المبحث الخامس في المرأة تحيض قبل طواف العمرة وتخشى فوات الحج
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• إدخال الحج على العمرة قبل الشروع في طواف العمرة جائز بالإجماع من غير خشية فوات الحج، فمع خشيته من باب أولى.
[م-٧٦١] اختلف العلماء في ذلك.
فقيل: ترفض العمرة، وتهل بالحج. وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: تدخل الحج على العمرة، فتصير قارنة، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥).
стр. 4307
• دليل الحنفية على رفض العمرة:
الدليل الأول:
(١٨٧٥ - ٣٣٥) روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا (١).
(١٨٧٦ - ٣٣٦) وروى البخاري من طريق هشام، عن أبيه به، وفيه:
أظلني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي ﷺ ، فقال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي (٢).
• وجه الاستدلال من الحديثين:
أولًا: قوله ﷺ : (ارفضي عمرتك) وقوله: (دعي عمرتك) صريح بأن الحائض إذا خشيت فوات الحج بأنها ترفض عمرتها.
ثانيًا: قوله ﷺ (هذه مكان عمرتك) ولو كانت العمرة الأولى باقية لم تكن هذه مكانها، فلا تحل الثانية مكان الأولى إلا إذا كانت الأولى قد بطلت.
стр. 4308
ثالثًا: قالت عائشة ﵂ كما في رواية لمسلم: أيرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة.
ثالثًا: (١٨٧٧ - ٣٣٧) روى مسلم من طريق عبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت .... وفيه: قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله. قالت: فإني لأذكر، وأنا جارية حديثة السن، أنعس فيصيب وجهي مؤخرة الرحل حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا (١).
فقولها ﵂: (يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة) صريح أنها لم تكن قارنة، وإلا لما قالت ذلك؛ لأن القارن قد رجع بحج وعمرة.
رابعًا: قوله: (انقضي رأسك وامتشطي) دليل على أنها لم تكن محرمة؛ لأن الامتشاط لا يجوز للمحرم. هذه أوجه الاستدلال من الحديث.
وقد ناقش الجمهور هذه الاستدلالات، وأجابوا عنها، وإليك بيانها:
• الجواب عن قوله ﷺ (دعي عمرتك) أو (ارفضي عمرتك).
أجابوا عنهما بعدة إجابات.
الجواب الأول:
إعلال هذه اللفظة، فقد ذهب بعضهم إلى شذوذها، وأنها غير محفوظة.
قال ابن قدامة: «فأما حديث عروة، فإن قوله: (انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة) انفرد به عروة، وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت،
стр. 4309
وقد روى ذلك طاوس (١)، والقاسم (٢)، والأسود (٣)
وعمرة (٤)
عن عائشة، فلم يذكروا
стр. 4310
ذلك، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة، وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديث حيضها، فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله ﷺ قال لها: دعي العمرة، وانقضي رأسك، وامتشطي، وذكر تمام الحديث. وهذا يدل أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة (١)،
وهو مع ما ذكرنا من مخالفته بقية
стр. 4311
الرواة، يدل على الوهم مع مخالفتها الكتاب والأصول؛ إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها» (١).
وقال ابن القيم: «تعليل هذه اللفظة وردها -يعني دعي عمرتك- بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة» (٢).
قلت: قد ورد أن القاسم بن محمد تابع عروة بن الزبير في الموطأ،
(١٨٧٨ - ٣٣٨) قال مالك: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، قالت: فقدمت مكة، وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة. قالت: ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذا مكان عمرتك،
стр. 4312
فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا منها، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا.
وحدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة بمثل ذلك (١).
ففي هذه الرواية تابع فيها القاسم بن محمد عروة بن الزبير بقوله: (دعي عمرتك).
[هذه المتابعة خطأ قطعًا، التبس على يحيى الراوي عن مالك حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، بحديثه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة، وكل من رواه عن عبد الرحمن بن القاسم على كثرتهم لم يذكروا هذا عنه] (٢).
стр. 4313
الجواب الثاني:
قال ابن عبد البر: «جماعة من أصحابنا تأولوا قوله: (ودعي العمرة) دعي عمل العمرة، يعني الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وكذلك تأولوا من روى: (واسكتي عن العمرة) ورواية من روى: (وأمسكي عن العمرة): أي أمسكي عن عمل العمرة، لا أنه أمر برفضها، وابتداء الحج وإنشائه كما زعم العراقيون» (١).
