← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4275

الجواب الثاني: أن متنه شاهد على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ ، فالحديث يعتبر الطواف كالصلاة إلا في الكلام، وقد قال علماء الأصول: الاستثناء معيار العموم، بمعنى أنها تثبت للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني، وعند التأمل نرى أنه يجوز بالطواف الأكل والشرب، وليس فيه تسليم، ولا دعاء استفتاح، ولا استقبال القبلة، ولا تجب له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود صلاة الجنازة، أو لحضور الجماعة، ثم يبني على طوافه بخلاف الصلاة، ولا يحتاج فيه إلى تسوية صفوف، ولا تقديم الرجال على النساء، وله أن يطوف وهو عاري الكتفين، وبالتالي فهذه المخالفات تدل على

стр. 4276

أن الكلام ليس من الرسول ﷺ (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء: ٨٢]. • وقد رد بعضهم هذا الجواب: بأن هذا الحديث على فرض صحته يشبه حديث أبي هريرة في الصحيح (١٨٥٨ - ٣١٨) فقد روى البخاري، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة (١). والذي ينتظر الصلاة لا يلزمه ما يلزم المصلي، فله أن يأكل ويلتفت عن القبلة، وغيرها، فقد يكون الطواف صلاة من أجل أن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]، والطواف إنما شرع لإقامة ذكر الله، وإن كانت الصلاة في اللغة: الدعاء، والطواف يدعو به الطائف ما شاء من أمور الدنيا والآخرة. قال الكاساني: «يحمل على التشبيه كما في قوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) أي كأمهاتهم، ومعناه أن الطواف كالصلاة إما في الثواب، أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة؛ لأن كلام التشبيه لا عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه، عملًا بالكتاب والسنة» (٢).

стр. 4277

وهذا الكلام ليس دقيقًا؛ لأن هناك فرقًا بين أن أقول الطواف كالصلاة في الأجر والمثوبة، وبين أن أقول: الطواف صلاة إلا في الكلام، فهذا واضح أن الحديث لم يتعرض للثواب، وإنما تعرض فيما يجب ويلزم ويمنع. الجواب الثالث: نفسي تميل إلى أن المحفوظ في لفظه: الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام، فيكون المقصود بأن الطواف دعاء، فأقلوا فيه الكلام، ولا يقصد بالصلاة الحقيقة الشرعية. فإن قيل: أليس بعد الطواف صلاة ركعتين؟ والصلاة تشترط فيها الطهارة، من أجل هذا يلزمه أن يطوف متطهرًا. فالجواب: قال ابن تيمية: «وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قدر وجوبهما لم تجب فيها الموالاة، وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ومعلوم أنه لو خطب محدثًا ثم توضأ وصلى الجمعة جاز، فلأن يجوز أن يطوف محدثًا، ثم يتوضأ، ويصلي الركعتين بطريق الأولى. وهذا كثيرًا ما يبتلى به الإنسان إذا نسي الطهارة في الخطبة والطواف، فإنه يجوز له أن يتطهر ويصلي. وقد نص على أنه إذا خطب، وهو محدث جاز» (١). الدليل الخامس على اشتراط الطهارة . استدل بعضهم بقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦]. وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أن الطواف ذكر مع الصلاة، فإذا كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، فكذلك الطواف، بل إن تقديم الطواف على الصلاة يدل على أن الطهارة فيه أولى.

стр. 4278

الوجه الثاني: إذا وجب تطهير مكان الطائف، فبدنه من باب أولى. • وأجيب: بأن هذه الدلالة دلالة اقتران، وهي من أضعف الدلالات، ولا يلزم من اقترانهما اشتراكهما في الحكم. قال تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]. والأكل مباح، فهل إتيان حقه يوم حصاده تقولون: إنه مباح؟ ثم إنه قال في الآية الأخرى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة: ١٢٥]. هل تقولون: إن المعتكف لا يصح اعتكافه إلا على طهارة؛ لأنه قرن بالصلاة، فإذا سقطت الدلالة من هذه الآية، سقطت من تلك. وكونه قدم الطواف على الصلاة ليس دليلًا على كونه أولى بالطهارة من الصلاة، فقد يكون قدم باعتبار أن الطواف أخص بالبيت من الصلاة، فالصلاة يصليها الإنسان في كل المساجد، بل في الأرض كلها. وأما الطواف فلا يطوف الإنسان إلا في هذا البيت، والله أعلم. وأما الأمر بتطهير المكان، فالمراد من الشرك، وهو نجاسة معنوية، ومن الخبث وهو نجاسة حسية، وأما المؤمن فإنه ليس بنجس، ولا ينجس بالحدث، ولا يمنع المحدث من دخول البيت، فليس مقصودًا في الآية. الدليل السادس: أن الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فكانت الطهارة شرطًا فيها كالصلاة. قال ابن تيمية: وهذا القياس فاسد، فإنه يقال: لا نسلم أن العلة في الأصل كونها متعلقة بالبيت، ولم يذكروا دليلًا على ذلك، والقياس الصحيح ما بين فيه أن المشترك

