(١٧٨٧ - ٢٤٧) قلت: قد رواه مسلم من طريق معمر عن عاصم
عن معاذة، قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١).
الدليل الثاني:
الإجماع، قال ابن رجب: «وقد حكى غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة، وأنهم لم يختلفوا في ذلك، منهم الزهري، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم» (٢).
وقال الترمذي في السنن: وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم، في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة (٣).
وقال ابن حزم: ولا تقضي الحائض إذا طهرت شيئًا من الصلاة التي مرت في أيام حيضها، وتقضي صوم الأيام التي مرت بها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد (٤).
(١٧٨٨ - ٢٤٨) وروى عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة.
[صحيح] (٥).
(١٧٨٩ - ٢٤٩) وروى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن
стр. 4167
عكرمة قال: سئل أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة.
[رجاله ثقات] (١).
• دليل من ذهب إلى وجوب قضاء الصلاة من الخوارج:
وبالرغم من أن هذا الخلاف شاذ، ولا يعتد به، إلا أني ما سقت دليلهم إلا لبيان باطلهم، من ردهم السنة الصحيحة، وتحكيم العقل في أمور الشرع.
قال ابن حجر: «من أصولهم المتفق عليها بينهم -يعني الخوارج- الأخذ بما دل عليه القرآن، ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقًا» (٢).
وخاب وخسر من رد السنة بالقرآن، وقد نزل القرآن باتباع السنة:
قال سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: ٧].
وقال سبحانه: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠].
وكيف يصلي الإنسان؟ وكيف يؤدي زكاته؟ لولا أن بيان ذلك جاء في السنة. فليس في كتاب الله إلا الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
(١٧٩٠ - ٢٥٠) وأما ما روى أبو داود، قال ﵀: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا محمد بن حاتم -يعني حِبِّي- حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن نافع، عن كثير بن زياد، قال: حدثتني الأزدية -يعني: مُسَّة- قالت: حججت فدخلت على
أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض.
فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ لقضاء صلاة النفاس (٣).
стр. 4168
[ضعيف] (١).
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: في سنن أبي داود بإسناد فيه لين أن سمرة بن جندب كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض (٢).
وإذا كان الإسناد ضعيفًا فلا يثبت هذا إن شاء الله عن سمرة، ولو ثبت فليس لأحد حجة بعد كلام رسول الله ﷺ .
قال ابن حجر تعليقًا على قول البخاري (٣): لا تقضي الحائض الصلاة.
قال الحافظ: «نقل ابن المنذر، وغيره إجماع العلماء على ذلك، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه، فقال: اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب، كما قاله الزهري، وغيره» (٤).
وربما استدل بعض الخوارج بالقياس على وجوب قضاء الصوم، فإذا كانت تؤمر بقضاء الصوم فكذلك الصلاة فإنها من أهل التكليف.
وهذا قياس في مقابلة النص، فيكون فاسدًا.
فقد أخرج البخاري تعليقًا في صيغة الجزم، قال البخاري: «وقال أبو الزناد: إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بدًا من اتباعها، من ذلك أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة» (٥).
стр. 4169
وقوله: على خلاف الرأي، يقصد به في بادي الرأي، وإلا فالشرع
لا يخالف العقل إذا كان النظر صحيحًا، لكن العقل عاجز عن إدراك الحكمة في كل أوامر الله، وإلا فالله لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة وهو الحكيم العليم.
وقال العلامة أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على سنن الترمذي: «وأمر الحائض بقضاء الصوم وترك أمرها بقضاء الصلاة، إنما هو تعبد صرف لا يتوقف على معرفة حكمته، فإن أدركناها فذاك، وإلا فالأمر على العين والرأس، وكذلك الشأن في جميع أمور الشريعة، لا كما يفعل الخوارج، ولا كما يفعل كثير من أهل هذا العصر، يريدون أن يحكموا عقولهم في كل شأن من شؤون الدين، فما قبلته قبلوه، وما عجزت عن فهمه وإدراكه أنكروه وأعرضوا عنه، وشاعت هذه الآراء المنكرة بين الناس، وخاصة المتعلمين منهم، حتى ليكاد أكثرهم يعرض عن كثير من العبادات، وينكر أكثر أحكام الشريعة في المعاملات اتباعًا للهوى، ويزعمون أن هذا هو ما يسمونه روح التشريع، أو حكمة التشريع، وإنه ليخشى على من يذهب هذا المذهب الرديء أن يخرج من ساحة الإسلام المنيرة إلى ظلام الكفر والردة، والعياذ بالله من ذلك، ونسأل الله أن يعصمنا باتباع الكتاب والسنة، والاهتداء بهديهما» (١).