وقال ابن القيم: قوله «(دعي العمرة) أي دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: ويدل عليه وجهان:
أحدهما: قوله: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك).
الثاني: قوله: (كوني في عمرتك) قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض» (٢).
الجواب الثالث:
قالوا: كانت عائشة يومئذ مهلة بالحج، ولم تكن مهلة بعمرة، وإذا كانت مهلة بالحج سقط القول عنا في رفض العمرة؛ لأنها لم تكن مهلة بعمرة (٣).
(١٨٧٩ - ٣٣٩) فقد روى البخاري من طريق عمرة، قالت: سمعت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول:
خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا الحج، حتى
стр. 4314
إذا دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي ﷺ عن أزواجه. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك بالحديث على وجهه. ورواه مسلم (١).
(١٨٨٠ - ٣٤٠) وتابع الأسود بن يزيد النخعي عمرة، فقد روى البخاري من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا الحج، فقدم النبي ﷺ ، فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يحل، وكان معه الهدي فطاف من كان معه من نسائه وأصحابه، وحل منهم من لم يكن معه الهدي، فحاضت هي فنسكنا مناسكنا من حجنا، فلما كان ليلة الحصبة ليلة النفر، قالت: يا رسول الله كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري. قال: ما كنت تطوفين بالبيت ليالي قدمنا؟ قلت: لا. قال: فاخرجي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة، وموعدك مكان كذا وكذا، فخرجت مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فأهللت بعمرة وحاضت صفية بنت حيي فقال النبي ﷺ : عقرى حلقى إنك لحابستنا أما كنت طفت يوم النحر. قالت: بلى. قال: فلا بأس انفري، فلقيته مصعدًا على أهل مكة، وأنا منهبطة، أو أنا مصعدة وهو منهبط (٢).
كما تابعهما القاسم بن محمد، عن عائشة.
(١٨٨١ - ٣٤١) كما تابعهما القاسم بن محمد، عن عائشة، فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول:
سمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه
стр. 4315
الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. قالت: وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر. ورواه مسلم (١).
(١٨٨٢ - ٣٤٢) وروى مسلم من طريق حماد، عن عبد الرحمن، عن، أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت:
لبينا بالحج، حتى إذا كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي وساق الحديث بنحو حديث الماجشون ... (٢).
فهذه عمرة، والأسود، والقاسم يتابع بعضهم بعضًا أن عائشة قالت: خرجنا لا نرى إلا الحج، وقالت: لبينا بالحج. وإذا كانت عائشة حاجة سقط القول برفض العمرة كما يقول الحنفية.
وهذا القول مع أنه قد قيل به (٣) إلا أنه ضعيف عندي، ومن تأمل الأحاديث تبين أن عائشة أحرمت بالعمرة، وأنها لم ترفض العمرة بل أدخلت الحج على العمرة.
فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة ... الحديث من حديث طويل لهما (٤).
وقولها: (فأهللنا بعمرة) تقصد نفسها ﵂.
ولهما من طريق عقيل، عن ابن شهاب به، وفيه: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج .... ولم أهلل إلا بعمرة (٥).
стр. 4316
وتابع هشام بن عروة ابن شهاب. فرواه البخاري من طريق أبي معاوية (١)، ومن طريق أبي أسامة (٢)، ومن طريق يحيى بن سعيد (٣).
ورواه مسلم، من طريق عبدة بن سليمان (٤)، ومن طريق ابن نمير (٥)، ومن طريق وكيع (٦)، كلهم، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، وفيه: فأهل بعضهم بعمرة، وبعضهم بحج، وكنت أنا ممن أهل بعمرة.
وجاء أيضًا من غير حديث عائشة أنها كانت ممن أحرم بعمرة.
(١٨٨٣ - ٣٤٣) فقد روى مسلم من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير،
عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت ... الحديث، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف
стр. 4317
بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة (١).
وجابر من أكثر الناس عناية بحجة النبي ﷺ ، وقد صرح ﵁ أن عائشة كانت ممن أهل بالعمرة، وأنها حاضت، وأنها قالت للرسول ﷺ : حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن: أي لم تحلل من عمرتها، وأن الرسول ﷺ قال لها: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا، وأن طوافها للعمرة بعد نسكها لم يكن إلا من باب تطييب خاطرها، حيث قالت للرسول ﷺ : يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. فهذا الحديث يوضح ما أجمل من الروايات الأخرى.