стр. 4279

بين الأصل والفرع هو علة الحكم أو دليل العلة. وأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلقت بالبيت أولم تتعلق، ألا ترى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة أيضًا شرطًا فيها، ولم تكن متعلقة بالبيت. وكذلك أيضًا إذا صلى إلى غير القبلة كما يصلي المتطوع في السفر، وكصلاة الخوف راكبًا؛ فإن الطهارة شرط، وليست متعلقة بالبيت، حتى قال: ثم هناك عبادة من شرطها المسجد، ولم تكن الطهارة شرطًا فيها كالاعتكاف (١). • دليل من قال الطهارة واجبة ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم: استدلوا: على أن الطهارة واجبة بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]. وجه الاستدلال: أن الله أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الشرطية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، والشرطية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين فلم تصر الطهارة شرطًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (٢). وهذا القول منهم ضعيف؛ لأن التفريق بين ما هو قطعي الدلالة، وما هو ظني الدلالة، والأول يصلح أن يكون دليلًا على الفرض، والثاني يكون دليلًا على الواجبات دون الشروط والأركان، والتفريق بين الواجب والفرض كل هذه الأمور مرجوحة لا تقوم على دليل صحيح، ولا يوافقهم فيها الجمهور. ثم الراجح من خبر

стр. 4280

الآحاد أنه يفيد العلم ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وتجويز الخطأ في خبر الآحاد تجويز عقلي، والأصل عدمه، ولو فتح الباب للتجويز العقلي لهدم الشرع، وهي لا تخرج عن أوهام ووساوس، لا تبنى على أسس، إنما بنيت على شفا جرف هار، وقد كان البلاغ في الرسالة يقوم على خبر الواحد، وهو أصل الشرع، فقد كان الرسول ﷺ يرسل الآحاد من الصحابة لتبليغ رسالته، وتقوم الحجة به، فغيره من باب أولى. وليس هذا مقام بسط الكلام بالاحتجاج بخبر الواحد. • أدلة القائلين بأن الطهارة من الحيض شرط ومن الحدث الأصغر سنة: أما الدليل على كون الطهارة من الحيض شرطًا. فالإجماع. قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا (١). وقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء، وذكر منها، قال: والثالث: فيما أحسب الطواف» (٢). قال النووي: «وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء. وأجمعوا على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أن الحائض والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره» (٣). وقال ابن تيمية: «وأما الذي لا أعلم فيه نزاعًا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض، إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعًا أن ذلك يحرم عليها، وتأثم به» (٤).

стр. 4281

وقال ابن حزم: أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه (١). • وأما الدليل على كون الطهارة من الحدث الأصغر سنة: الدليل الأول: عدم الموجب للطهارة، والأصل براءة الذمة حتى يثبت الدليل الصحيح الصريح. قال ابن تيمية: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرًا متعددة، والناس معتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضًا في الطواف لبينه النبي ﷺ بيانًا عامًا، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه، ولم يهملوه» (٢). وقال ابن القيم: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمرته، ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع» (٣). قلت: وقد طاف مع الرسول ﷺ في حجته خلق كثير، وكثير منهم حديث عهد بالإسلام، ومع ذلك لم يأمرهم بالطهارة، وقد ينتقض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ومع هذا الاحتمال القوي، لم يبين الرسول ﷺ أنه يلزمهم الطهارة في الطواف، مع أن الرسول ﷺ قد أخبر أنه يعلن أفعاله ليأخذ الناس مناسكهم فقد كان الرسول ﷺ يشعر بأنه قد لا يحج العام القابل، وكان كما تنبأ النبي ﷺ . الدليل الثاني: (١٨٥٩ - ٣١٩) ما رواه أحمد من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،

стр. 4282

عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١). [حسن، وابن عقيل مختلف فيه، والأكثر على ضعفه، وهذا الحديث من أحاديثه المقبولة، حيث يشهد له عمومات أخر، كحديث لا تقبل صلاة بغير طهور ونحوها، ويتقى من حديثه ما ينفرد به مما لا يوجد ما يعضده] (٢).

