← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

الدليل الثاني: (١٧٤٧ - ٢٠٨) ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم بن أحمد بن مروان، ثنا عمر بن عثمان بن عاصم، ثنا محمد بن الفضل عن أبيه، عن طاوس، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئًا (١). [ضعيف جدًّا، وروي موقوفًا، وفيه ابن لهيعة] (٢).

стр. 4097

الدليل الثالث: القياس على الجنب؛ لأنه إذا منع الجنب منعت الحائض؛ لأن حدث الحيض أغلظ، حيث يمنع من الصيام، وقضاء الصلاة. وأحاديث منع الجنب من قراءة القرآن منها: (١٧٤٨ - ٢٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن عبدالله بن سَلِمة، عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا (١). [ضعيف، والمعروف أنه موقوف على عليّ] (٢).

стр. 4098

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4102

وجه الاستدلال: أن تبليغ القرآن من الرسول ﷺ واجب، وكونه يترك هذا الواجب يدل على أنه إنما يتركه لما هو أوجب منه، وإذا منع الجنب منعت الحائض؛ لأن الحيض أغلظ، حيث يمنع الصوم، وقضاء الصلاة، وانظر أدلة منع الجنب من قراءة القرآن في أدلة من يفرق بين الحيض والجنابة. • ونوزع هذا الاستدلال بما يلي: أولًا: قراءة الرسول ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب، كالتعبد بتلاوته، وتبليغ الرسول ﷺ واحدًا من أمته تبليغ للأمة، فأكثر ما تكون قراءته له ﷺ على وجه الذكر والتعبد، فإذا كان كذلك، كان حديث عليّ لو صح مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.

стр. 4103

قال ابن خزيمة: «لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هو حكاية فعل» (١). وقال ابن حزم: «فأما منع الجنب من قراءة القرآن فاحتجوا بما رواه عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه ﵇ لا يلزم، ولا بين ﵇ أنه إنما يمتنع من قراءة القرآن من أجل الجنابة، وهو ﵇ لم يصم قط شهرًا كاملًا غير رمضان، ولم يزد قط في قيامه على ثلاث عشرة ركعة، ولا أكل قط على خوان، ولا أكل متكئًا، أفيحرم أن يصام شهر كامل غير رمضان، أو أن يتهجد المرء بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، أو أن يأكل على خوان، أو أن يأكل متكئًا؟ هذا لا يقولونه، ومثل هذا كثير جدًّا، وقد جاءت آثار في نهي الجنب، ومن ليس على طهر عن أن يقرأ شيئًا من القرآن، ولا يصح منها شيء» (٢). (١٧٤٩ - ٢١٠) ومنها ما رواه الدارقطني، من طريق أبي نعيم النخعي (عبد الرحمن ابن هانئ)، أخبرنا أبو مالك النخعي، عن عبد الملك بن حسين، حدثني أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي. قال أبو مالك: وأخبرني عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى كلاهما قال: قال رسول الله ﷺ يا علي إني أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل، وأنت عاقص شعرك، ولا تدبح تدبيح الحمار.

стр. 4104

[ضعيف جدًّا] (١). (١٧٥٠ - ٢١١) ومنها ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن مالك بن عبادة الغافقي، قال:

стр. 4105

أكل رسول الله ﷺ وهو جنب، فأخبرت عمر بن الخطاب، فجرني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن هذا أخبرني أنك أكلت، وأنت جنب. قال: نعم إذا توضأت أكلت وشربت، ولكني لا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل (١). [ضعيف، ولو صح لكان حكاية فعل في الجنب خاصة] (٢). (١٧٥١ - ٢١٢) ومن أدلة منع الجنب من قراءة القرآن ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبيدة السلماني، قال: كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن، وهو جنب. [رجاله ثقات، والكراهة عند السلف تأتي بمعنى التحريم، وعمر له سنة متبعة؛

стр. 4106

لأنه من الخلفاء الراشدين المأمورين باتباع سنتهم] (١). والجواب: أن الصحابة مختلفون، والكراهة مشتركة بين التحريم وغيره. (١٧٥٢ - ٢١٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، أن ابن مسعود كان يمشي نحو الفرات، وهو يقرئ رجلًا القرآن، فبال ابن مسعود، فكف الرجل عنه، فقال ابن مسعود: مالك؟ فقال: إنك بلت. فقال ابن مسعود: إني لست بجنب.

