اختلف على عبد الوهاب الثقفي فرواه محمد بن بشار بلفظ: (لا يعتد بها ... ).
ورواه ابن أبي شيبة، ويحيى بن معين عنه: (لا يعتد بتلك الحيضة) وهما أرجح وأقوى منه حفظًا، بل كل واحد منهما بانفراده مقدم عليه مع أن حمل الرواية المجملة على الرواية المبينة هو المتعين.
بل إن عبيد الله بن عمر الذي روى عنه عبد الوهاب الثقفي قوله: (لا يعتد لذلك) كان يروى عنه من قوله ومن روايته عن نافع أنها حسبت على ابن عمر.
(١٩٤٨ - ٤٠٨) فقد أخرج الدارقطني، من طريقين عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، أخبرنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد الله، عن نافع، عن عبدالله أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي ﷺ بذلك وذكر الحديث.
وفيه: قال عبيد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة، غير أنه خالف السنة (١).
[وسنده صحيح] فهذا من قوله يدل على أنها وقعت عليه واحدة.
وأما ما كان من روايته عن نافع. فقد أخرجه مسلم: من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر وذكر الحديث، قال عبيدالله: قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها (٢).
الدليل الخامس:
قال ابن القيم في تهذيب السنن: من النظر قالوا: إن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض لو كان واقعًا لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترقع خرقه، فأما رجعة يعقبها طلاق فلا تزيل مفسدة الطلاق لو كان واقعًا (٣).
стр. 4447
وقال ابن تيمية: «لو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ثانية فائدة، بل فيه مضرة عليهما، فإن له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص والإجماع، وحينئذ يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق، وتطويل العدة وتعذيب الزوجين جميعًا» (١).
وقال أيضًا: «ولو كان الطلاق المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله، وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يباح له الطلاق بعدها، والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنه الله ورسوله؛ فإنه إن كان راغبًا في المرأة فله أن يرتجعها، وإن كان راغبًا عنها فليس له أن يرتجعها فليس في أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية بل زيادة مفسدة، ويجب تنزيه الرسول ﷺ عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد» (٢).
والجواب عن هذا بأن يقال: هذا النظر ممكن أن يكون جيدًا، لولا أنه في مقابل النص، والمفسدة والمصلحة ليست عقلية محضة، والشرع مقدم على النظر القاصر، وكل نظر في مقابل النص فهو فاسد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا نقول لمن طلق امرأته: راجعها، وسيكون لزامًا عليك طلاقها بعد طهرها، وإنما نقول: إذا لم يراجعها، فقد وقع الطلاق مع الإثم إن كان عالمًا، وإذا راجعها ورأى أن يمسكها فله ذلك إلا أنه تعد عليه طلقة.
الدليل السادس:
استدل ابن القيم في تهذيب السنن: على أن قول ابن عمر: (أرأيت إن عجز واستحمق) أن ابن عمر ليس عنده سنة عن رسول الله ﷺ بوقوع الطلاق في الحيض؛ لأن قوله: (أرأيت) رأي محض، وكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصًّا عن رسول الله
стр. 4448
صلى الله عليه وسلم في الاعتداد بتلك الطلقة ثم يحتج بقوله: (أرأيت إن عجز واستحمق) وقد سأله مرة رجل عن شيء فأجابه بالنص فقال السائل: أرأيت إن كان كذا وكذا؟ قال: اجعل أرأيت باليمن (١).
والجواب عن هذا أن ابن عمر لم يكتم النص عن رسول الله ﷺ ، ويعتذر لابن القيم أنه لم يقف على كثير من الروايات عن ابن عمر في التصريح بوقوع الطلاق من ذلك رواية الشعبي عن ابن عمر ..
ومن ذلك ظنه تفرد ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، حتى شك ابن القيم في لفظ الحديث هل هو من كلام ابن وهب أم من كلام ابن أبي ذئب أم من كلام نافع، أم من كلام ابن عمر ... مع أن اللفظ صريح في الرفع، ولا يحتمل الشك وكذلك ظن تفرد ابن وهب، ولم يقف على المتابعات لابن وهب كمتابعة أبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب به.
وكذلك متابعة ابن جريج لابن أبي ذئب، وقد سقتها كلها.
وأما الاستدلال بالرأي مع الدليل الشرعي، فإنه معروف في أقوال الصحابة، ولا يقدح هذا، بل إن اتفاق النظر العقلي للدليل النقلي يشرح الصدر، كما في قول إبراهيم: (وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠] وكما قيل صحيح العقل لا يخالف صريح النقل.