وقد تلمس بعض العلماء الحكمة من التفريق بين الصلاة والصيام،
قال ابن رجب: «وقد فرق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا تخلو منه كل شهر غالبًا، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذلك عليها، بخلاف الصيام فإنه إنما يجيء مرة واحدة في السنة فلا يشق قضاؤه.
стр. 4170
ومنهم من قال: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر، فيغني ذلك عن قضاء ما تركته منها في الحيض بخلاف صيام رمضان فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة كما يمر بذلك من أفطر لسفر أو مرض (١).
هذا فيما يتعلق بالصلاة وحكم قضائها.
* * *
стр. 4171
المبحث الثاني في جلوس الحائض في مصلاها تذكر الله بقدر الصلاة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• العبادات مبناها على التوقيف، وليس على الاستحسان المصادم للنص.
• تسقط الصلاة عن الحائض إلى غير بدل، ومن شرع لها عبادة بدلًا عن الصلاة فقد ابتدع.
• العبادات مبناها على التوقيف وليس على الرأي المحض.
[م-٧٤٢] قال النووي: مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح، ولا ذكر في أوقات الصلوات، ولا في غيرها، وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور، حكاه عنهم ابن جرير (١).
وقيل: يستحب لها ذلك، وهذا مذهب الحنفية، واختاره جماعة من السلف (٢).
стр. 4172
• دليل من استحب لها الذكر وقت الصلاة:
الدليل الأول:
(١٧٩١ - ٢٥١) روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن أبي سفيان طلحة بن نافع،
عن عبد الله بن عباس، قال: كان النبي ﷺ وعد العباس ذودًا من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء وكان في بيت ميمونة بنت الحارث، فنام رسول الله ﷺ فتوسدت الوسادة التي توسدها رسول الله ﷺ ، فبت عنده، وكانت ليلة ميمونة بنت الحارث، فنام النبي ﷺ غير كثير، فتوسدت التي توسدها رسول الله ﷺ ، فنام النبي ﷺ غير كبير أو كثير، ثم قام ﵇ فتوضأ، فأسبغ الوضوء، وأقل هراقة الماء، ثم افتتح الصلاة الصلاة، فقمت فتوضأت، فقمت عن يساره، وأخلف بيده فأخذ بأذني فأقامني عن يمينه، فجعل يسلم من كل ركعتين، وكانت ميمونة حائضًا، فقامت فتوضأت، ثم قعدت خلفه تذكر الله (١).
стр. 4173
[منكر تفرد به أيوب بن سويد الرملي، وقد رواه جماعة في الصحيحين، وليس فيه ما فعلته ميمونة ﵂] (١).
الدليل الثاني:
(١٧٩٢ - ٢٥٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني خالد ابن يزيد الصدفي، عن أبيه،
عن عقبة بن عامر أنه كان يأمر المرأة الحائض في وقت الصلاة أن تتوضأ وتجلس
стр. 4174
بفناء المسجد، وتذكر الله وتهلل وتسبح (١).
[ضعيف] (٢).
والحق أن استحباب ذلك بدعة.
قال ابن رجب: «وأنكر ذلك أكثر العلماء، وقال أبو قلابة: قد سألنا عن هذا فما وجدنا له أصلًا.
وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرف هذا ولكننا نكرهه.
وقال ابن عبد البر: على هذا القول جماعة الفقهاء، وعامة العلماء في الأمصار» (٣).
وقول أبي قلابة الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب. قد رواه ابن أبي شيبة، قال ﵀:
(١٧٩٣ - ٢٥٣) حدثنا معتمر، عن أبيه، قال: قيل لأبي قلابة: الحائض تسمع الأذان فتوضأ، وتكبر، وتسبح؟ قال: قد سألنا عن ذلك فما وجدنا له أصلًا.
[صحيح] (٤).
(١٧٩٤ - ٢٥٤) وروى ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادًا فكرهاه (٥).
ولسنا نمنع الحائض من ذكر الله تعالى، فإن ذكر الله مستحب في كل حين، لكن استحبابه على هذه الصفة بدعة.
فأولًا: أين الدليل على مشروعية الوضوء للحائض؟
стр. 4175
قال النووي: «إذا قصدت الطهارة تعبدًا مع علمها بأنها لا تصح فتأثم بهذا، لأنها متلاعبة بالعبادة، فأما إمرار الماء عليها بغير قصد العبادة فلا تأثم به بلا خلاف. وهذا كما أن الحائض إذا أمسكت عن الطعام بقصد الصوم أثمت، وإن أمسكت بلا قصد لم تأثم» (١).
