← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ولو صح الحديث لكان فيه دليل على إطلاق الانتفاع، وليس مقصورًا على اليابس والماء. الدليل الثاني: (١٢٢) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ ، فقال: هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به. فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها. قال أبو بكر وابن أبي عمر في حديثهما عن ميمونة ﵂ (١). وجه الاستدلال: قوله: (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به)، فجعل الانتفاع مرتبًا على الدباغ، فدل على أن الانتفاع قبل الدبغ، لا يجوز. • وأجيب: بأن لفظ (فدبغتموه) غير محفوظ، وسوف يأتي بيان ذلك في أدلة من قال بإباحة الانتفاع مطلقًا بالجلد، سواء دبغ أم لا. الدليل الثالث: (١٢٣) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقالت: ثَمَّ يا رسول الله ماتت فلانة- يعني الشاة- فقال: فلولا أخذتم مسكها، فقالت: ينفذ مسك شاة قد ماتت، فقال لها رسول الله ﷺ : إنما قال الله : (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ) [الأنعام: ١٤٥] فإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه، فتنتفعوا به، فأرسلت إليها، فسلخت مسكها، فدبغته،

стр. 422

فأخذت منه قربة حتى تخرقت عندها (١). [إسناده ضعيف رواية سماك عن عكرمة مضطربة] (٢). دليل من قال الدباغ يطهر جميع الجلود . الدليل الأول: (١٢٤) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا سليمان بن

стр. 423

بلال، عن زيد بن أسلم، أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا دبغ الإهاب فقد طهر. [صححه مسلم، وضعفه الإمام أحمد] (١).

стр. 424

فجعل الدباغ شرطًا لطهارة عينه، فإذا دبغ كان طاهرًا، وإذا كان طاهرًا كان الانتفاع به مباحًا، وقوله: إذا دبغ الإهاب أو إيما إهاب دبغ دليل على العموم، فلا يستثنى منه شيء حتى إهاب الكلب والخنزير. قال ابن عبد البر: «المقصود بهذا الحديث ما لم يكن طاهرًا من الأهب، كجلود الميتات، وما لا تعمل فيه الذكاة من السباع عند من حرمها؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ للتطهير، ومستحيل أن يقال في الجلد الطاهر: إنه إذا دبغ فقد طهر، وهذا يكاد علمه يكون ضرورة، وفي قوله ﷺ : أيما إهاب دبغ فقد طهر: نص ودليل: فالنص

стр. 425

طهارة الإهاب بالدباغ، والدليل منه أن كل إهاب لم يدبغ فليس بطاهر، وإذا لم يكن طاهرًا، فهو نجس، والنجس رجس محرم، فبهذا علمنا أن المقصود بذلك القول جلود الميتة. وإذا كان ذلك كذلك، كان هذا الحديث معارضًا لرواية من روى في هذه الشاة الميتة: إنما حرم أكلها، ومبينًا لمراد الله تعالى في قوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]. وبطل بنص هذا الحديث قول من قال: إن الجلد من الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ، وبطل بالدليل منه قول من قال: إن جلد الميتة وإن لم يدبغ، يستمتع به، وينتفع» (١). الدليل الثاني: (١٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أخيه، عن ابن عباس قال: أراد النبي ﷺ أن يتوضأ من سقاء، فقيل له: إنه ميتة، فقال: دباغه يذهب خبثه أو رجسه أو نجسه (٢). [إسناده ضعيف] (٣).

стр. 426

الدليل الثالث: (١٢٦) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن مطرف، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: طهور كل أديم دباغه. [ضعيف، اختلف فيه على زيد بن أسلم] (١).

стр. 427

فقوله: (كل أديم) نص على العموم. الدليل الرابع: (١٢٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني عمرو بن الحارث، أن كثير بن فرقد حدثه، أن عبد الله بن مالك بن حذافة حدثه، عن أمه العالية بنت سميع أو سبيع- الشك من عبد الله- أن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: مر رسول الله ﷺ برجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ : لو أخذتم إهابها. قالوا: إنها ميتة. قال رسول الله ﷺ : يطهرها الماء والقرظ (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 428

الدليل الخامس: (١٢٨) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، أخبرنا محمد بن عقيل بن خويلد أخبرنا، حفص بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول ﷺ : أيما اهاب دبغ فقد طهر. [تفرد به محمد بن عقيل، وقال الدارقطني: إسناد حسن] (١).