стр. 4107

[منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وباقي رجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان فإنه صدوق له أوهام] (١). (١٧٥٣ - ٢١٤) ومنها ما رواه الدارقطني من طريق أبي نعيم، أخبرنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، قال: كان ابن رواحة مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة، فوقع عليها، وفزعت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت وخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة، فقال: مهيم؟ فقالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتيني؟ فقالت: رأيتك على الجارية. فقال: ما رأيتيني، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن، وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال: أتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع

стр. 4108

فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر. ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ . [ضعيف] (١).

стр. 4109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4111

هذه أدلة منع الجنب من قراءة القرآن، وإذا كان الجنب ممنوعًا كانت الحائض أولى بالمنع؛ لأن حدثها أغلظ، وقد عرفت أن هذه الأدلة ليست قوية، فلا تكفي في التحريم. وقد قال بالمنع جماعة من التابعين، منهم عطاء بن أبي رباح (١)، ومجاهد (٢)، وأبو وائل شقيق بن سلمة (٣)، والزهري (٤)، وإبراهيم النخعي (٥)، والشعبي. • أدلة القائلين بجواز قراءة الحائض القرآن: الدليل الأول: أمر الله بتلاوة القرآن، وتدبره قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: ٢٩]، وقال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ

стр. 4112

أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤]، وهذا الأمر بالتدبر مطلق، فمن ادعى المنع في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان (١). الدليل الثاني: لو كانت الحائض ممنوعة من قراءة القرآن لجاءت الأحاديث الصحيحة الصريحة بمنعها، كما جاءت في منعها من الصلاة والصيام، فلما كانت الأحاديث الواردة لا تقوم بها حجة علم أن الشرع لم يمنعها من ذلك، وكل شيء يحتاج إليه في الشرع، ويتكرر، وتكون حاجته عامة ليست مقصورة على فرد معين، لا بد وأن تأتي النصوص فيه صحيحة صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة. قال : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التوبة: ١١٥]. الدليل الثالث: (١٧٥٤ - ٢١٥) استدلوا بما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. ورواه مسلم (٢). وجه الاستدلال: احتج به البخاري في صحيحه على أن الحائض لا تمنع من قراءة القرآن؛ لأنها لم تنه إلا عن الطواف، فلما أبيح لها جميع أفعال المناسك، وهي مشتملة على ذكر وتلبية

стр. 4113

ودعاء إلا الطواف، دخل في ذلك قراءة القرآن، ومنع الحائض من قراءة القرآن إن كان لكونه ذكرًا فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان المنع تعبدًا، فيحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل (١). والذي يظهر لي أن الحديث ليس فيه دليل؛ لأن الطواف استثني من أفعال المناسك، فحين قال لها ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج) دخل فيه جميع أفعال المناسك من الرمي، والوقوف، والسعي، والمبيت. وقوله ﷺ (غير ألا تطوفي في البيت) فأخرج من أفعال المناسك الطواف، وبقي ما عداه. وليست قراءة القرآن من أفعال المناسك الخاصة، حتى تدخل في عموم: (افعلي ما يفعل الحاج)، ويؤكد هذا أن من أفعال الحج الصلاة، فهل يقال بجواز الصلاة للحائض؛ لأنه لم يستثن إلا الطوف. الدليل الرابع: إذا كان الجنب على الصحيح لا يمنع من قراءة القرآن، وهو حدث أكبر لم تمنع الحائض من باب أولى؛ لأن الجنابة من كسب العبد، ويملك رفعها، والحيض ليس من كسب المرأة، ولا تملك رفعه، وقد يطول بها، وقد تتعرض لنسيان ما حفظت، وإليك الأحاديث الدالة على جواز قراءة القرآن للجنب (١٧٥٥ - ٢١٦) ما رواه مسلم من طريق البهي، عن عروة، عن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (٢). وجه الاستدلال: قولها ﵂: (يذكر الله على كل أحيانه). قال ابن حجر: «والذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف» (٣).