وكما قال أحد الصحابة للرسول ﷺ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر قال: (أرأيت لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال).
(١٩٤٩ - ٤٠٩) وروى البخاري، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية سمعت رسول الله ﷺ يقول: تخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى. قالت
стр. 4449
حفصة آلحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة، وكذا وكذا. والحديث رواه مسلم بنحوه دون قول حفصة (١).
فهنا أم عطية مع احتجاجها بقول الرسول ﷺ ، وكفى به حجة، احتجت بالقياس.
الدليل السابع:
قال ابن القيم في زاد المعاد، قال: «لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب أو سنة أو إجماع متيقن، فإذا أوجدتمونا واحدًا من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح به ولا سبيل إلى رفعه بغير ذلك» (٢).
• والجواب:
أننا نوافقكم على هذا الدليل، وقد أثبتنا الأدلة المتكاثرة، عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا عليه بوقوع الطلاق، والمعارض لا ينهض على رد هذه الأحاديث إما لشذوذه، أو لكونه غير صريح، ويعارض هذا الدليل بمعارض آخر، أن الطلاق الأصل فيه أنه يخرج المرأة من عصمة الرجل فمن ادعى أن هناك طلاقًا لاغيًا لا تأثير له فعليه الدليل. والقول بتحريمه غير كافٍ، لأن التحريم تعلقه بالإثم لا بالصحة، فالتحريم والصحة غير متلازمين.
الدليل الثامن:
قالوا: «إن الحكمة في منع الطلاق في الحيض أو في طهر مسها فيه أن ذلك يطيل على المرأة العدة، فإنها إن كانت حائضًا لم تحتسب الحيضة من عدتها، فستنتظر حتى تطهر من حيضها، وتتم مدة طهرها، ثم تبدأ العدة من الحيضة التالية، وإن كانت طاهرًا، ومسها في الطهر فإنها لا تدري بما تعتد: أبالحيض أم بوضع الحمل إذا كانت حملت من ذلك المسيس؟
стр. 4450
فلو كانت الروايات التي يحتج بها القائلون بوقوع طلقة ابن عمر في الحيض صحيحة لكان الأمر بمراجعتها ثم التربص بها إلى أن تطهر، ثم يطلقها إن شاء في الطهر الثاني قبل أن يمس ـ: أمرًا بإطالة عدتها زمنًا أكثر مما أريد من الرفق بها» (١).
• والجواب عن ذلك:
أن يقال: قد اختلف العلماء في الحكمة من منع الطلاق في الحيض إلى ثلاثة أقوال:
قال ابن تيمية: «وتنازعوا في علة منع طلاق الحائض، هل هو تطويل العدة كما يقول أصحاب مالك والشافعي وأكثر أصحاب أحمد؟
أو لكونه حال الزهد في وطئها فلا تطلق إلا في حال رغبة في الوطء لكون الطلاق ممنوعًا لا يباح إلا لحاجة، كما يقول أصحاب أبي حنيفة، وأبو الخطاب من أصحاب أحمد؟
أو هو تعبد كما يقول بعض المالكية؟ على ثلاثة أقوال» (٢).
فإذا كانت العلة غير منصوص عليها، لا يجوز أن نترك النصوص المرفوعة والموقوفة عن ابن عمر في الاعتداد بتلك الطلقة لعلة مستنبطة، قد تكون هي العلة، وقد تكون العلة غيرها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا راجعها، ثم طلقها بعد حيضتها التالية، فما دامت في عقد الزوجية لا يقال: إنها في عدة، وأن عدتها طالت، وأن الضرر قد لحقها في ذلك؛ لأنها ما زالت زوجة، لها حقوق الزوجة من النفقة والميراث، ونحوهما حتى تحيض الحيضة التالية، فيقع الطلاق، وهو غير ملزم للزوج، بل إن شاء طلق وإن شاء أمسك. والله أعلم.
стр. 4451
الدليل التاسع:
أننا إذا أوقعنا الطلاق، ثم أمرناه بالمراجعة وجوبًا، ثم طلق مرة ثانية، يكون وقع منه طلقتان، وهو لم يرد إلا طلقة واحدة، وتضررت المرأة بوقوع الطلقتين، وهي لا ذنب لها.
• وأجيب:
بأن كلًا من الطلقتين قد وقعت باختيار الرجل وإرادته، فالأول طلق في زمن الحيض، وهو محرم، فكان عقوبته أن أمر بالمراجعة، والطلاق الثاني وقع أيضًا باختياره دون إكراه، وأما المرأة فالطلاق حق للرجل، وليس للمرأة.