ثانيًا: لا يكفي أن يكون أصل العبادة مشروعًا، حتى يكون فعلها مشروعًا في وقت مخصوص. فكل من تحرى وقتًا معينًا في أداء عبادة معينة، فإن كان هناك دليل على تحريه هذا الوقت وإلا كان تحريه لها بدعة، ولا يشفع له أن أصلها مشروع. فنقول في مسألتنا هذه:
أين الدليل على تحريها للذكر أوقات الصلاة؟
بل تذكر الله في غير أوقات الصلوات من الذكر المطلق والمقيد، ولا يكون ذلك بسبب الحيض، بل لأن ذكر الله مشروع في كل وقت.
(١٧٩٥ - ٢٥٥) قال رسول الله ﷺ لعائشة حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري (٢).
وقوله: (افعلي ما يفعل الحاج) دخل فيه جميع ما يفعله الحجاج من ذكر الله، فإنها تقف بعرفة وتدعو هناك وتذكر الله، وتقف في المشعر الحرام، وتذكر الله هناك، وترمي الجمرات، وتذكر الله بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى، فهي ليست ممنوعة من ذكر الله، لكن استحبابه على صفة مخصوصة يحتاج إلى دليل.
نعم جاء لها ذكر معين من الممكن أن يكون من الذكر المقيد.
(١٧٩٦ - ٢٥٦) فقد روى البخاري من طريق عاصم، عن حفصة،
عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها،
стр. 4176
حتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. وهو في مسلم، دون قوله: ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته (١).
* * *
стр. 4177
المبحث الثالث في احتساب أجر الصلاة للحائض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الحائض ليست مكلفة في الصلاة، وتأثم بالتعبد بها، وإذا أثيبت فإنما تثاب على الامتثال بترك الصلاة، لا على اعتبارها في حكم المصلي.
[م-٧٤٣] قال الحافظ في الفتح: الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض، لكنها ناقصة عن المصلي، وهل تثاب على هذا الترك لكونها مكلفة به كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟
قال النووي: الظاهر أنها لا تثاب. والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهلية، والحائض ليست كذلك وعندي (أي عند الحافظ ابن حجر) في كون هذا الفرق مستلزمًا لكونها لا تثاب - وقفة» (١).
وقيل: تثاب الحائض على ترك ما حرم عليها من العبادات إذا نوت الامتثال بالترك لا على العزم على الفعل لولا الحيض (٢).
стр. 4178
والذي يظهر -والله أعلم- أنها لا تعطى ثواب المصلي؛ وفرق بينها وبين المريض؛ لأن المريض مكلف بالأداء لولا العجز، ولذلك لو تحامل على نفسه وصلى، قبلت صلاته، ولم يفعل محرمًا، بينما الحائض ليست مكلفة في أداء الصلاة، أرأيت الإنسان حين لا يصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها، لا يقال: يعطى ثواب المصلي؛ لأنه إنما منع من قبل الشرع. نعم تثاب على كونها التزمت ذلك النهي من الشارع ثواب امتثال، لا ثواب أداء للصلاة، والله أعلم.
* * *
стр. 4179
المبحث الرابع في استحباب قضاء الصلاة للحائض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• هل سقوط القضاء عن الحائض سببه التخفيف عنها؛ لكثرة دوران الصلاة، ولهذا تقضي الصوم، فيكون سقوط الصلاة رخصة وليس عزيمة، والأخذ بالرخص ليس بواجب، أو أن سقوط القضاء عزيمة، وليس برخصة، ووجوب الصيام خارج عن القياس، فيحرم قضاء الصلاة عليها؟ الراجح الثاني.
• السنة التركية كالسنة الفعلية، وقضاء الحائض للصلاة بدعة.
• الأصل في العبادات المنع إلا بدليل.
• الأصل أن من أمر بترك شيء لم يؤمر بقضائه إلا الصوم في حق الحائض والنفساء فإنه خارج عن الأصل.
[م-٧٤٤] سبق أن ذكرنا أن العلماء مجمعون على أن القضاء لا يجب على الحائض، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الخوارج، وكون القضاء لا يجب عليها فهل تمنع من القضاء، لأن نفي الوجوب قد لا يستلزم نفي الاستحباب؟
стр. 4180
وقد وجدت قولين لأهل العلم ممن يقولون بان القضاء لا يجب:
القول الأول:
أنه يحرم القضاء، ولا يجوز لها أن تفعله.
جاء في الفروع لابن مفلح: «قيل لأحمد في رواية الأثرم: فإن أحبت أن تقضيها؟ قال: لا. هذا خلاف -يعني السنة- فظاهر النهي التحريم» (١).
ثم إن السنة التركية كالسنة الفعلية، ولذلك حكم عطاء، وعكرمة بأن ذلك بدعة.
(١٧٩٧ - ٢٥٧) فقد روى عبد الرزاق في المصنف: أخبرنا ابن جريج،
عن عطاء، قال: قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة.
[صحيح] (٢).
(١٧٩٨ - ٢٥٨) وروى عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير،
عن عكرمة قال: سئل أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة.
[ورجاله ثقات] (٣).
