← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4134

وما ورد مسندًا لا تقوم به حجة؛ لأنه إما من رواية متروك، وأما المرسل فإسناده صحيح، ولكن المرسل من قسم الضعيف. وبعضهم احتج به لا من جهة الإسناد، ولكن من جهة تلقي العلماء له بالقبول، قال ابن حجر: «صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة. فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ . وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع ممن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.

стр. 4135

قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما» (١). وقال ابن تيمية: «قال أحمد لا شك أن النبي ﷺ كتبه له» (٢). • مناقشة هذا الكلام: أولًا: مناقشة دعوى تلقي الناس له بالقبول، كما نقله الحافظ عن ابن عبد البر. المقصود بالناس: هم العلماء، فهي حكاية عن الإجماع. وهل هي حكاية للإجماع بما ورد فيه من أحكام، أو الإجماع على صحة الكتاب وثبوته، ولا يلزم منه الإجماع على دلالته؛ لأنه قد يصح الدليل، وينازع في الاستدلال، كلاهما محتمل، وإن كان الراجح أن المقصود الإجماع على صحة الكتاب، ودعوى أن الكتاب متلقى بالقبول يدخلها ما يدخلها. ثانيًا: إثبات هذا التلقي؛ فإن كثيرًا من الفقهاء قد يدّعون في أحاديث أنها متلقاة في القبول، وعند التمحيص لا تثبت هذه الدعوى، ولم أر البخاري ومسلمًا قد خرجا في صحيحيهما أحاديث اعتمادًا على تلقي الناس لها بالقبول، وإنما المعتمد هو الإسناد، وقد ضعف هذا المرسل داود الظاهري، وابن حزم، وابن المنذر، وخلافهم معتبر، وهو يبطل دعوى الإجماع؛ لأنهم من جملة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) [النساء: ١١٥]، هذا إن كانت دعوى الإجماع على صحة الكتاب، وإن كانت دعوى الإجماع على ما ورد فيه من أحكام؛ فإن الخلاف في مس المصحف محفوظ من لدن التابعين إن لم يكن من لدن الصحابة. ثالثًا: عبارة ابن عبد البر في التمهيد تختلف عن العبارة التي نقلها الحافظ، فقد

стр. 4136

قال ابن عبد البر: «والدليل على صحة كتاب عمرو بن حزم تلقي جمهور العلماء له بالقبول ... .» إلخ (١) وفرق بين قوله: «تلقي الناس له بالقبول»، وبين قوله: «تلقي جمهور العلماء .. » فإن اللفظ الثاني يثبت أن التلقي ليس من كافة العلماء، وإنما هو من جمهورهم. رابعًا: على فرض أن دعوى التلقي بالقبول مسلم؛ فإن مسألة مس المصحف مستثناة، أرأيت الصحيحين قد قال بعض أهل العلم: إن أهل العلم قد تلقاهما الناس بالقبول، ومع ذلك لا يدخل في هذا التلقي ما تكلم فيه الأئمة كالدارقطني وغيره. فإذا كنا نستثني الأحاديث التي تكلم فيها العلماء من هذا التلقي، استثنينا أيضًا مس المصحف من ثبوت التلقي لثبوت النزاع فيها؛ إذا لا يمكن إثبات الإجماع وضده في آن واحد، فإن قال قائل: لا يمكن أن نحتج بهذا المرسل في الدماء والأموال، ثم لا يحتج به في هذه المسألة، التي هي أهون بكثير من انتهاك مال المسلم أو دمه، بل قد انعقد الإجماع على استحباب الطهارة لمس المصحف. • فالجواب: أن ما يتعلق بالأموال والدماء ليس الاعتماد على هذا المرسل، بل الاعتماد على أحاديث أخرى ثابتة عن رسول الله ﷺ (٢).

стр. 4137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4138

• واستشكل الاستدلال به من حيث المعنى: قالوا: إن اطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أوالحيض أو الحدث الأصغر لا يصح حقيقة ولا مجازًا، فالمؤمن طاهر دائمًا، سواء كان جنبًا، أو حائضًا، أو على بدنه نجاسة، أم لا. فقوله: (لا يمس القرآن إلا طاهر) يحتمل أن المعنى: لا يمس القرآن إلا مؤمن. يؤيده كون الرسول ﷺ قد بعثه إلى نجران، وفيها مشركون، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨]. (١٧٦٤ - ٢٢٥) وروى البخاري، من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت، وهو قاعد، فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (١). (١٧٦٥ - ٢٢٦) وروى مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. ويحتمل أنه طاهر من الحدث الأكبر. ويحتمل أنه طاهر من الحدث الأصغر. ويحتمل أنه طاهر من النجاسة الحسية، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل الاستدلال.