الدليل العاشر:
معلوم أن الرجل إذا طلق زوجته، ثم أراد أن يراجعها كان مأمورًا بالإشهاد والنبي ﷺ لم يأمر ابن عمر بالإشهاد، فهذا دليل على أنه لم يحسب ما وقع طلاقًا (١).
روى ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال:
إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (٢) عند الطلاق وعند المراجعة.
قال ابن جرير في تفسير الآية: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) أشهدوا على الإمساك إن أمسكتموهن، وذلك هو الرجعة. ذوي عدل منكم: وهما اللذان يرضى دينهما وأمانتهما (٣).
стр. 4452
قلت: عدم النقل هنا ليس نقلًا للعدم، وما المانع أن يكون ابن عمر قد أشهد عدلين، خاصة أن عمر قد علم ذلك. ويبقى أن هذا لا يقوى أن يكون دليلًا بنفسه، فضلًا عن معارضته للأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا أن فعله حسب عليه طلقة. والله أعلم.
فالقول الراجح أن طلاق الحائض يقع مع الإثم.
والقائلون بأنه لا يقع ليس عندهم من الأدلة المرفوعة إلا حديث أبي الزبير عن ابن عمر .. ولا يجوز الأخذ به ... مع وجود ثلاثة من الحفاظ يروونه عن ابن عمر مرفوعًا بوقوع الطلاق منهم الشعبي، وسعيد بن جبير، عن ابن عمر، وابن أبي ذئب وابن جريج كلاهما عن نافع عن ابن عمر .. فكيف ترجح رواية أبي الزبير على روايات هؤلاء.
فإذا أضفت إلى هؤلاء الثلاثة، ثلاثة آخرين رووه عن ابن عمر موقوفًا بما يوافق الرواية المرفوعة أصبحوا ستة من الحفاظ منهم سالم، ونافع، وأنس بن سيرين.
مع أن رواية أبي الزبير قد قدمت لها تأويلًا صحيحًا يوافق رواية الجماعة وأن قوله: (لم يرها شيئًا) أي لم يرها صوابًا، أو لم يرها شيئًا جائزًا وقد أثبتنا أيضًا الخلاف على أبي الزبير في ذكرها، فقد روى الحديث حجاج بن محمد المصيصي وأبو عاصم وهما ثقتان وروايتهما في مسلم روياه عن ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر وليس فيه: (ولم يرها شيئًا) فروايتهما الموافقة لرواية الجماعة أولى بالقبول، والله أعلم.
وإذا طلق الرجل في الحيض أمر بالمراجعة كما أمر الرسول ﷺ ابن عمر، إلا أن تكون الطلقة هي الطلقة الثالثة.
وقد أطلت الكلام في هذه المسألة، وربما أعدت الكلام الواحد أكثر من مرة،
стр. 4453
لأن الفتوى عند بعض مشايخنا تخالف ما رجحت، فأردت أن أكرر الكلام ليتضح أكثر فأكثر. والله أسأل أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
* * *
стр. 4454
الفصل الثالث في الخلع وقت الحيض
المبحث الأول تعريف الخلع
تعريف الخلع (١):
اختلف الفقهاء في تعريفه تبعًا لاختلاف مذاهبهم في كونه طلاقًا أو فسخًا، ولذا سوف أذكر من التعاريف ما يكون صالحًا لكلا القولين.
قال البهوتي الحنبلي في تعريفه: «هو فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة» (٢).
* * *
стр. 4455
المبحث الثاني في حكم الخلع
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل فراق بين الرجل وزوجته لم يكن ناشئًا عن طلاق فهو فسخ على الصحيح.
[م-٧٧٧] اختلف العلماء في جواز الخلع على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يجوز الخلع، وبه قال بكر بن عبد الله المزني (١).
• دليل القول بأنه لا يجوز:
استدل أبو بكر بأن قوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩] منسوخ بقوله: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) [النساء: ٢٠].
стр. 4456
• وأجيب:
قال ابن عبد البر: «وهذا خلاف السنة، الثابتة في أمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس أن يأخذ من زوجته ما أعطاها ويخلي سبيلها. ولا ينبغي لعالم أن يجعل شيئًا من القرآن منسوخًا إلا بتدافع يمنع من استعماله وتخصيصه ثم بين ابن عبد البر أن قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩] أي بالتراضي منهما، وحمل قوله : (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) أي: بغير رضاها، وعلى كره منها، وإضرار بها. وبهذا صح استعمال الآيتين» (١).
