• دليل القائلين بأ نه لا يجب عليه إلا التوبة والاستغفار:
الدليل الأول:
عدم الدليل الموجب للكفارة.
قال ابن عبدالبر: «وحجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة، اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة، ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه، ولا مطعن عليه، وذلك معدوم في هذه المسألة» (١).
وقال ابن المنذر: «الكفارة لا يجوز إيجابها إلا أن يوجبها الله ، أو يثبت عن النبي ﷺ أنه أوجبها، ولا نعلم إلى هذا الوقت حجة توجب ذلك والله أعلم» (٢).
стр. 4390
وذكر ابن المنذر: بأن القول بأن لا غرم عليه في ماله، ولكن يستغفر الله، هو قول عطاء، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وابن أبي مليكة، والشعبي، والزهري، وربيعة، وابن أبي الزناد، وحماد بن أبي سليمان الكوفي، وأيوب السختياني، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري والشافعي، والنعمان، ويعقوب (١).
الدليل الثاني:
دليل نظري، قالوا: إن الجماع في الفرج حال الحيض حرم لعلة الأذى، فلا يوجب ذلك كفارة، كالوطء في الدبر، ومن عصى الله فإن فرضه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه في ذلك.
وقال ابن حزم: «إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه الله من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول الرسول ﷺ : من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده وقد ذكرناه بإسناده» (٢).
• دليل القائلين باستحباب الكفارة:
لعل القائلين بالاستحباب ذهبوا إلى ذلك من باب الاحتياط، فإنهم حين رأوا الاختلاف في الحديث والاضطراب في إسناده ومتنه لم يجزموا بالوجوب، وحين رأوا ثبوت ذلك عن ابن عباس من قوله قوي عندهم القول بالاستحباب. واستدل بعضهم على أن الأثر للاستحباب من وجه آخر.
قال أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي: «إذا ثبت أن أصل الحديث الأمر بالتخيير بين الدينار وبين نصف الدينار، فأرى أن الأمر فيه ليس للوجوب، وإنما هو للندب؛ لأن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب على الحقيقة، ولا يكون للندب إلا مجازًا، والمجاز لابد له من قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي، والقرينة هنا في نفس
стр. 4391
اللفظ؛ لأن التخيير في المأمور به بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا من نوع واحد، يدل على أن الزائد على القليل ليس واجبًا، لأن الدينار الواحد له نصفان، وقد أمر مخيرًا بين أدائه كله، وبين أداء نصف من نصفيه، فإذا أدى النصف كان آتيًا بالمأمور به في أحد شقي الأمر، ولم يأت إلا ببعضه في الشق الآخر وبرئت ذمته بما أتاه من المأمور به، فكان الذي لم يأت به غير واجب عليه، بنفس دلالة اللفظ، فدل لفظ الأمر، على أن بعض مدلوله ليس مرادًا به الوجوب فخرج بذلك عن الحقيقة إلى المجاز، وإذا خرج في بعض مدلوله عن الحقيقة لهذه القرينة القاطعة، خرج في كل مدلوله، لامتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معًا، وتحقيق ذلك في موضعه من علم الأصول».اهـ كلام شاكر (١).
• دليل القائلين إن كان الدم كذا فدينار أو كذا فنصف دينار:
عمدة القائلين في ذلك بأن ذلك قد ورد عن ابن عباس من قوله، وهو صحابي عربي اللسان، ترجمان القرآن وحبر الأمة، وهو أدرى بما روى، وتفسيره مقدم على تفسير غيره.
والذي يرجح ذلك أن احتمال كون (أو) في قوله «يتصدق بدينار أو نصف دينار» للشك بعيد، وإن كان قد حصل الشك لبعض الرواة؛ لأن الشريعة في نفسها لا يمكن أن يكون فيها حكم مشكوك فيه، وهي من لدن حكيم خبير، والشك وصف عارض قد يطرأ على الإنسان لضعفه وعجزه، وأما حقيقة الأمر فالشريعة ليس فيها شك.
وتحتمل أن (أو) للتخيير، فلما احتملت هذا وهذا رأينا أن تفسير ابن عباس في كون (أو) للتنويع هو الفيصل.
(١٩٢١ - ٣٨١) فقد روى البيهقي، من طريق أبي الجواب، حدثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج عن عطاء،
стр. 4392
عن ابن عباس، في الرجل يأتي امرأته وهي حائض، قال:
إن أتاها في الدم تصدق بدينار، وإن أتاها في غير الدم تصدق بنصف دينار (١).