(١٧٩٩ - ٢٥٩) وروى البخاري من طريق قتادة، قال حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت فقالت أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به. أو قالت فلا نفعله (٤).
فكون أمهات المؤمنين لا يفعلن القضاء، دليل على أنه غير مطلوب، والعبادة إذا كانت غير مطلوبة فهي محرمة.
стр. 4181
وفي رواية لمسلم: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١).
فقوله: (ولا نؤمر) نفي للأمر مطلقًا، سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب. والله أعلم.
القول الثاني:
أن القضاء ليس بحرام ولكنه مكروه فقط. وهو وجه في مذهب الشافعي (٢).
وقال ابن مفلح في الفروع: «ويتوجه احتمال يكره» (٣).
قال في مغني المحتاج: «وهل يحرم قضاؤها أو يكره؟ -يعني قضاء الصلاة للحائض-: فيه خلاف ذكره في المهمات، فنقل فيها عن ابن الصلاح، والمصنف عن البيضاوي أنه يحرم؛ لأن عائشة ﵂ نهت السائل عن ذلك؛ ولأن القضاء محله فيما أمر بفعله، وعن ابن الصلاح، والروياني، والعجلي، أنه مكروه، بخلاف المجنون والمغمى عليه. فيسن لهما القضاء» (٤).
قال البيضاوي: والأوجه كما قال شيخنا عدم التحريم (٥).
• وسبب الخلاف والله أعلم الخلاف في تعليل الأمر بسقوط القضاء:
فمن نظر إلى أن سقوط القضاء عنها كان السبب فيه التخفيف عنها، نظرًا لكثرة الصلوات ودورانها، لم يمنعها من قضاء الصلوات؛ لأن سقوط الصلاة كان رخصة وليس عزيمة والأخذ بالرخص ليس بواجب، وأقوى دليل لهم على أنه رخصة كون الصيام يجب قضاؤه على الحائض.
стр. 4182
وقال بعضهم: بل سقوط القضاء عزيمة، وليس برخصة، ووجوب الصيام خارج عن القياس، وهؤلاء يحرمون قضاء الصلاة عليها.
وقد نقل النووي في المجموع (١) عن الغزالي في التفريق بين وجوب قضاء الصوم دون الصلاة على الحائض، قال: ونحن نقرر الفرق فنقول: العزيمة الحكم الثابت على وفق الدليل، والرخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح، وإنما كان سقوط قضاء الصلاة عن الحائض عزيمة؛ لأنها مكلفة بترك الصلاة، فإذا تركتها فقد امتثلت ما أمرت به من الترك، فلم تكلف مع ذلك بالقضاء، ولا نقول الفرق بين الصوم والصلاة كثرتها، وندوره، فيكون إسقاط قضائها تخفيفًا ورخصة، بل سبب إسقاط قضائها ما ذكرناه، وهذا يقتضي إسقاط قضاء الصوم أيضًا، لكن للشرع زيادة اعتناء بصوم رمضان، فأوجب قضاءه بأمر محدود في وقت ثان، وتسميته قضاء مجاز. وهو في الحقيقة فرض مبتدأ، فمخالفة الدليل إن حصلت فهي وجوب قضاء الصوم لا في عدم قضاء الصلاة، فثبت أن عدم قضاء الصلاة ليس رخصة (٢).
قلت: الشافعية يرون أن وجوب قضاء الصوم لم يكن بالأمر السابق وإنما بأمر جديد. قال في مغني المحتاج: «وهل تنعقد صلاتها أو لا؟ فيه نظر والأوجه عدم الانعقاد، لأن الأصل في الصلاة إذا لم تكن مطلوبة عدم الانعقاد، ووجوب القضاء عليها في الصوم بأمر جديد من النبي ﷺ فلم يكن واجبًا حال الحيض والنفاس؛ لأنها ممنوعة منه، والمنع والوجوب لا يجتمعان» (٣).
قلت: قد يقال: عدم القضاء هو الذي على خلاف الأصل، فالأصل أن من أمر
стр. 4183
بشيء ثم تركه لعذر قضاه بزوال ذلك العذر كالنائم والناسي عن الصلاة، وكذلك قضاء الصيام على وفق القياس لكن الصلاة هي التي جاء النص بأنها لا تقضى ولولا هذا النص لقضيت، فلا يحتاج الصوم إلى أمر جديد بالقضاء لأن القضاء على وفق الأصل.
قال النووي في المجموع: «قال الرافعي: فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء، فإذا لم يؤمر كان تخفيفًا، ومن أمر بالترك فامتثل الأمر لا يؤمر بالقضاء إلا الحائض والنفساء في الصوم فإنهما يؤمران بتركه وبقضائه، وهو خارج عن القياس للنص، والله أعلم» (١).