بقي الجواب على الروايات التي سقناها، والتي فيها: (خرجنا لا نرى إلا الحج).
• الجواب على ذلك من وجوه:
أحدها: قول عائشة ﵂: خرجنا لا نرى إلا الحج، أو قالت: لبينا بالحج. فهذا والله أعلم أنه كان منهم نية قبل أن يدخلوا في النسك خاصة أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، وعليه فيكون معنى خرجنا لا نرى: أي لا نعتقد. كما تقول: أرى كذا: أي أعتقده وأظنه، وحين قال لهم رسول الله ﷺ : من أحب أن يهل بالحج فليهلل، ومن أحب أن يهل بالعمرة فليهلل، فأحرمت عائشة بالعمرة، خاصة أنها روت عن رسول الله ﷺ قوله: (لولا أن أهديت لأهللت بعمرة). والذي يؤيد ذلك ما سقناه من الروايات أن عائشة أحرمت بالعمرة، ولأن قولها خرجنا لا نرى إلا الحج، كونها ربطت ذلك بالخروج دليل على أن ذلك كان نية لها عند خروجها.
وقال ابن القيم: غاية من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج. فيا لله العجب!! أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل خرج
стр. 4318
للحج متمتعًا، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين ﵂ إذ كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره ﷺ ، وكلامها يصدق بعضه بعضًا (١).
وجه آخر: ذكره ابن عبد البر، قال: «ليس في رواية من روى عن عائشة: كنا مهلين بالحج، وخرجنا لا نرى إلا الحج، بيان أنها كانت مهلة بالحج، وإنما هو استدلال؛ لأنه يحتمل أن تكون أرادت بقولها: خرجنا، تعني خرج رسول الله ﷺ وأصحابه مهلين بالحج، تريد بعض أصحابه، أو أكثر أصحابه، والله أعلم، وليس الاستدلال المحتمل للتأويل كالصريح، وقد صرح جابر بأنها كانت مهلة يومئذ بعمرة، كما قال عروة عنها، قالوا: والوهم الذي دخل على عروة، والله أعلم، إنما كان في قوله: (انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج)» (٢).
والذي ذكرته أرجح، ولا يحتمل الحذف والتقدير.
وجه ثالث: أن عائشة أحرمت أولًا بالحج، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وأدركت الإحرام بالحج أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج فأحرمت به فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة.
وهذا ضعيف؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر الصحابة أن يحلوا بعد طوافهم وسعيهم، ولو كانت عائشة قد طافت لم تحتج إلى إدخال العمرة على الحج. والله أعلم.
• الجواب عن قوله ﷺ هذه مكان عمرتك:
أجابوا بعدة أقوال:
القول الأول: قال ابن القيم: قوله: (هذه مكان عمرتك) فعائشة أحبت أن تأتي
стр. 4319
بعمرة مفردة، فأخبرها النبي ﷺ أن طوافها وقع عن حجتها وعمرتها، وأن عمرتها قد دخلت في حجها، فصارت قارنة، فأبت إلا عمرة مفردة كما قصدت أولًا، فلما حصل لها ذلك، قال: هذه مكان عمرتك» (١).
فهذه عمرة مفردة مكان عمرتك المفردة التي لم تتم لك منفردة، كما تمت لسائر أمهات المؤمنين، وكما تمت للناس الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصلت لهم عمرة منفردة.
القول الثاني: أحرمت أولًا بالحج كما صح عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصح من فعل النبي ﷺ وأكثر أصحابه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت، وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها، وأدركت الإحرام بالحج، أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج، فأحرمت به، فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة (٢).
وهذا ضعيف؛ لأنه مبنى على أن عائشة ﵂ كانت محرمة بالحج أولًا وقد بينت بالأحاديث الصحيحة أن عائشة أهلت بالعمرة، ولم تهل بالحج.
القول الثالث: بضعف رواية: (هذه مكان عمرتك).
قال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديمًا ولا حديثًا (٣).
فقيل تفرد عروة، عن عائشة بقوله: (هذه مكان عمرتك)، وهي غير محفوظة، فكما قيل: بشذوذ (دعي عمرتك) يقال: هنا. وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: يسعك طوافك لحجك وعمرتك.
