المبحث السادس في وجوب الصلاة على الحائض إذا طهرت في الوقت
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل صلاة يخرج وقتها على المرأة وهي حائض فلا يجب عليها قضاؤها مطلقًا، سواء كانت تجمع إلى غيرها أو لا.
• من أدرك من الوقت أقل من ركعة فلم يدرك الوقت.
[م-٧٤٧] يطلق الفقهاء على هذه المسألة (زوال المانع) بينما يسمون التي قبلها (حدوث المانع) وزوال المانع يشمل الحائض والنفساء إذا طهرتا، ويشمل المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم وأمثالهم.
وقد اختلف الفقهاء في الحائض والنفساء إذا طهرتا.
فقيل: إذا طهرت المرأة من الحيض، وكانت عادتها أقل من عشرة أيام وأدركت من الصلاة قدرًا يسع الغسل وتكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة وحدها ولا تقضي معها ما يجمع إليها. فإن أدركت من الصلاة مقدارًا لا تستطيع فيه الغسل فليس عليها قضاء تلك الصلاة وإن كانت عادتها عشرة أيام (أكثر الحيض عندهم) فإنها إذا أدركت من الوقت شيئًا قليلًا أو كثيرًا، وجبت عليها تلك الصلاة، سواء
стр. 4202
تمكنت فيه من الاغتسال أو لم تتمكن وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: إذا طهرت قبل الغروب بمقدار يسع خمس ركعات في الحضر، أو ثلاثًا في السفر، وجبت عليها الظهر والعصر.
وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العصر وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت الظهر والعصر.
وإن طهرت قبل الفجر بمقدار أربع ركعات، وجب عليها المغرب والعشاء، وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العشاء وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت المغرب والعشاء.
وإن طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة وجبت عليها الصبح وإلا سقطت. وهذا مذهب المالكية، ومذهب الشافعي في القديم (٢).
وقيل يجب عليها فعل الصلاة إذا أدركت من وقت الصلاة مقدار ركعة كاملة، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: إذا أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة، فإن كانت الصلاة هي العصر أو العشاء وجبت مع العصر الظهر، ومع المغرب العشاء وهذا القول هو الصحيح من مذهب الشافعية. قال النووي: باتفاق الأصحاب (٤)،
стр. 4203
والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
• دليل من قال: إذا أدركت مقدار تكبيرة الإحرام وجبت الصلاة .
الدليل الأول:
(١٨٠٨ - ٢٦٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق يحي، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (٢).
ورواه مسلم من حديث عائشة ﵂ (٣).
وقد أجبت عن هذا الحديث في المسألة السابقة وبينت أن المراد بالسجدة هي الركعة، ودللت على ذلك من السنة فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثاني:
أن الصلاة تجب بإدراك جزء من الوقت كما يجب على المسافر الإتمام إذا اقتدى بمقيم في جزء من صلاته.
• دليل من قال: تجب الصلاة إذا أدركت مقدار ركعة:
الدليل الأول:
(١٨٠٩ - ٢٦٩) استدلوا بما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع
стр. 4204
الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﵇: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس) يقتضي أن الحائض إذا لم تدرك من الوقت مقدار ركعة فقد فاتها الوقت، ومن فاته الوقت فقد سقطت عنه الصلاة، كما يقتضي فساد قول من قال: من أدرك تكبيرة وجبت عليه الصلاة.
الدليل الثاني:
لم يختلف في الجمعة أنه من لم يدرك ركعة منها لم يدركها، فالإدراك لا يكون إلا بإدراك ركعة كاملة (٢).
• دليل من قال: تجب الظهر بإدراك وقت العصر، والمغرب بإدراك العشاء .
الدليل الأول:
(١٨١٠ - ٢٧٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد ابن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، قال:
سمعته يقول: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 4205
الدليل الثاني:
(١٨١١ - ٢٧١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم،
عن ابن عباس قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (١).
ورواه ابن المنذر من طريق أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد به، واللفظ لابن المنذر.
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: بأن الصلاتين المجموعتين وقت إحداهما وقت للأخرى في حق المعذور كالمسافر ونحوه، فهؤلاء مثلهم من أهل الأعذار، فإذا أدرك العصر فقد أدرك الظهر، وإذا أدرك العشاء فقد أدرك المغرب.
