← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وذهب عطاء (١)، والحسن (٢)، وإبراهيم النخعي (٣)، إلى أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) الجنب يمر في المسجد. وقد حكي عن ابن مسعود، وخالفه ابن عباس، وسبق الكلام عليهما فتحصل في معنى الآية قولان: الأول: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافرًا فيتيمم ويصلي وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي وجماعة من التابعين. الثاني: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون مارًا في المسجد غير ماكث فيه. وعليه فيكون معنى قوله: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) أي لا تقربوا مواضع الصلاة (٤). ولكل قول عندي مرجح.

стр. 4237

فأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ... ) الآية [المائدة: ٦]، فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى. وأما ترجيح تفسير (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄، ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) على حقيقته وليس مواضع الصلاة كما فسرها أصحاب القول الأول ... وتفسير الصحابة أحب إلى نفسي وإن كان قد يبدو لفهمي القاصر خلاف المعنى. والله أعلم. وعلى القول بأن الجنب منهي عن المكث في المسجد، فقياس الحائض عليه ليس دليلًا مسلمًا من كل وجه ... أولًا: لضعف القياس في مثل هذه الأمور. وثانيًا: الجنب بيده أن يتطهر، ففي الآية حث له على الإسراع على التطهر أما الحائض فلا تملك أمرها. الدليل الخامس: (١٨٣١ - ٢٩١) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها كانت ترجل النبي ﷺ ، وهي حائض وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه. ورواه مسلم بنحوه (١). وجه الاستدلال: قالوا لو كانت الحائض تدخل المسجد لما أحوجت عائشة النبي ﷺ إلى هذا الفعل، ولبادرت إليه.

стр. 4238

• وأجيب: بأن مثل هذا لا يلزم منه تحريم دخول الحائض، وقد يكون هذا الفعل من حسن معاملة الرسول ﷺ لأهله، فلم يرغب في تكليفهم بالخروج من البيت. وقد تكون عائشة تعتقد أن المسجد ليس محلًا لغسل الرأس، وكان الترجيل معه غسل. (١٨٣٢ - ٢٩٢) كما روى البخاري من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ يباشرني، وأنا حائض، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض. ولفظ مسلم: وهو مجاور - فأغسله وأنا حائض (١). وقد يكون في المسجد رجال أجانب، ولم يحب الرسول ﷺ أن يطلعوا على ذلك، وغايته أنه فعل لا يرقى إلى تحريم دخول الحائض المسجد. • أدلة القائلين بجواز مكث الحائض في المسجد: في الحقيقة أن أصحاب هذا القول ليسوا بحاجة إلى دليل؛ لأن المطالب بالدليل من منع ذلك، أما هؤلاء فيكفي أن يجيبوا عن أدلة القول الأول إجابة مقنعة، فإن فعلوا كفاهم دليلًا .. ومع ذلك فسوف نسوق بعض الأدلة التي ذكروها، وإن كان بعضها فيه نزاع كما سنرى. الدليل الأول: الأصل الحل، وبراءة الذمة، ولم يرد دليل صحيح صريح في منع الحائض من المكث في المسجد، ولا يجوز منع الحائض إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة ولم يصح في هذا الباب شيء.

стр. 4239

الدليل الثاني: (١٨٣٣ - ٢٩٣) ما رواه البخاري من طريق حميد، عن بكر، عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (١). وجه الشاهد منه، قوله: (إن المؤمن لا ينجس). فإذا كان المؤمن لا ينجس فالحائض والجنب ونحوهما أجسامهم طاهرة؛ لأنهم من جملة المؤمنين، والطاهر لا يمنع من دخول المسجد. والحقيقة أن قوله: (إن المؤمن لا ينجس) يحتمل أن المؤمن لا ينجس بالجنابة، لأنه معلوم أن المؤمن كغيره تلحقه النجاسة الحسية كما لو وقع عليه بول أو غائط، ودم الحيض مجمع على نجاسته. ويحتمل أن معنى قوله: (إن المؤمن لا ينجس) بمعنى أنه طاهر بإيمانه فهي طهارة معنوية، كما أن المشرك نجس بالشرك نجاسة معنوية، وإن كان بدنه طاهرًا حسًا، وعلى كلا المعنيين لا يصلح دليلًا لمسألتنا. الدليل الثالث: (١٨٣٤ - ٢٩٤) ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة (٢).