стр. 429

الدليل السادس: (١٢٩) ما رواه الدارقطني، من طريق فرج بن فضالة، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم سلمة، أنها كانت لها شاة تحتلبها، ففقدها النبي ﷺ فقال: ما فعلت الشاة؟

стр. 430

قالوا: ماتت. قال: أفلا انتفعتم بإهابها؟ قلنا: إنها ميتة. فقال النبي ﷺ : إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر. [قال الدارقطني: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف] (١). الدليل السابع: (١٣٠) وروى الدارقطني، من طريق الواقدي، نا معاذ بن محمد الأنصاري، عن عطاء الخرساني، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ : قال: دباغ جلود الميتة طهورها (٢). [ضعيف جدًّا]. الدليل الثامن: استحالة الأعيان الخبيثة إلى أعيان طاهرة ينقل حكمها من النجاسة إلى الطهارة، قال الطحاوي: «رأينا الأصل المجتمع عليه، أن العصير لا بأس بشربه، والانتفاع به، ما لم يحدث فيه صفات الخمر، فإذا حدثت فيه صفات الخمر حرم بذلك، ثم لا يزال حرامًا كذلك حتى تحدث فيه صفات الخل، فإذا حدثت فيه صفات الخل حل، فكان يحل بحدوث الصفة ويحرم لحدوث صفة غيرها، وإن كان بدنًا واحدًا، فالنظر على

стр. 431

ذلك أن يكون كذلك جلد الميتة، يحرم بحدوث صفة الموت فيه، ويحل بحدوث صفة الأمتعة فيه من الثياب وغيرها فيه، وإذا دبغ فصار كالجلود والأمتعة فقد حدثت فيه صفة الحلال، فالنظر على ما ذكرنا أن يحل أيضًا بحدوث تلك الصفة فيه. وحجة أخرى أن قد رأينا أصحاب رسول الله ﷺ لما أسلموا لم يأمرهم رسول الله ﷺ بطرح نعالهم وخفافهم وأنطاعهم التي كانوا اتخذوها في حال جاهليتهم، وإنما كان ذلك من ميتة، أو من ذبيحة، فذبيحتهم حينئذ إنما كانت ذبيحة أهل الأوثان، فهي في حرمتها على أهل الإسلام كحرمة الميتة، فلما لم يأمرهم رسول الله ﷺ بطرح ذلك، وترك الانتفاع به، ثبت أن ذلك كان قد خرج من حكم الميتة ونجاستها بالدباغ إلى حكم سائر الأمتعة وطهارتها، وكذلك كانوا مع رسول الله ﷺ إذا افتتحوا بلدان المشركين لا يأمرهم بأن يتحاموا خفافهم ونعالهم وأنطاعهم وسائر جلودهم، فلا يأخذوا من ذلك شيئًا، بل كان لا يمنعهم شيئًا من ذلك، فذلك دليل أيضًا على طهارة الجلود بالدباغ» (١). • دليل من استثنى جلد الكلب والخنزير . أخذ الحنفية والشافعية بعموم حديث: أيما إهاب دبغ فقد طهر (٢)، وعموم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت (٣)، قال الشافعي: وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسًا عليها إلا جلد الكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسا حيًّا (٤). وقالوا: إن العموم في قوله ﷺ : أيما إهاب دبغ، أراد بهذا العموم الجلود المعهود

стр. 432

الانتفاع بها، وأما جلد الخنزير فلم يدخل في هذا المعنى؛ لأنه لم يدخل في السؤال؛ لأنه غير معهود الانتفاع بجلده (١). إلا أن الحنفية يرون طهارة جلد الكلب بالدباغ، لأنهم لم يستثنوا إلا الخنزير، فجلد الخنزير عندهم ليست نجاسته لما فيه من الدم والرطوبة، بل هو نجس العين، وبالتالي لا يمكن تطهيره بخلاف الكلب. واستثنى الحنفية جلد الإنسان، وعللوا ذلك بكونه لا يجوز الانتفاع به لاحترامه. • دليل من قال بجواز الانتفاع بجلود الميتة ولو لم تدبغ . الدليل الأول: قالوا: لم يصح في الدباغ شيء (٢). وأجاب بعضهم: بأن هذا لو سُلِّم في بعضها، لم يُسَلَّم في المجموع. الدليل الثاني: (١٣١) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها، قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها. ورواه مسلم (٣). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ قال: إنما حرم أكلها، فجعل تحريم الميتة في الأكل خاصة، هذا من وجه، ومن وجه آخر، أنه حضهم على الانتفاع بجلدها، ولم يشترط الدباغ، فلو كان الدباغ شرطًا لذكره.