стр. 4206
وقد قال بهذا القول جماعة من التابعين منهم عطاء (١)، وطاووس (٢)، ومجاهد (٣)، وإبراهيم النخعي (٤)، والحكم (٥).
وهذا القول ضعيف.
أولًا: لعدم الدليل الموجب لقضاء الصلاتين، فلو كانت تدرك الظهر بطهارة الحائض في وقت العصر لبينه النبي ﷺ ولو بينه لنقل إلينا. فلما لم ينقل علم أن ذلك لا يجب. وما ورد عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس لا يثبت عنهما كما قرأت.
ثانيًا: أن هذا القول مخالف للسنة الصريحة من حديث أبي هريرة: (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) وهو متفق عليه وسبق تخريجه ولو كانت تدرك الظهر لقال: فقد أدرك العصر والظهر.
وثالثًا: أنه مخالف للقياس. فلو أنه وجبت عليه صلاة الظهر، ثم طرأ مانع لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت لها وللعصر عند العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟
رابعًا: قد بينا الإجماع على أن الحائض لا تقضي الصلاة التي مرت عليها وهي حائض لحديث عائشة في مسلم. وكنا نؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٦).
ولو أنها صلت صلاة الظهر وقد خرج وقتها وهي حائض لكانت مأمورة
стр. 4207
بقضاء بعض الصلاة وهي حائض.
• دليل من قال: إذا أدركت من العصر ما يسع الظهر وركعة وجبتا:
فالظهر تشارك العصر في الوقت؛ لأنها تجمع إليها، وحقيقة الجمع أن تقع الصلاتان في وقت العصر، ولا يمكن أن تقع الصلاتان في وقت العصر إلا إذا فرغت من الأولى، وأدركت ركعة من الثانية قبل خروج وقتها (١).
وإنما اشترطنا إدراك ركعة من الأخرى لقوله ﷺ : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وسبق تخريجه.
فقوله: (فقد أدرك العصر) دليل على أن الظهر تفوت في حق الحائض إذا لم تدرك من وقت العصر إلا مقدار ركعة منها، فإن أدركت زيادة على الركعة وقتًا يسع صلاة الظهر فقد أدركت الظهر مع العصر، فإن أدركت أدنى من ذلك إلى ركعة كاملة فقد أدركت العصر وحدها، وإن أدركت أدنى من الركعة فلم تدرك الصلاتين معًا.
وكذا إذا طهرت قبل الفجر فلا بد من إدراك أربع ركعات، ثلاث للمغرب وركعة للعشاء ولا فرق في المسألة هذه بين المقيم والمسافر، لأن المغرب لا تقصر.
وهذا القول مبني على أن وقت العصر وقت لها وللظهر في حال العذر، وكذا وقت العشاء والمغرب، وقد بينت ضعف هذا القول في القول الذي قبل هذا.
• الراجح من هذه الأقوال:
أن الصلاة إذا خرج وقتها، والمرأة حائض أنه لا يجب عليها القضاء مطلقًا، سواء كانت تجمع مع غيرها، أو لا، وأنها إذا أدركت من الوقت مقدار ركعة، فقد أدركت الصلاة، والسنة صريحة في هذا، والمقصود بالركعة ليس مجرد ركوع، بل ركعة كاملة بقيامها وسجودها، وأنها إذا طهرت بعد منتصف الليل لم تجب عليها صلاة
стр. 4208
العشاء، ولا صلاة المغرب؛ لأن وقت العشاء يخرج بمنتصف الليل، ولم يأت في السنة ما يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، والله أعلم.
* * *
стр. 4209
المبحث السابع في اشتراط إدراك وقت يسع للطهارة
[م-٧٤٨] بينا في المسألة السابقة بماذا تدرك الحائض الوقت، على خلاف بين العلماء، هل تدرك الوقت بإدراك ركعة، أو بإدراك مقدار تكبيرة الإحرام، فهل يشترط أن تدرك مع ذلك وقتًا يسع للطهارة باعتبار أن تحصيل الطهارة شرط في إدراك الوقت؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة.
فقيل: يشترط في الوجوب إدراك زمن يسع للغسل، وهذا مذهب المالكية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢)، واختاره ابن حزم (٣).
وقيل: لا يشترط ذلك، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤).