стр. 4114

فإذا كان لفظ الذكر يشمل قراءة القرآن، وكان لفظ الذكر مطلقًا في الحديث، فمن قيد الذكر بما عدا القرآن فعليه الدليل. وحاول أن يرده ابن رجب، فقال: «ليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن» (١). وهذا غير صحيح؛ لأن قوله: «الذكر إذا أطلق لا يراد به القرآن» هل يريد لا يراد به القرآن شرعًا أم عرفًا؟ فإن كان يقصد العرف فمسلم والعرف يختلف من قوم إلى قوم، ومن زمان إلى آخر، وأما في الشرع فإن القرآن كله يسمى الذكر، قال : (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩] وقال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، والحقيقة الشرعية في النصوص الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية. (١٧٥٦ - ٢١٧) ومنها ما روى ابن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا زياد بن أيوب، حدثنا أبو عبيد، حدثنا عبيد بن عبيدة من بني عباب الناجي، قال: قرأ ابن عباس شيئًا من القرآن، وهو جنب، فقيل له في ذلك، فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك. [حسن] (٢).

стр. 4115

الدليل الخامس: (١٧٥٧ - ٢١٨) ما رواه مسلم من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء. قال وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قال: (ما أردت صلاة فأتوضأ) فمعناه أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، ولا يجب الوضوء لغير الصلاة من قراءة القرآن للجنب والحائض وغيرهما. وانظر مزيد شرح للاستدلال بهذا الحديث في مسألة جواز مس المصحف، وسأذكرها إن شاء الله تعالى بعد هذه المسألة. • دليل من فرق بين الحيض والجنابة: قالوا: التفريق قائم من جهة الأثر والنظر. أما الآثار، فيرون أن أحاديث منع الحائض شديدة الضعف، وأحاديث منع الجنب صالحة للاحتجاج، إما بنفسها، أو بجمع طرقها .. كحديث علي، وحديث مالك بن عبادة الغافقي، ومن الآثار أثر عمر ﵁، وأثر ابن مسعود، وأثر ابن رواحة. وسبق ذكر هذه النصوص وتخريجها في أدلة القول الأول. وأما من جهة النظر: قالوا: إن مدة الحيض قد تطول، فيخشى عليها النسيان، وهي غير قادرة على رفع المانع بخلاف الجنب فهو قادر على رفعه.

стр. 4116

• وأجيب: بأن أحاديث نهي الجنب ليست قوية أيضًا، وعلى التسليم بصحتها فهي مجرد فعل من النبي ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، والرسول ﷺ قد كره ذكر الله إلا على طهارة عندما تيمم لرد السلام، فهل يقال: باشتراط الطهارة لرد السلام. ثم إن قولكم: إن الحيض قد يطول، ولا يملك الإنسان رفعه، فهذا ليس دليلًا؛ لأن القراءة إن كانت حرامًا عليها فلا يبيحها لها طول أمدها، وإن كانت حلالًا فلا معنى للاحتجاج بطول المدة، وقد يندفع هذا المحذور بتذكر القرآن بالقلب، وهو غير ممنوع، وإذا أبحتم القراءة للحائض، وهي أشد حدثًا من الجنب؛ لأن الحائض تمنع مما يمنع منه الجنب وزيادة، كالوطء والصوم، إذا جاز مع ذلك القراءة للحائض، جاز للجنب من باب أولى، وأما ما نقل عن الصحابة، فلا حجة فيه مع اختلافهم، فابن عباس لا يرى مانعًا من قراءة الجنب للقرآن. • دليل من أذن في قراءة الآية والآيتين: (١٧٥٨ - ٢١٩) استدلوا بما جاء في حديث أبي سفيان الطويل في كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل الروم، رواه البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، وفي آخر الحديث: قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا

стр. 4117

إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٦٤]، الحديث. ورواه مسلم (١). ورواه ابن حزم، وقال: «بعض الآية، والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية، أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى» (٢). وقال ابن رجب: «وأما الاستدلال بحديث الكتاب إلى هرقل فلا دلالة فيه؛ لأنه إنما كتب ما تدعو الضرورة إليه للتبليغ» (٣). وقال الحافظ ابن حجر: «وأما الجنب فيحتمل أن يقال: إذا لم يقصد التلاوة جاز، على أن في الاستدلال بذلك من هذه القصة نظرًا، فإنها واقعة عين لا عموم لها، فقيد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك كالإبلاغ والإنذار كما في هذه القصة، وأما الجواز مطلقًا حيث لا ضرورة، فلا يتجه» (٤). وقد يقال: إن ذكر الآية يحتمل أن يكون من باب الاقتباس، فهل أراد الرسول ﷺ الاقتباس؛ لأنه معلوم أن الإنسان إذا نطق لفظًا ولم ينو به قرآنًا لم يكن له حكم القرآن، كما لو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أو قال: الحمد لله، أو قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. إلخ أو أن الرسول ﷺ قال ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظه لفظها لما نزلت. أو أنه قال ذلك امتثالًا لأمر الله، والذي يؤيد أن الرسول ﷺ أراد أن ذلك من كلامه زيادة الواو في الآية فإنها ليست من القرآن، وقد يكون للواو توجيه آخر لو أن الرسول ﷺ أراد بذلك القرآن، وليس هذا محل ذكرها. وقد اختلف العلماء في تمكين الكافر من تلاوة القرآن.

стр. 4118

قال ابن رجب: «اختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من رخص فيه مطلقًا، ومنهم من جوزه إذا رجي من حال الكافر الاستهداء والاستبصار، ومنعه إذا لم يرج ذلك، والمنقول عن أحمد أنه كرهه. وقال أصحاب الشافعي: إن لم يرج له الاستهداء بالقراءة منع منها، وإن رجي له ذلك لم يمنع على أصح الوجهين» (١). هذه أدلة الأقوال، والراجح -والله أعلم- القول بجواز القراءة مطلقًا للحائض والجنب، وهو مذهب البخاري كما أسلفنا، واختاره ابن المنذر، وقال تعليقًا على حديث عائشة: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، قال: «الذكر قد يكون بقراءة القرآن، وقد يكون بغيره، فكل ما وقع عليه اسم ذكر الله فغير جائز أن يمنع منه أحد إذا كان النبي ﷺ لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث علي لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة، وإنا لنعرف وننكر، فإذا كان هو الناقل لخبره، فجَرَحَه، بطل الاحتجاج به، ولو ثبت خبر علي لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنه لم ينه عن القراءة، فيكون الجنب ممنوعًا منه» (٢). * * *

стр. 4119

المبحث الثاني في مس الحائض والمحدث المصحف مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • مس المصحف وسيلة، والغاية منه القراءة، وإذا لم تجب الطهارة للغاية لم تجب في وسيلته، خاصة إذا كانت الوسيلة غير مقصودة لذاتها. • الوسائل نوعان: وسيلة لغيره، وهي مقصودة بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها كإمرار الموس على رأس الأقرع عند التحلل، ومس المصحف من الثاني. [م-٧٣٩] اختلف العلماء في وجوب الطهارة لمس المصحف. فقيل: يحرم على المحدث مس المصحف. وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).