وقال ابن حجر في الفتح، عن قول بكر بن عبد الله المزني: «تعقب مع شذوذه، بقوله تعالى في النساء أيضًا: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً) [النساء: ٤].
وبقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً) [النساء: ١٢٨] وبالحديث -يعني حديث ابن عباس- في قصة امرأة ثابت بن قيس -وسيأتي تخريجه- وكأنه لم يثبت عنده أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الآخريين (٢).
القول الثاني:
لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلًا، وبهذا قال ابن سيرين وأبو قلابة.
• دليل من قال: لا يحل الخلع إلا في حالة الزنا:
(١٩٥٠ - ٤١٠) رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا معتمر بن سليمان، عن أبيه،
عن أبي قلابة وابن سيرين قالا: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها؛ لأن الله يقول: (إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) [النساء: ١٩].
[صحيح] (٣).
стр. 4457
• وأجيب:
قال ابن عبد البر: «وهذا عندي ليس بشيء؛ لأن الفاحشة قد تكون في البذاء والجفاء، ومنه قيل للبذي فاحش ومتفاحش وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها، وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس ذلك له. وما أعلم أحدًا قال له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير
أبي قلابة، والله أعلم» (١).
وقال الله : (إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: ٢٢٩] يعني: في حق العشرة، والقيام في حق الزوج، والقيام بحقها، فلا جناح عليهما فيما افتدت به.
القول الثالث:
وهو قول العلماء قاطبة -إلا من تقدم ذكره في القولين السابقين- أن الخلع جائز إذا خاف كل من الزوجين، أو أحدهما ألا يقيما حدود الله، قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩].
• واستدل هذا القول:
(١٩٥١ - ٤١١) بما رواه البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة،
عن ابن عباس ﵄، قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله ﷺ : فتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم. فرددت عليه، فأمره ففارقها (٢).
وهذا هو القول الراجح.
* * *
стр. 4458
المبحث الثالث في صحة خلع الحائض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
• أذن الشارع لثابت بن قيس بالخلع من غير استفصال، هل كانت حائضًا أو طاهرًا طهرًا جامعها فيه، فدل ذلك على صحة وقوعه مطلقًا.
[م-٧٧٨] الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الخلاف في مسألة: هل الخلع طلاق أم فسخ؟
فمن رأى أنه طلاق، صار الخلاف فيه كالخلاف في طلاق الحائض، وقد حررت مسألة طلاق الحائض في مسألة مستقلة.
ومن رأى أنه فسخ، وليس بطلاق لم يمانع من الخلع في زمن الحيض ولم يحرمه (١).
ولهذا يجب أن نحرر هل خلع الحائض طلاق أم فسخ؟
стр. 4459
فذهب الحنفية، والمالكية، والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد (١)، إلى أن الخلع طلاق يقع به طلقة بائنة.
وقيل: هو فسخ إلا إن نوى به الطلاق، فيقع طلاقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، والقول القديم للشافعي (٣).
وقيل: هو فسخ مطلقًا نوى به الطلاق أو لم ينو، وهو اختيار ابن تيمية (٤).
• دليل من قال: الخلع طلاق مطلقًا نوى أو لم ينو .
الدليل الأول:
(١٩٥٢ - ٤١٢) ما رواه البخاري من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة،
عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال
стр. 4460
رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة (١).
стр. 4461
وجه الاستدلال:
لو كان مجرد قبول العوض تحصل به الفرقة ويكون فسخًا، لما أمره بطلاقها بعد قبوله الحديقة.
• والجواب:
أن هذا الحديث يصلح ردًا لمن قال: إن الخلع فسخ ولو نوى به الطلاق ما دام قد دخله المال، أما من قال: إن الخلع فسخ بشرط ألا ينوي به الطلاق فلا يكون الحديث حجة عليه؛ لأن هذا قد ذكر به صريح الطلاق. قال الحافظ في الفتح: «قوله: (طلقها) يحتمل أن يراد طلقها على ذلك، فيكون طلاقًا صريحًا على عوض، وليس البحث فيه، إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع أو ما كان في حكمه من غير تعرض لطلاق بصراحة ولا كناية، هل يكون الخلع طلاقًا أو فسخًا؟ (١).
وأجاب الشوكاني على هذا الحديث في النيل: «وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود والنسائي ومالك في الموطأ بلفظ: (وخل سبيلها). وصاحب القصة أعرف بها.
وأيضًا ثبت بلفظ الأمر بتخلية السبيل من حديث الرُّبيِّع وأبي الزبير كما ذكره المصنف» (٢).