стр. 4210
• دليل من اشترط للوجوب زمن الطهارة:
قال ابن حزم: «إن الله لم يبح الصلاة إلا بطهور، وقد حد الله للصلاة أوقاتها، فإذا لم يمكنها الطهور، وفي الوقت بقية، فنحن على يقين من أنها لم تكلف تلك الصلاة التي لم يحل لها أن تؤديها في وقتها» (١).
• دليل من لم يشترط إدراك زمن يسع للطهارة:
الدليل الأول:
(١٨١٢ - ٢٧٢) روى البخاري من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
وجه الاستدلال:
أن الحديث لم يتعرض لاشتراط الطهارة، وما ورد مطلقًا يجب العمل به على إطلاقه، وتخصيص العام، وتقييد المطلق لا يجوز إلا بدليل.
الدليل الثاني:
أن الحائض سقطت عنها الصلاة بالحيض، ووجبت عليها بانقطاعه، وفوات الوقت بالاشتغال بالطهارة لا يسقط ما وجب عليها قبل ذلك. وإنما تسقط الصلاة عن الحائض ما دامت حائضًا، فإذا طهرت صارت كالجنب، يلزمها صلاة وقتها التي طهرت فيه (٢).
• الراجح:
أن إدراك الوقت لا يشترط له إدراك زمن الطهارة، كما قالوا إذا طهرت الحائض قبل الصبح، ثم صامت واغتسلت بعد طلوع الصبح صح صومها، وهذه المسألة مثلها، وسيأتي مزيد إيضاح لمسألة الصوم إن شاء الله تعالى في فصل مستقل.
* * *
стр. 4211
الفصل الثالث أحكام الحائض من حيث الصوم
المبحث الأول يحرم الصوم ويجب القضاء إذا طهرت
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• وجوب العبادة وتحريمها، ووجوب القضاء متوقف على النص.
[م-٧٤٩] روى عبد الرزاق، قال: عن معمر،
عن الزهري قال: الحائض تقضي الصوم. قلت: عمن؟ قال: هذا ما اجتمع الناس عليه، وليس في كل شيء نجد الإسناد.
• أما تحريم الصوم:
(١٨١٣ - ٢٧٣) فروى البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله،
عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله.
стр. 4212
قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها. ورواه مسلم (١).
(١٨١٤ - ٢٧٤) وحديث ابن عمر في مسلم، وفيه: وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين (٢).
• وأما وجوب القضاء:
(١٨١٥ - ٢٧٥) فقد روى مسلم من طريق عاصم، عن معاذة قالت:
سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٣).
ورواه البخاري من طريق قتادة عن معاذة به بنحوه (٤).
ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب قضاء الصوم (٥).
وقال الترمذي في السنن: «قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم، في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة» (٦).
وقال ابن حزم: «وتقضي صوم الأيام التي مرت بها في أيام حيضها، وهذا نص مجمع لا يختلف فيه أحد» (٧).
* * *
стр. 4213
المبحث الثاني في إمساك الحائض عن الأكل إذا طهرت في أثناء النهار
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• من أذن له في الأكل أول النهار أذن له في الأكل آخره.
[م-٧٥٠] اختلف العلماء في الحائض تطهر أثناء النهار، هل يجب عليها الإمساك بقية النهار؟
فقيل: يجب عليها الإمساك بقية النهار، وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا يجب عليها الإمساك بقية يومها وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)،
стр. 4214
ورواية في مذهب الحنابلة (١).
واستحب لها بعض الشافعية إخفاء الإفطار، لئلا تتعرض إلى التهمة والعقوبة (٢).
• أدلة القائلين بوجوب الإمساك:
الدليل الأول:
قالوا: إنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية، فمن صار في بعض النهار على صفة لو كان عليها في أول النهار يلزمه الصوم فعليه الإمساك في بقية النهار والقضاء (٣).
الدليل الثاني:
أنها أبيح لها الفطر، عندما كان السبب موجودًا، فإذا زال السبب المبيح وجب عليها الإمساك.
الدليل الثالث:
أن الإمساك حق للوقت؛ لأنه وقت معظم.
الدليل الرابع:
كل من أدرك جزءًا من وقت العبادة لزمته تلك العبادة، فمن أدرك جزءًا من وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وكذلك من أدرك جزءًا من وقت الصيام لزمه الإمساك (٤).