* * *
стр. 4184
الفرع الأول في قضاء ركعتي الطواف للحائض
[م-٧٤٥] استثنى بعض العلماء ركعتي الطواف، فقال النووي في المجموع: «قال أبو العباس ابن القاص في التلخيص، والجرجاني في المعاياة: كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا صلاة واحدة، وهي ركعتا الطواف فإنها لا تتكرر» (١).
وقال المرداوي: «ولا تقضي الصلاة، ولعل المراد إلا ركعتي الطواف؛ لأنها نسك لا آخر لوقتها، فيعايابها. رد شيخنا وابن نصر الله على المصنف كونها تقضى، والذي يظهر لي أن محل ذلك إذا قلنا تطوف الحائض، فإذا طافت فإنها لا تصلي حتى تطهر. وقد أومأ إليه شيخنا أيضًا» (٢).
وقال النووي في المجموع: «أنكر الشيخ أبو علي السنجي هذا، وقال: هذا لا يسمى قضاء؛ لأن الوجوب لم يكن في زمن الحيض، ولو جاز أن يسمى هذا قضاء
стр. 4185
لجاز أن يسمى قضاء فائتة كانت قبل الحيض، وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب، لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتها إلا بالفراغ من الطواف، فإن قدر أنها طافت ثم حاضت عقيب الفراغ من الطواف صح ما قاله أبو العباس -يعني من قضاء ركعتي الطواف- إن سلم لهما ثبوت ركعتي الطواف في هذه الصورة. والله أعلم» (١).
* * *
стр. 4186
المبحث الخامس في قضاء الصلاة إذا طرأ الحيض في الوقت
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• العبادة المؤقتة بوقت يمكن إيقاعها في بعضه كالصلاة، بماذا يتعلق الوجوب من الوقت؟ هل يتعلق بأوله، أو بآخره، أو بجزء من الوقت غير معين؟
• وجوب الصلاة متعلق بوقتها لكنه غير معين، وإنما يتعين الوقت إذا أوقع المكلف العبادة فيه، أو بقي منه مقدار ما يؤدي به الصلاة.
• إذا وجد العذر المسقط للصلاة قبل تعين الوقت سقطت الصلاة، ولا عبرة بما وجد من الوقت في أوله، أو وسطه سالمًا من العذر، وكذلك إذا ارتفع المانع آخر الوقت فطهرت الحائض وجبت الصلاة، ولا عبرة بوجود العذر أول الوقت، أو وسطه.
• الصلاة واجب موسع، والواجب يتعلق بجميع الوقت، فمن صلاها في آخر الوقت كمن صلاها في أوله أداء لا قضاء، فمن أخرها عن أول وقتها لم يأثم؛ لأنه لم يتعين؛ ولأنه فَعَلَ ما يجوز له فعله، فإذا طرأ مانع قبل تعين الوقت سقطت الصلاة.
стр. 4187
[م-٧٤٦] هذه المسألة يسميها بعض الفقهاء إذا طرأ المانع بعد دخول وقت الصلاة وقبل أن يصلي .. كما لو طرأ جنون، أو إغماء، أو حيض أو نفاس بعد دخول وقت الصلاة، فهل يجب قضاء تلك الصلاة بعد ارتفاع المانع أي بعد أن يفيق المجنون والمغمى عليه، وتطهر الحائض والنفساء ... والذي يعنينا في هذا الباب إذا طرأ الحيض أو النفاس بعد دخول وقت الصلاة، هل يجب على المرأة القضاء أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة إلى ستة أقوال:
فقيل: لا يجب عليها مطلقًا. سواء حاضت في أول الوقت أو آخره، وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية في مذهب المالكية (٢)، وهو مذهب ابن حزم (٣)، وخرجه ابن سريج قولًا في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: إذا حاضت المرأة، وقد بقي من صلاة الصبح ما يسع ركعة كاملة بسجدتيها سقطت صلاة الصبح، وإن كان الباقي من الوقت حين حاضت أدنى من ركعة وجب عليها القضاء؛ لأنها استقرت عليها في ذمتها.
وأما الصلاة التي تجمع مع غيرها كما لو نسيت صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر ثم حاضت المرأة، أو كانت مسافرة فأخرت صلاة الظهر لتجمعها مع العصر، فلما دخل وقت صلاة العصر حاضت، فإن كان بقي من الوقت ما يسع عدد ركعات الصلاة الأولى وركعة واحدة من الصلاة الثانية سقطت الصلاتان، وإن بقي من
стр. 4188
الوقت أدنى من هذا إلى ركعة كاملة سقطت الثانية ووجب قضاء الأولى، وإن كان الباقي من الوقت أقل من ركعة كاملة وجب قضاء الأولى والثانية، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١).
وقيل: إن أدركت من أول الوقت قدرًا يسع تلك الصلاة، وجب القضاء وإن كان الذي أدركته من الوقت لا يسع تلك الصلاة فلا يجب عليها القضاء (٢)، وهو مذهب الشافعية (٣).