стр. 4139

• ويجاب على هذا: بأن القرآن والسنة كانت تخاطب جماعة الصحابة بوصف الإيمان والإسلام (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ ... ) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه ... ) (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... ) ولم يخاطب القرآن جماعة الصحابة بصفة الطاهرين، فلم يقل: يا أيها الطاهرون .. فيبقى الطاهر، هل هو من الحدث أو من النجاسة؟ أما من تطهر من الحدث، وعلى بدنه نجاسة فإنه لا يمنع من مس المصحف، إذا كانت النجاسة لا تتعدى. لا أعلم في المسألة خلافًا، فخرجت طهارة الخبث، وبقيت طهارة الحدث، ونحن نقول بشمولها للحدثين الأصغر والأكبر، فلا يمنع من حمل المشترك على جميع أفراده، وعدم إخراج واحد منها إلا بدليل. والله أعلم. (١٧٦٦ - ٢٢٧) وقد روى البخاري من طريق عروة بن المغيرة، عن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. ورواه مسلم (١). فوصف الرسول ﷺ قدميه بعد الوضوء بأنها طاهرة: أي من الحدث. وقال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) إلى قوله: (َا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦]. فسمى الله الاغتسال من الجنابة طهارة، مع أنه ﷺ هو القائل: إن المؤمن لا ينجس. (١٧٦٧ - ٢٢٨) روى مسلم من طريق مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال:

стр. 4140

ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة (١). والطهور: اسم لما يتطهر به. وهذا الكلام صحيح لو أن حديث: لا يمسك القرآن إلا طاهر متصل وصحيح الإسناد، فالمتصل ضعيف جدًّا، وصحيح الإسناد مرسل، وكلاهما ليسا بحجة. الدليل السادس: (١٧٦٨ - ٢٢٩) ما رواه الدارقطني من طريق إسحاق الأزرق، أخبرنا القاسم ابن عثمان البصري، عن أنس بن مالك، قال: خرج عمر متقلدًا السيف، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا، فأتاهما عمر، وعندهما رجل من المهاجرين، يقال له خباب، وكانوا يقرؤون طه، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم أقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت له أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه. قال الدارقطني: القاسم بن عثمان ليس بقوي (٢).

стр. 4141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4142

وهذا الأثر مع كونه موقوفًا، يشكل عليه أن الكافر لا تصح منه العبادة، ولو توضأ وقت كفره أو اغتسل لم تصح منه الطهارة حال كفره، وقولها: إنك رجس: أي نجس، ومعلوم أن الكافر نجاسته معنوية، وليست حسية، وهو رجس بكفره. الدليل السابع: (١٧٦٩ - ٢٣٠) ما رواه الدارقطني من طريق شجاع بن الوليد. ومن طريق أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن

стр. 4143

ابن يزيد، عن سلمان قال: كنا معه في سفر، فانطلق فقضى حاجته، ثم جاء، فقلت: أي أبا عبد الله توضأ لعلنا نسألك عن آي من القرآن، فقال: سلوني فإني لا أمسه؛ إنه لا يمسه إلا المطهرون، فسألناه فقرأ علينا قبل أن يتوضأ. [صحيح، وصححه الدارقطني] (١).

стр. 4144

• ويجاب: بأن استدلال سلمان ﵁ على وجوب الطهارة من الآية فيها نزاع، وقد خالفه في ذلك ابن عباس، وهو أفقه وأعلم بكتاب الله، ووافقه على ذلك أنس ﵁، وقد فسرا ﵄ (المطهرون) بالملائكة، والضمير في قوله: (لا يمسه) يعود إلى أقرب مذكور، وهو الكتاب المكنون (١)، وقال مالك: «أحسن ما سمعت في هذه الآية (لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) إنما هي بمنزله هذه الآية التي في عبس: قول الله ﵎: (كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: ١١ - ١٦] (٢). قال ابن المنذر: «قال أنس (٣)، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة (٤). ولو أراد به الطهارة لمس المصحف، لقال: المتطهرون، كما قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فأضاف الطهارة إلى فعلهم بقوله: (تَطَهَّرْنَ)، وقوله: (الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢]. الدليل الثامن: (١٧٧٠ - ٢٣١) روى مالك في الموطأ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي

стр. 4145

وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت. فقال: لعلك مسست ذكرك. قال: فقلت: نعم. فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت (١). [صحيح]. • وأجيب عن هذا لأثر بجوابين: أحدهما: مع صحة إسناده، إلا أنه ليس صريحًا في وجوب الوضوء؛ لأن الوضوء لا نزاع في كونه مشروعًا لمس المصحف، ولكن النزاع هل يجب أو لا يجب. والصحابة من أحرص الناس على الخير، وأكملهم في طلبه، ولا غرابة أن يطلب من ابنه الطهارة لقراءة القرآن ومسه. ثانيًا: أن هذا الأثر قد وقع فيه خلاف على سعد من جهة وجوب الوضوء لمس الذكر (٢).

стр. 4146

هذا ما أمكنني جمعه من أدلة القول الأول. والله أعلم. • أدلة القائلين بجواز مس المصحف بدون طهارة: الدليل الأول: عدم الدليل المقتضي لوجوب الطهارة، والأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليل صحيح على وجوب الطهارة لمس المصحف. والأدلة التي احتج بها من منع لا يصح منها شيء، لأنها إما حديث مرسل، وقد ناقشت الاستدلال به، والجواب عن دعوى أنه متلقى بالإجماع. وإما حديث ضعيف جدًّا، أو ضعيف فقط. وإما موقوف على صحابي قد يكون خالفه غيره كاستدلال سلمان ﵁ على وجوب الطهارة بمس المصحف بقوله تعالى: (لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ) وقد خالفه ابن عباس وأنس في وجه الاستدلال. وأما آثار غاية ما يدل عليه بعضها على مشروعية الطهارة لمس المصحف، وهي

стр. 4147

ليست محل خلاف، كأثر سعد بن أبي وقاص وابن عمر. الدليل الثاني: الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا علم أنه ليس من دينه، فلو كانت الطهارة واجبة لمس المصحف لجاءت الأدلة الصحيحة على بيانه؛ لأن هذا الأمر يحتاجه غالب المسلمين، ولا يستغني عنه أحد منهم؛ لأن حاجة المسلمين إلى قراءة كتاب الله، وتدبره، والعمل به، كحاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس، فإن في قراءة القرآن حياة أرواحهم، كما أن في الطعام قوام أبدانهم، فلماذا لم يأت دليل صحيح يقطع النزاع في هذه المسألة المهمة. أتكون أذكار دخول المنزل، والخروج منه، وركوب الدابة، وأذكار السفر، وغيرها من الأذكار المستحبة تأتي فيها الأدلة صحيحة صريحة، وتكون الأدلة في مس المصحف لقراءة القرآن أشرف الكلام: كلام الله ، وحجته على خلقه، والهادي إلى سبيل السلام، والأمة مضطرة لمسه وتعلمه، مع كل هذه الحاجة تأتي الأدلة على وجوب الطهارة له إما مرسل، أو حديث ضعيف، فهذا يدل على أن المسألة لا يثبت فيها نهي أصلًا. الدليل الثالث: (١٧٧١ - ٢٣٢) ما رواه مسلم من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء. قال وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (١).

стр. 4148

ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، وعن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة (١). وسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما). وقد استدل به ابن تيمية على عدم وجوب الطهارة للطواف، وغفل أن يستدل به أيضًا على عدم وجوب الطهارة لمس المصحف، وقد ذكرت كلامه في بحث اشتراط الطهارة للطواف، فانظره غير مأمور. الدليل الرابع: القياس على قراءة القرآن، فإذا كانت قراءة القرآن من دون مس جائزة بالإجماع، فكذلك مسه من باب أولى؛ لأننا قد تُعِبدنا بقراءة القرآن، ولم نتعبد بمجرد مسه بدون قراءة، والأدلة على جواز قراءة القرآن من غير طهارة كثيرة. أولًا: الإجماع. قال النووي في المجموع: «أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث، والأفضل أن يتطهر لها».