الدليل الثاني:
(١٩٥٣ - ٤١٣) روى الدارقطني من طريق محمد بن أبي السري، أخبرنا رواد، أخبرنا عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة،
عن ابن عباس أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة.
стр. 4462
[ضعيف جدًّا، والثابت عن ابن عباس خلافه كما سيأتي] (١).
الدليل الثالث:
(١٩٥٤ - ٤١٤) روى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن ربيع بنت معوذ بن عفراء جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان بن عفان فلم ينكره، وقال عبد الله بن عمر: عدتها عدة المطلقة (٢).
[صحيح، ولا حجة فيه؛ لاختلاف الصحابة].
الدليل الرابع:
(١٩٥٥ - ٤١٥) روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جمهان - مولى الأسلميين- عن أم بكرة الأسلمية، أنها اختلعت من زوجها عبدالله بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا، فهو ما سميت (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 4463
الدليل الخامس:
(١٩٥٦ - ٤١٦) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن ادريس، عن موسى بن مسلم، عن مجاهد، قال:
قال علي: إذا خلع الرجل أمر أمراته من عنقه، فهي واحدة، وإن اختارته.
[إسناده منقطع، مجاهد لم يسمع من علي] (١).
الدليل السادس:
(١٩٥٧ - ٤١٧) روى ابن ابي شيبة، قال: أخبرنا وكيع وابن عيينة، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة، عن إبراهيم،
عن عبد الله، قال: لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء.
стр. 4464
[ضعيف] (١).
الدليل السابع:
قال ابن حجر: حجة الجمهور أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقًا ولو كان فسخًا لما جاز على غير الصداق كالإقالة (٢).
ويقابل هذا النظر بنظر آخر. ولو كان الخلع طلاقًا لما كان على عوض، ولو كان الخلع طلاقًا لحق له أن يراجعها.
• أدلة القائلين بأن الخلع فسخ:
الدليل الأول:
من القرآن: قال الله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)، [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠] فهذه ثلاث تطليقات.
وقال بينهما: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) فذكر الله الخلع بين الطلاق، ولو كان الخلع طلاقًا، لكان الطلاق أربعًا. وهذا من أقوى الأدلة.
(١٩٥٨ - ٤١٨) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو يعني ابن دينار، عن طاوس،
عن ابن عباس قال: إنما فرقة وفسخ، وليس بطلاق، وذكر الله الطلاق في أول الآية، وفي آخرها، والخلع بين ذلك، فليس بطلاق: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ
стр. 4465
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩] (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الثاني:
(١٩٥٩ - ٤١٩) ما رواه عبدالرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة -أحسبه- عن ابن عباس، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، يعني الخلع (٣).
[صحيح].
الدليل الرابع:
(١٩٦٠ - ٤٢٠) ما رواه الترمذي من طريق الفضل بن موسى، عن سفيان، أنبأنا محمد بن عبدالرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار،
عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ ، أو أمرت أن تعتد بحيضة.
قال أبو عيسى: حديث الربيع، الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة (٤).
[صحيح، إلا أن المحفوظ أن الآمر لها عثمان بن عفان ﵁] (٥).
стр. 4466
وله شاهد من حديث ابن عباس.
(١٩٦١ - ٤٢١) رواه أبو داود من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة،
عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس، اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة (١).
[عمرو بن مسلم فيه لين، وقد اختلف على معمر في وصله وإرساله] (٢).
стр. 4467
وجه الاستدلال:
قال الخطابي في معالم السنن: «وهذا - يعني كون عدتها حيضة - أدل شيء، على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وذلك أن الله تعالى قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ١٢٨]. فلو كانت مطلقة لم يقتصر على قرء واحد» (١).
وقال ابن القيم في تهذيب السنن عن كون عدتها حيضة قال: «وهذا مقتضى القياس، فإنه استبراء لمجرد العلم ببراءة الرحم، فكفت فيه حيضة كالمسبية، والأمة المستبرأة، والحرة، والمهاجرة، والزانية إذا أرادت أن تنكح».اهـ
الدليل الرابع:
من النظر: لو كان الخلع طلاقًا لكان فيه الرجعة (٢).
ورد: بأنه لما أخذ من المطلقة عوضًا، وكان من ملك عوض شيء خرج من ملكه، لم تكن له رجعة فيما ملك عليه، فكذلك المختلعة.
الدليل الخامس:
قال ابن القيم في زاد المعاد: «الذي يدل على أنه ليس بطلاق، أن الله رتب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام:
أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه.