[وإسناده حسن، وسبق الكلام عليه عند الكلام على حديث ابن عباس]. وقد توبع ابن جريج ... فقد رواه أبو داود (٢)، والحاكم (٣)، والبيهقي (٤) من طريق علي بن الحكم البناني، عن أبي الحسن الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا عليه.
[وهذا سند ضعيف، لكنه صالح في المتابعات وسبق الكلام عليه].
• دليل من قال: هو مخير بين دينار ونصف دينار:
دليلهم أن التفصيل الوارد إن كان الدم كذا فدينار أو كذا فنصف دينار لم يثبت منه شيء مرفوع، وأن القدر المرفوع منه هو
(١٩٢٢ - ٣٨٢) ما رواه أحمد من طريق شعبة، عن عبد الحكم عن عبد الحميد بن
عبد الرحمن، عن مقسم،
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو نصف دينار (٥).
وليس في الحديث ما يدل على أن (أو) للشك فبقي أنه مخير بين الدينار أو نصف دينار.
فإن قيل: إن التخيير في الجنس الواحد ينافي الوجوب، فإذا كان مخيرًا بين نصف دينار، وبين إخراج دينار ... لم يكن إخراج الدينار واجبًا.
وإذا كان الأمر كذلك خرج الأمر من كونه يراد به الوجوب، إذ لا يمكن أن
стр. 4393
يكون الأمر في شيء واحد مشتركًا بين الوجوب والاستحباب، فبعضه واجب، وبعضه مستحب.
أجاب ابن قدامة، بقوله: «فإن قيل: فكيف يخير بين شيء ونصفه؟ قلنا: كما يخير المسافر بين قصر الصلاة وإتمامها، فأيهما فعل كان واجبًا، كذا ها هنا» (١). وهذا الجواب فيه ما فيه؛ لأن العقوبات لا تقاس على الرخص.
• دليل من قال: عليه خمسا دينار:
(١٩٢٣ - ٣٨٣) ما رواه الدارمي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب، قال:
كان لعمر بن الخطاب امرأة تكره الجماع، وكان إذا أراد أن يأتيها اعتلت عليه بالحيض، فوقع عليها فإذا هي صادقة، فأتى النبي ﷺ فأمره أن يتصدق بخمسي دينار (٢).
[ضعيف] (٣).
• دليل من قال: يعتق نسمه أو قال: عليه كفارة من جامع في نهار رمضان:
لا أعلم لهذين القولين دليلًا، من الكتاب ولا من السنة، ولا من قول صاحب، وإنما نسب القول بإعتاق رقبة لسعيد بن جبير، حكاه ابن المنذر عنه في الأوسط (٤) ولم أقف على إسناده.
стр. 4394
وحكى القول بكفارة من جامع أهله في نهار رمضان للحسن.
(١٩٢٤ - ٣٨٤) رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام،
عن الحسن أنه كان يقيسه بالذي يقع على أهله في رمضان (١).
[وهشام في روايته عن الحسن فيها كلام، قيل: إنه كان يرسل عنه].
ورواه الدارمي: وفيه رجل مبهم (٢).
والراجح لي أن من جامع امرأته في فرجها حال الحيض أنه لا يجب عليه شيء، وعليه التوبة والاستغفار، وإن أخرج دينارًا أو نصفه فإنه مستحب لقول ابن عباس، ولا يثبت عندي مرفوعًا عن النبي ﷺ ، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 4395
المبحث الخامس في تصديق الرجل زوجه إذا أخبرته بأنها حائض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل مؤتمن فإنه مصدق فيما يخبر به، ومنه المرأة تخبر بنزول عادتها، أو انقضاء عدتها في مدة يمكن تصديقها.
[م-٧٧٠] قال ابن نجيم، نقلًا عن السراج الوهاج قال: «إذا أخبرته بالحيض، إن كانت فاسقة لا يقبل قولها، وإن كانت عفيفة يقبل قولها، ويترك وطؤها.
وقال بعضهم: إن كان صدقها ممكنًا، بأن كانت في أوان حيضها قبلت، ولو كانت فاسقة كما في العدة وهذا القول أحوط وأقرب إلى الورع.
قال ابن نجيم: فعلم من هذا أنها إذا كانت فاسقة ولم يغلب على ظنه صدقها، بأن كانت في غير أوان حيضها لا يقبل قولها اتفاقًا» (١).