стр. 4149

قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: ولا نقول: قراءة المحدث مكروهة، فقد صح أن النبي ﷺ كان يقرأ مع الحدث (١). (١٧٧٢ - ٢٣٣) وروى مسلم من طريق البهي، عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (٢). فقولها: (يذكر الله) مطلق يشمل قراءة القرآن، ويشمل غيره من الأذكار، وتسمية (ذكر الله بقراءة القرآن) تلاوة اصطلاح حادث، وإلا فالذكر يشمل هذا وهذا، بل إن أولى الذكر وأشرفه ما كان قراءة لكتابه. فإذا كانت الغاية من مس المصحف هو القراءة، ولا تجب لها الطهارة بالإجماع، فمس المصحف التي هي وسيلة له لا تجب كذلك. فإذا لم تجب الطهارة في الغاية لم تجب في وسيلته، خاصة إذا كانت الوسيلة غير مقصودة لذاتها. الدليل الخامس: إذا كان مس المصحف بالعصا جائزًا، أو من وراء حائل، فمسه باليد مثله أو أولى؛ لأن يد المسلم طاهرة. (١٧٧٣ - ٢٣٤) لما رواه مسلم، قال رحمه الله تعالى: حدثني زهير بن حرب وأبو كامل ومحمد بن حاتم، كلهم عن يحيى بن سعيد، قال زهير: حدثنا يحيى، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب، فقالت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك، فناولته (٣). فإذا كانت الحيضة ليست في اليد، كانت اليد طاهرة.

стр. 4150

وإذا لبس المرء قفازًا جاز له مسه، فكيف يكون القفاز أطهر من يد المسلم. الدليل السادس: (١٧٧٤ - ٢٣٥) استدلوا بما جاء في حديث أبي سفيان الطويل في كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل الروم، فقد روى البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، وفي آخر الحديث: قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٦٤]، الحديث قطعة من حديث طويل. ورواه مسلم (١). قال ابن حزم: «فإن قالوا: إنما بعث رسول الله ﷺ إلى هرقل آية واحدة، ولم يمنع ﷺ من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإن لم تقيسوا على هذه الآية ما هو أكثر منها، فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها» (٢). وكون الرسول ﷺ بعث بهذه الآية القرآنية الكاملة إلى الكفار، وهم يجمعون

стр. 4151

بين نجاستي الشرك والنجاسة الحسية، والحدث دليل على عدم اشتراط الطهارة لمس المصحف. وعندي أن هذا الاستدلال لا يسلم من النزاع. قال الحافظ في الفتح: «وقد أجيب ممن منع ذلك -وهم الجمهور- بأن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتب الفقه أو التفسير، فإنه لا يقصد منه التلاوة، ونص أحمد أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة في مصلحة التبليغ، وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز في القليل، كآية وآيتين. قال النووي: لا بأس أن يعلم النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهدي به» (١). الدليل السابع: إذا كان يجوز عند أكثر المانعين، إن لم يكن كلهم جواز مس الصبي اللوح المكتوب فيه القرآن، فالبالغ أولى؛ لأن الصبي قد لا يحافظ على طهارة يده كما يحافظ عليها البالغ المكلف. الدليل الثامن: ذكر ابن الجوزي في تفسيره، والشوكاني في النيل، وفي فتح القدير (٢)، والقرطبي في تفسيره (٣)، عن ابن عباس أنه يرى جواز مس المصحف للمحدث حدثًا أصغر، وذكر معه جماعة من التابعين كالشعبي وغيره، فإذا ثبت هذا عن ابن عباس، لم يصح دعوى إجماع الصحابة على ذلك، والله أعلم (٤). الدليل التاسع: أكثر المسلمين لا يحفظون القرآن، وإذا منعناهم من مس المصحف إلا على طهارة

стр. 4152

فإن طائفة كبيرة قد تحجم عن قراءته إما عجزًا في تحصيل الطهارة أو قد لا يكون الماء في المتناول، وإن لم يكن معدومًا، وما دامت الأدلة ليست بالقوية، وهي معارضة لأدلة أخرى، وحرصًا على تيسير قراءة القرآن لعموم المسلمين في كل الأوقات، فإن النفس قد يكون فيها حرج في إيجاب مثل هذا، نعم الطهارة عبادة عظيمة، وهي تكفر السيئات، وهي عبادة مقصودة لذاتها، كما أنها مشروعة بالإجماع لذكر الله، بل حرص الرسول ﷺ ألا يرد السلام إلا على طهارة، ولكن مع ذلك، فإن الجزم بالإيجاب أمر ليس بالسهل، ويخشى الإنسان أن يكون قد ضيق أمرًا فيه سعة، ولا نقول إلا اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، ويا معلم داود علمنا، اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. وبعد تحرير هذا البحث، كانت هناك مذاكرة مع بعض المشايخ، بين لي فيها طريقًا آخر لمرسل عمرو بن حزم يرى أنه يتقوى به مرسل عمرو بن حزم. (١٧٧٥ - ٢٣٦) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن ابن المسيب، قال: قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء، ثم أخبر بكتاب كتبه النبي ﷺ لآل حزم في كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، فأخذ به وترك أمره الأول (١). [رجاله ثقات إن ثبت سماع ابن المسيب له من عمر، وعلى تقدير أنه منقطع، فمرسلات ابن المسيب من أصح المراسيل، والله أعلم] (٢).