стр. 4240

[اختلف فيه على هشام بن سعد، والمحفوظ أنه عن زيد بن أسلم عن رجال من أصحاب النبي ﷺ ، وليس فيه (إذا توضؤوا) الدالة على الشرطية] (١). وجه الاستدلال: أن الوضوء لا يرفع الجنابة، فإذا جاز جلوس الجنب بالوضوء دل على جواز دخول المسجد للجنب، والمحفوظ من لفظه ليس فيه ما يدل على الشرطية، وإنما لفظه: (كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل المسجد) فتكون دلالته حكاية فعل لا يدل على وجوب الوضوء، حتى ولو صح لفظ: (إذا توضؤوا) فاشتراط الوضوء للمكث في المسجد دليل على جواز دخول الجنب مع بقاء حكم الجنابة ..

стр. 4241

وأجيب عن هذا الأثر بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن الأثر ضعيف. الجواب الثاني: على تفسير: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣] بأن المقصود به المجتاز فإنه يعارض هذا الأثر، فإن الآية تضمنت نهي الجنب عن المكث في المسجد وجعلت غاية النهي هي الاغتسال، بينما الأثر جعل غاية النهي الوضوء. الجواب الثالث: أن الأثر لم يحك عنهم أن هذا الفعل منهم كان زمن التشريع، بل صريح في أن زيد بن أسلم رآهم، وهذا يدل على أنه كان ذلك بعد وفاة النبي ﷺ ولم يحك عن عموم الصحابة حتى يكون حكاية للإجماع، فلا يصلح للاحتجاج. الدليل الرابع: (١٨٣٥ - ٢٩٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو كريب، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن ثابت ابن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد، قالت: فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١). وهذا الحديث لا دلالة فيه على المكث بكل حال، وإنما النزاع هل يدل على جواز المرور فيه لتناول حاجة في المسجد أم لا؟ فمن منع المكث له أن يقول: ليس فيه إلا جواز المرور، ومع ذلك دلالته على جواز المرور فيها نزاع؛ لأن العلماء قد اختلفوا في معناه على قولين أو ثلاثة ولكل وجهة. والحديث محتمل، ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال. وإليك الأقوال في معنى الحديث.

стр. 4242

فقيل: إن الخمرة هي التي كانت في المسجد وأخذوا الحديث بظاهره. (١٨٣٦ - ٢٩٦) واستدلوا لقولهم بما أخرجه أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منبوذ، عن أمه، قالت: كنت عند ميمونة فأتاها ابن عباس، فقالت: يا بني، مالك شعثًا رأسك؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. قالت: أي بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض، فيضع رأسه في حجرها، فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض. أي بني وأين الحيضة من اليد؟ (١). [ضعيف] (٢). وعلى هذا القول يكون معنى: (إن حيضتك ليست في يدك) تحتمل معنين: الأول: أن حيضتك في تقدير الله ، كقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم). المعنى الثاني: أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة، ويدك طاهرة، فليست الحيضة في اليد.

стр. 4243

القول الثاني في معنى الحديث: أن الرسول ﷺ طلب أن تناوله الخمرة وهو في المسجد، وعائشة حائض، فيكون معنى ناوليني الخمرة من المسجد أي من قبل المسجد كما تقول: أعطني الثوب من النافذة أي من جهة النافذة. فقد نقل النووي عن عياض، قال: «معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد: أي وهو في المسجد، لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض، لقوله ﷺ : (إن حيضتك ليست في يدك) فإنها خافت من إدخال يدها في المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى» (١). فعلى هذا يكون الحديث فيه إشارة لمنع الحائض من دخول المسجد إذا حملناه على هذا المعنى، بل يدل على منع المرور فيه فضلًا عن المكث. (١٨٣٧ - ٢٩٧) ويشهد لهذا التأويل ما رواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب. فقالت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك، فناولته. المعنى الثالث: قالوا: يحتمل الحديث (ناوليني الخمرة من المسجد) أي من المصلى، ولا يلزم أن يكون المصلى في المسجد، حتى الموضع الذي يصلي فيه من البيت يسمى مصلى، وهو مسجد، لأنه موضع للسجود. (١٨٣٨ - ٢٩٨) ويشهد لهذا ما رواه أحمد من طريق ابن جريج، قال: أخبرني منبوذ أن أمه أخبرته أنها بينا هي جالسة عند ميمونة زوج النبي ﷺ إذ دخل عليها ابن عباس، فقالت: مالك شعثًا؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. فقالت: أي بني،