قلت: قد يتمكن الزوج من الوقوف على صدقها من كذبها قبل الجماع، والوسائل كثيرة، لأن الحيض أمر محسوس، معلوم بالمشاهدة والرائحة.
* * *
стр. 4396
المبحث السادس في كفر من استحل جماع الحائض في فرجها
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل من استباح محرمًا مقطوعًا بحرمته مجمعًا عليه فإنه يكفر إذا كان مثله لا يجهل حكمه.
[م-٧٧١] قال النووي في المجموع: «أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض، للآية الكريمة، والأحاديث الصحيحة» ثم قال: «قال أصحابنا وغيرهم: من استحل وطء الحائض حكم بكفره، ومن فعله جاهلًا وجود الحيض، أو تحريمه، أو ناسيًا، أو مكرهًا، فلا إثم عليه ولا كفارة» (١).
وجزم بكفره من الحنفية السرخسي (٢)، وابن الهمام (٣).
والدليل على كفره أنه مكذب للقرآن في قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢].
стр. 4397
وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» رواه مسلم وسبق تخريجه.
وجاء في البحر الرائق لابن نجيم، قال: «صحح أنه لا يكفر صاحب الخلاصة، ويوافقه ما نقله أيضًا من الفصل الثاني في ألفاظ الكفر من اعتقد الحرام حلالًا، أو على القلب، يكفر إذا كان حرامًا لعينه، وثبتت حرمته بدليل مقطوع به، أما إذا كان حرامًا لغيره بدليل مقطوع به، أو حرامًا لعينه بأخبار الآحاد لا يكفر إذا اعتقده حلالًا. فعلى هذا لا يفتى بتكفير مستحله لما في الخلاصة أن المسألة إذا كان فيها وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع، فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه» (١).
والراجح الأول: فكل ما كان مجمعًا على تحريمه، فإن من استحله، ومثله لا يجهل الدليل على التحريم فإنه يُعَلَّم، فإن أصر حكم بكفره.
وسواء كان الدليل من القرآن أو من السنة المتواترة، أو من أخبار الآحاد ما دام أن التحريم لا خلاف فيه بين العلماء. أما إذا اختلف في تحريمه. فاستحله أحد فلا يكفر، بناء على أن التحريم منازع فيه.
* * *
стр. 4398
المبحث السابع جماع الحائض من اللمم وليس من الكبائر
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الكبائر محدودة، وليست معدودة، ولم يصح في الأدلة ما يدخل جماع الحائض في حد الكبيرة.
في الشريعة ذنوب مجمع عليها أنها من الكبائر، وهناك ما يسمى اللمم والتي لا يسلم منها أحد.
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ) [النجم: ٣٢].
وقال تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) [النساء: ٣١].
وقال : (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى: ٣٧].
[م-٧٧٢] وقد اختلف العلماء في جماع الرجل لزوجته حال الحيض، هل هو ملحق بالكبائر؟
فقيل: من أتى امرأته وهي حائض عالمًا بالحرمة عامدًا مختارًا فقد ارتكب كبيرة
стр. 4399
من كبائر الذنوب، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: يأثم ولا يكون مرتكبًا لكبيرة لعدم انطباق تعريف الكبيرة عليه وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
• دليل الحنفية والشافعية على أن جماع الحائض كبيرة:
الدليل الأول:
(١٩٢٥ - ٣٨٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدقه، فقد برئ مما أنزل على محمد.
وفي رواية: فقد كفر بما أنزل على محمد (٤).
[ضعيف] (٥).
وجه الاستدلال:
قوله: (فقد كفر) لا شك أن هذا اللفظ لو صح لفهم منه أنه كبيرة من كبائر الذنوب ...
والكفر هنا لا يراد به الكفر المخرج من الملة.
فقال السرخسي في المبسوط: «(فقد كفر بما أنزل على محمد) مراده: إذا استحل ذلك الفعل» (١). ولا يظهر لي هذا القيد، لأن الحديث خلا منه.
وقال المناوي: «ومن لم يستحلها -يعني هذه الأفعال- فهو كافر بالنعمة، على ما مر غير مرة، وليس المراد حقيقة الكفر، وإلا لما أمر في وطء الحائض بالكفارة كما بينه الترمذي (٢). وعلى هذا فالمراد فقد كفر: أي بالنعمة.
وقال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ» (٣).
وقيل في معنى الحديث أقوال ساقها النووي في شرحه لصحيح مسلم.
قال: «أحدها: إن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق.
الثاني: المراد به كفر النعمة وحق الإسلام.