وقيل: إن أدركت من الوقت مقدار ركعة كاملة، وجب القضاء وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية، ومنهم أبو يحيى البلخي (٤).
وقيل: إن أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام، ثم حاضت، وجب عليها القضاء، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: إن كان الباقي من الوقت حين حاضت مقدار ما يمكنها أن تصلي فيه، فليس عليها قضاء تلك الصلاة، وإن كان دون ذلك فعليها القضاء وهو اختيار زفر
стр. 4189
من الحنفية (١)، ورجحه ابن تيمية من الحنابلة (٢).
• وسبب الخلاف في هذه المسألة:
اختلافهم في مسألة أصولية، هل الصلاة تجب في أول الوقت أو في آخره؟
وهل إذا دخل الوقت ومضى معه مقدار ما يسع الأداء أصبحت الصلاة دينًا في ذمة المكلف، فلو سافر من بلده لم يقصر تلك الصلاة؛ لأنها وجبت عليه في وقت الحضر، أو أن الصلاة لا تجب في أول الوقت على التعيين، وإنما تجب في جزء من الوقت غير معين، فإذا شرع في أول الوقت وجبت في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم يعين بالفعل حتى بقي من الوقت مقدار ما يسع الصلاة وجب عليه تعيين ذلك الوقت ويأثم بترك التعيين.
أو أن الصلاة في أول الوقت سنة وفي آخره واجب، ويلزم منه أن يكون فعل المندوب أفضل من فعل الفرض؟
هذا سبب الخلاف، وأدلته تبحث في أصول الفقه ... وفي أقسام الواجب في كونه ينقسم إلى قسمين: واجب موسع، وواجب مضيق، إذا عرفنا ذلك نأتي إلى ذكر المسألة.
وإليك أدلة كل قول من الأقوال التي ذكرناها.
• دليل الحنفية على أنها إذا حاضت في الوقت لا يجب عليها القضاء:
الدليل الأول:
قالوا: إذا بقي شيء من وقت الصلاة لم تصبح الصلاة دينًا في ذمة المرأة بل هي
стр. 4190
في الوقت، فإذا حاضت فقد تعذر عليها الأداء بسبب الحيض، وذلك غير موجب للقضاء، فأما إذا حاضت بعد خروج الوقت فإن الصلاة تصبح دينًا في ذمتها، قبل وجود الحيض.
الدليل الثاني:
أن تأخير الصلاة إلى آخر وقتها ليس معصية، فإذا حاضت فقد وجد المانع قبل أن تتعين الصلاة عليها.
قال ابن حزم في المحلى: «برهان قولنا هو أن الله تعالى جعل للصلاة وقتًا محدودًا، أوله وآخره، وصح أن الرسول ﷺ صلى الصلاة في أول وقتها، وفي أخر وقتها، فصح أن المؤخر لها إلى آخر وقتها ليس عاصيًا؛ لأنه ﵇ لا يفعل المعصية، فإذ هي ليست عاصية فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها، فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت فقد سقطت عنها، ولو كانت الصلاة تجب بأول الوقت لكان من صلاها بعد مضي مقدار تأديتها من أول وقتها قاضيًا لها لا مصليًا، وفاسقًا بتأخيرها عن وقتها، ومؤخرًا لها عن وقتها وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد» (١).
الدليل الثالث:
أن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزم بالقضاء.
• دليل المالكية على وجوب القضاء إذا بقي من الوقت أقل من ركعة .
الدليل الأول:
(١٨٠٠ - ٢٦٠) استدلوا بما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد
стр. 4191
أدرك العصر، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك وقتها، فإذا حصل الحيض وقد بقي من الوقت مقدار ركعة كاملة، فقد حصل العذر في وقتها، فسقطت. أما إذا حصل الحيض وقد بقي أقل من ركعة، فقد خرج وقت الصلاة، واستقرت في ذمته، كما لو حاضت بعد خروج الوقت، فإذا طرأ الحيض بعد ذلك فقد حصل العذر خارج وقتها فيجب عليه القضاء (٢).
الدليل الثاني:
القياس على إدراك الجمعة، فإن من أدرك من الجمعة ركعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة، ومن أدرك أقل من ركعة صلى ظهرًا.
• وأجيب:
بأن الركعة اعتبرت في الجمعة للمسبوق؛ لأن الجماعة شرط لصحتها، فاعتبر إدراك الركعة في الجمعة لئلا يفوته الشرط في أكثرها، وقياسًا على إدراك الجماعة.
• دليل الشافعية على أن القضاء يجب بإدراك وقت يسع فعل الصلاة:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨].