стр. 4244

وأين الحيضة من اليد؟ لقد كان النبي ﷺ يدخل على إحدانا وهي متكئة حائض، قد علم أنها حائض، فيتكئ عليها، فيتلوا القرآن وهو متكئ عليها، أو يدخل عليها قاعدة وهي حائض فيتكئ في حجرها، ويتلو القرآن في حجرها وتقوم وهي حائض فتبسط له الخمرة في مصلاه. وقال ابن بكر: خمرته فيصلي عليها في بيتي، أي بني وأين الحيضة من اليد؟ (١). [ضعيف أم منبوذ مجهولة] (٢). وإذا احتمل الحديث هذه الاحتمالات لم يصلح دليلًا، لا للمانعين، ولا للمجيزين. الدليل الخامس: (١٨٣٩ - ٢٩٩) ما رواه البخاري من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها وكانت معهم، وفيه قصة، وفي آخر الحديث: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت. قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش ... الحديث (٣). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يأمرها وقت حيضتها أن تعتزل المسجد وليس في الحديث أنها كانت عجوزًا، حتى يمكن أن تكون يائسة من المحيض. قال ابن رجب: «استدل بحديث عائشة طائفة من أهل الظاهر، على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من الحيض» (٤).

стр. 4245

وقول ابن رجب: «قضية عين لا عموم لها»، يصح لو أنه كان هناك دليل صريح في منع الحائض من المكث في المسجد فيقال: إن هذه قضية عين لا يمكن أن تعارض ما صح في منع الحائض، أما إذا لم يرد دليل صريح فالدليل هذا متوجه على جواز مكث الحائض في المسجد. والله أعلم. الدليل السادس: إذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنبًا، فالحائض أولى من المشرك. (١٨٤٠ - ٣٠٠) فقد روى البخاري من طريق الليث، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقد اختصره البخاري (١). وأجاب النووي على هذا الدليل بقوله: «القياس على المشرك جوابه من وجهين: الأول: أن الشرع فرق بينهما!! فقام دليل تحريم مكث الجنب، وثبت أن النبي ﷺ حبس بعض المشركين في المسجد، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية. الثاني: أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد، فلا يكلف بها، بخلاف المسلم، وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئًا لم يلزمه ضمانه، لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا» (٢). هذه أدلة كل فريق، والقائلون بجواز مكث الحائض في المسجد يكفيهم دليلًا أن معهم الأصل، وهو الحل، وبراءة الذمة، والقول بالتحريم فيه احتياط إلا أن أدلته

стр. 4246

محتملة، ولا يستطيع الباحث أن يجزم بتحريم المكث، فمن أراد الاحتياط فالاحتياط بابه واسع، والاحتياط في الاختيار للنفس غير الاحتياط في تحرير الأقوال، وبيان الأرجح والأقوى. فسلوك الاحتياط عند التحريم والتحليل للغير ألا يتجرأ طالب العلم على تحريم شيء حتى يتبين له وجهه بما يستطيع به الجزم أو غلبة الظن بأن هذا حرام. قال سبحانه: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) [النحل: ١١٦]، ولا يكفي أن يكون هذا القول قد ذهب إليه الجمهور، فإن الحق لا يعرف بالكثرة. * * *

стр. 4247

المبحث الثاني في مرور الحائض في المسجد بلا مكث مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف والمكث في المسجد، لم يمنع الحائض. • المشرك أخبث من الجنب، وإذا لم يمنع المشرك من دخول المسجد لم يمنع الجنب. • إذا كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله، لم تمنع الحائض من باب أولى. [م-٧٥٤] اختلف العلماء فيما لو احتاجت المرأة إلى العبور في المسجد من دون أن تمكث فيه. فقيل: لا يجوز لها المرور مطلقًا سواء أمنت التلويث أم لا. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية اختاره إمام الحرمين (٣).