الثالث: أنه يقرِّب من الكفر ويؤدي إليه.
الرابع: أنه فعل كفعل الكفار.
الخامس: المراد حقيقة الكفر، ومعناه: لا تكفروا بل دوموا مسلمين.
السادس: حكاه الخطابي وغيره، أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه.
قال الأزهري في كتابه «تهذيب اللغة»: يقال للابس السلاح كافر.
стр. 4402
والسابع: قاله الخطابي: معناه لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا فقال بعضكم بعضًا. اهـ
وإطلاق الكفر وإرادة الكفر الأصغر كثير في الشرع.
(١٩٢٦ - ٣٨٦) فقد روى البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا وائل يحدث،
عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وأخرجه مسلم (١).
(١٩٢٧ - ٣٨٧) كما أخرج البخاري من طريق أبي زرعة،
عن جرير، أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: استنصت الناس، فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. وأخرجه مسلم (٢).
وقتال المسلم ولو كان عدوانًا لا يخرج به المسلم عن الإسلام، ولا يكفر به كفرًا يخرج عن الملة .. قال : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... ) إلى قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ١٧٨] فلم تنتف الإخوة مع القتل ...
وقوله سبحانه: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... ) [الحجرات: ٩].
إلى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: ١٠].
(١٩٢٨ - ٣٨٨) ومنها حديث أبي ذر في البخاري من طريق الحسين، عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثني يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الديلي، حدثه
عن أبي ذر، أنه سمع النبي ﷺ ، يقول: ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه، وهو يعلمه
стр. 4403
إلا كفر، ومن ادَّعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار. ورواه مسلم (١).
(١٩٢٩ - ٣٨٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق الشعبي،
عن جرير أنه سمعه يقول: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. قال منصور: قد والله روي عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى عني ههنا
بالبصرة (٢).
فالمراد أن الكفر قد يطلق ويراد به كفر لا يخرج عن الملة .. لكن يعد من كبائر الذنوب ... أو من أكبرها.
الدليل الثاني:
الدليل الثاني على أن إتيان الحائض كبيرة من كبائر الذنوب.
(١٩٣٠ - ٣٩٠) ما رواه أحمد: من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم،
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل الذي يأتي امرأته، وهي حائض يتصدق بدينار، أو نصف دينار (٣).
[المحفوظ أنه موقوف على ابن عباس].
وجه الاستدلال:
أن الفعل لما رتبت عليه عقوبة (كفارة) ... دل على أنه ليس من الصغائر، فكل فعل رتبت عليه عقوبة دنيوية أو أخروية، أو رتب عليه وعيد بغضب أو لعن، أو نحوها فإن هذا دليل على أن الفعل كبيرة، لأن الراجح من أقوال أهل العلم أن الكبائر محدودة وليست معدودة.
стр. 4404
• دليل الحنابلة بأن وطء الحائض ليس كبيرة:
قال البهوتي في كشاف القناع: «ووطؤها -أي الحائض- في الفرج ليس بكبيرة، لعدم انطباق تعريفها عليه» (١).
فلما لم تصح أدلة القول الأول: (من أتى حائضًا فقد كفر بما أنزل على محمد) لم يكن هذا الفعل داخلًا في حد الكبيرة، والله أعلم.
والعجيب أن الحنابلة يرون وجوب الكفارة، وهي عقوبة، ومع ذلك لا يقولون بأنها كبيرة.
ويجيبون عن هذا، بما قاله ابن مفلح الصغير: «إنما شرعت الكفارة زجرًا عن معاودته، ولهذا أغنى وجوبها عن التعزير» (٢).
قلت: لو وجبت الكفارة لكانت نوعًا من التعزير؛ لأن التعزير قد يقع على البدن، وقد يقع على المال.
والراجح كما اسلفنا أن الكفارة ليست واجبة، وأن جماع الحائض لا يدخل في حد الكبيرة، والله أعلم.
* * *
стр. 4405
المبحث الثامن في وجوب الكفارة على من جامع الحائض جاهلً أو ناسيًا
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الجاهل في الشريعة يجري مجرى الناسي على الصحيح؛ لعدم تعمد المخالفة، فلا كفارة ولا إثم للعفو عن الخطأ والنسيان ما لم يقصر، وإلا أثم.
• الجاهل أولى بالمعذرة من الناسي ما لم يقصر في معرفة الحكم.
• الجهل والنسيان يعذر بهما في حق الله تعالى في المنهيات دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالإعادة.
• كل من علم تحريم شيء، وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك.