стр. 433

فهذا الحديث يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد، وإنما ذكر الدباغ لإبقاء الجلد وحفظه، لا لكونه شرطًا في الحل (١). الدليل الثالث: أن النبي ﷺ وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة، وأعطى منه صحابيًا كان قد أصابته جنابة، فقال له: اذهب فأفرغه عليك (٢). ولم يسأل النبي ﷺ ولا أصحابه هل كانت المزادة مدبوغة؟ ولو كان الدباغ شرطًا في حل الاستعمال لسألوا المرأة. (١٣٢) وأما ما رواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن ابن شهاب به، بلفظ: هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها (٣). فالجواب: أن يقال: انفرد ابن عيينة بذكر الدباغ في هذا الحديث، وهو غير محفوظ (٤).

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 436

دليل من قال: الدباغ لا يطهر إلا ما تطهره الذكاة . الدليل الأول: (١٣٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة، أن النبي ﷺ أتى على بيت، قدامه قربة معلقة، فسأل النبي ﷺ الشراب، فقالوا: إنها ميتة، فقال: دباغها ذكاتها (١). [إسناده ضعيف والحديث روي بثلاثة ألفاظ: أحدهما هذا وبلفظ: ذكاتها دباغها، والثالث: دباغها طهورها، وعلى اللفظ الأخير ليس فيه دليل لهذا القول] (٢).

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 440

الدليل الثاني: (١٣٤) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن جلود الميتة، فقال: دباغها ذكاتها (١). [إسناده ضعيف، واختلف في لفظه ووقفه ورفعه] (٢).

стр. 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 443

وجه الاستدلال من الحديثين: أن الرسول ﷺ عبر بالذكاة، فقال ﷺ : دباغها ذكاتها، ومعلوم أن الذكاة لا تطهر إلا ما يباح أكله، أما ما لا يباح أكله فلا تطهره الذكاة، ولو ذكي فهي ميتة، فجلد ما يحرم أكله ولو كان طاهرًا في الحياة لا يطهر بالدباغ؛ لأن ما كان طاهرًا في الحياة إنما كان طاهرًا لمشقة التحرز منه، وهذه العلة تنتفي بالموت. قال أبو ثور: لا أعلم خلافًا أنه لا يتوضأ في جلد الخنزير وإن دبغ، فلما كان الخنزير حرامًا لا يحل أكله، وإن ذكي، وكانت السباع لا يحل أكلها وإن ذكيت، كان حرامًا أن ينتفع بجلودها وإن دبغت قياسًا على ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كانت العلة واحدة. اهـ (١).

стр. 444

الدليل الثالث: (١٣٥) ما رواه أحمد من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح ابن أسامة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع (١). [حديث صحيح إن شاء الله تعالى من رواية قتادة] (٢).

стр. 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 446

الدليل الثاني: (١٣٦) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال لنفر من أصحاب النبي ﷺ : تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود النمور أن تركب عليها؟. قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا. قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة؟ -يعني: متعة الحج- قالوا: اللهم لا. قال: بلى إنه في هذا الحديث. قالوا: لا (١). [حسن لغيره إن شاء الله تعالى] (٢). الدليل الثالث: (١٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حيوة بن شريح وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان،

стр. 447

عن المقدام بن معدي كرب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب، وعن مياثر النمور (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الرابع: (١٣٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر (٣). الدليل الخامس: استدلوا بقول النضر بن شميل: إن الإهاب: جلد ما يؤكل لحمه من الإنعام، وأما ما لا يؤكل لحمه فإنما هو جلد ومسك. وقد أنكرت طائفة من أهل العلم قول النضر بن شميل هذا، وزعمت أن العرب تسمي كل جلد إهابًا، واحتجت بقول عنترة:

стр. 448

فشككت بالرمح الطويل إهابه ليس الكريم على القنا بمحرم (١). الدليل السادس: قالوا: إن الرسول ﷺ إنما أباح الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ إذا كان مما يؤكل لحمه؛ لأن الخطاب الوارد في ذلك إنما خرج على شاة ماتت لبعض أزواج النبي ﷺ ، فدخل في ذلك كل ما يؤكل لحمه، وما لم يؤكل لحمه فداخل في عموم تحريم الميتة، واستدلوا بقول أكثر العلماء في المنع من جلد الميتة بعد الدباغ، بأن الذكاة غير عاملة فيه، قالوا: فكذلك السباع لا تعمل فيها الذكاة لنهي رسول الله ﷺ عن أكلها، ولا يعمل فيها الدباغ؛ لأنها ميتة، لم يصح خصوص شيء منها (٢). • الراجح: أن جلد الميتة متنجس، وليس نجسًا، وطهارته بقطع تلك الرطوبات عنه، وأحاديث الدباغ أصحها حديث ابن عباس، وفيه تفرد عبد الرحمن بن وعلة، وبه ضعفه الإمام أحمد، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالانتفاع بجلد الميتة، ولم يذكر الدباغ كشرط لحل الانتفاع، وما رود من الأحاديث الصحيحة في الدباغ فهي حكاية فعل، فالذي يظهر لي والله أعلم أن قطع تلك الرطوبات بأي طريقة يجيز الانتفاع بجلد الميتة، والدباغ طريق لقطع تلك الرطوبات، وليس شرطًا في حل الانتفاع، فكل ما يذهب تلك الرطوبات فهو مطهر للجلد، هلة قاعدة: أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل فقد زال حكمها، والله أعلم، ولم يثبت عندي حديث: (دباغها ذكاتها)، وأما النهي عن جلود السباع فليست العلة فيه كون الدباغ لا يطهره، وإنما كونه من جلود السباع، ولذلك لو كان من جلد حيوان نجس من غير السباع لم يكن داخلًا في النهي عن جلود السباع، فالنهي عن جلود السباع أخص من النهي عن جلود غيرها من الحيوانات النجسة، ولا يستدل بالأخص على الأعم، والله أعلم. * * *

стр. 449

المبحث الثاني في الآنية المتخذة من عظام الميتة وقرنها وحافرها مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • إنما حرم من الميتة أكلها. • الموت ليس علة في نجاسة الميتة لوجوده في السمك والجراد وهما طاهران، بل لما فيهما من الرطوبات السيالة والدماء النجسة. • ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فالعظم مثله أو أولى. • جلد الميتة متنجس وليس نجسًا، ولهذا طهره الدباغ ونحوه، والعظم إما طاهر بأصل الخلقة أو نجاسته عن مجاورة. أو بعبارة أخرى: • الدباغ مطهر لقطعه الرطوبات النجسة، والعظم لا رطوبة عليه بأصل الخلقة. [م-٥٩] الآنية المتخذة من عظم حيوان مأكول اللحم مذكى يحل استعمالها إجماعًا، كما أن الآنية المتخذة من عظم الآدمي لا تجوز، ولو من كافر لكرامة المؤمن، وتحريم المثلة في الكافر (١).

стр. 450

وأما الآنية المتخذة من عظام حيوان غير مذكى، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم فإن الخلاف فيها مبني على الخلاف في طهارة عظام الميتة، فمن كان يرى طهارة عظام الميتة مطلقًا لا يرى بأسًا من اتخاذ الأواني منها، ومن يرى نجاستها يمنع من ذلك، والخلاف فيها على النحو التالي: فقيل: يجوز اتخاذ الآنية من عظام الميتة، وبيعها، وهو مذهب الحنفية، ورجحه ابن تيمية (١). وقيل: لا يجوز، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). وقيل: لا يجوز بيعها، ويجوز الانتفاع بها، وهو اختيار ابن حزم (٣).