стр. 4248

وقيل: يكره العبور، فإن كان لعذر لم يكره، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره منهم ابن إسحاق المروزي والبندنيجي (١). وقيل: يجوز العبور إذا أمنت التلويث، فإن خافت التلويث منعت، وهو المشهور من مذهب الحنابلة. وهذه الأقوال قبل أن ينقطع دم الحيض، أما إذا انقطع دم الحيض وقبل الاغتسال. فالشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، يجيزون عبورها. وأجاز الحنابلة لبثها في المسجد إذا توضأت كالجنب عندهم، لأن الوضوء يخفف الحدث فيزول بعض ما يمنعه، ومسألة اللبث في المسجد سبق مناقشتها، فحصل من هذه الأقوال أن المسألة كالتالي: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والجواز بشرط انقطاع الدم، والكراهة من العبور لغير حاجة، وجواز لبثها في المسجد إذا انقطع دم الحيض بشرط الوضوء. • أدلة القائلين بتحريم مرور الحائض في المسجد: استدلوا بأدلة تحريم مكث الحائض في المسجد، وقد سبق ذكرها في المسألة السابقة، فإذا حرم المكث عندهم حرم المرور فيه، لأن المرور نوع من المكث، ولأنهم لحظوا في تحريم المكث تحريم دخول الحائض المسجد، فإذا كان دخول المسجد محرمًا على الحائض كان المكث والمرور ممنوعين على الحائض .. • أدلة القائلين بجواز مرور الحائض في المسجد: الدليل الأول: (١٨٤١ - ٣٠١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي

стр. 4249

شيبة، وأبو كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد. قالت، فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١). وقد ناقشت اختلاف العلماء في دلالة الحديث، وأن الحديث يحتمل المرور في المسجد، ويحتمل أن المراد بالمسجد المصلى الذي في المنزل، ويحتمل أن الرسول ﷺ هو الذي في المسجد، وأن عائشة كانت في البيت ومع الاحتمال لا يمكن الجزم بدلالة الحديث على المراد. انظر أدلة كل احتمال في أدلة المسألة السابقة. الدليل الثاني: استدلوا بقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا). فإذا صح للجنب أن يعبر المسجد جاز ذلك للحائض، وقد ناقشت دلالة الآية على المراد، واختلاف العلماء في تفسيرها. وقد ثبت عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب بأن المراد بعابري السبيل المسافرون إذا لم يجدوا الماء يتيممون، وهو قول جماعة من التابعين انظر المسألة التي قبل هذه. وعلى تسليم إباحة العبور للجنب يبقى هل يسلم لهم قياس الحائض عليه فإن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، فإن الحائض متلبسة بالحدث وبالنجاسة، أما الجنب فهو محدث فقط، ولذا يصح صيام الجنب ولا يصح صيام الحائض. ومع ضعف الدليلين إلا أن هذا القول هو الصحيح؛ لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في منع الحائض من المكث فضلًا عن العبور.

стр. 4250

• أدلة القائلين بالجواز إذا انقطع الدم وقبل الاغتسال: لعل هؤلاء فهموا أن العلة في المنع هو خوف تلويث المسجد، فإذا انقطع الدم أصبحت الحائض عندهم بمنزلة الجنب فطهرت من النجاسة الحسية، وبقي الطهارة من الحدث، وإذا كان الجنب له أن يعبر المسجد، فالمرأة بعد انقطاع الدم لها ذلك قياسًا عليه. • أدلة القائلين بكراهة العبور: لعل سبب الكراهة عندهم. أولًا: اتخاذ المسجد طريقًا، والمساجد لم تبن لهذا. (١٨٤٢ - ٣٠٢) ولذا روى مسلم، قال ﵀: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق ابن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، وهو عم إسحاق، قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه (١). فقوله ﷺ : (إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن)، إشارة إلى أنها لم تبن لاتخاذها طرقًا. ثانيًا: الاحتياط والخروج من خلاف العلماء، وإذا كان هناك حاجة للعبور ارتفعت الكراهة؛ لأنه معلوم أن الضرورة ترفع التحريم، والحاجة ترفع الكراهة.