الثاني: أنه محسوب من الثلاث.
الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنص والإجماع، أنه لارجعة في الخلع، وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة.
ثم قال: وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق دل على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النص والقياس، وأقوال الصحابة، ثم من نظر إلى حقائق العقود
стр. 4468
ومقاصدها دون ألفاظها يعد الخلع فسخًا بأي لفظ كان، حتى بلفظ الطلاق، ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود، جعله بلفظ الطلاق طلاقًا، وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها، لا صورها وألفاظها، وبالله التوفيق، ومما يدل على هذا أن النبي ﷺ أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة، وهذا صريح في أنه فسخ، ولو وقع بلفظ الطلاق (١).
ولا يظهر لي أن العدة لما كانت حيضة دل ذلك على أنه فسخ، بل لما كانت المرأة في عدتها بائنة لم تحتج أن تعتد بثلاثة قروء، فيكفى في ذلك حيضة واحدة دليلًا على براءة رحمها. والله أعلم.
• دليل من قال الخلع فسخ إلا إن نوى به الطلاق:
الدليل الأول: الإجماع .
نقل ابن حجر في الفتح، عن الطحاوي الإجماع على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق، وأن محل الخلاف فيما إذا لم يصرح بالطلاق ولم ينوه (٢).
وذكر مثله ابن قدامة (٣).
الدليل الثاني:
(١٩٦٢ - ٤٢٢) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على المنبر قال سمعت رسول الله يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها
стр. 4469
أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١).
الدليل الثالث: من النظر:
قال ابن قدامة: إذا نوى بالخلع الطلاق، فقد أتى بكناية الطلاق، فكان طلاقًا (٢).
• الراجح:
أرى أن الخلع لا يكون طلاقًا بأي لفظ وقع الخلع، والله أعلم.
* * *
стр. 4470
الباب السابع في أحكام المستحاضة
تمهيد
المبحث الأول في تعريف الاستحاضة
تعريف الاستحاضة اصطلاحًا (١):
عرفها العيني من الحنفية، فقال: «اسم لما نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره» (٢).
وهذا التعريف مبني على التسليم في أن الحيض له أقل وأكثر .. وهي مسألة فيها نزاع، سبق وأن حررته في مسائل الكتاب.
وقال في الاختيار لتعليل المختار: «الاستحاضة: الدم الخارج من الفرج دون الرحم» (٣).
стр. 4471
وهذا تعريف: لا أراه وافيًا بالمقصود، ولا مطابقًا لما جاء عن الأطباء فإن الاستحاضة دم عرق، وقد يكون من الفرج، وقد يكون من أدنى الرحم، وقد يكون أعلاه (١)،
المهم أن دم الاستحاضة دم مرض وعلة، فمن أين كان مصدره، فهو غير دم الجبلة والطبيعة.
стр. 4472
تعريف المالكية:
عرفها ابن رشد في المقدمات: «ما زاد على دم الحيض والنفاس. وهو دم علة وفساد» (١).
تعريف الشافعية:
قال في مغني المحتاج: «الاستحاضة دم علة يسيل من عرق من أدنى الرحم يقال له العاذل، وسواء خرج إثر حيض أو لا» (٢).
سبق أن بينت أن دم الاستحاضة أسبابه كثيرة، فقد يكون المرض من الرحم، وقد يكون المرض من الفرج، وقد يكون من أدنى الرحم أو من أقصاه، فلا يصح التحديد بأنه من أدنى الرحم.
تعريف الحنابلة:
قال في كشاف القناع «سيلان الدم في غير أوقاته، من مرض وفساد من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل» (٣).
العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي:
قول ابن رشد فيما تقدم عن دم الاستحاضة: ما زاد على دم الحيض والنفاس فيه نظر؛ لأن العادة قد تزيد كما بيناه في باب الطوارئ على الحيض. لكن المعنى اللغوي واضح أن الاستحاضة ليست مجرد زيادة الدم على العادة. فقد جاء في اللسان: «المستحاضة التي لا يرقأ دم حيضها» (٤).
وقوله أيضًا: أن يستمر بالمرأة خروج الدم. فالاستحاضة في الحقيقة هي استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبدًا، أو يكون انقطاعه عنها مدة يسيرة.
стр. 4473
وهذا المعنى اللغوي هو الذي تؤيده الأحاديث الشرعية ومنها حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش.
(١٩٦٣ - ٤٢٣) فقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت:
يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفادع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي. وأخرجه مسلم (١).
الشاهد قولها: إني أستحاض فلا أطهر.