стр. 4153

إلا أن هذا الحديث لم يحل المشكلة، فهو يثبت صحة كتاب عمرو بن حزم بالجملة، ولا يثبت ما ورد فيه من ألفاظ، ولو جاءت من طرق شديدة الضعف، خاصة أن هذا الأثر لم يعرج على مسألتنا، وهو ألا يمس القرآن إلا طاهر، والله أعلم. * * *

стр. 4154

المبحث الثالث في سجود التلاوة والشكر من الحائض [م-٧٤٠] اختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة لسجود التلاوة: فقيل: إن سجود الصلاة يشترط له ما يشترط للصلاة، من طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 4155

وقيل: لا تشترط الطهارة لسجود التلاوة، وهو مذهب ابن عمر (١)، وابن المسيب، والشعبي (٢)، واختيار ابن حزم (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥). • دليل الجمهور على اشتراط الطهارة: قالوا: إن السجود صلاة، وقد جاء في الشرع إطلاق السجود على الصلاة، فهذا دليل على أن له حكم الصلاة، (١٧٧٦ - ٢٣٧) فقد روى البخاري من طريق عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صليت مع رسول الله ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء - زاد مسلم والجمعة - ففي بيته (٦). (١٧٧٧ - ٢٣٥) وروى البخاري من حديث حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي سجديتن خفيفتين بعد ما يطلع الفجر (٧).

стр. 4156

فلو لم يكن السجود صلاة ما أطلق السجود على الصلاة، وإذا كان السجود صلاة. (١٧٧٨ - ٢٣٨) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة (١). • وأجيب عن ذلك: قال ابن حزم في المحلى: «لا يكون بعض الصلاة صلاة إلا إذا تمت كما أمر بها المصلي، ولو أن امرأ كبر وركع، ثم قطع عمدًا لما قال أحد من أهل الإسلام إنه صلى شيئًا، بل يقولون كلهم إنه لم يصل، فلو أتمها ركعة في الوتر، أو ركعتين في الجمعة والصبح والسفر والتطوع لكان قد صلى بلا خلاف، ثم نقول لهم: إن القيام بعض الصلاة، والتكبير بعض الصلاة وقراءة أم القرآن بعض الصلاة فيلزمكم على هذا أن لا تجيزوا لأحد أن يقوم، ولا أن يكبر، ولا أن يقرأ أم القرآن، ولا يجلس، ولا يسلم إلا على وضوء، فهذا ما لا يقولونه، فبطل احتجاجهم. وبالله تعالى التوفيق» (٢). وقال ابن القيم: «قياسه على الصلاة ممتنع لوجهين: أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع؛ إذ لا قراءة فيه، ولا ركوع، ولا فرضًا ولا سنة ثابتة بالتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه، ولا مصافة فيه، وليس إلحاق محل النزاع بصورة الاتفاق أولى من إلحاقه بصورة الافتراق.

стр. 4157

الثاني: أن هذا القياس إنما يمتنع لو كان صحيحًا إذا لم يكن المقيس قد فعل في عهد النبي ﷺ ، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده ﷺ من الحوادث أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه، وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء، فيمتنع التقييد به» (١). الدليل الثاني: قال القرطبي: «لا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس إلا ما ذكره البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يسجد على غير طهارة، وذكره ابن المنذر عن الشعبي» (٢). • ويجاب عن ذلك: أولًا: أن الصواب لا يعرف بالكثرة، ومع ذلك فهو معارض بما قاله ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن بأن القول بعدم اشتراط الطهارة هو قول كثير من السلف حكاه عنهم ابن بطال في شرح البخاري (٣). • دليل من قال: لا تشترط الطهارة: الدليل الأول: عدم الدليل الموجب للطهارة. والأصل براءة الذمة حتى يرد دليل عليها. الدليل الثاني: (١٧٧٩ - ٢٣٩) ما رواه البخاري، من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (٤).