стр. 4251

• أدلة القائلين بجواز اللبث إذا انقطع دمها بشرط الوضوء: (١٨٤٣ - ٣٠٣) استدلوا بما رواه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا للصلاة (١). وسبق تخريجه (٢)، وقد ناقشت الاستدلال بهذا الحديث في أدلة المسألة التي قبل هذه فارجع إليه. والراجح كما قلت سابقًا: جواز مكث الحائض وعبورها المسجد بشرط أن تأمن التلويث؛ لأن المساجد يجب صيانتها حتى من البصاق الطاهر فضلًا عن الدم النجس. والله أعلم. * * *

стр. 4252

المبحث الثالث في اعتكاف الحائض مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • اعتكاف الحائض مبني على مسألة حكم لبثها في المسجد. • الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف والمكث في المسجد، لم يمنع الحائض. • المشرك أخبث من الجنب، وإذا لم يمنع المشرك من دخول المسجد لم يمنع الجنب. • إذا كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله، لم تمنع الحائض ولا الجنب من باب أولى. [م-٧٥٥] اختلف العلماء في هذه المسألة: فقيل: لا يصح. وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).

стр. 4253

وقيل: يصح الاعتكاف مع الحيض. وهو اختيار ابن حزم (١). • دليل من قال: لا يصح اعتكاف الحائض: الدليل الأول: الإجماع قال ابن قدامة: «وإذا حاضت المرأة خرجت من المسجد ... وأما خروجها من المسجد فلا خلاف فيه؛ لأن الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة، وآكد منه» (٢). وقال ابن رشد: «ولا خلاف فيما أحسب عندهم أن الحائض تبني» (٣). والإجماع لا يثبت مع خلاف ابن حزم، ومن قبله داود الظاهري. الدليل الثاني: أن الاعتكاف عبادة من شرطها أن تكون في مسجد، والحائض ممنوعة من اللبث في المسجد. وقد بينت في مسألة مستقلة الخلاف في هذه المسألة، وبينت أن الراجح أن الحائض يجوز لها المكث فيه. والله أعلم. ثم إن مسألة أن يكون الاعتكاف من المرأة في مسجد ليست محل إجماع (٤).

стр. 4254

الدليل الثالث: قالوا: إن من شرط الاعتكاف أن تكون المرأة صائمة، والحائض ليس عليها صيام (١). (١٨٤٤ - ٣٠٤) فقد روى أبو داود من طريق عبد الرحمن يعني -ابن إسحاق- عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. قال أبو داود غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت: السنة. قال أبو داود جعله قول عائشة.

стр. 4255

[ضعيف مرفوعًا، ورجح البيهقي أن يكون من كلام الزهري أو عروة] (١).

стр. 4256

الشاهد من الحديث: قوله «ولا اعتكاف إلا بصوم»، والحديث لا حجة فيه مع ضعفه، وقد جاء في الصحيح ما يشهد لصحة الاعتكاف بدون صوم. (١٨٤٥ - ٣٠٥) فقد روى البخاري من طريق عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك. ورواه مسلم (١). قال ابن قدامة: «لو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه» (٢). والراجح أن الليلة تطلق، ويراد بها اليوم، ويطلق اليوم وتدخل الليلة، ولذلك رواه مسلم، بلفظ اليوم. (١٨٤٦ - ٣٠٦)، فقد رواه مسلم من طريق أيوب، أن نافعًا حدثه، أن عبد الله ابن عمر حدثه، أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فكيف ترى. قال: اذهب فاعتكف يومًا ... الحديث (٣). وقال تعالى في سورة آل عمران: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزاً) [آل عمران: ٤١].