وقول أهل اللسان والفقه يخرج من عرق، جاء مرفوعًا، من حديث عائشة المتقدم، ومن حديثها في قصة استحاضة أم حبيبة وهو في الصحيحين رواه البخاري، ومسلم (٢).
(١٩٦٤ - ٤٢٤) وأما تسمية أهل اللسان والفقه للعرق بالعاذل، فقد روى أبو عبيد في غريبه (٣)، أخبرنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار،
عن ابن عباس: أنه سئل عن المستحاضة، فقال: ذلك العاذل يغذو.
[حسن] (٤).
قال أبو عبيد: العاذل: اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة (٥).
وقوله: يغذو. أي يسيل. ويقال له: عرق عاند.
стр. 4474
(١٩٦٥ - ٤٢٥) فقد روى النسائي، قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله ﷺ ، قيل لها: إنه عرق عاند، فأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا واحدًا (١).
[رجاله ثقات إلا أنه معلول بالإرسال، وسيأتي تخريجه في أحكام الاستحاضة].
(١٩٦٦ - ٤٢٦) وأخرج أبو عبيد، قال: أخبرنا أبو النضر، عن شعبة، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: إنه عرق عاند، أو ركضة من الشيطان (٢).
قال: وقوله: «عاند» قال أبو عبيد: العرق العاند الذي عَنَد وبغى كالإنسان يعاند عن القصد، فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته، شبه به لكثرة ما يخرج منه على خلاف عادته.
وعَنَد العرق وعَنُد: سال فلم يكد يرقأ. وأعند أنفه كثر سيلان الدم منه. ودم عاند يسيل جانبًا. اهـ بتصرف (٣).
وكونه دم علة وفساد، فمعناه: أنه ليس كدم الحيض، فدم الحيض دم جبلة وطبيعة يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة بينما دم الاستحاضة دم عارض لمرض فكون العرق ينفجر وينزف منه الدم ذلك دليل على علة في المرأة.
تعريف الاستحاضة في الطب:
جاء في توصيات الندوة الثالثة للفقه الطبي المنعقدة في الكويت: أن كل دم
стр. 4475
مرضي غير سوي استحاضة.
وأسبابها المرضية شتى (١).
هذا ما تيسر في شرح تعريف الاستحاضة.
* * *
стр. 4476
المبحث الثاني في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الدم الخارج من الفرج ثلاثة: دم حيض، ودم نفاس، ودم فساد، ويقال له دم استحاضة.
• كل دم لم يتقدمه طهر صحيح، أو زاد على أكثر الحيض فهو استحاضة.
• كل دم تراه المرأة فهو حيض إذا تقدمه طهر صحيح حتى نتيقن أنه استحاضة؛ لأن الاستحاضة مرض والأصل الصحة.
• ما جاوز أكثر الحيض فهو استحاضة؛ لأن للأكثر حكم الكل.
• كل ما يقطع النساء أن مثلها لا يمكن أن تحيض فهو دم فساد واستحاضة.
• كل امرأة لا يمكن أن تحمل إما لصغرها، وإما لهرمها فما تراه من الدم لا يمكن أن يكون حيضًا.
• كل دم لا يكون حيضًا، ولا نفاسًا فهو دم استحاضة وفساد.
• ما تراه العجوز من الدم بعد اليأس منه لا يكون حيضًا لتعذر الحمل، وهو دم فساد على الصحيح.
• كل دم لا يكون عن نفاس، ولا عن علة فهو دم حيض بشرط أن يسبقه طهر صحيح.
стр. 4477
[م-٧٧٩] لا شك أن هناك فرقًا بين دم الحيض ودم الاستحاضة؛ لأن الشارع فرق بينهما في الأحكام، ولو كانا متماثلين لما فرق بينهما وسوف أسوق في هذا الفصل الفرق بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة سواء من خلال الأحاديث المرفوعة إن أمكن، أو من كلام أهل الفقه.
فالشرع صرح بأن الاستحاضة دم عرق .. إشارة إلى أن ذلك كالنزيف من هذا العرق الذي انفجر.
أما الحيض فهو دم جبلة وطبيعة، والحيض في نظر الأطباء وأهل الاختصاص ينزل من الغشاء المبطن لجدار الرحم في حالة عدم حدوث إخصاب للبويضة فبعد خروج البويضة من المبيض، يتأهب الغشاء المبطن لجدار الرحم، ويستعد لاستقبال وغرس البويضة الملقحة، فإذا لم يحدث جماع يؤدي إلى إخصاب البويضة، ينهدم هذا الغشاء، وينزل على شكل دم، ولهذا أطلق على دم الحيض، بأنه دموع الغشاء المبطن لجدار الرحم حزنًا لما أصابه من خيبة أمل (١).
