإنه يجب غسلها ثلاث مرات، والدليل على ذلك.
(١٧٤٣ - ٢٠٤) ما رواه الطحاوي من طريق عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء،
عن أبي هريرة في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر قال يغسل ثلاث مرار (١).
[المحفوظ من حديث أبي هريرة الأمر بغسله سبعًا] (٢).
قال الطحاوي: «فلما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاثة يطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه، وقد روي عن النبي ﷺ ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع لأنا نحسن الظن به فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته».
стр. 4084
قلت: الصحابي لا يتعمد مخالفة ما روى، ولكن قد يخالف ما يروي وليس بمعصوم، فقد ينسى ما روى، وقد يظن من عام أنه خاص، أو من مطلق أنه مقيد، أو العكس.
وقال البيهقي منتقدًا الطحاوي فيما قال: «استدل به -يعني الطحاوي- على نسخ السبع على حسن الظن بأبي هريرة بأنه لا يخالف النبي ﷺ فيما يرويه عنه. وهل أخذ بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في السبع، وبما روينا من فتيا أبي هريرة بالسبع، وبما روينا عن عبد الله بن المغفل عن النبي ﷺ ».
الدليل الثاني للحنفية:
(١٧٤٤ - ٢٠٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده (١).
وجه الاستدلال:
قال الطحاوي: «كانوا يتغوطون أي: يقضون حاجتهم، ويبولون، ولا يستنجون بالماء، فأمرهم بذلك إذا قاموا من نومهم؛ لأنهم لا يدرون أين باتت أيديهم من أبدانهم، وقد يجوز أن يكون كانت في موضع قد مسحوه من البول أو الغائط فيعرقون فتنجس بذلك أيديهم فأمرهم النبي ﷺ بغسلها ثلاثًا، وكان ذلك طهارتها من الغائط أو البول إن كان أصابها، فلما كان ذلك يطهر من البول والغائط وهما أغلظ النجاسات كان أحرى أن يطهر بما دون ذلك من النجاسات» (٢).
قلت: قد بينت في كتاب المياه أن الأمر بغسل اليدين ثلاثًا ليس واجبًا، كما
стр. 4085
أن الحنفية يقولون إذا غمس يده في الإناء لم يتنجس الماء، ولو كان غسل اليد من نجاسة لتنجس الماء بغمس اليد فيه قبل غسلها، ولكن غسل اليدين ثلاثًا هو من سنن الوضوء، والغسل، وكان النبي ﷺ يواظب على المداومة على غسلهما قبل التطهر، ويتأكد هذا الاستحباب إذا كان قائمًا من النوم، ولو كان غسلهما عن نجاسة لكان حكم اليدين حكم نجاسة دم الحيض، وأنتم لا تشترطون عددًا في نجاسة دم الحيض، بل يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة.
قال البيهقي في المعرفة: «زعم الطحاوي أنه تتبع الآثار، ثم روى الأحاديث الصحيحة في ولوغ الكلب، وترك القول بالعدد في تطهير الإناء منه، واستعمال التراب فيه. وجعل نظير ذلك الأحاديث التي وردت في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وهو يوجب غسل الإناء من الولوغ، ولا يوجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، فكيف يشتبهان؟» (١).
• الراجح:
أن النجاسة تزال بأي مزيل، والمطلوب إزالتها، وإذا زالت عين النجاسة ولو بغسلة واحدة زال حكمها، وطهر المحل، والله أعلم.
* * *
стр. 4086
المبحث الرابع علامة الطهر عند الحائض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• للطهر عند النساء علامتان: إما الجفوف: وهو خروج الخرقة جافة، وإما القصة البيضاء: وهو ماء أبيض كالجير، وتعتمد المرأة ما اعتادت عليه من علامة طهرها.
[م-٧٣٧] اختلف العلماء في علامة الطهر عند النساء:
فقيل: إذا انقطع الحيض طهرت مطلقًا، سواء خرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا، وهذا مذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣).
стр. 4087
وقيل: إن كانت ممن يرى القصة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا يراها فطهرها الجفوف. وهو المنصوص عليه في المدونة عن الإمام مالك ﵀ (١).