• ويناقش:
بأن من أدرك جزءًا من وقت الصيام لزمه قضاء ذلك اليوم، وليس الإمساك
стр. 4215
فيه؛ لأن لا فائدة من إمساك بعض يوم إذا لم يكن مسقطًا للقضاء، وكيف يجب عليه أكثر مما يجب على غيره، حيث يجمع له بين القضاء والإمساك.
الدليل الخامس:
قالوا: لو أكلت ولا عذر لها اتهمها الناس، والتحرز من مواضع التهم واجب.
• دليل من قال: لا يجب عليها الإمساك:
الدليل الأول:
(١٨١٦ - ٢٧٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا وكيع، عن بن عون، عن ابن سيرين، قال:
قال عبد الله: من أكل أول النهار فليأكل في آخره.
[منقطع] (١).
الدليل الثاني:
قال ابن حزم: لا يختلف المخالفون لنا في أن التي طهرت من المحيض والنفاس والقادم من السفر، والمفيق من المرض لا يجزئهم صيام ذلك اليوم، وعليهم قضاؤه، فصح أنهم في هذا اليوم غير صائمين أصلًا، وإذا كانوا غير صائمين فلا معنى لصيامهم، ولا أن يؤمروا بصوم ليس صومًا، ولا هم مؤدون به فرضًا لله تعالى، ولا هم عاصون له بتركه (٢).
стр. 4216
الدليل الثالث:
إذا كان يجوز لها الأكل في أول النهار ظاهرًا وباطنًا بغير شبهة، جاز لها الأكل في آخره كسائر الأيام.
الدليل الرابع:
الصوم: هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية العبادة، فإذا كان كذلك لم ينطبق على الحائض التي طهرت في أثناء اليوم، ولم يعتبر فعلها صومًا شرعًا، فلا معنى لإمساكها.
الدليل الخامس:
قالوا: إن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة، بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخر العبادة واجبًا، وأولها غير واجب، كالصلاة الواحدة (١).
والراجح أننا لا نجمع عليها وجوب الإمساك ووجوب القضاء.
* * *
стр. 4217
المبحث الثالث في المرأة تطهر قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا انقطع الحيض ارتفع حكمه إلا فيما تشترط له الطهارة من الحدث.
• النقاء من الحيض شرط في صحة الصوم، والاغتسال منه بعد انقطاعه ليس بشرط.
• كل ما يصح من الجنب يصح من الحائض إذا انقطع حيضها ولم تغتسل.
• وجوب الغسل لا ينافي صحة الصوم كالغسل من الجنابة.
[م-٧٥١] إذا طهرت المرأة من الحيض ليلًا، ونوت الصيام، وأخرت الغسل إلى طلوع الصبح، فهل يصح صومها ذلك اليوم؟
اختلف العلماء في ذلك.
فقيل: إن طهرت قبل الفجر بوقت يتسع فيه للغسل فلم تغتسل حتى طلع
стр. 4218
الفجر أجزأها، وإن كان الوقت ضيقًا لا يتسع للغسل لم يصح صومها (١).
وهذا مذهب الحنفية، واختاره من المالكية عبد الملك، ومحمد بن مسلمة (٢).
وقيل: صيامها صحيح. وهو مذهب الجمهور (٣).
وقيل: لا يباح الصيام مطلقًا حتى تغتسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤)، وحكي قولًا للأوزاعي (٥).
стр. 4219
• دليل الجمهور على صحة صومها:
الدليل الأول:
من القرآن الكريم، قوله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧].
وجه الاستدلال:
أن الله لما أباح المباشرة إلى تبين الفجر، علم أن الغسل إنما يكون بعده (١).
الدليل الثاني:
(١٨١٧ - ١٧٧) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن كعب الحميري، أن أبا بكر حدثه، أن مروان أرسله إلى أم سلمة رضي الله تعالى عنها يسأل عن الرجل يصبح جنبًا، أيصوم؟ فقالت:
كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع، لا من حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي.
وفي رواية: يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم (٢).
الدليل الثالث:
(١٨١٨ - ٢٧٨) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقص، يقول في قصصه:
من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه، فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان
стр. 4220
النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله - قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك. قال: نعم قال: هما أعلم، ثم رد
أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي ﷺ . قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان. قال: كذلك كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم. رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم (١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
إذا كان طلوع الفجر على الصائم وهو جنب لا يفسد صومه، لم يفسد من الحائض إذا طهرت من الدم؛ لأن كلًا منهما يملك أن يرفع حدثه متى شاء. فالحائض عندما انقطع دمها قد طهرت من الخبث، وبقيت طهارتها من الحدث، فأصبح حدثها بعد انقطاع دمها لا يوجب إلا الغسل كالجنب تمامًا، وصفة الغسل فيهما واحدة في الجملة كما بينا في صفة الغسل. فيكون حكمهما واحدًا. والله أعلم.