стр. 4283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4285

وجه الدلالة: قال ابن تيمية: «في هذا الحديث دلالتان:

стр. 4286

إحداهما: أن الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه التكبير وتحليله التسليم لم يكن من الصلاة. الثانية: أن هذه هي الصلاة التي مفتاحها الطهور، وكل صلاة مفتاحها الطهور، فتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فليس مفتاحه الطهور». وقال: «الطواف ليس له تحريم ولا تحليل، وإن كبر في أوله فكما يكبر على الصفا والمروة وعند رمي الجمار من غير أن يكون ذلك تحريمًا، ولهذا يكبر كلما حاذى الركن، والصلاة لها تحريم؛ لأنه بتكبيرها يحرم على المصلي ما كان حلالًا له من الكلام والأكل والضحك والشرب وغير ذلك، فالطواف لا يحرم شيئًا، بل كل ما كان مباحًا قبل الطواف في المسجد، فهو مباح في الطواف، وإن كان قد يكره ذلك؛ لأنه يشغل عن مقصود الطواف». حتى قال: «ولا يعرف نزاع بين العلماء أن الطواف لا يبطل بالأكل والشرب والقهقهة، كما لا يبطل غيره من مناسك الحج بذلك، وكما لا يبطل الاعتكاف بذلك» (١). الدليل الثالث: قال ابن تيمية: «يثبت أيضًا أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة، (١٨٦٠ - ٣٢٠) لما ثبت في صحيح مسلم، من حديث ابن جريج، حدثنا سعيد ابن الحارث، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب له طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحارث أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ.

стр. 4287

قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث (١). ثم قال: «ما أردت صلاة، فأتوضأ، يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب، وليس بواجب».اهـ وهذا الاستدلال من ابن تيمية ظاهر، إلا أنه لم يستدل به على عدم الوضوء لمس المصحف. الدليل الرابع: وإن لم يكن هذا بمنزلة الدليل، ولكنه من باب الاستئناس بأقوال بعض السلف المتقدمين، حيث يكون للإنسان أسوة بمن تقدم ﵏ رحمة واسعة. (١٨٦١ - ٣٢١) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، قال: سألت حمادًا ومنصورًا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا. [وهذا إسناد في غاية الصحة] (٢). (١٨٦٢ - ٣٢٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال في المرأة تطوف ثلاثة أشواط، ثم تحيض، قال: يعتد به. [وهذا إسناد حسن، إن سلم من تدليس مغيرة] (٣). (١٨٦٣ - ٣٢٣) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها (٤). (١٨٦٤ - ٣٢٤) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا أبو خالد، عن حجاج،

стр. 4288

عن عطاء، قال: تستقبل الطواف أحب إلي، وإن فعلت فلا بأس به. [حسن عن عطاء بمجموع الطريقين] (١). • الراجح من هذه الأقوال: أن الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف، وأما الطهارة من الحدث الأصغر فليست شرطًا فيه، لكن لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذه السنة خروجًا من الخلاف، خاصة أن الطهارة لا نزاع في مشروعيتها. والطواف ركن الحج والعمرة مقصود لذاته، وغيره من الأعمال تبع له. * * *

стр. 4289

المبحث الثالث في الحائض إذا اضطرت للطواف مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • كل الشروط والواجبات في الشرع معلق وجوبها بالقدرة، وتسقط بالعجز. [م-٧٥٩] خلصنا من البحث السابق أن الطهارة من الحيض شرط لصحة الطواف كما أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وبقي أن نبحث فيما لو عجزت المرأة عن تحقيق هذا الشرط، بأن كانت لا تستطيع البقاء في مكة حتى تطهر، فهل يصح طوافها في مثل هذه الحال؟ أم لا يجوز لها الطواف؟ في هذه المسألة وقع خلاف بين العلماء: فقيل: لا يصح طوافها بحال. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: الطهارة من الحيض ليست بشرط، ولكنها واجبة تجبر بدم.