فدلوك الشمس أول وقتها، فدل على أن الوجوب يتعلق بأول الوقت، فإذا أدركت من الوقت ما يسع تلك الصلاة فقد وجبت عليها لتمكنها من الفعل في الوقت فلا يسقط بما يطرأ بعده، فإن أدركت أقل من ذلك لم يلزمها القضاء، وكونه يجوز للمرأة تأخيرها إلى آخر وقتها لا يسقط عنها ما وجب عليها من الصلاة بأوله.
стр. 4192
• وأجيب:
بأن الوجوب يتعلق بأوله ووسطه وآخره لقوله تعالى: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) [الإسراء: ٧٨]. فلو كان الوجوب يتعين في أول الوقت كان من صلى في وسطه أو في آخره قضاء لا أداء.
الدليل الثاني:
القياس على الزكاة، فلو ملك نصابًا وتم عليه الحول وتمكن من أدائه، فلم يخرج حتى هلك المال استقرت في ذمته (١).
• ويناقش:
بأن تأخيره عن إخراج الزكاة بعد تمام الحول، وتمكنه من الأداء تفريط منه، فلم تسقط عنه، بخلاف الصلاة، فإن الصلاة في آخر الوقت أداء كالصلاة في أول الوقت.
الدليل الثالث:
(١٨٠١ - ٢٦١) واستدل بعضهم بما رواه الترمذي، قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله (٢).
[ضعيف جدًّا أو موضوع] (٣).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن الرضوان من الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين، فدل على أن الوجوب متعلق في أول الوقت.
ويشكل عليه أن التأخير لا إثم فيه، فكيف يكون فاعله مقصرًا؟
• وأجابوا بوجهين:
أحدهما: أنه مقصر بالنسبة إلى أول الوقت، وإن كان لا إثم عليه.
والثاني: أنه مقصر بتفويت الأفضل، كما يقال: من ترك صلاة الضحى فهو مقصر، وإن لم يأثم (١).
стр. 4195
لكن يغني عن هذا الجواب أن الحديث لا تقوم به حجة، فلا يلزم الإجابة عليه.
• دليل من قال: يجب القضاء إذا أدركت من أول الوقت مقدار ركعة:
(١٨٠٢ - ٢٦٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة. وأخرجه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن من أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة فقد أدرك وقت الصلاة، فأصبحت في ذمته، فيجب عليه قضاؤها (٢).
• دليل الحنابلة على أنها إذا أدركت قدر تكبيرة الإحرام وجب القضاء:
الدليل الأول:
(١٨٠٣ - ٢٦٣) استدلوا بما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (١).
وجه الاستدلال:
قول الرسول ﷺ : (إذا أدرك أحدكم سجدة) أي مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء حتى يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام.
والصحيح أن المراد بالسجدة هي الركعة لما يلي:
أولًا: أن الزهري قد رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ، (من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة) وسبق تخريجه.
ورواه جماعة عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ... الحديث في الصحيحين وسبق تخريجه قبل قليل.
ثانيًا: أن عائشة ﵂ قد روت مثل هذا الحديث، ثم قالت في آخره: والسجدة إنما هي الركعة.
(١٨٠٤ - ٢٦٤) فقد روى مسلم من طريق الزهري، قال: حدثنا عروة عن
عائشة قالت: قال: رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، ومن الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة (٢). ويحتمل أن يكون الإدراج ممن دون عائشة، وحينئذ لا يكون فيه حجة.
стр. 4199
ثالثًا: قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة.
(١٨٠٥ - ٢٦٥) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع،
عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وأخرجه مسلم (١).
(١٨٠٦ - ٢٦٦) وروى مسلم من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه،
أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: ثم قام فصلى ثمان سجدات وذلك ضحى (٢).
والمراد: ثمان ركعات ... والأمثلة في هذا كثيرة.
قال القرطبي: «أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة» (٣).
الدليل الثاني:
أن الحكم إذا علق بالإدراك، فإن الإدراك يستوي فيه القليل والكثير، كما يجب على المسافر الإتمام باقتدائه بمقيم في جزء من الصلاة.
• دليل من قال: إذا حاضت وقد بقي من الوقت ما لا يسع لفعل الصلاة وجب القضاء .
الدليل الأول:
قالوا: بأن الصلاة: لا يجب فعلها في أول الوقت وإذا حاضت المرأة ولم يجب عليها بعد فعل الصلاة، لم يجب عليها القضاء؛ لأنه إذا كان قد أذن لها في التأخير، فما
стр. 4200
ترتب على المأذون غير مضمون، ولكن إذا بقي من الوقت ما يتسع لفعل الصلاة فقط فقد وجب عليها فعل الصلاة. فإذا كان الباقي من الوقت لا يتسع لفعل الصلاة فقد استقرت في ذمتها فوجب عليها القضاء إذا حاضت.