وقيل: من كان طهرها القصة البيضاء ورأت الجفوف فقد طهرت، ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤية القصة البيضاء حتى ترى الجفوف (٢).
وقيل: للطهر علامتان: الجفوف، والقصة البيضاء، فأيهما رأته المرأة كان علامة على طهرها. وسواء كانت المرأة ممن عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء أو بالجفوف. وبه قال ابن حبيب من أصحاب مالك ﵀ (٣).
وقيل: متى رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة أو الكدرة، أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت، وهذا مذهب ابن حزم (٤).
فتبين من هذا أن الأقوال كالآتي:
الأول: أن العبرة بالجفوف مطلقًا.
الثاني: أن القصة البيضاء مقدمة على الجفوف إن كانت تراها.
الثالث: أن الجفوف مقدم على القصة البيضاء فيما لو كانت تراهما.
стр. 4088
الرابع: أن الجفوف والقصة البيضاء كلاهما علامة على الطهر.
الخامس: متى رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة أو الكدرة، أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت.
• أدلة من قال: العبرة بالجفوف:
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) الآية [البقرة: ٢٢٢].
وجه الاستدلال:
أن الله وصف الحيض بكونه أذى، فإذا ذهب الأذى ارتفع الحيض (١). قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: ٢٢٢].
فقوله (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فمن انقطع عنها دم الحيض حتى عاد المحل إلى ما كان قبل الحيض فقد طهرت منه. ولم يجعل النهي ممتدًا حتى ترى السائل الأبيض.
• أدلة من قال: العبرة برؤية القصة البيضاء:
(١٧٤٥ - ٢٠٦) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين، أنها قالت:
كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. تريد بذلك الطهر من الحيضة (٢).
[حسن] (٣).
стр. 4089
قال الحافظ: «القصة: هي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض. قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر» (١).
وقد اختلف الناس في معنى القصة البيضاء إلى قولين:
الأول: أن القصة البيضاء عبارة عن سائل أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض، يكون علامة على طهرها، ولا تطهر بدونه، وقيل: إنه يشبه الخيط الأبيض. وهذا قول مالك وغيره.
وقيل: معنى القصة البيضاء أن تخرج القطنة بيضاء ليس فيها شيء من الصفرة ولا الكدرة، فيكون ذلك علامة نقائها وطهرها (٢).
حكى الخطابي عن ابن وهب أنه قال في تفسير القصة البيضاء: رأت القطن الأبيض كأنه هو (٣).
قال ابن رجب: «واختلف قول أحمد في تفسير القصة البيضاء، فنقل الأكثرون عنه أنه شيء أبيض يتبع الحيضة ليس بصفرة ولا كدرة، فهو علامة الطهر، وحكاه أحمد عن الشافعي» (٤).
ونقل حنبل عن أحمد أن القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم. وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض». اهـ كلامه ﵀ (٥).
قلت: القصة البيضاء معلومة لا تخفى على النساء، لكنه عند غالب النساء، وليس كلهن، فكنت إذا سُئلت من قبل بعض النساء وسألتهن عن علامة الطهر
стр. 4090
فكان الغالب منهن يرىن هذا السائل الأبيض، وبعضهن: تقول: إنها لا تراه، ولكنها تشعر بالطهارة إذا جفت.
• دليل من قال إن كانت ترى القصة البيضاء فلا عبرة بالجفوف:
قال عيسى بن دينار: القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف (١).
وقال الحافظ: «إن القطنة قد تخرج جافة في أثناء الأمر -يعني في أثناء الحيض- فلا يدل ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القصة البيضاء» (٢).
ويرى ابن القاسم من المالكية أن القصة أبلغ من الجفوف، قال خليل في التوضيح: «وجه قول ابن القاسم: أن القصة لا يوجد بعدها دم، والجفوف قد يوجد بعده دم» (٣).
• وجه قول من قال: يقدم الجفوف على القصة البيضاء:
جاء في الاستذكار: «أن أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم كدرة، ثم يكون نقاء كالفضة (٤)، ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض» (٥).