• دليل من قال: لا يصح صومها مطلقًا حتى تغتسل قبل الفجر:
قالوا: حدث الحيض يمنع الصوم، وإذا أصبحت وهي لم تغتسل فيومها يوم فطر؛ لأنها في بعضه غير طاهرة، وليست كالجنب؛ لأن الاحتلام لا ينقض الصوم، والحيضة تنقضه.
• وأجيب:
قال ابن قدامة: «ما ذكروه لا يصح، فإن من طهرت من الحيض ليست حائضًا، وإنما عليها حدث موجب للغسل، فهي كالجنب فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد
стр. 4221
في الصوم أفسده كالحيض» (١).
• دليل من اشترط أن تطهر من الحيض في وقت يسعها فيه الاغتسال .
الخلاف في الحائض إذا طهرت قبل الصبح، كالخلاف في من طهرت قبل خروج وقت الصلاة، هل يشترط لوجوب الصلاة أن تدرك من الوقت زمنًا يتسع للغسل، أو أن إدراك الوقت لا يشترط له إدراك زمن الطهارة، وقد سقنا الخلاف في هذه المسألة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
• وأجيب:
بأن القياس مع الفارق، فالطهارة شرط لصحة الصلاة على القول بأن وجوب الصلاة يشترط له إدراك زمن يسع فعل الطهارة بخلاف الصيام فالطهارة ليست شرطًا في صحة الصوم، والله أعلم.
• الراجح:
أن الحائض لها طهارتان: طهارة من الخبث، وهذا شرط في صحة الصوم، وهذا يتحقق بانقطاع دم الحيض، ورؤية علامة الطهر، وهو ليس من كسبها.
وطهارة من الحدث: وهذا يكون بالاغتسال، وهو شرط للصلاة، وإتيان الزوج، وليس شرطًا لصحة الصوم، والله أعلم.
* * *
стр. 4222
المبحث الرابع في سقوط الكفارة إذا أفطرت بالجماع ثم نزل الحيض
[م-٧٥٢] إذا جامع الرجل امرأته في رمضان، وهي طاهرة، وكان ذلك برضاها، ثم نزل عليها دم الحيض في نفس اليوم، فهل تجب عليها الكفارة أو تسقط.
في ذلك خلاف بين العلماء.
فقيل: لا كفارة عليها، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: تجب عليها الكفارة. وهو مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول في
стр. 4223
مذهب الشافعية (١)، واختاره زفر من الحنفية (٢).
• دليل الحنفية على سقوط الكفارة:
قالوا: الحيض ينافي الصوم، وصوم واحد لا يتجزأ، فتقرر المنافي في آخره يمكن شبهة المنافاة في أوله (٣).
فلما خرج هذا اليوم عن كونه مستحقًا، فلم يجب بالوطء فيه كفارة، كصوم المسافر، أو كما لو قامت البينة على أنه من شوال (٤).
ونوقش هذا:
«والوطء من المسافر الصيام وطء مباح؛ لأن الفطر قد أبيح له، فكيف أفطر سواء كان بالجماع أو بالأكل فهو لم ينتهك محرمًا بخلاف مسألتنا، وكذا إذا تبين أنه من شوال، فإن الوطء غير موجب؛ لأننا قد تبينا أن الوطء لم يصادف رمضان، والموجب إنما هو الوطء المفسد لصوم رمضان» (٥).
• تعليل الجمهور على وجوب الكفارة:
التعليل الأول:
الحيض طرأ بعد وجوب الكفارة فلم يسقطها كالسفر.
التعليل الثاني:
أن هذا أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه، كما لو لم يطرأ عذر (٦).
* * *
стр. 4224
الفصل الرابع في أحكام الحائض من حيث المسجد
المبحث الأول في مكث الحائض بالمسجد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• قال النبي ﷺ للحائض: لا تطوفي حتى تطهري، فقوله: (حتى تطهري) رتب الحكم على سببه، فالظاهر أن المنع من الطواف لعدم الطهارة، لا لعدم دخول المسجد.
• الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف والمكث في المسجد، لم يمنع الحائض.
• المشرك أخبث من الجنب، وإذا لم يمنع المشرك من دخول المسجد لم يمنع الجنب.
• إذا كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله، لم تمنع الحائض ولا الجنب من باب أولى.
[م-٧٥٣] اختلف العلماء في مكث الحائض في المسجد:
стр. 4225
فقيل: لا يجوز للحائض المكث فيه.
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد (١).
وقيل: يجوز للحائض المكث فيه، وهو مذهب داود وابن حزم (٢)، واختيار المزني (٣).
• أدلة الجمهور القائلين بالمنع:
الدليل الأول:
(١٨١٩ - ٢٧٩) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين،
عن أم عطية، قالت: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها (٤).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمر الحيض، أن يعتزلن المصلى والمراد به مكان الصلاة، فهذا نص في منع الحائض من الدخول في المسجد.
стр. 4226
• ورد عليهم بأقوال منها:
قيل: إن الأمر باعتزال الحيض المصلى للندب؛ لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الحيَّض من دخوله، ونسب ابن حجر هذا القول للجمهور (١).
والأصل أن أمر الرسول ﷺ باعتزال الحائض المصلى للوجوب، ولا يصرف للندب إلا لقرينة، وأما قولهم إن مصلى العيد ليس بمسجد فهذه مسألة محل نزاع (٢) ولا يكفي هذا صارفًا للأمر من الوجوب إلى الندب.
وقيل: إن اعتزال الحيَّض المصلى إنما هو حال الصلاة ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن ثم يختلطن بهن، ورجحه ابن رجب (٣).
وهذا الافتراض لا دليل عليه من اللفظ، فإن الأمر باعتزال المصلى مطلق وليس مقيدًا بحال الصلاة، وتقييد ما أطلقه الرسول ﷺ لا يجوز إلا بدليل.
وقيل: المراد بالمصلى هنا الصلاة نفسها لدليلين:
(١٨٢٠ - ٢٨٠) الأول: أن مسلمًا أخرجه من طريق هشام، عن حفصة بنت سيرين:
عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق، والحيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قالت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: لتلبسها أختها من جلبابها (٤).
стр. 4227
فقال: (يعتزلن الصلاة)، فعلم أن المراد باعتزال المصلى، الصلاة نفسها.
الثاني: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بالفضاء، وليس بالمسجد، فإذا طلب منهن اعتزال المصلى علم أن المراد الصلاة.
وحتى لا يقطع الحيَّض صفوف الطاهرات، طلب منهن أن يكن خلف الصفوف.
(١٨٢١ - ٢٨١) فقد رواه البخاري، من طريق عاصم الأحول عن حفصة،
عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.
هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم عدا قوله: (يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) فقد انفرد بها البخاري (١).
وكون الحيض خلف الناس لا يلزم منه أن يكن خارج المصلى.
والحقيقة أن هذا الحديث محتمل، فيحتمل أن الأمر باعتزال المصلى المقصود به الصلاة ... كما ورد عند مسلم، وهذا يرجحه أن المصلى على عهد النبي ﷺ لم يكن مسجدًّا، بل كان في الصحراء، فلا يكون له حكم المسجد.
стр. 4228
ويحتمل أن النهي عن الصلاة المراد به المصلى، وهذا أضعف من الاحتمال السابق، ومع الاحتمال لا يصلح هذا الدليل حجة في المسألة، فيطلب المنع من دليل آخر.
الدليل الثاني:
(١٨٢٢ - ٢٨٢) ما رواه أبو داود قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد ابن زياد قال: حدثنا أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت:
سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يضع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(١٨٢٣ - ٢٨٣) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات
стр. 4231
آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ورواه مسلم (١).
فحملوا منعها من الطواف من خوف المكث في المسجد فإنها ممنوعة منه عندهم لما قد يترتب على ذلك من تلويث المسجد.
وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن النهي صريح في المنع من الطواف، وهو أخص من المكث، فلو منعها من المكث لدخل في ذلك الطواف وليس العكس، ثم إن حمل النهي على المكث صرف للنهي عن ظاهره، وحمله على أمر لم يذكره الرسول ﷺ في الحديث، ويؤدي إلى تعطيل ما نص عليه رسول الله ﷺ ولو كانت علة النهي للحائض من الطواف خوف التلوث لأرشدها الرسول ﷺ إلى الاستثفار كما أرشد إلى ذلك أسماء بنت عميس حيث ولدت في الميقات.