стр. 4320
(١٨٨٤ - ٣٤٤) فقد روى مسلم من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أهلت بعمرة، فقدمت، ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت. فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج (١).
وفي رواية جابر عند مسلم، وفيه: «حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال رسول الله: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا
عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم» (٢).
• الجواب عن قوله ﷺ انقضي رأسك وامتشطي.
أجابوا عدة إجابات، منها.
الجواب الأول: شذوذ هذه اللفظة، كما قدمنا النقل عن ابن قدامة، وابن
عبد البر، وابن القيم، وغيرهم.
الجواب الثاني: على فرض أن اللفظ محفوظ، فهو دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منع المحرم من تمشيط رأسه، وهذا قول ابن حزم (٣).
الجواب الثالث: أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة (٤).
وهذا ضعيف؛ لأنها لو كانت مضطرة لجاء ذكر ذلك في الحديث، وقوله ﷺ لها:
стр. 4321
«انقضي رأسك» لم يكن بناء على طلب منها في نقض رأسها أو بسبب ألم برأسها. ولو كان محرمًا تمشيط شعرها، وكانت مضطرة لنقضه لوجب عليها فدية كما وجب على كعب بن عجرة. والله أعلم
الجواب الرابع: أن ذلك خاص بها. ولذلك قال مالك: حديث عروة، عن عائشة ليس عليه العمل عندنا قديمًا ولا حديثًا (١).
ودعوى الخصوصية تحتاج إلى توقيف، ودعوى ترك العمل ليس دليلًا على الخصوصية، ولم يترك العمل به كلية بدليل أن ابن حزم يرى أنه لا حرج عليها كما قدمنا.
الجواب الخامس: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفرة، وتسريح الشعر، ويتأيد بما في حديث جابر، أنه ﷺ قال لها: (فاغتسلي، ثم أهلي بالحج) (٢).
ودعوى أنها كانت ملبدة رأسها مجرد توهم، وأين الإشارة إليه من الحديث. فأقوى الإجابات عندي أنه يجوز للمحرم أن يمشط شعره، وأن يسرحه خاصة المرأة إذا اغتسلت اشتدت حاجتها إلى تسريحه، والله أعلم.
• دليل الجمهور على أن الحائض تحرم بالحج وتصير قارنة:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن عبد البر: «لا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إدخال الحج على العمرة، ما لم يبتدئ الطواف بالبيت لعمرته، هذا إذا كان في أشهر الحج» (٣).
стр. 4322
قال ابن قدامة: «إدخال العمرة على الحج جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشيته أولى. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج، ما لم يفتتح الطواف بالبيت» (١).
ونقل الإجماع أيضًا ابن رشد (٢).
الدليل الثاني:
أن النبي ﷺ أمر من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة (٣).
الدليل الثالث:
قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٩٦]. فالحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما إلا بإتمامهما (٤).
الدليل الرابع:
الأحاديث الصحيحة التي تصرح أنها كانت قارنة. منها
(١٨٨٥ - ٣٤٥) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها،
أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت. فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج (٥).
(١٨٨٦ - ٣٤٦) ومنها أيضًا حديث جابر رواه مسلم من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير،
стр. 4323
عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت ... ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا .... الحديث (١).
* * *
стр. 4324
المبحث السادس طواف الوداع يسقط عن الحائض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل طواف لا يعتبر نسكًا في حق المقيم بمكة، فإنه يسقط عن المعذور، كطواف الوداع للحائض.
[م-٧٦٢] إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت فإن طواف الوداع يسقط عنها. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو قول عامة الصحابة والفقهاء (٥).
وذهب عمر وابن عمر وزيد بن ثابت بأنه يلزمها طواف الوداع، ويجب عليه المقام حتى تطوف.
وقد رجع ابن عمر وزيد بن ثابت عن هذا القول وقالا: بسقوط طواف الوداع، وبقي هذا القول مذهبًا لعمر (٦).
стр. 4325
• أدلة الجمهور على سقوط طواف الوداع:
الدليل الأول:
(١٨٨٧ - ٣٤٧) روى الإمام البخاري من طريق الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة ﵂، قالت: حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم، قال النبي ﷺ : عقرى حلقى: أطافت يوم النحر؟ قالت: نعم. قال: فانفري، ورواه مسلم (١).