стр. 4290

وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، واختلفوا في الدم هل هو شاة أم بدنة. فقيل بدنة، وهو مذهب الحنفية. وقيل شاة. وقيل: إذا عجزت عن الطهارة صح طوافها ولا يحتاج إلى جبران، وهو اختيار ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، وهو الصواب. • أدلة الجمهور على أنه لا يصح طوافها بحال: سبق أن ذكرنا أدلتهم في مسألة اشتراط الطهارة للطواف، والجواب عليها، فارجع إليها إن شئت. • أدلة الحنفية على أن الطهارة واجبة وليست بشرط وتجبر بدم: استدلوا بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]. أن الله أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الشرطية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، والشرطية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين فلم تصر الطهارة شرطًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (٥). • وهذا الكلام مدخول من أكثر من وجه: أولًا: قوله: إن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، فإن كان

стр. 4291

مقصوده أن خبر الآحاد لا يوجب العلم بل يوجب مجرد الظن فغير مسلم؛ لأن قوله: «لا يوجب علم اليقين» فاليقين يقابله الشك والظن، والصحيح أن خبر الآحاد يوجب العلم، وإن كان قد يتفاوت فالحديث المشهور ليس كالغريب، والمتفق عليه ليس كالحديث الذي انفرد به أحد الصحيحين، لكن دلالته على العلم ثابتة وكون التصور العقلي لا يمنع خطأ الثقة، لو فتحنا هذا التجويز العقلي لهدمت أدلة الشرع، وأصبح الدليل الشرعي إذا لم يوافق هوى المبتدع أدخل فيه احتمال الخطأ من الثقة، فالأصل عدم الخطأ، ولا يحكم بخطأ الثقة إلا بدليل واضح بين. ثانيًا: الأدلة من الشرع على قبول خبر الآحاد في أمور الاعتقاد، وفي الأمور العملية أكثر من أن تحصى وليس هذا موضع بحثها، بل إن الرسول ﷺ اكتفى بتبليغ الشرع وقيام الحجة بخبر الآحاد، فأرسل رسله إلى الملوك ليبلغوا عنه رسالته. وقامت الحجة على هؤلاء بهؤلاء الرسل وهم آحاد. وإن كان مقصوده بأن خبر الآحاد لا يوجب العلم اليقيني، بل يوجب العلم النظري، المتوقف على النظر والاستدلال والبحث عن أحوال الرجال فلا نزاع في هذا، لكنه بعد البحث والاستدلال يفيد العلم القطعي إذا خلص الباحث إلى صحة الحديث (١)، فإذا دل خبر الآحاد على اشتراط شيء قلنا: إنه شرط ولو كان صادرًا من خبر الآحاد. والله أعلم. • أدلة من قال: تسقط الطهارة بالعجز ويصح طوافها: الدليل الأول: قالوا: إن جميع الشروط والواجبات في العبادة معلقة بالقدرة، فمن عجز عن تحقيق شرط، أو ركن أو واجب سقط عنه.

стр. 4292

والدليل على هذه القاعدة نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. (١٨٦٥ - ٣٢٥) ومنها ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم بأطول من هذا (١). وجه الاستدلال: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، فالقيام بالأوامر حسب الاستطاعة. (١٨٦٦ - ٣٢٦) ومنها ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (٢). الدليل الثاني: اشتراط الطهارة في الصلاة آكد من الطواف، وإذا كانت شروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى. وهذا الكلام مبني على مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف. المقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة تسقط في العجز. النتيجة: أن الطهارة في الطواف تسقط بالعجز كالصلاة.