стр. 4158

وجه الاستدلال: قال الحافظ ابن حجر: «بأنه يبعد في العادة أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء؛ لأنهم لم يتأهبوا لذلك، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود خوف الفوت بلا وضوء، وأقره النبي ﷺ على ذلك استدل بذلك على جواز السجود بلا وضوء عند وجود المشقة بالوضوء، ويؤيده أن لفظ المتن: (وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) فسوى ابن عباس في نسبة السجود بين الجميع، وفيهم من لا يصح منه الوضوء، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء وممن لم يكن بوضوء. والله أعلم» (١). الدليل الثالث: (١٧٨٠ - ٢٤٠) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يقرأ السجدة، ونحن عنده، فيسجد، ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه. ورواه مسلم (٢). قال ابن القيم: «المسلمون الذين سجدوا معه ﷺ لم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالطهارة، ولا سألهم هل كنتم متطهرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطًا فيه للزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة. وإما أن يسألهم بعد السجود؛ ليبين لهم الاشتراط، ولم ينقل مسلمٌ واحدًا منهما ... ولقد كان النبي ﷺ يقرأ عليهم القرآن في المجامع كلها، ومن البعيد جدًا أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكانًا لجبهته، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضئ وغيره.

стр. 4159

فإن قيل: لعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك، وهذا جواب بعض الموجبين. قيل: الطهارة شرعت للصلاة من حين البعث، ولم يصل قط إلا بطهارة، أتاه جبريل فعلمه الطهارة والصلاة» (١). الدليل الرابع: (١٧٨١ - ٢٤١) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن علي، عن النبي ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (٢). [حسن] (٣). الدليل الخامس: (١٧٨٢ - ٢٤٢) قال البخاري ﵀ في صحيحه: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسجد على غير وضوء (٤). قال ابن تيمية: «كان ابن عمر يسجد على غير وضوء، ومن المعلوم أنه لو كان النبي ﷺ بين لأصحابه أن السجود لا يكون إلا على وضوء لكان هذا مما يعلمه عامتهم؛ لأنهم كانوا يسجدون معه، وكان هذا شائعًا في الصحابة، فإذًا لم يعرف عن أحد منهم أنه أوجب الطهارة لسجود التلاوة، وكان ابن عمر من أعلمهم وأفقههم وأتبعهم للسنة، وقد بقي إلى آخر الأمر، ويسجد للتلاوة على غير طهارة، كان هذا مما يبين أنه لم يكن معروفًا بينهم أن الطهارة واجبة لها، ولو كان هذا مما أوجبه النبي ﷺ

стр. 4160

لكان ذلك شائعًا بينهم كشياع وجوب الطهارة للصلاة وصلاة الجنازة. وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها، ولكن سجودها على طهارة أفضل باتفاق المسلمين». إلخ كلامه ﵀ (١). هذا فيما يتعلق الكلام بسجود التلاوة، والراجح فيه أن الطهارة ليست بشرط كما تبين لنا من خلال الأدلة. أما سجود الشكر: وهو السجود الذي سببه شكر الله عند تجدد النعم أو اندفاع النقم، فالخلاف في اشتراط الطهارة له كالخلاف في سجود التلاوة، بل هو أضعف؛ لأن سجود الشكر مختلف في مشروعيته بين الفقهاء كما سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في بحث صلاة التطوع، بخلاف سجود التلاوة فإنه مشروع بالإجماع. فالمشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (٢)، أن سجود الشكر يشترط له ما يشترط للصلاة من الطهارة واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة. واختار بعض المالكية بأنه لا تشترط له الطهارة، مع أن المالكية مختلفون في حكمه، فأكثرهم على أن سجود الشكر مكروه. واختار بعضهم أنه جائز (مباح) (٣). وكونه لا تشترط له الطهارة، هو اختيار ابن تيمية (٤). • أدلة من قال بوجوب الطهارة: أدلتهم في اشتراط الطهارة لسجود الشكر هو عين أدلتهم في سجود التلاوة من كونه يطلق السجود ويراد به الصلاة؛ ولأنه ركن في الصلاة، وبعض الصلاة صلاة،

стр. 4161

وقياسًا على سجود السهو .. إلخ أدلتهم التي ذكرنها هناك. • دليل من لم يشترط الطهارة: عللوا ذلك مع كونه لم يرد الأمر بالطهارة له، ولم يأمر النبي ﷺ أصحابه بالطهارة له فإن الأخبار السارة قد تأتي بغتة للعبد، وهو على غير طهارة، فلو تراخى حتى يتطهر لفاتت المناسبة، وهذا هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 4162

الفصل الثاني في أحكام الحائض من حيث الصلاة المبحث الأول تحرم الصلاة من الحائض ولا يستحب لها القضاء مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • سقوط الواجبات عن المكلف، ووجوب قضائها متلقى من جهة الشارع، لا دخل للقياس فيه. [م-٧٤١] يحرم على الحائض فعل الصلاة ولا يستحب لها أن تقضي، هذا قول العلماء من السلف والخلف (١). وخالف في ذلك بعض الخوارج، فقالوا بوجوب القضاء على الحائض (٢).