الدليل الثاني:
(١٨٨٨ - ٣٤٨) روى الإمام البخاري من طريق ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال:
أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض. ورواه مسلم (٢).
• الدليل على رجوع زيد وابن عمر عن قولهما:
(١٨٨٩ - ٣٤٩) روى مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، قال:
كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: إما لا. فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت (٣).
стр. 4326
(١٨٩٠ - ٣٥٠) وأما رجوع ابن عمر، فقد روى البخاري من طريق وهيب، حدثنا
ابن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄ قال: رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: إن النبي ﷺ رخص لهن (١).
جاء في فتح الباري: «قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار، ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس، حتى تطهر وتطوف بالبيت، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقى عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة (٢).
وينبغي أن يضاف إليهم جابر بن عبد الله فإنه كان ممن يرى أن على الحائض طواف الوداع.
(١٨٩١ - ٣٥١) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن معمر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، قال:
ما رأيت ابن عباس خالفه أحد في شيء فتركه حتى يقرره، فخالفه جابر بن
عبد الله في المرأة تطوف، ثم تحيض، فقال ابن عباس: تنفر، فأرسلوا إلى امرأة كان أصابها ذلك فوافقت ابن عباس (٣).
[صحيح].
стр. 4327
وفيه إشارة إلى رجوع جابر؛ لأنه أشار أن ابن عباس لم يتركه، حتى يقرره، وأنهم أرسلوا إلى امرأة كان أصابها ذلك، فوافقت ابن عباس، ولا يسع جابرًا إلا الرجوع لقول الرسول ﷺ .
• القول بسقوط طواف الوداع هو قول عامة الصحابة:
(١٨٩٢ - ٣٥٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن أبي فروة، قال:
سألت القاسم بن محمد عن امرأة زارت البيت يوم النحر، ثم حاضت يوم النحر، فقال: يرحم الله عمر. قال أصحاب محمد: قد فرغت إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت (١).
[صحيح].
وأبو فروة هذا هو عروة بن الحارث من رجال الشيخين.
• دليل عمر على وجوب طواف الوداع على الحائض:
(١٨٩٣ - ٣٥٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي، قال:
سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض، فقال: آخر عهدها بالبيت. فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أُرِبْت عن يديك، سألتني عن شيء، سألت عنه رسول الله ﷺ كيما أخالفه (٢).
[الحديث إسناد رجاله ثقات] (٣).
стр. 4328
والجواب: عن هذا القدر المرفوع يحتمل عدة إجابات:
الأول: أن نسلك مسلك الترجيح، فيقال: الأحاديث التي ترخص للحائض بأن تترك طواف الوداع أقوى وأكثر. لحديث عائشة في الصحيحين، وحديث
ابن عباس فيهما أيضًا، وحديث أم سليم وابن عمر وغيرهم من الأحاديث، ومعلوم أن كثرة الأحاديث، وكون بعضها في الصحيحين قرينة قوية على ترجيحها على غيرها، بل لم يعارضها إلا هذا الحديث عن الحارث بن عبد الله الثقفي.
الجواب الثاني:
أن نقول بالنسخ، فالأحاديث التي ترخص للحائض بتركها للطواف كانت في حجة الوداع فتكون ناسخة وهذا ما رجحه الطحاوي (١).
الجواب الثالث:
أن يحمل حديث الحارث إذا كان في الزمان نفس، وفي الوقت مهلة، أما إذا أعجلها السير كان لها أن تنفر من غير وداع وهو اختيار الخطابي (٢).
الجواب الرابع:
قال بعضهم: إن الحارث بن عبد الله بن أسامة مختلف في صحبته، وعليه يكون حديثه مرسلًا. وهذا القول ليس بشيء.
الجواب الخامس:
أن عمر حين سئل عن الحائض قال: وليكن آخر عهدها الطواف بالبيت، كما
стр. 4329
في رواية أحمد، فوافق كلام عمر ﵁ الحديث المرفوع: (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف) وحين سمع منه الحارث قوله: (ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت) قال الحارث كذلك أفتاني رسول الله ﷺ : أي لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وكان قصد الحارث حين سأل عمر يريد دليلًا خاصًا لا دليلًا عامًا، فأجابه عمر بالحديث العام، والذي هو عند الحارث، ويبعد أن يكون عند الحارث حديث خاص عن رسول الله ﷺ ، ثم يطلب العلم من غيره. وعلى هذا يكون باقي الصحابة الذين قالوا: تنفر، قد وقفوا على المخصص المخرج للحائض، وبهذا يزول الإشكال، ولأن من قال: تنفر، قوله هذا خلاف القياس، فلا يقولونه إلا بتوقيف، بخلاف من قال: لا تنفر، فقد يكون أخذ بالعموم. والله أعلم وهذا الوجه إن قال به أحد فهو قوي.