стр. 4293

أما المقدمة الأولى: وهي أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف فالدليل على صحة هذه المقدمة. أولًا: أن اشتراط الطهارة في الصلاة مع المقدرة عليها مجمع عليه، بخلاف الطهارة في الطواف فإنهم مختلفون في اشتراطها، فقد قال بعض العلماء بأن الطهارة سنة في الطواف كما قررته في مسألة مستقلة. وقيل: بل واجب يجبر بدم. وقيل: شرط. قال ابن القيم: «ولا ريب أن وجوب الطهارة، وستر العورة في الصلاة آكد من وجوبها في الطواف، فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العريان، وأما طواف الجنب والحائض والمحدث والعريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران، وإن حصل الاتفاق بأنه منهي عنه في هذه الحال» (١). قلت: أما المحدث حدثًا أصغر فلم يثبت لي أن الشارع قد نهى عنه. فتأمل، وكذا الجنب إلا لمن قاسه على الحائض. ثم قال ابن القيم موصولًا بالكلام السابق: «وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكد من أركان الحج وواجباته، فإن واجبات الحج إذا تركها عمدًا لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته» (٢). فمن هذا الكلام يتبين لنا أن المقدمة الأولى صحيحة، وأن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف. أما المقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة تسقط بالعجز، فقد اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال:

стр. 4294

فقيل: لا يصلي حتى يقدر على الوضوء أو التيمم، فإذا قدر على ذلك قضى ما وجب عليه. وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة (١). (١٨٦٧ - ٣٢٧) وحجتهم ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول (٢). وقيل: لا يصلي ولا قضاء عليه، وهو المشهور من مذهب مالك (٣)، وهذا أضعف الأقوال، وقد قاسوه على المغمى عليه والمجنون والحائض (٤)، بجامع عدم الاستطاعة. وقيل: يصلي ويعيد. وهو المشهور من مذهب الشافعي (٥)، ورواية في مذهب مالك (٦).

стр. 4295

وقيل: يصلي وتستحب له الإعادة، وهو منسوب للشافعي في القديم (١). وقيل: يصلي ولا يعيد، ويسقط عنه فرض الطهارة وهو الصحيح، وهو المشهور من مذهب أحمد (٢)، ورجحه ابن المنذر (٣)، وعليه بوب البخاري (٤). • واستدلوا لهذا القول بدليل عام، وخاص: أما العام: فقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. وأما الدليل الخاص: فمنها ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا. ورواه مسلم (٥). وجه الاستدلال: أن هؤلاء كان فرضهم قبل نزول آية التيمم الوضوء بالماء فقط فحين عدموا الماء صلوا في تلك الحال بغير طهور ولم ينتظر حتى يجدوا الماء، ولم يؤمروا بالإعادة، فكان الحكم واحدًا فيمن فقد الماء والتراب يصلي ولا إعادة عليه، ولا ينتظر حتى يجد ماء أو ترابًا، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا. وهذا القول هو الصواب، وبترجيح هذا القول، أصبحت المقدمة الثانية صحيحة على الراجح من أقوال أهل العلم. فإذا سلمت المقدمتان، صحت النتيجة.

стр. 4296

ونعيد ذكر المقدمتين لطول الفصل: الأولى: أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد من اشتراط الطهارة في الطواف. المقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة إذا عجز عن تحقيقها سقطت. النتيجة أن الطهارة في الطواف إذا عجزت المرأة عن تحقيقها سقطت عنها قياسًا على الطهارة في الصلاة. وقد نافح ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم عن هذا القول، ونصراه في كلام طويل لهما أورده مختصرًا قدر الإمكان. ساق ابن القيم في أعلام الموقعين الأقوال في المسألة: فقال: «ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الاحتباس لها حتى تطهر وتطوف، وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك وتمسك بظاهر النص. ونازعهم في ذلك فريقان: الفريق الأول: صحح الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بدم، كما يقول أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي أنصهما عنه. وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباط الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبة من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعله مع الإخلال بها ويجبرها الدم. الفريق الثاني: جعل وجوب الطهارة للطواف واشتراطها بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز. قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظم من اشتراطها