стр. 4257

وقال سبحانه في مريم: (قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) [مريم: ١٠]، لكن الدلالة من الحديث على عدم اشتراط الصوم، ليس في ذكر الليلة، ولكن كونه ﷺ لم يذكره لعمر، ولو كان الصوم شرطًا لبينه النبي ﷺ له، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز. والله أعلم. • دليل القائلين بصحة الاعتكاف مع الحيض: الدليل الأول: لم يأت نهي من الشرع ينهى الحائض من الاعتكاف، أو ينهاها عن الدخول في المسجد، وإذا لم يأت نهي، وكان الاعتكاف مطلوبًا شرعًا، كان الاعتكاف مشروعًا للحائض كغيرها، ومن منع الحائض فعليه الدليل. ولا دليل. قال ابن حزم: «وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا، وأن يدخلا المسجد، وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال الرسول ﷺ : المؤمن لا ينجس (١). الدليل الثاني: (١٨٤٧ - ٣٠٧) ما رواه البخاري من طريق خالد، عن عكرمة، عن عائشة، قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي (٢). وجه الاستدلال: أن الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف، لم يمنع الحائض. الدليل الثالث: كل الأدلة التي ذكرتها في جواز دخول الحائض المسجد، هي دليل على صحة

стр. 4258

اعتكاف الحائض؛ لأن من منع عمدته إما المنع من دخول المسجد، وهو مرجوح، أو اشتراط الصيام لصحة الاعتكاف، وهو ضعيف. والراجح أن المرأة لا تمنع من الاعتكاف، وهي حائض، فإن حقيقة الاعتكاف مكث في مقام مخصوص، فلا يشترط فيه الطهارة من الحيض، كما لا يشترط فيه الصيام كما لو وقفت بعرفة، فإنه يصح وقوفها مع كونها حائضًا مفطرة غير صائمة. والله أعلم. * * *

стр. 4259

فرع إذا حاضت المرأة وهي معتكفة [م-٧٥٦] أما الذين لا يشترطون الطهارة للاعتكاف، فهذا واضح أنها تمضي في اعتكافها، وأما على قول الجمهور الذين يشترطون الطهارة من الحيض، فقد اختلفوا في الواجب على المرأة في هذه الحالة. فقيل: ترجع إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت وبنت على ما مضى وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: إن كان للمسجد رحبة استحب لها أن تخرج إليها، وتضرب خباءها فيها، وإن لم يكن فيه رحبة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت، فأتمت اعتكافها. وهذا مذهب الحنابلة (٤).

стр. 4260

وقال إبراهيم النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتًا أو سقفًا استأنفت (١). • دليل الجمهور على جواز خروجها إلى منزلها إذا حاضت: قالوا: لما وجب عليها الخروج من المسجد، لم يلزمها الإقامة في رحبته، كالخارجة لعدة، أو خوف الفتنة. وناقش ذلك ابن قدامة، فقال: «وفارق المعتدة؛ فإن خروجها لتقيم في بيتها، وتعتد فيه، ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة، فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه» (٢). ويمكن أن يستدل لهم، بأنها حين منعت من المسجد، وعبادة الاعتكاف متعلقة بالمسجد، تساوى ما عداه من الأمكنة، فلا فضل للرحبة على غيرها. ولذلك لو نذرت اعتكافها في مكان له فضل على غيره تعين، كما لو نذرت الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يجز اعتكافها في غيره. فإذا كان المكان لا فضل له على غيره لم يتعين. • دليل من استحب أن تمكث في رحبة المسجد: (١٨٤٨ - ٣٠٨) قال ابن قدامة: روى أبو حفص بإسناده، عن المقدام بن شريح، عن عائشة، قالت: كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن. [لم أقف على إسناده] (٣). * * *

стр. 4261

موسوعة أحكام الطهارة أدلة ومسائل وقواعد وضوابط القسم الثاني طهارة الخبث المجلد التاسع الطهارة من الدماء الطبيعية تأليف دبيان بن محمد الدبيان