• إعذار الجاهل من باب التخفيف، لا من حيث جهله؛ إذ لو عذر من أجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم؛ لأنه يحط عن العبد أعباء التكليف.
[م-٧٧٣] قال ابن قدامة: «على وجهين:
أحدهما: تجب لعموم الخبر؛ ولأنها كفارة تجب بالوطء أشبهت كفارة -الوطء في الصوم والإحرام- قلت: وهذا هو المشهور عند الحنابلة ثم قال: والثاني: لا تجب؛
стр. 4406
لقوله ﵇: «عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان» ولأنها تجب لمحو المأثم، فلا تجب مع النسيان ككفارة اليمين، فعلى هذا لو وطئ طاهرًا فحاضت في أثناء وطئه لا كفارة عليه، وعلى الرواية الأولى عليه الكفارة .. » (١).
قلت: الصحيح أن الوطء في الصوم والإحرام كغيره لا يجب على الناسي والجاهل به شيء، فالصحيح لو قلنا بوجوب الكفارة أن الجاهل والناسي لا شيء عليهما بدلالة الكتاب قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥].
(١٩٣١ - ٣٩١) وأخرج مسلم من طريق وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث
عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلت: (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) قال: قد فعلت. (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا) [البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلت (٢).
(١٩٣٢ - ٣٩٢) وأخرج البخاري من طريق هشام، حدثنا ابن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه. وأخرجه مسلم (٣).
стр. 4407
والاستدلال بهذه الأحاديث أولى من الاستدلال بحديث: عفي لأمتي الخطأ والنسيان؛ للاختلاف في صحته.
فالناسي والجاهل إذا كان مثله يجهل لا شيء عليهما على القول بوجوب الكفارة.
والمقصود بالجاهل من يجهل التحريم، أما إذا كان يعلم بالتحريم، ويجهل الكفارة، فإن ذلك لا يسقط الكفارة عنه. لأنه فعل فعله وهو يعلم أنه محرم.
* * *
стр. 4408
المبحث التاسع إخراج القيمة في كفارة جماع الحائض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إخراج القيمة في الزكوات والكفارات، هل هو من باب إخراج الواجب، أو بدل الواجب.
• الأصل إخراج الواجب، ويجوز إخراج القيمة في غير العتق إذا تعذر الواجب، وكذا إذا أخرجت الفضة عن الذهب أو العكس؛ لأن الأثمان مقصودهما واحد، أو كان الباعث على ذلك مصلحة الفقير، والأصل فيه حديث: (ففي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم يكن فابن لبون ذكر).
[م-٧٧٤] قال ابن قدامة: «يجزئ نصف دينار من أي ذهب إذا كان صافيًا من الغش، ويستوي تبره ومضروبه لوقوع الاسم عليه، وهل يجوز إخراج قيمته؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن المقصود يحصل بإخراج هذا القدر من المال، على أي صفة كان من المال، فجاز بأي مال كان، كالخراج والجزية.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه كفارة، فاختص ببعض أنواع المال، كسائر الكفارات،
стр. 4409
فعلى هذا الوجه، هل يجوز إخراج الدراهم مكان الدينار؟
فيه وجهان: بناء على إخراجها عنه في الزكاة، والصحيح جوازه، لما ذكرنا؛ ولأنه حق يجزئ فيه أحد الثمنين، فأجزأ فيه الآخر كسائر الحقوق» (١).
واعتبر ابن تيمية في الدينار أن يكون مضروبًا (٢).
قال ابن مفلح في الفروع: «وهو أظهر» (٣).
وهذا التفريع هو على القول المرجوح الموجب للكفارة.
* * *
стр. 4410
المبحث العاشر في لزوم المرأة كفارة جماع الحائض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• المرأة كالرجل في التكليف إلا بدليل.
[م-٧٧٥] قال ابن قدامة: «المنصوص أن عليها الكفارة، قال أحمد في امرأة غرت زوجها: إن عليه الكفارة وعليها؛ وذلك لأنه وطء يوجب الكفارة فأوجبها على المرأة المطاوعة ككفارة الوطء في الإحرام.
وقال القاضي في وجه وجوبها على المرأة وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأن الشرع لم يرد بإيجابها عليها، وإنما يتلقى الوجوب من الشرع، وإن كانت مكرهة أو غير عالمه فلا كفارة عليها، لقوله ﵇: عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١).
قلت: الأولى في الاستدلال بأن المكره لا شيء عليه بقوله تعالى: (إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦] فإذا كان يعذر بالإكراه حتى بالكفر فما دونه من باب أولى.