стр. 4297

للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها، فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى. قالوا: وقد كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تحتبس أمراء الحج للحيض، حتى يطهرن ويطفن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت: (أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلتنفر إذًا)، وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان التي يتعذر إقامة الركب لأجل الحيض فلا تخلو من أقسام: أحدها: أن يقال لها: أقيمي بمكة، وإن رحل الركب حتى تطهري وتطوفي، وقد يكون لا نفقة لها، ولا مكان تأوي إليه بمكة، وقد يعرض لها من يستكرهها على الفاحشة. القسم الثاني: أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه، وهذا مع أنه لا قائل به، فلا يمكن القول به، فإنه ركن الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له. القسم الثالث: أن يقال: إذا علمت أو خشيت مجئ الحيض في وقته جاز لها تقديمه على وقته. وهذا كالذي قبله، لا يعلم به قائل. القسم الرابع: أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج، وأنها إذا حجت أصابها الحيض هناك، سقط عنها فرضه حتى تصير آيسة، وينقطع حيضها بالكلية. وهذا القول وإن كان أفقه من الذي قبله، فإن الحج يسقط لما هو دون هذا من الضرر، ومع هذا ممتنع لأكثر من وجه. الوجه الأول: لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء، أو أكثرهن. الوجه الثاني: القول بسقوط الحج بالعجز عن بعض الشروط قول باطل، فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن شرائطها وواجباتها، ولا عن بعض أركانها لقوله

стр. 4298

تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان. الوجه الثالث: القول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يعلم به قائل. القسم الخامس: أن يقال: إذا لم يمكنها الطواف، ولا المقام بمكة أن ترجع وتبقى محرمة تمتنع من النكاح ووطء الزوج إلى أن يمكنها الرجوع، فإن لم يمكنها بقيت محرمة إلى أن تموت. • وهذا ممتنع من وجوه: أولًا: أن الله لم يأمر أحدًا أن يبقى محرمًا إلى أن يموت، حتى المحصر بعدو له أن يتحلل باتفاق العلماء، والمحصر بمرض أو فقر له أن يتحلل على الأرجح من أقوال أهل العلم. ثانيًا: أن في هذا إيجاب سفرين كاملين على الإنسان للحج من غير تفريط منه ولا عدوان، وهذا خلاف الأصول. فإن الله لم يوجب الحج على الناس إلا مرة واحدة، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه، وإذا أوجبه على من فاته الوقوف بعرفة فذلك بسبب تفريطه. ثالثًا: أن هذه المرأة إذا أمكنها العودة فلا يؤمن أن يصيبها الحيض كما أصابها في المرة الأولى، وهو أمر ممكن جدًّا، ولا يستحيل حدوثه، فيقال لها: إذا لم يمكنك البقاء اذهبي إلى بلدك وارجعي مرة أخرى، والله لم يجعل على الأمة مثل هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه. القسم السادس: أن يقال لها: تحللي كما يتحلل المحصر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزمها، ثم إذا أصابها ذلك تحللت، وهكذا أبدًا حتى يمكنها الطواف طاهرًا. فهذا التقدير وإن كان أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعها خوف المقام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عدو من الطواف في البيت، ومع هذا فالتقدير

стр. 4299

ضعيف، فإن الإحصار حقيقته أمر عارض للحاج يمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت، ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جعلنا هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر للتحلل بالإحصار، وإذا كان الحيض لا يسقط فرض الحج عليها ابتداء،، فلا يكون موجبًا للتحلل والإحصار. القسم السابع: أن تستنيب من يحج عنها، وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه. وهذا القول أولًا: لا يوجد أحد قال به. وثانيًا: أن المعضوب الذي يجب عليه الاستنابة هو الذي لا يرجو زوال عذره، أما من كان يرجو زوال عذره فليس له أن يستنيب، والحائض لا تيأس من زوال عذرها لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم، وقد ينقطع دمها قبل سن اليأس لعارض من فعلها أو من غير فعلها، فليست كالمعضوب لا حقيقة ولا حكمًا. فإذا لم يمكن فعل جميع هذه الحالات لم يبق لها إلا أن يقال: تطوف الحائض بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها كما تقدم إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز ولا حرام مع ضرورة. فإن قيل: في ذلك محذوران: أحدهما: دخول الحائض المسجد. والثاني: طوافها في حال الحيض. • أما الجواب عن الأول فمن وجوه: أحدها: أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الحائض لا تمنع من دخول المسجد،