(١٨٢٤ - ٢٨٤) فقد روى مسلم من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ وفيه: خرجنا معه -يعني النبي ﷺ حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي (٢).
ولو كانت العلة خوف التلويث لما كان النهي عن الطواف حتى تغتسل الحائض، ولكان النهي يمتد إلى حين انقطاع دم الحيض.
(١٨٢٥ - ٢٨٥) فقد رواه مسلم بلفظ: «افعلي مايفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» (٣).
ولو كانت العلة خوف التلويث لمنعت المستحاضة من دخول المسجد.
(٢٨٢٦ - ٢٨٦) فقد روى البخاري من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن عائشة:
стр. 4232
أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم (١).
وقد يستدل بحديث عائشة على عكس قولهم، فيستدل به على جواز المكث في المسجد لأن قوله: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت). فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه، وبهذا الاستدلال قال ابن حزم، فقد قال: «لو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵇ عائشة إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف في البيت، ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵇ عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف» (٢).
وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن الطواف استثني من أعمال المناسك:
فكأنه قال: افعلي جميع المناسك ما عدا الطواف، والمكث في المسجد ليس من الأعمال الخاصة بالمناسك، والله أعلم.
الدليل الرابع:
القياس على الجنب. فإذا كان الجنب ممنوعًا من المكث في المسجد كانت الحائض أولى؛ لأن حدث الحيض أغلظ؛ حيث تمنع من الصيام ولا يمنع الجنب من ذلك ولا تقضي الحائض الصلاة، والجنب مأمور بفعلها إذا تطهر.
والدليل على منع الجنب قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].
(١٨٢٧ - ٢٨٧) فقد روى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله،
стр. 4233
عن ابن مسعود أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازًا ولا أعلمه إلا قال: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣] (١).
[أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة في حكم المتصل] (٢).
(١٨٢٨ - ٢٨٨) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا
стр. 4234
أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن ابن عباس قال: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: إلا وأنت مار فيه (١).
• وأجيب بجوابين:
أحدهما: أن الأثر ضعيف (٢).
الثاني: أنه قد صح عن ابن عباس خلاف:
(١٨٢٩ - ٢٨٩) فقد روى ابن جرير من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن قتادة، عن أبي مجلز،
عن ابن عباس في قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: المسافر. وقال ابن المثنى: السفر (٣).
فهذا سند في غاية الصحة، ولا تضر عنعنة قتادة وقد جاء حديثه من طريق شعبة (٤).
(١٨٣٠ - ٢٩٠) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن
стр. 4235
ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، وزر، عن علي (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المار الذي لا يجد الماء يتيمم، ويصلي (١).
ورواه ابن جرير الطبري (٢)، وابن المنذر (٣)، من طريق ابن أبي ليلى إلا أن
ابن المنذر لم يذكر عباد بن عبد الله، وابن جرير رواه عن عباد أو عن زر.
[وهذا الإسناد فيه ضعف منجبر] (٤).
وقد فسر قوله تعالى: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافرين جماعة من التابعين، منهم مجاهد (٥)، وعمرو بن دينار (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وسليمان بن موسى (٨)، والحكم ابن عتيبة (٩)، والحسن بن مسلم (١٠).
стр. 4236
وذهب عطاء (١)، والحسن (٢)، وإبراهيم النخعي (٣)، إلى أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) الجنب يمر في المسجد.
وقد حكي عن ابن مسعود، وخالفه ابن عباس، وسبق الكلام عليهما فتحصل في معنى الآية قولان:
الأول: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافرًا فيتيمم ويصلي وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي وجماعة من التابعين.
الثاني: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون مارًا في المسجد غير ماكث فيه.
وعليه فيكون معنى قوله: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) أي لا تقربوا مواضع الصلاة (٤). ولكل قول عندي مرجح.
стр. 4237
فأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ... ) الآية [المائدة: ٦]، فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى.
وأما ترجيح تفسير (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄، ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) على حقيقته وليس مواضع الصلاة كما فسرها أصحاب القول الأول ... وتفسير الصحابة أحب إلى نفسي وإن كان قد يبدو لفهمي القاصر خلاف المعنى. والله أعلم.