• ومن الفروق المحسوسة بين دم الحيض ودم الاستحاضة:
الأول: اللون.
فدم الحيض دم يميل إلى السواد، ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة.
(١٩٦٧ - ٤٢٧) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا يزيد بن زريع، عن خالد، عن عكرمة
عن عائشة ﵂ قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي (٢).
стр. 4478
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: وفي حديث عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته (١).
(١٩٦٨ - ٤٢٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد -يعني الحذاء- عن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني، فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل ولتصل (٢).
[صحيح] (٣).
قال ابن الأثير: «دم بحراني: شديد الحمرة، كأنه نسب إلى البحر، وهو اسم قعر الرحم».
وفي تاج العروس: «دم بحراني: أي أسود، نسب إلى بحر الرحم، وهو عمقه. وقال قبل: البحر: عمق الرحم وقعرها، ومنه قيل للدم الخالص الحمرة بحراني» (٤).
وقال ابن رجب: البحراني: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد (٥).
(١٩٦٩ - ٤٢٧) وروى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد -يعني: ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان
стр. 4479
دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (١).
[الحديث إسناده منقطع، ومتنه منكر] (٢).
(١٩٧٠ - ٤٣٠) وروى الدارقطني، من طريق إبراهيم بن مهدي المصيصي، عن حسان ابن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء، عن مكحول،
عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: أقل ما يكون المحيض عن الجارية البكر
стр. 4484
ثلاث، وأكثر ما يكون من المحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة، تقضي ما زاد على أيام أقرائها، ودم الحيض لا يكون إلا دمًا أسود عبيطًا تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة رقيق تعلوه صفرة، فإن أكثر عليها في الصلاة فلتحتشي كرسفًا ... الحديث (١).
[وفيه العلاء بن كثير وهو متروك] (٢).
وقال أبو داود: وقال مكحول: «إن النساء لايخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك، وصارت صفرة رقيقة، فإنها استحاضة، فلتغتسل ولتصل» (٣).
وساقه البيهقي مسندًا إلى أبي داود، ولم أقف على سنده إلى مكحول (٤).
(١٩٧١ - ٤٣١) وأخرج الدارمي، قال: حدثنا حجاج بن نصير، ثنا قرة، عن الضحاك أن امرأة سألته فقالت:
إني امرأة أستحاض؟ فقال: إذا رأيت دمًا عبيطًا فأمسكي أيام أقرائك (٥).
[ضعيف من أجل حجاج].
الفارق الثاني: أن دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق.
قال الشافعي في الأم: «إذا كان الدم ينفصل، فيكون في أيام أحمر قانئًا ثخينًا محتدمًا، وأيامٍ رقيقًا إلى الصفرة، أو رقيقًا إلى القلة، فأيام الدم الأحمر القاني المحتدم الثخين أيام الحيض، وأيام الدم الرقيق أيام استحاضة (٦).
стр. 4485
قال الماوردي في الحاوي: «المحتدم هو الحار المحترق، مأخوذ من قولهم: يوم محتدم، إذا كان شديد الحر، ساكن الريح» (١).
قلت: جاء في تاج العروس: «احتدم فلان عليه غيظًا إذا تحرق، وكذا احتدم صدره: أي تغيظ وتحرق. وفي التهذيب: كل شيء التهب فقد احتدم. واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود» (٢). وهذا موضع الشاهد.
فإذًا المقصود بالدم المحتدم إذا كان حارًا، وقد اشتدت حمرته حتى مال إلى السواد.
وقال الخرقي في مختصره كما في المغني: «فمن طبق بها الدم، فكانت ممن تميز، فتعلم إقباله، بأنه أسود ثخين منتن، وإدباره رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكل صلاة وصلت» (٣).
ولا أعلم دليلًا على اعتبار كونه ثخينًا إلا أن يكون الاستدلال من حيث الواقع، أما شيء مرفوع فلا أعلم.
نعم جاء في كتب الأطباء ما يبين سبب ثخونة دم الحيض، وذلك أن دم الحيض ليس مجرد دم فقط، بل إن الدم ينزل ومعه قطع من الغشاء المبطن للرحم مفتتة (٤).
الفارق الثالث: الرائحة.
فدم الحيض منتن، كريه الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له.
وممن ذكر الرائحة فرقًا الشافعي كما في مختصر المزني (٥)، والخرقي كما سقنا كلامه