стр. 4300

فلم يأت دليل صحيح صريح في منعها وقد بينت هذه المسألة في مسألة مستقلة. الثاني: على فرض أنها ممنوعة، فالضرورة تبيح دخول المسجد للحائض والجنب، فإنها لو خافت من عدو، أو من يستكرهها على الفاحشة، أو أخذ مالها، ولم تجد ملجأ إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض. وهذه الحائض تخاف من بقائها في مكة أن يتعرض لها أحد باعتداء على عرض أو مال. الثالث: أن طوافها بمنزلة المرور في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمنت التلويث، وقد ناقشت هذه المسألة في مسألة مستقلة. الرابع: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجمت اتفاقًا وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى. أما الجواب عن المحذور الثاني: وهو كونها تطوف مع الحيض، فقد ذكرت الأدلة الإيجابية لجوازه وهو مبني على دليلين: الأول: أن جميع الشروط في العبادة تسقط مع العجز. الثاني: القياس على سقوط الطهارة في الصلاة عند العجز عنها فكذلك الطواف (١). فالراجح من هذا الخلاف أن الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف، وأن الحائض إذا كانت لا تتمكن من البقاء لحين طهارتها إما خوفًا على نفسها، أو على مالها، أو تعذر بقاء الرفقة، أو لم يرض محرمها في الانحباس من أجلها، ولم تكن من أهل هذه البلاد بأن كانت من مصر آخر لا تتمكن من العودة إلى البيت مرة أخرى فالقول بصحة طوافها متوجه، أما إن كانت من أهل هذه البلاد، والطريق آمنة، والمحرم يتطوع في الرجوع معها متى شاءت، وتستطيع تحمل النفقة فإنها ترجع إن شاءت إلى بلدها وإذا طهرت رجعت وطافت. والله أعلم. * * *

стр. 4301

المبحث الرابع في سعي الحائض بين الصفا والمروة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الحائض مأمورة بأن تفعل ما يفعل الحاج إلا الطواف، والاستثناء معيار العموم. [م-٧٦٠] لا يوجد دليل يمنع الحائض من السعي بين الصفا والمروة، بل هناك دليل إيجابي على أن للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة. (١٨٦٨ - ٣٢٨) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخلت علي النبي ﷺ وأنا أبكي. فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ورواه مسلم (١). فالحديث لم يستثن من أفعال المناسك شيئًا إلا الطواف، ولا يقال: إن السعي بين الصفا والمروة طواف بينهما، لأن الطواف إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى الطواف بالبيت،

стр. 4302

وكما يقال: الاستثناء معيار العموم، فلما استثنى الطواف بقى ما عداه جائزًا. قال ابن حزم: «ولها -يعني الحائض- أن تطوف بين الصفا والمروة، لأنها لم تنه إلا عن الطواف بالبيت فقط» (١). (١٨٦٩ - ٣٢٩) ويشكل على هذا ما رواه مالك: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري» (٢). [زيادة: (ولا بين الصفا والمروة) زيادة شاذة]. قال ابن عبد البر: «هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث غير ألا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري، وقال غيره من رواة الموطأ: غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري لم يذكروا (ولا بين الصفا والمروة) ولا ذكر أحد من رواة الموطأ في هذا الحديث (ولا بين الصفا والمروة) غير يحيى فيما علمت، وهو عندي وهم منه، والله أعلم «(٣).

стр. 4303

(١٨٧٠ - ٣٣٠) وأما ما جاء عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة (١). [صحيح] (٢). فهذا مع كونه موقوفًا على ابن عمر إلا أنه محمول على الرأي الذي يقول: إن السعي لابد أن يتقدمه طواف، فلا يصح السعي من الحائض إذا لم تكن قد طافت بالبيت، والذي يجعلني أحمله على هذا المحمل. (١٨٧١ - ٣٣١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،

стр. 4304

عن ابن عمر، قال: إذا طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع بين الصفا والمروة. [صحيح] (١). وتقدم السعي على الطواف فيه تفصيل، أما في العمرة فهو إجماع لا يصح أن يتقدم السعي على الطواف. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن المعتمر لا يسعى بين الصفا والمروة حتى يطوف بالبيت، وعليه يحمل فعل عائشة ﵂ لما حاضت، فإنها لم تسع بين الصفا والمروة، لأنها كانت قد أحرمت بالعمرة» (٢). وأما تقديم سعي الحج على طواف الحج ففيه خلاف بين العلماء، ليس هذا موضع بحثه؛ لأنه من مباحث الحج الخاصة، لا تعلق له بالحيض، وعمدة من جوز ذلك. (١٨٧٢ - ٣٣٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طليحة، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع وجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر حلقت قبل أن أذبح قال: اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج فما سئل النبي ﷺ يومًا إذْ عن شيء قدم ولا أخر، إلا قال: افعل ولا حرج. ورواه مسلم (٣). وجه الاستدلال: قوله: فما سئل النبي ﷺ يومئذ -يعني يوم النحر- عن شيء قدم ولا أخر إلا