وعلى القول بأن الجنب منهي عن المكث في المسجد، فقياس الحائض عليه ليس دليلًا مسلمًا من كل وجه ...
أولًا: لضعف القياس في مثل هذه الأمور.
وثانيًا: الجنب بيده أن يتطهر، ففي الآية حث له على الإسراع على التطهر أما الحائض فلا تملك أمرها.
الدليل الخامس:
(١٨٣١ - ٢٩١) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة ﵂ أنها كانت ترجل النبي ﷺ ، وهي حائض وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه. ورواه مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
قالوا لو كانت الحائض تدخل المسجد لما أحوجت عائشة النبي ﷺ إلى هذا الفعل، ولبادرت إليه.
стр. 4238
• وأجيب:
بأن مثل هذا لا يلزم منه تحريم دخول الحائض، وقد يكون هذا الفعل من حسن معاملة الرسول ﷺ لأهله، فلم يرغب في تكليفهم بالخروج من البيت.
وقد تكون عائشة تعتقد أن المسجد ليس محلًا لغسل الرأس، وكان الترجيل معه غسل.
(١٨٣٢ - ٢٩٢) كما روى البخاري من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ يباشرني، وأنا حائض، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض.
ولفظ مسلم: وهو مجاور - فأغسله وأنا حائض (١).
وقد يكون في المسجد رجال أجانب، ولم يحب الرسول ﷺ أن يطلعوا على ذلك، وغايته أنه فعل لا يرقى إلى تحريم دخول الحائض المسجد.
• أدلة القائلين بجواز مكث الحائض في المسجد:
في الحقيقة أن أصحاب هذا القول ليسوا بحاجة إلى دليل؛ لأن المطالب بالدليل من منع ذلك، أما هؤلاء فيكفي أن يجيبوا عن أدلة القول الأول إجابة مقنعة، فإن فعلوا كفاهم دليلًا .. ومع ذلك فسوف نسوق بعض الأدلة التي ذكروها، وإن كان بعضها فيه نزاع كما سنرى.
الدليل الأول:
الأصل الحل، وبراءة الذمة، ولم يرد دليل صحيح صريح في منع الحائض من المكث في المسجد، ولا يجوز منع الحائض إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة ولم يصح في هذا الباب شيء.
стр. 4239
الدليل الثاني:
(١٨٣٣ - ٢٩٣) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع
عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (١).
وجه الشاهد منه، قوله: (إن المؤمن لا ينجس).
فإذا كان المؤمن لا ينجس فالحائض والجنب ونحوهما أجسامهم طاهرة؛ لأنهم من جملة المؤمنين، والطاهر لا يمنع من دخول المسجد.
والحقيقة أن قوله: (إن المؤمن لا ينجس) يحتمل أن المؤمن لا ينجس بالجنابة، لأنه معلوم أن المؤمن كغيره تلحقه النجاسة الحسية كما لو وقع عليه بول أو غائط، ودم الحيض مجمع على نجاسته.
ويحتمل أن معنى قوله: (إن المؤمن لا ينجس) بمعنى أنه طاهر بإيمانه فهي طهارة معنوية، كما أن المشرك نجس بالشرك نجاسة معنوية، وإن كان بدنه طاهرًا حسًا، وعلى كلا المعنيين لا يصلح دليلًا لمسألتنا.
الدليل الثالث:
(١٨٣٤ - ٢٩٤) ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم
عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة (٢).
стр. 4240
[اختلف فيه على هشام بن سعد، والمحفوظ أنه عن زيد بن أسلم عن رجال من أصحاب النبي ﷺ ، وليس فيه (إذا توضؤوا) الدالة على الشرطية] (١).
وجه الاستدلال:
أن الوضوء لا يرفع الجنابة، فإذا جاز جلوس الجنب بالوضوء دل على جواز دخول المسجد للجنب، والمحفوظ من لفظه ليس فيه ما يدل على الشرطية، وإنما لفظه: (كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل المسجد) فتكون دلالته حكاية فعل لا يدل على وجوب الوضوء، حتى ولو صح لفظ: (إذا توضؤوا) فاشتراط الوضوء للمكث في المسجد دليل على جواز دخول الجنب مع بقاء حكم الجنابة ..