стр. 4163

• أدلة من قال: لا تصلي الحائض ولا تقضي: أما الأدلة على كونها لا تصلي فكثيرة، منها: الدليل الأول: (١٧٨٣ - ٢٤٣) روى البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى -أو فطر- إلى المصلى فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتكم أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها، وأخرجه مسلم (١). (١٧٨٤ - ٢٤٤) وأخرج مسلم نحوه من حديث عبد الله بن عمر (٢). (١٧٨٥ - ٢٤٥) وروى البخاري من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٣).

стр. 4164

وأخرجه مسلم، دون قوله، قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة .. إلخ (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة)، فإنه نص صريح لوجوب ترك الصلاة زمن الحيض. الدليل الثاني: الإجماع .. حكاه كثير من أهل العلم. قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها» (٢). وقال ابن عبد البر تعليقًا على حديث: فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة .. قال: «وهذا نص صحيح في أن الحائض تترك الصلاة ليس عن النبي ﷺ في هذا الباب أثبت من جهة نقل الآحاد العدول والأمة مجمعة على ذلك» ثم قال: «وما أجمع المسلمون عليه فهو الحق، والخير القاطع للعذر. وقال الله : (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) [النساء: ١١٥]، والمؤمنون هنا: الإجماع؛ لأن الخلاف لا يكون معه اتباع غير سبيل المؤمنين، لأن بعض المؤمنين مؤمنون، وقد اتبع المتبع سبيلهم، وهذا واضح يغني عن القول فيه» (٣). وقال النووي: «أجمعت الأمة على أنه يحرم عليها الصلاة فرضها ونفلها، وأجمعوا على أنه يسقط عنها فرض الصلاة، فلا تقضي إذا طهرت. قال أبو جعفر ابن جرير في كتابه اختلاف الفقهاء: «أجمعوا على أن عليها اجتناب

стр. 4165

كل الصلوات وأنها إن صلت أو صامت، أو طافت لم يجزها ذلك عن فرض أو نفل كان عليها» (١). وقال النووي في شرح مسلم: «أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليها الصلاة ولا الصوم في الحال» (٢). ونقل الإجماع القرطبي في المفهم شرح مسلم (٣). • وأما الأدلة على كون الحائض لا تقضي الصلاة: الدليل الأول: (١٧٨٦ - ٢٤٦) ما أخرجه البخاري من طريق قتادة، قال: حدثتني معاذة، أن امرأة قالت لعائشة: أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت. فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله (٤). قولها: فلا يأمرنا به. قال ابن حجر في الفتح: «عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال على عدم الوجوب لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء، والله أعلم» (٥). لكن قال ابن رجب: «نساء النبي ﷺ إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن فإنما يكون ذلك بإقرار النبي ﷺ على ذلك، وأمره به. فإن مثل هذا لا يخفى عليه، ولو كان القضاء واجبًا عليهن لم يهمل ذلك، وهو لا يغفل عن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة» (٦).

стр. 4166

(١٧٨٧ - ٢٤٧) قلت: قد رواه مسلم من طريق معمر عن عاصم عن معاذة، قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١). الدليل الثاني: الإجماع، قال ابن رجب: «وقد حكى غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة، وأنهم لم يختلفوا في ذلك، منهم الزهري، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم» (٢). وقال الترمذي في السنن: وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم، في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة (٣). وقال ابن حزم: ولا تقضي الحائض إذا طهرت شيئًا من الصلاة التي مرت في أيام حيضها، وتقضي صوم الأيام التي مرت بها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد (٤). (١٧٨٨ - ٢٤٨) وروى عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة. [صحيح] (٥). (١٧٨٩ - ٢٤٩) وروى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن

стр. 4167

عكرمة قال: سئل أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة. [رجاله ثقات] (١). • دليل من ذهب إلى وجوب قضاء الصلاة من الخوارج: وبالرغم من أن هذا الخلاف شاذ، ولا يعتد به، إلا أني ما سقت دليلهم إلا لبيان باطلهم، من ردهم السنة الصحيحة، وتحكيم العقل في أمور الشرع. قال ابن حجر: «من أصولهم المتفق عليها بينهم -يعني الخوارج- الأخذ بما دل عليه القرآن، ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقًا» (٢). وخاب وخسر من رد السنة بالقرآن، وقد نزل القرآن باتباع السنة: قال سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: ٧]. وقال سبحانه: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠]. وكيف يصلي الإنسان؟ وكيف يؤدي زكاته؟ لولا أن بيان ذلك جاء في السنة. فليس في كتاب الله إلا الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. (١٧٩٠ - ٢٥٠) وأما ما روى أبو داود، قال ﵀: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا محمد بن حاتم -يعني حِبِّي- حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن نافع، عن كثير بن زياد، قال: حدثتني الأزدية -يعني: مُسَّة- قالت: حججت فدخلت على أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض. فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ لقضاء صلاة النفاس (٣).

стр. 4168

[ضعيف] (١). قال ابن رجب في شرحه للبخاري: في سنن أبي داود بإسناد فيه لين أن سمرة بن جندب كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض (٢). وإذا كان الإسناد ضعيفًا فلا يثبت هذا إن شاء الله عن سمرة، ولو ثبت فليس لأحد حجة بعد كلام رسول الله ﷺ . قال ابن حجر تعليقًا على قول البخاري (٣): لا تقضي الحائض الصلاة. قال الحافظ: «نقل ابن المنذر، وغيره إجماع العلماء على ذلك، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه، فقال: اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب، كما قاله الزهري، وغيره» (٤). وربما استدل بعض الخوارج بالقياس على وجوب قضاء الصوم، فإذا كانت تؤمر بقضاء الصوم فكذلك الصلاة فإنها من أهل التكليف. وهذا قياس في مقابلة النص، فيكون فاسدًا. فقد أخرج البخاري تعليقًا في صيغة الجزم، قال البخاري: «وقال أبو الزناد: إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بدًا من اتباعها، من ذلك أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة» (٥).

стр. 4169

وقوله: على خلاف الرأي، يقصد به في بادي الرأي، وإلا فالشرع لا يخالف العقل إذا كان النظر صحيحًا، لكن العقل عاجز عن إدراك الحكمة في كل أوامر الله، وإلا فالله لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة وهو الحكيم العليم. وقال العلامة أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على سنن الترمذي: «وأمر الحائض بقضاء الصوم وترك أمرها بقضاء الصلاة، إنما هو تعبد صرف لا يتوقف على معرفة حكمته، فإن أدركناها فذاك، وإلا فالأمر على العين والرأس، وكذلك الشأن في جميع أمور الشريعة، لا كما يفعل الخوارج، ولا كما يفعل كثير من أهل هذا العصر، يريدون أن يحكموا عقولهم في كل شأن من شؤون الدين، فما قبلته قبلوه، وما عجزت عن فهمه وإدراكه أنكروه وأعرضوا عنه، وشاعت هذه الآراء المنكرة بين الناس، وخاصة المتعلمين منهم، حتى ليكاد أكثرهم يعرض عن كثير من العبادات، وينكر أكثر أحكام الشريعة في المعاملات اتباعًا للهوى، ويزعمون أن هذا هو ما يسمونه روح التشريع، أو حكمة التشريع، وإنه ليخشى على من يذهب هذا المذهب الرديء أن يخرج من ساحة الإسلام المنيرة إلى ظلام الكفر والردة، والعياذ بالله من ذلك، ونسأل الله أن يعصمنا باتباع الكتاب والسنة، والاهتداء بهديهما» (١). وقد تلمس بعض العلماء الحكمة من التفريق بين الصلاة والصيام، قال ابن رجب: «وقد فرق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا تخلو منه كل شهر غالبًا، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذلك عليها، بخلاف الصيام فإنه إنما يجيء مرة واحدة في السنة فلا يشق قضاؤه.

стр. 4170

ومنهم من قال: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر، فيغني ذلك عن قضاء ما تركته منها في الحيض بخلاف صيام رمضان فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة كما يمر بذلك من أفطر لسفر أو مرض (١). هذا فيما يتعلق بالصلاة وحكم قضائها. * * *
следующие страницы →