стр. 4120

واختيار ابن تيمية (١). وقيل: تستحب له الطهارة، ولا تجب. قال البيهقي: اختارها العراقيون (٢)، وهو مذهب الظاهرية (٣)، واختيار ابن المنذر (٤). • أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، فالآية خبر بمعنى النهي، أي لا يمس المصحف إلا المطهر: والمطهر هو المتطهر من الحدث الأصغر والأكبر، ومنه الحيض. • وأجيب: بأن المراد بالمطهرون الملائكة. والضمير في قوله: (لَاّ يَمَسُّهُ) يعود إلى أقرب مذكور، وهو الكتاب المكنون. وهذا قول ابن عباس (٥)، وقال مالك: «أحسن ما سمعت في هذه الآية (لَا

стр. 4121

يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) إنما هي بمنزله هذه الآية التي في عبس: قول الله ﵎: (كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: ١١ - ١٦] (١). قال ابن المنذر: «قال أنس (٢)، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة» (٣). وجواب ثان عن الآية: قالوا: إن ما ورد في الآية ليس أمرًا، وإنما هو خبر، والله لا يقول إلا حقًا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقن، ولما كان المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه لم يعن المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر، وهو الكتاب المكنون. والجواب الأول أقوى، لأن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، قال تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) [النور: ٣]. وقال : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]، بل إن النهي إذا

стр. 4122

جاء بصيغة الخبر فالمراد منه توكيد النهي، وكأنه أمر لا يمكن تخلفه، وتوكيد النهي لا يعني إلا التحريم. وقالوا أيضًا: في قوله: (يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) المطهرون: اسم مفعول، ولو كان يريد المتطهر لعبر باسم الفاعل، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢]. الدليل الثاني: (١٧٥٩ - ٢٢٠) ما رواه الدارقطني من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه قال قال النبي ﷺ : لا يمس القرآن إلا طاهر (١). [ضعيف، والمعروف أنه من فعل ابن عمر] (٢).

стр. 4123

الدليل الثالث: (١٧٦٠ - ٢٢١) ما رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن إبراهيم المنقري، قال: سمعت أبي، أخبرنا سويد أبو حاتم، أخبرنا مطر الوراق، عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال له: لا تمس القرآن إلا وأنت على طهر (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 4124

الدليل الرابع: (١٧٦١ - ٢٢٢) ما رواه الطبراني في الكبير حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن

стр. 4125

سعيد بن عبد الملك، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال عثمان بن أبي العاص -وكان شابًّا (١) - وفدنا على النبي ﷺ فوجدني أفضلهم أخذًا للقرآن، وقد فضلتهم بسورة البقرة فقال النبي ﷺ : قد أمرتك على أصحابك، وأنت أصغرهم، فإذا أممت قومًا فأمهم بأضعفهم؛ فإن وراءك الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة، وإذا كنت مصدقا فلا تأخذ الشافع: وهي الماخض، ولا الربى، ولا فحل الغنم، وحزرة الرجل هو أحق بها منك، ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر. واعلم أن العمرة هي الحج الأصغر، وأن عمرة خير من الدنيا وما فيها وحجة خير من عمرة (٢). [ضعيف جدًّا] (٣).

стр. 4126

الدليل الخامس: (١٧٦٢ - ٢٢٣) ما رواه علي بن عبد العزيز في منتخبه، قال ﵀: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا مسعدة البصري، عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يمس القرآن إلا طاهر، العمرة الحج الأصغر، وعمرة خير من الدنيا وما فيها، وحجة أفضل من عمرة. [ضعيف جدًّا] (١). قال ابن القطان: «وهو إسناد في غاية الضعف، ولم أجد للنضر بن شفي ذكرًا في شيء من مظان وجوده. وهو مجهول جدًّا (٢). وأما الخصيب بن جحدر، فقد رماه ابن معين بالكذب، واتقى أحمد بن حنبل حديثه، وإنما كان يروي ثلاثة عشر أو أربعة عشر حديثًا.