стр. 451

وقال بعضهم: إن العظام نجسة، تطهر بالدباغ، ودباغها غليها، اختاره بعض المالكية (١). • دليل الحنفية على طهارة عظام الميتة: الدليل الأول: قالوا: إن علة نجاسة الميتة، إنما هو لاحتباس الدم فيها، ولذلك حكم بطهارة ما لا ليس فيه دم سائل، فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجس من هذا، فإن العظم ليس فيه دم أصلًا لا سائل، ولا غيره، ولا كان متحركًا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الإحساس، المتحرك بالإرادة، لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل أصلًا. والذي يوضح هذا أكثر أن الله حرم علينا الدم المسفوح، قال : (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]. وعفا عن غير الدم المسفوح، مع أنه من جنس الدم، والله حرم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، والفرق بينها إنما هو في سفح الدم، فدل على أن سبب التنجس هو احتقان الدم واحتباسه، وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظلف والظفر وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح، ولا يعارض هذا بتحريم تذكية المرتد والمجوسي، ولو سفح الدم؛ لأن التحريم تارة يكون لاحتقان الدم، كما هو الحال في المتردية والنطيحة، وما صيد بعرض المعراض، وتارة تكون لفساد التذكية، كذكاة المجوسي والمشرك (٢). الدليل الثاني: قالوا: إن هذه الأشياء ليست بميتة، فليست داخلة في عموم تحريم الميتة؛ لأن

стр. 452

الميتة من الحيوان في عرف الشارع اسم لما زالت حياته، ولا حياة في هذه الأشياء. فإن قيل: إنها داخلة في الميتة؛ لأنها تحس وتتألم. قيل لهم: أنتم لم تأخذوا في عموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس عند جماهير العلماء، مع أنه ميتة (١). الدليل الثالث: أن طهارة العظم أولى من طهارة الجلد بالدباغ، فهذا الجلد، جزء من الميتة، فيه الدم كسائر أجزائها، والنبي ﷺ جعل الدباغ طهارة له؛ لأن الدباغ ينشف رطوبته، فدل على أن سبب التنجس هو الرطوبات، والعظم ليس فيه رطوبة سائلة، وما كان فيه منها يجف وييبس، كما أن العظم يبقى ويحفظ أكثر من الجلد، فهو أولى بالطهارة من الجلد (٢). الدليل الرابع: أن طهارة العظم هو المعروف عن سلف هذه الأمة، فقد ذكر البخاري، عن الزهري معلقًا بصيغة الجزم. قال البخاري: قال الزهري في عظام الموتى -نحو الفيل وغيره- أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأسًا (٣). الدليل الخامس: (١٣٩) ما رواه أحمد من طريق عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني حميد الشامي، عن سليمان المنبهي، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر آخر عهده بإنسان فاطمة، وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة، قال: فقدم من غزاة له، فأتاها

стр. 453

فإذا هو يمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة، فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر، ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما، فبكى الصبيان فقسمته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، وهما يبكيان، فأخذه رسول الله ﷺ منهما، فقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة، واشتر لفاطمة قلادة من عصب، وسوارين من عاج؛ فإن هؤلاء أهل بيتي، ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا (١). [إسناده ضعيف] (٢). • دليل من قال بنجاسة عظام الميتة: الدليل الأول: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، والعظم جزء من الميتة.

стр. 454

الدليل الثاني: (١٤٠) قال الشافعي: روى عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل؛ لأنه ميتة (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الثالث: قالوا: إن العظام تحلها الحياة، فتنجس بالموت، قال تعالى: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٧٨]، ولأن دليل الحياة: الإحساس والألم، والألم في العظام أشد من الألم في اللحم، فالضرس يألم، ويحس ببرد الماء وحرارته، وما يحله الموت ينجس به كاللحم (٣). • دليل ابن حزم على تحريم البيع وجواز الانتفاع: أما الدليل على تحريم البيع، (١٤١) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (٤).

стр. 455

فحرم البيع وأباح الانتفاع، ولم يكن الانتفاع بكون الميتة يطلى بها السفن ويستصبح بها الناس مسوغًا لإباحة البيع. والدليل على جواز الانتفاع من عظم الميتة قول الرسول ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها، (١٤٢) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي ﷺ هلا انتفعتم بجلدها قالوا إنها ميتة قال إنما حرم أكلها، ورواه مسلم (١). فلا يمنع هذا من الانتفاع بعظم الميتة. • الراجح: أرى أن مذهب الحنفية أرجح في هذه المسألة، وأن العظام كلها طاهرة؛ لأن الأصل في الأعيان الطهاة، ولعدم وجود ما يقتضي نجاستها. وأما من اشترط غلي العظام فالظاهر أن الغلي ليس مقصودًا لذاته، بل المراد أي عمل يزيل رطوبة النجاسة ولحمها من العظام، فهو لا يخرج عن مذهب الحنفية، والله أعلم. * * *

стр. 456

المبحث الثالث في الآنية المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: هل دليل الحياة هو الحس، أو النماء في الحساس. أو يفرق بين محل الرطوبة منه وما فوق ذلك؟ • الأصل في الأشياء الطهارة. • ما أبين من حي فهو كميتته. • الشعر هل حياته نباتيه أو حيوانية؟ • الموت ليس علة في نجاسة الميتة لوجوده في السمك والجراد وهما طاهران، بل لما فيهما من الرطوبات السيالة والدماء النجسة. • ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت وإن كانت حياته حيوانية فالشعر والوبر والصوف مثله أو أولى. [م-٦٠] يعمل بعض الأواني من الشعر والوبر والصوف، كما قال تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠]. فإذا كان هذا الشعر والوبر قد جز من حيوان طاهر، وهو حي، فإنه طاهر

стр. 457

بالإجماع (١)، أما إذا كان الشعر والوبر والصوف من حيوان ميت، فقد اختلف العلماء في ذلك: فقيل: إذا جز الشعر من الحيوان فهو طاهر، سواء كان من حيوان طاهر أم نجس، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، إلا أن الحنفية استثنوا شعر الخنزير فقط. وقيل: إن كان الحيوان طاهرًا في الحياة، ولو كان غير مأكول، فشعره طاهر، وإذا كان الحيوان نجسًا، فالشعر تبع له، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥). وقيل: إن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس إلا شعر الآدمي، وهو المشهور مذهب الشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧).

стр. 458

وقيل: صوف الميتة وشعرها ووبرها نجس قبل الدباغ حلال بعده، وهو اختيار ابن حزم (١). واشترط من قال بطهارته أن يجز. قال ابن نجيم: شعر الميتة إنما يكون طاهرًا إذا كان محلوقًا، أو مجزوزًا، وإن كان منتوفًا فهو نجس (٢). وقال الدردير: والمقصود بالجز: ما يقابل النتف، فيشمل الحلق والإزالة بالنورة، فلو جزت بعد النتف، فالأصل الذي فيه أجزاء الجلد نجس، والباقي طاهر (٣). • دليل من قال بطهارة شعر الميتة: الدليل الأول: قال تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) [النحل: ٥]. والدفء: ما يتدفأ به من شعرها ووبرها وصوفها، وذلك يقتضي إباحة الجميع من الميتة والحي (٤). الدليل الثاني: قال تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠]. وجه الاستدلال: أن الآية حكمت على جميع الصوف والوبر والشعر بالإباحة من غير فرق بين المذكى منه وبين الميتة، ومن استثنى صوف الميتة ووبرها وشعرها فعليه الدليل.

стр. 459

الدليل الثالث: أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، فمن منع أو حكم بالنجاسة، فعليه الدليل. الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، وفيه قال رسول الله ﷺ عن الميتة: إنما حرم أكلها (١)، وقد سبق الحديث بتمامه. الدليل الخامس: دل الإجماع على طهارة الشعر المأخوذ من الحيوان قبل موته، فلا ننتقل إلى نجاسته إلا بدليل. أو يقال: القياس على الشعر المأخوذ من الحيوان حال الحياة، فإذا كان الشعر المأخوذ من الحيوان حال الحياة طاهرًا، كان الشعر بعد الموت طاهرًا. قال ابن تيمية: اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهرًا، فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة (٢). (١٤٣) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن عبد الله بن دينار- عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله ﷺ : ما قطع من البهيمة وهي حية، فهي ميتة (٣).

стр. 460

[الراجح أنه مرسل] (١).
следующие страницы →