وقال خليل في التوضيح: «القصة من بقايا ما يرخيه الرحم، والجفوف بعده» (٦).
• دليل من قال إذا رأت أحدهما القصة والجفوف فقد طهرت:
لعله لا حظ أن كل واحد منهما علامة على خلو الرحم من الحيض، وإذا كانت عادة المرأة قد تنتقل، وتزيد وتنقص، فلا مانع أن تتغير علامة الطهر كغيرها،
стр. 4091
والمطلوب هو التأكد من خلو الرحم من الحيض سواء كان دمًا أو صفرة أو كدرة، فأي أمارة على دلت على هذا يكون قد حصل المقصود.
• دليل من قال: تطهر بانقطاع الدم الأسود:
قد ذكرت أدلة هذا القول في باب الصفرة والكدرة، وأجبت عن أدلته، وعمدتهم حديث: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) وهو حديث منكر، انظر (ح: ١٩٦٩).
وأثر أم عطية: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا، ويفسرون الطهر بانقطاع الدم. وقوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ويفسرون ذلك أي حتى تنقطع النجاسة التي هي الدم خاصة.
• والراجح:
أن المرأة حسب عادتها إن كان طهرها رؤية السائل الأبيض تنتظر حتى تراه، وإن كان طهرها بالجفوف طهرت برؤيته، وكلا العلامتين يصلح أن يكون علامة على طهر المرأة. والله أعلم.
* * *
стр. 4092
الباب الخامس فيما يتعلق بالحائض من أحكام العبادات
الفصل الأول في تعبد الحائض بكتاب الله
المبحث الأول في قراءة القرآن للحائض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لم يصح حديث في منع الحائض من قراءة القرآن.
• الحيض حدث وخبث، وكلاهما لا يمنعان من قراءة القرآن، أما الحدث فقد قال الرسول ﷺ فيه: إن المؤمن لا ينجس. أي بالحدث، وأما الخبث فمن تنجس بدنه بنجاسة لم يمنع من قراءة القرآن بالاتفاق.
[م-٧٣٨] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: لا تقرأ الحائض شيئًا من القرآن.
стр. 4093
وهو مذهب الحنفية (١)،
والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا تمنع الحائض حال نزول الدم، وأما إذا انقطع الدم وقبل الاغتسال، فاختلف المالكية إلى قولين:
الأول: وهو المعتمد، أنها تمنع، سواء كانت متلبسة بجنابة قبل الحيض أم لا.
والثاني: لا تمنع إذا انقطع الحيض إلا إذا كانت متلبسة بجنابة قبله (٤).
وقيل: لا تمنع الحائض مطلقًا من قراءة القرآن، وهو قول للشافعي في القديم، واختيار ابن حزم، وابن تيمية (٥).
стр. 4094
وقيل: تمنع إلا من قراءة الآية والآيتين. وهو قول ابن عقيل من الحنابلة (١).
وقيل: تمنع إلا من قراءة ما دون الآية، وهو رواية عن أبي حنيفة، اختارها بعض أصحابه، ومنهم الطحاوي (٢).
• أدلة الجمهور على منع الحائض من قراءة القرآن:
استدل الحنفية والشافعية والحنابلة على منع الحائض بأدلة منها:
الدليل الأول:
(١٧٤٦ - ٢٠٧) حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة، قالا: حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (٣).
[ضعيف] (٤).
الدليل الثاني:
(١٧٤٧ - ٢٠٨) ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم بن أحمد بن مروان، ثنا عمر بن عثمان بن عاصم، ثنا محمد بن الفضل عن أبيه، عن طاوس،
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئًا (١).
[ضعيف جدًّا، وروي موقوفًا، وفيه ابن لهيعة] (٢).
стр. 4097
الدليل الثالث:
القياس على الجنب؛ لأنه إذا منع الجنب منعت الحائض؛ لأن حدث الحيض أغلظ، حيث يمنع من الصيام، وقضاء الصلاة. وأحاديث منع الجنب من قراءة القرآن منها:
(١٧٤٨ - ٢٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن عبدالله بن سَلِمة، عن علي، قال:
كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا (١).
[ضعيف، والمعروف أنه موقوف على عليّ] (٢).