الدليل الثاني:
أن هذا يقع كثيرًا في نساء الصحابة، ولو كان يجب على المرأة القضاء، لأمرها الرسول ﷺ ولو أمرها لنقل، فلما لم ينقل علم أن القضاء ليس بواجب.
(١٨٠٧ - ٢٦٧) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم بأطول من هذا (١).
استدل به البيهقي ﵀ (٢) على مسألتنا هذه وهذا ذهاب منه إلى أنه لا يرى وجوب القضاء على الحائض إذا حاضت في وقت الصلاة وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 4201
المبحث السادس في وجوب الصلاة على الحائض إذا طهرت في الوقت
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل صلاة يخرج وقتها على المرأة وهي حائض فلا يجب عليها قضاؤها مطلقًا، سواء كانت تجمع إلى غيرها أو لا.
• من أدرك من الوقت أقل من ركعة فلم يدرك الوقت.
[م-٧٤٧] يطلق الفقهاء على هذه المسألة (زوال المانع) بينما يسمون التي قبلها (حدوث المانع) وزوال المانع يشمل الحائض والنفساء إذا طهرتا، ويشمل المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم وأمثالهم.
وقد اختلف الفقهاء في الحائض والنفساء إذا طهرتا.
فقيل: إذا طهرت المرأة من الحيض، وكانت عادتها أقل من عشرة أيام وأدركت من الصلاة قدرًا يسع الغسل وتكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة وحدها ولا تقضي معها ما يجمع إليها. فإن أدركت من الصلاة مقدارًا لا تستطيع فيه الغسل فليس عليها قضاء تلك الصلاة وإن كانت عادتها عشرة أيام (أكثر الحيض عندهم) فإنها إذا أدركت من الوقت شيئًا قليلًا أو كثيرًا، وجبت عليها تلك الصلاة، سواء
стр. 4202
تمكنت فيه من الاغتسال أو لم تتمكن وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: إذا طهرت قبل الغروب بمقدار يسع خمس ركعات في الحضر، أو ثلاثًا في السفر، وجبت عليها الظهر والعصر.
وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العصر وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت الظهر والعصر.
وإن طهرت قبل الفجر بمقدار أربع ركعات، وجب عليها المغرب والعشاء، وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العشاء وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت المغرب والعشاء.
وإن طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة وجبت عليها الصبح وإلا سقطت. وهذا مذهب المالكية، ومذهب الشافعي في القديم (٢).
وقيل يجب عليها فعل الصلاة إذا أدركت من وقت الصلاة مقدار ركعة كاملة، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: إذا أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة، فإن كانت الصلاة هي العصر أو العشاء وجبت مع العصر الظهر، ومع المغرب العشاء وهذا القول هو الصحيح من مذهب الشافعية. قال النووي: باتفاق الأصحاب (٤)،
стр. 4203
والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
• دليل من قال: إذا أدركت مقدار تكبيرة الإحرام وجبت الصلاة .
الدليل الأول:
(١٨٠٨ - ٢٦٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق يحي، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (٢).
ورواه مسلم من حديث عائشة ﵂ (٣).
وقد أجبت عن هذا الحديث في المسألة السابقة وبينت أن المراد بالسجدة هي الركعة، ودللت على ذلك من السنة فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثاني:
أن الصلاة تجب بإدراك جزء من الوقت كما يجب على المسافر الإتمام إذا اقتدى بمقيم في جزء من صلاته.
• دليل من قال: تجب الصلاة إذا أدركت مقدار ركعة:
الدليل الأول:
(١٨٠٩ - ٢٦٩) استدلوا بما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع
стр. 4204
الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﵇: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس) يقتضي أن الحائض إذا لم تدرك من الوقت مقدار ركعة فقد فاتها الوقت، ومن فاته الوقت فقد سقطت عنه الصلاة، كما يقتضي فساد قول من قال: من أدرك تكبيرة وجبت عليه الصلاة.
الدليل الثاني:
لم يختلف في الجمعة أنه من لم يدرك ركعة منها لم يدركها، فالإدراك لا يكون إلا بإدراك ركعة كاملة (٢).
• دليل من قال: تجب الظهر بإدراك وقت العصر، والمغرب بإدراك العشاء .
الدليل الأول:
(١٨١٠ - ٢٧٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد ابن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، قال:
سمعته يقول: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 4205
الدليل الثاني:
(١٨١١ - ٢٧١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم،
عن ابن عباس قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (١).
ورواه ابن المنذر من طريق أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد به، واللفظ لابن المنذر.
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: بأن الصلاتين المجموعتين وقت إحداهما وقت للأخرى في حق المعذور كالمسافر ونحوه، فهؤلاء مثلهم من أهل الأعذار، فإذا أدرك العصر فقد أدرك الظهر، وإذا أدرك العشاء فقد أدرك المغرب.