стр. 4305

قال: (افعل ولا حرج)، ويدخل في ذلك الطواف والسعي؛ لأنهما من الأعمال التي تعمل يوم النحر، والله أعلم. وقد رأى جماعة من التابعين جواز السعي بدون طهارة. (١٨٧٣ - ٣٣٣) فقد روى ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن حجاج، قال: سألت عطاء عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت. قال: تسعى بين الصفا والمروة (١). [حسن لغيره، فيه حجاج بن أرطاة، ولكن له متابع]. (١٨٧٤ - ٣٣٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن وعطاء، قالا: تسعى بين الصفا والمروة (٢). [وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات وهشام بن حسان وإن كان في روايته عن الحسن وعطاء مقال إلا أن هذا ينقل فتوى سمعها منهما، ومثل هذا يبعد فيه الوهم] وهو مذهب إبراهيم النخعي، والحكم، وحماد (٣). * * *

стр. 4306

المبحث الخامس في المرأة تحيض قبل طواف العمرة وتخشى فوات الحج مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إدخال الحج على العمرة قبل الشروع في طواف العمرة جائز بالإجماع من غير خشية فوات الحج، فمع خشيته من باب أولى. [م-٧٦١] اختلف العلماء في ذلك. فقيل: ترفض العمرة، وتهل بالحج. وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: تدخل الحج على العمرة، فتصير قارنة، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥).

стр. 4307

• دليل الحنفية على رفض العمرة: الدليل الأول: (١٨٧٥ - ٣٣٥) روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا (١). (١٨٧٦ - ٣٣٦) وروى البخاري من طريق هشام، عن أبيه به، وفيه: أظلني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي ﷺ ، فقال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي (٢). • وجه الاستدلال من الحديثين: أولًا: قوله ﷺ : (ارفضي عمرتك) وقوله: (دعي عمرتك) صريح بأن الحائض إذا خشيت فوات الحج بأنها ترفض عمرتها. ثانيًا: قوله ﷺ (هذه مكان عمرتك) ولو كانت العمرة الأولى باقية لم تكن هذه مكانها، فلا تحل الثانية مكان الأولى إلا إذا كانت الأولى قد بطلت.

стр. 4308

ثالثًا: قالت عائشة ﵂ كما في رواية لمسلم: أيرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة. ثالثًا: (١٨٧٧ - ٣٣٧) روى مسلم من طريق عبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت .... وفيه: قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله. قالت: فإني لأذكر، وأنا جارية حديثة السن، أنعس فيصيب وجهي مؤخرة الرحل حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا (١). فقولها ﵂: (يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة) صريح أنها لم تكن قارنة، وإلا لما قالت ذلك؛ لأن القارن قد رجع بحج وعمرة. رابعًا: قوله: (انقضي رأسك وامتشطي) دليل على أنها لم تكن محرمة؛ لأن الامتشاط لا يجوز للمحرم. هذه أوجه الاستدلال من الحديث. وقد ناقش الجمهور هذه الاستدلالات، وأجابوا عنها، وإليك بيانها: • الجواب عن قوله ﷺ (دعي عمرتك) أو (ارفضي عمرتك). أجابوا عنهما بعدة إجابات. الجواب الأول: إعلال هذه اللفظة، فقد ذهب بعضهم إلى شذوذها، وأنها غير محفوظة. قال ابن قدامة: «فأما حديث عروة، فإن قوله: (انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة) انفرد به عروة، وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت،

стр. 4309

وقد روى ذلك طاوس (١)، والقاسم (٢)، والأسود (٣) وعمرة (٤) عن عائشة، فلم يذكروا

стр. 4310

ذلك، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة، وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديث حيضها، فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله ﷺ قال لها: دعي العمرة، وانقضي رأسك، وامتشطي، وذكر تمام الحديث. وهذا يدل أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة (١)، وهو مع ما ذكرنا من مخالفته بقية
следующие страницы →