فالراجح أن طواف الوداع يسقط عن الحائض، وهو قول عامة الصحابة كما سبق.
* * *
стр. 4330
المبحث السابع إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع
وطهرت قبل مفارقة البنيان
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• من لم يفارق بنيان مكة لم يفارق مكة، أصله المقيم، لا يترخص أحكام السفر حتى يفارق البنيان.
[م-٧٦٣] إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع، ثم طهرت، فهل يلزمها الرجوع إلى مكة للطواف؟
اختلف العلماء في ذلك.
فقيل: يلزمها طواف الوداع ما لم تبلغ مسافة قصر
وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية في أحد القولين (٢).
وقيل: يلزمها العود ما لم تفارق الحرم. وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٣).
стр. 4331
وقيل: يلزمها العود ما لم تفارق بنيان مكة، وهو مذهب الحنابلة (١)، والصحيح من الوجهين عند الشافعية (٢).
• دليل من قال لا يلزمها الرجوع إذا بلغت مسافة القصر:
قال النووي: «ولو طهرت الحائض أو النفساء، فإن كان قبل مفارقة بناء مكة لزمها طواف الوداع لزوال عذرها، وإن كان بعد مسافة قصر لم يلزمها العود بلا خلاف» (٣).
• دليل من علق الرجوع ما لم تفارق البنيان:
قالوا إذا لم تفارق البنيان فهي في حكم المقيمة، وليست في حكم المسافرة، بدليل أنها لا يمكن أن تستبيح رخص السفر. وإذا كانت مقيمة وجب عليها الطواف؛ لأنها مخاطبة به، مثلها مثل من لم يشرع في السفر.
قال ابن قدامة: «إذا نفرت الحائض بغير وداع، فطهرت قبل مفارقة البنيان، رجعت فاغتسلت، وودعت؛ لأنها في حكم الإقامة بدليل أنها لا تستبيح الرخص، فإن لم يمكنها الإقامة فمضت، أو مضت لغير عذر، فعليها دم، وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع؛ لأنها قد خرجت عن حكم الحاضر» (٤).
• دليل من علق الرجوع ما لم تفارق الحرم:
لعلهم يرون الحرم بمثابة البلد الواحد، فإن كان كذلك فهذا ليس بجيد، بدليل أن أهل مكة مع رسول الله ﷺ صلوا معه بمكة صلاة المقيم، ثم صلوا معه في منى صلاة المسافر، مع أنهم لم يفارقوا الحرم، فليس الحرم بمثابة البلد الواحد. والله أعلم.
стр. 4332
والراجح والله أعلم أن حكم المرأة في هذا معلق بالترخص في أحكام السفر، فإذا بدأت تترخص في أحكام السفر لم يجب عليها الرجوع، ومعلوم أن المسافر يحق له الترخص في أحكام السفر متى فارق البينان. والله أعلم.
* * *
стр. 4333
المبحث الثامن لا يستحب للحائض والنفساء الدعاء عند باب المسجد الحرام
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على المشروعية.
[م-٧٦٤] بينت فيما سبق أن طواف الوداع يسقط عن الحائض والنفساء، وقد استحب بعض الفقهاء من الشافعية (١) والحنابلة (٢) الوقوف عند باب المسجد الحرام قبل الانصراف إلى بلدها للدعاء.
ولا أعلم لهم دليلًا على الاستحباب، بل الدليل على خلافه.
стр. 4334
(١٨٩٤ - ٣٥٤) فقد روى البخاري من طريق الزهري، حدثني عروة بن الزبير
وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما
أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ : فلتنفر. ورواه مسلم (١).
فلم يأمرها ﷺ أن تذهب إلى باب المسجد، وتدعو، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
* * *
стр. 4335
المبحث التاسع طواف الوداع للمستحاضة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا تمنع المستحاضة من دخول المسجد في الأيام التي تصلي فيها.