стр. 4411
ولو قلنا بوجوب الكفارة، فالرجل مثل المرأة سواء إن طاوعته وكانت عالمة بالتحريم وجبت عليها الكفارة وإن كانت ناسية أو جاهلة فلا شيء عليها.
* * *
стр. 4412
الفصل الثاني
في طلاق الحائض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الصحة والبطلان من أحكام الوضع، والإباحة والتحريم من أحكام التكليف، والتحريم لا ينافي الصحة.
• الأصل في الطلاق أنه يوجب الفرقة من حيث حكمه الوضعي، بصرف النظر عن إباحته أو تحريمه كطلاق الحائض على الصحيح.
• التحريم دليل على التأثيم، وأما الصحة والبطلان فتطلب من دليل آخر.
• الربا محرم بالإجماع ووجوب رد الزيادة دليل على صحة العقد، وإلا لوجب الفسخ.
• النهي عن طلاق الحائض ليس عائدًا لذات الطلاق، وإنما هو معلل بتطويل العدة؛ لأن أيام الحيض لن تحسب من العدة، وهي في الغالب ستة أيام، ومثل هذا لا يمنع الصحة.
• زيادة عدة المطلقة بالحيض عن غيرها ستة أيام ليست بأطول من طلاق الحامل في أول حملها؛ إذ قد تبلغ عدتها تسعة أشهر، ومع ذلك لم يمنع ذلك من وقوع طلاقها.
стр. 4413
[م-٧٧٦] أجمع العلماء على أن طلاق الحائض محرم بدعي مخالف للسنة.
وإذا طلقها فهل يقع أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك.
فقيل: يقع مع التحريم. وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: لا يقع، وهو مذهب الظاهرية (٢)، واختاره ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، والشوكاني (٥).
• أدلة الجمهور على وقوع الطلاق:
الدليل الأول:
من القرآن: قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩].
وقوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠].
وقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨].
وجه الاستدلال:
أن هذه الآيات تدل على وقوع الطلاق مطلقًا في حال الحيض أو الطهر أو
стр. 4414
غيرهما، ولم اخص حالًا دون حال، فوجب أن تحمل الآيات على إطلاقها، ولا يجوز تقييدها إلا بكتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا يوجد ما يخصصها (١).
• وأجيب:
بأن الطلاق إذا أطلق لا يراد به إلا الطلاق الشرعي.
قال ابن القيم في زاد المعاد: «دعواكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق، وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم فنسألكم ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح، وقال: شمول الاسم الصحيح من ذلك والفاسد سواء، بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية، وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعي دخولها تحت الألفاظ الشرعية، وحكم لها بالصحة لشمول الاسم لها، هل تكون دعواه صحيحه أو باطلة؟
فإن قلتم: صحيحة، ولا سبيل لكم إلى ذلك كان قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين.
وإن قلتم: دعواه باطلة، تركتم قولكم، ورجعتم إلى ما قلناه.
وإن قلتم تقبل في موضع وترد في موضع. قيل لكم: فرقوا لنا تفريقًا صحيحًا، مطردًا، ومنعكسًا، معكم به برهان من الله بَيْنَ ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص، فيثبت له حكم الصحة، وبين ما لا يدخل تحتها فيثبت له حكم البطلان، وإن عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقالتها ومقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله، وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق، وجد غير محل النزاع جعلتموه مقدمة في الدليل وذلك عين المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عليه
стр. 4415
تحت قوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) [البقرة: ٢٤١].
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] وأمثال ذلك. وهل سلم لكم منازعكم ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم» (١).
الدليل الثاني:
(١٩٣٣ - ٣٩٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. وأخرجه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
فقوله ﷺ : (مره فليراجعها) هذا اللفظ لا نزاع في ثبوته، وثبوت المراجعة دليل على أن الطلاق واقع، وأنه معتد به، والمراجعة بدون وقوع الطلاق محال. وهذا من أقوى الأدلة لهذا القول.
• وأجيب:
عن قوله: (فليراجعها) بعدة إقوال:
منها: أن المقصود: فليراجعها: أي فليردها إلى بيته، وكان من عادة المطلقة أن تخرج من بيت الزوج، فأمر بإرجاعها.
وقيل: المقصود: فليراجعها، أي فليراجع بدنها، قال ابن تيمية: «جرت العادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه، واعتزلته ببدنها، فقال لعمر: مره فليراجعها،