стр. 4127

وقال أبو حاتم: له أحاديث مناكير. وأما مسعدة البصري: فهو ابن اليسع، خرق أحمد بن حنبل أحاديثه، وتركه. وقال أبو حاتم: إنه يكذب على جعفر بن محمد» (١). فهو إسناد مظلم. الدليل السادس: حديث عمرو بن حزم، وهو حديث طويل، من كتاب كتبه رسول الله ﷺ لأهل اليمن، وسنذكره بطوله لنرى ما توبع فيه مما انفرد به. (١٧٦٣ - ٢٢٤) فقد روى ابن حبان من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها: من محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قَيْلِ (٢) ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد. فقد رجع رسولكم، وأعطيتم الغنائم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، وما سقت السماء أو كان سيحًا أو بعلًا ففيه العشر إذ بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق. وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين فإذا زادت واحدةً على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسًا وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين ففيها حقة طروقة إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين

стр. 4128

واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت على خمس وسبعين واحدة ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين فإن زادت على تسعين واحدة ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فما زاد ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل. وفي كل ثلاثين باقورة بقر وفي كل أربعين شاة سائمة إلى أن تبلغ عشرين ومئة فإن زادت على عشرين ومئة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين فإن زادت واحدة فثلاثة شياه إلى أن تبلغ ثلاثة مائة فما زاد ففي كل مائة شاة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا عجفاء ولا ذات عوار ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهم، وليس فيها دون خمس أواق شيء. وفي كل أربعين دينارًا دينار، وإن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيته وإنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم في فقراء المؤمنين، أو في سبيل الله، وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء، وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم وإن العمرة الحج الأصغر. ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على منكبه منه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بينه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد، ولا يصلين أحدكم عاقصًا شعره، وإن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فهو قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة

стр. 4129

ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار لفظ الخبر لحامد بن محمد بن شعيب. قال أبو حاتم: سليمان بن داود هذا هو سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون وسليمان بن داود اليمامي لا شيء وجميعهما يرويان عن الزهري. [ضعيف جدًّا، والصحيح أنه مرسل] (١).

стр. 4130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4134

وما ورد مسندًا لا تقوم به حجة؛ لأنه إما من رواية متروك، وأما المرسل فإسناده صحيح، ولكن المرسل من قسم الضعيف. وبعضهم احتج به لا من جهة الإسناد، ولكن من جهة تلقي العلماء له بالقبول، قال ابن حجر: «صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة. فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ . وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع ممن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.

стр. 4135

قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما» (١). وقال ابن تيمية: «قال أحمد لا شك أن النبي ﷺ كتبه له» (٢). • مناقشة هذا الكلام: أولًا: مناقشة دعوى تلقي الناس له بالقبول، كما نقله الحافظ عن ابن عبد البر. المقصود بالناس: هم العلماء، فهي حكاية عن الإجماع. وهل هي حكاية للإجماع بما ورد فيه من أحكام، أو الإجماع على صحة الكتاب وثبوته، ولا يلزم منه الإجماع على دلالته؛ لأنه قد يصح الدليل، وينازع في الاستدلال، كلاهما محتمل، وإن كان الراجح أن المقصود الإجماع على صحة الكتاب، ودعوى أن الكتاب متلقى بالقبول يدخلها ما يدخلها. ثانيًا: إثبات هذا التلقي؛ فإن كثيرًا من الفقهاء قد يدّعون في أحاديث أنها متلقاة في القبول، وعند التمحيص لا تثبت هذه الدعوى، ولم أر البخاري ومسلمًا قد خرجا في صحيحيهما أحاديث اعتمادًا على تلقي الناس لها بالقبول، وإنما المعتمد هو الإسناد، وقد ضعف هذا المرسل داود الظاهري، وابن حزم، وابن المنذر، وخلافهم معتبر، وهو يبطل دعوى الإجماع؛ لأنهم من جملة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) [النساء: ١١٥]، هذا إن كانت دعوى الإجماع على صحة الكتاب، وإن كانت دعوى الإجماع على ما ورد فيه من أحكام؛ فإن الخلاف في مس المصحف محفوظ من لدن التابعين إن لم يكن من لدن الصحابة. ثالثًا: عبارة ابن عبد البر في التمهيد تختلف عن العبارة التي نقلها الحافظ، فقد
следующие страницы →