• من صح منه الاعتكاف في المسجد صح منه طواف الوداع.
• المستحاضة إن نفرت في أيام عادتها فلا وداع عليها، وإن نفرت بعد إدبار عادتها لزمها الطواف؛ لكونها في حكم الطاهرات.
[م-٧٦٥] معلوم أن المرأة المستحاضة إذا أقبلت حيضتها تركت الصلاة، وكانت في حكم الحائض، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت، وأصبحت في حكم الطاهرات.
(١٨٩٥ - ٣٥٥) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم
стр. 4336
ثم صلي.
قال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. ورواه مسلم إلا قوله: قال أبي ثم توضئي لكل صلاة ... إلخ (١).
فقوله: (فإذا أقبلت فدعي الصلاة) أي: فأنت حائض، وإذا كانت حائضًا لم يصح منها طواف، وسقط عنها طواف الوداع، وكان لها أن تنفر.
وقوله: (وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي) أي: فأنت طاهرة، وإذا كانت طاهرة كان عليها ما على الطاهرات من وجوب طواف الوداع.
قال النووي: «وأما المستحاضة إذا نفرت في يوم حيضها فلا وداع عليها، وإن نفرت في يوم طهرها لزمها الوداع» (٢).
وإذا كانت المستحاضة تصلي، كان عليها الطواف، لاسيما إذا علمنا أن المستحاضة لا تمنع من دخول المسجد، حتى على قول من يمنع الحائض من ذلك.
(١٨٩٦ - ٣٥٦) فقد روى البخاري من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة،
عن عائشة، قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي (٣).
وإذا كانت المستحاضة تعتكف، مع كون الاعتكاف ليس واجبًا عليها، فكونها تطوف الطواف الواجب من باب أولى.
* * *
стр. 4337
الباب السادس في أحكام الحائض من حيث العلاقات الزوجية
الفصل الأول في وطء الحائض
المبحث الأول في تحريم وطء الحائض في فرجها
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• ليس من جسم الحائض شيء نجس إلا موضع الدم لحديث: إن حيضتك ليست في يدك.
• منع وطء الحائض من أجل الأذى فاختص بمحله كالدبر.
[م-٧٦٦] أجمع العلماء على أنه يحرم على الزوج أن يجامع زوجته في فرجها حال الحيض، وممن نقل الإجماع ابن المنذر في الأوسط (١)، وابن حزم في مراتب الإجماع، وابن قدامة (٢)، والنووي (٣)، ونقل الإجماع أيضًا خلق كثير من المفسرين، والمحدثين،
стр. 4338
والفقهاء منهم الطبري ﵀ في تفسيره (١)، والقرطبي في التفسير (٢)، وابن كثير في تفسيره (٣)، وابن تيمية (٤).
واستثنى الحنابلة للرجل الذي به شبق أن يطأ امرأته وهي حائض، بشرط ألا تندفع شهوته إلا بالوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، وليس عنده غير زوجته الحائض، بحيث لا يقدر على مهر حرة ولا ثمن أمه.
وهذا الاستثناء من الحنابلة داخل في تحليل الحرام للضرورة لقوله تعالى: (إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ) [الأنعام: ١١٩]، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ) [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥] (٥).
وأما الاستمتاع فيما فوق السرة وتحت الركبة، فقد حكى بعضهم الإجماع على جوازه، منهم ابن قدامة (٦).
وقال النووي بعد أن ساق خلاف العلماء في الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، قال: «وأما ما سواه -يعني سوى ما بين السرة والركبة- فمباشرتها فيه حلال بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمحاملي، وابن الصباغ، والعبدري وآخرون» (٧).
(١٨٩٧ - ٣٥٧) وأما ما يروى عن ابن عباس من طريق حبيب مولى عروة ابن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته
أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه، فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها ثم ذكرت ذلك،
стр. 4339
فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليه فسألتها عن ذلك، ، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل عبد الله فراشه عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله ابن عباس، فتغيظت عليه، وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فوالله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها ثم يباشرها بسائر جسده.
[ضعيف] (١).
(١٨٩٨ - ٣٥٨) وأما مارواه ابن جرير الطبري بسند صحيح، عن محمد بن سيرين، قال: قلت لعبيدة:
ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد واللحاف شتى (٢).