стр. 4262

الفصل الخامس في أحكام الحائض من حيث المناسك المبحث الأول في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • لا تشترط لصحة الإحرام الطهارة من الحدث والخبث. • كل من صحت منه النية صح إحرامه لنفسه ولغيره، ولو كان محدثًا؛ لأن الإحرام بالنسك نية الدخول فيه. • إذا صح من الحائض والنفساء إدخال الحج على العمرة إذا خشيت فوات الحج صح منها عقد الإحرام ابتداء. [م- ٧٥٧] يصح الإحرام من الحائض والنفساء، والأدلة على صحة إحرامهما كثيرة، منها: الدليل الأول: الإجماع. حكاه ابن عبد البر (١)، والنووي (٢)، وغيرهما أن الحيض والنفاس لا يمنعان من صحة الإحرام.

стр. 4263

الدليل الثاني: (١٨٤٩ - ٣٠٩) روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا (١). ورواه مسلم من حديث جابر ﵁ (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (وأهلي بالحج) مع كونها حائضًا، فهذا دليل على صحة إحرام الحائض. الدليل الثالث: (١٨٥٠ - ٣١٠) ما رواه مسلم من طريق عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل (٣).

стр. 4264

(١٨٥١ - ٣١١) ورواه مسلم من حديث جابر ﵁ (١). وهذا دليل على صحة الإحرام من النفساء، والله أعلم. * * *

стр. 4265

المبحث الثاني في اشتراط الطهارة للطواف مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لا يلزم من اشتراط الطهارة من الحيض للطواف اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر. • ليس كل عبادة يشترط فيها الطهر من الحيض يكون من شرطها الطهر من الحدث، أصله الصوم، تمنع منه الحائض ولا تشترط له الطهارة. [م-٧٥٨] اختلف العلماء في اشتراط الطهارة للطواف: فقيل: الطهارة من الحيض، بل ومن الحدث الأصغر شرط لصحة الطواف. وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: الطهارة من الحيض ومن الحدث الأصغر واجبة، ويصح الطواف بدونها،

стр. 4266

وتجبر بدم، وهو الراجح عند الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢). وقيل: الطهارة واجبة من الحيض، سنة من الحدث الأصغر. وهو اختيار ابن تيمية (٣). • الأدلة على اشتراط الطهارة من الحيض والحدث الأصغر: الدليل الأول: (١٨٥٢ - ٣١٢) روى البخاري، قال: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب، أخبرني عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن، ذكرت لعروة، قال: فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة. الحديث (٤). وجه الاستدلال: أولًا: أن هذا الفعل امتثال لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]. ثانيًا: قد روى مسلم في صحيحه، (١٨٥٣ - ٣١٣) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: رأيت النبي ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٥). قال الشنقيطي: وضوء النبي ﷺ لطوافه، قد دل دليلان على أن الوضوء لازم لابد منه.

стр. 4267

أحدهما: أنه ﷺ قال في حجة الوداع: خذوا عني مناسككم. وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره، في قوله ﷺ خذوا عني مناسككم. الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتي به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم، ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي ﷺ للسارق من الكوع، بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)؛ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب (١). وقال النووي في شرحه لهذا الحديث: «(لتأخذوا عني مناسككم) فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا عني مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج، وصفته، وهي مناسككم فخذوها عني، واقبلوها واعملوا بها، وعلموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج» (٢). • وأجيب عن هذا الدليل: أما كونه لما طاف توضأ، فهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة حتى ولو كان طاهرًا، وتيمم لرد السلام، وقال: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر. • وأما الجواب عن قوله: لتأخذوا عني مناسككم. قال ابن القيم: «أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا

стр. 4268

على وجه الاستحباب، فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء» (١). وعلى كل حال لا أرى الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا أرى أن يستدل على وجوبها بهذا العموم. فقوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم) يدل على كونه مشروعًا، وأنه من أفعال المناسك، أما دلالته على الوجوب فيحتاج إلى دليل خاص، كما أن دلالته على الشرطية أو الركنية يحتاج إلى دليل خاص كذلك. فإذا كان ورود الأمر الخاص فيه نزاع في دلالته على الوجوب كما هو معلوم في أصول الفقه، فما بالك في حديث: (خذوا عني مناسككم) والذي يشمل جميع أفعال المناسك. الدليل الثاني: (١٨٥٤ - ٣١٤) ما رواه البخاري ﵀ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول: سمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت. قالت: وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر. ورواه مسلم (٢). وفي رواية لهما: فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري. وفي رواية لمسلم (حتى تغتسلي). • وأجيب عن هذا الدليل: بأن الحائض إنما منعت من الطواف من أجل المكث في المسجد.

стр. 4269

(١٨٥٥ - ٣١٥) لما رواه مسلم من طريق أيوب، عن محمد، عن أم عطية قالت: أمرنا تعني النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين. ورواه البخاري (١). • ورد هذا الجواب: تعليل النهي بأنه من أجل المكث في المسجد ليس ظاهرًا من الحديث، وصرف للفظ عن ظاهره، وكان من الممكن أن يقول ﷺ : غير ألا تمكثي في المسجد، ولأن النهي عن المكث أعم من النهي عن الطواف، فلو نهى عن المكث لدخل فيه الطواف، بخلاف العكس، فحين نهى عن الطواف، وهو أخص من المكث لم يدخل المكث فيه، وهو ظاهر. ولو كان النهي من أجل صيانة المسجد خوفًا من التلوث لم يجعل النهي ممتدًا حتى الاغتسال، كما في رواية مسلم: (حتى تغتسلي)؛ لأن الحائض لا تغتسل إلا وقد انقطع دم الحيض، فلما جعل غاية النهي الاغتسال فلا يكفي حتى ولو طهرت من الدم، ما دام أنها لم تتطهر. ولو كانت العلة صيانة المسجد لما أذن الشارع للمستحاضة في دخول المسجد والاعتكاف فيه مع خروج الدم، فعلم بهذا أن العلة ليست صيانة المسجد من التلوث. نعم الحديث لا يصلح دليلًا على اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر؛ لأن الحديث في الطهارة من الحيض، وهو من جنس الحدث الأكبر، وبالتالي فالحديث نص على اشتراط الطهارة من الحيض فقط، وليس كل شيء اشترط له رفع الحدث الأكبر يلزم منه رفع الحدث الأصغر، فقراءة القرآن على مذهب الجمهور تجوز للمحدث حدثًا أصغر، ويمنع الجنب من القراءة عندهم، فليس بينهما تلازم.

стр. 4270

الدليل الثالث: (١٨٥٦ - ٣١٦) ما رواه البخاري من طريق الزهري، حدثني عروة بن الزبير وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما، أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله، وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ : فلتنفر. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال من الحديث: وجه الاستدلال منه كالاستدلال بالحديث الذي قبله، والجواب عن ذلك هو الجواب عنه. الدليل الرابع: (١٨٥٧ - ٣١٧) ما رواه الترمذي من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير. قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب. • وأجيب عن الحديث بأجوبة منها: الجواب الأول: أن الحديث ضعيف، وقد رجح جمع من الأئمة وقفه على ابن عباس (٢).

стр. 4271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4275

الجواب الثاني: أن متنه شاهد على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ ، فالحديث يعتبر الطواف كالصلاة إلا في الكلام، وقد قال علماء الأصول: الاستثناء معيار العموم، بمعنى أنها تثبت للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني، وعند التأمل نرى أنه يجوز بالطواف الأكل والشرب، وليس فيه تسليم، ولا دعاء استفتاح، ولا استقبال القبلة، ولا تجب له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود صلاة الجنازة، أو لحضور الجماعة، ثم يبني على طوافه بخلاف الصلاة، ولا يحتاج فيه إلى تسوية صفوف، ولا تقديم الرجال على النساء، وله أن يطوف وهو عاري الكتفين، وبالتالي فهذه المخالفات تدل على
следующие страницы →