فهذا لا حجة فيه؛ لأنه موقوف على تابعي، مخالف لما جاء عن النبي ﷺ ، ومع هذا فله تأويل مقبول، قال ابن رجب: «الصحيح عن عبيدة ما رواه وكيع في كتابه، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لم يجد بدًا رد عليها من طرف ثوبه.
وهذا إنما يدل على أن الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد، حتى يسترها بشيء من ثيابه. وهذا مما لا خلاف فيه» (٣).
(١٨٩٩ - ٣٥٩) وأما ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن ابن قريظة الصدفي (٤)، قال:
стр. 4340
قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يضاجعك وأنت حائض؟ قالت: نعم، إذا شددت على إزاري، ولم يكن لنا ذاك إلا فراش واحد، فلما رزقني الله فراشًا آخر اعتزلت رسول الله ﷺ (١).
[ضعيف] (٢).
(١٩٠٠ - ٣٦٠) وروى أبو داود، قال: حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 4341
(١٩٠١ - ٣٦١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن أبي هلال، عن شيبة بن هشام الراسبي، قال:
سألت سالمًا عن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض. فقال: نحن آل عمر فنعزلهن (١).
[محتمل للتحسين] (٢).
وضعف إسناده ابن رجب (٣).
وخرج القاضي إسماعيل، من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة،
قال: قال عمر: كنا نضاجع النساء في المحيض، وفي الفرش واللحف قلة، فأما إذا وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كما أمر الله (٤).
стр. 4342
[قال ابن رجب: هذا لا يثبت، وجعفر بن الزبير متروك الحديث] (١).
* * *
стр. 4343
المبحث الثاني في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• ليس من جسم الحائض شيء نجس إلا موضع الدم لحديث: إن حيضتك ليست في يدك.
• وطء الحائض منع للأذى فاختص بمحله كالدبر.
• قال تعالى عن الحيض: (هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا) فذكر الحُكْم بعد الوصف بالفاء، فدل على أن الوصف هو العلة، لاسيما وهو مناسب للحكم، كآية السرقة.
• الأمر بالاعتزال في الدم للضرر والتنجيس، وهو مخصوص بالفرج، فيختص الحكم بمحل سببه.
[م-٧٦٧] تبين لنا من خلال الفصل السابق، تحريم الوطء في الفرج، وهو إجماع.
وتبين لنا جواز الاستمتاع فيما فوق السرة ودون الركبة، وأن القول به كالإجماع، وإن كان فيه خلاف فلعله لا يصح. وهو شاذ مخالف للأدلة الكثيرة وسوف نأتي على ذكرها إن شاء الله.
стр. 4344
وأما مباشرة المرأة الحائض فيما بين السرة والركبة عدا الفرج ففيه خلاف بين العلماء.
فقيل: يحرم عليه الاستمتاع بما تحت الإزار، وهو ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: لا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفرج خاصة. وهو مذهب الحنابلة (٤)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (٥)، وأصبغ وابن حبيب من المالكية (٦)، وقواه النووي من الشافعية (٧)، وابن حزم من الظاهرية (٨).
وقيل: يستحب في المباشرة أن تكون من فوق الإزار ولا يجب (٩).
وقيل: إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه جاز وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (١٠).
стр. 4345
• أدلة الجمهور على تحريم المباشرة من تحت الإزار .
من القرآن: قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].
وجه الاستدلال:
ظاهر الآية تقتضي اعتزال الحائض حال الحيض، فلما دلت الأحاديث على جواز الاستمتاع منها بما فوق الإزار دل ذلك على أن ما عداه باق على المنع.
• وأجيب: بأن المحيض يحتمل معنيين:
الأول: أن يكون مصدرًا من حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا، وعلى هذا التأويل يتوجه استدلالكم.
والثاني: يحتمل أن المراد بالمحيض في الآية اسم لمكان الحيض، كالمقيل، والمبيت (١)، وعلى هذا المعنى يكون تخصيص موضع الدم بالاعتزال دليلًا على إباحته فيما عداه، وهذا التأويل أرجح من الأول لأمرين:
أحدهما: لو أراد بالمحيض الحيض، لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع على خلافه.
الثاني: أن هذا التفسير موافق لسبب نزول الآية.
(١٩٠٢ - ٣٦٢) فقد روى مسلم من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت،
عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ... ) الآية [البقرة: ٢٢٢]. فقال رسول الله: اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقال